تهديد المسجد الأقصى لا يحتمل الخطأ
منير شفيق
صحيفة
الحياة اللندنية 11/8/2004
ما معنى أن
يعود وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي (تساهي هانغبي) إلى التحذير من
خطر شن متطرفين يهود لاعتداءات على المسجد الأقصى، وذلك بهدف منع
انسحاب إسرائيلي من قطاع غزة؟ وذكر أن الشين بيت كشفت في بدايات
الثمانينات شبكة سرية خططت لاعتداء كبير ضد المسجد الأقصى لمنع
الانسحاب من سيناء وإزالة مستوطنة يميت.
وأشار الوزير
المذكور في تأكيد تحذيره إلى أن ثمة «شريحة من السكان تشعر بالاحباط
أكثر فأكثر في الأشهر الأخيرة مع تقدم العملية السياسية التي تبدو في
نظرهم سيناريو رهيباً». وكان الوزير نفسه قد حذر في شهر تموز (يوليو)
الماضي من أن خطر اعتداء على المسجد الأقصى «لم يكن يوماً ممكناً كما
هو عليه اليوم» («الحياة» في 3/8/2004).
هذا يعني،
بلا أوهام، أن ثمة خطراً حقيقياً ينتظر المسجد الأقصى. ومن ثم لا
ينبغي لأحد من العرب والمسلمين، أو لمسؤول سياسي رسمي أو حزبي أو
لعالم أو رجل دين مسيحي أو للتكتلات الشعبية والاتحادات والنقابات
والجماهير وللمنظمات غير الحكومية، ألا يأخذوا هذا الخطر مأخذ الجد.
فيسارع الجميع، بلا توان وغفلة، إلى التحذير والتنديد وتحميل الحكومة
الإسرائيلية وسائر الأحزاب الإسرائيلية والكنيست وأجهزة الإعلام كما
الإدارة الأميركية خصوصاً، والحكومات الغربية عموماً، مسؤولية ما
يمكن أن يحدث جراء ارتكاب مثل هذا العمل الاجرامي الذي يجعل العالم
قبله غير العالم بعده. ولا ينبغي أن تفلت هيئة الأمم المتحدة، وعلى
التحديد، الأمانة العامة ومجلس الأمن، من تحمل مسؤولية التقاعس في
حال وقوع المحظور.
هذا،
ومسؤولية التقاعس هذه في حال وقوع جريمة الاعتداء على المسجد الأقصى
هي في رقبة المسؤولين العرب والمسلمين ومنظمة المؤتمر الإسلامي
والجامعة العربية قبل غيرهم. ويا للمهزلة الجارحة، فلسطينياً، حين
نشهد تمرداً والمسجد الأقصى في أشد الخطر. وبكلمة، كيف يحق لأحد أن
يستهتر بما يعنيه التحذير الذي صدر عن وزير الأمن الداخلي
الإسرائيلي؟ وكيف يجوز أن يقال ما دام الموضوع قد كشف، فخطره رفع، أو
يذهب البعض إلى تفسير هذا التحذير المتكرر بأنه للتهويل وللتغطية على
أزمة شارون، أو للظهور بمظهر الحرص الرسمي على عدم وقوع اعتداء على
المسجد الأقصى. لكن مهما كان التأويل لمقصد وزير الأمن الداخلي
الإسرائيلي، ومن ورائه أرييل شارون بالتأكيد، فإن موضوع المسجد
الأقصى لا يحتمل الخطأ في تقدير الموقف. فلو كان احتمال ذلك الخطر
واحداً في المئة، لوجب أن يُعامل باعتباره مئة في المئة.
على أن أسوأ
ما يمكن أن تقع فيه معالجة هذا الموضوع هي النظر إلى تحرك مجموعة
متطرفة باتجاه الاعتداء على المسجد الأقصى، كما لو كانت معزولة
تماماً عن استراتيجية كامل المشروع الصهيوني. فايهود باراك في
مفاوضات كامب ديفيد، كشف أوراق القيادات الرسمية للدولة العبرية حين
رفض الاعتراف بحق الفلسطينيين في المسجد الأقصى أرضاً وبناء ورعاية
وحماية، فإن أقصى ما «تنازل» عنه كان اعطاء حق الرعاية للفلسطينيين
كما لو كانوا مستأجرين للبناء، فيما رقبته وما تحته وما حوله ملكية
إسرائيلية. وبهذا لا يمكن اعتبار مجموعة إسرائيلية متطرفة خارج
الإطار العام حين تقوم بالاعتداء، أو تفكر في ذلك وتخطط له. فوزير
الأمن لم يشر إلى أية اجراءات اتخذت بحقها. وهل اعتبرت إرهابية؟ وهل
تعرضت للتفكيك؟ أم هي شبه علنية وتعبر عن أفكارها علناً ونشاطها
يعرفه القاصي والداني داخل الكيان الإسرائيلي.
قد يتبادر
إلى ذهن البعض أن ثمة توزيعاً للأدوار يخطط له «معلم» معين. لكن
الحقيقة هي بعيدة من مثل هذا التبسيط الذي ينضح من «نظرية المؤامرة».
فالكيان الصهيوني مثله مثل كل الكيانات يعج بالتناقضات والصراعات
والاختلافات. ومن ثم لا يمكن اعتبار ذلك توزيعاً للأدوار من قبل
«مايسترو» (قائد فرقة موسيقية) محدد. لكن توزيع الأدوار يتحقق في
الواقع نتاج التناقضات والصراعات وتعدد وجهات النظر والاستراتيجيات.
أي يتحقق موضوعياً، وتلقائياً، بلا حاجة إلى خطة مسبقة، أو الى تحكم
فيه يعود إلى توافر الولاء والاتفاق. كيف؟
يكون هنالك
اطار عام يضم الجميع وإلى جانبه اتفاق عام على الاستراتيجية بخطوطها
العريضة، ومن ثم تقوم التناقضات والصراعات والاختلافات ضمن ذينك
الاطار والاتفاق: تطرف وأشد تطرفاً، واعتدال وأكثر اعتدالاً، وما بين
بين. فإذا كان الاطار واستراتيجيته العريضة وأهدافه العامة متطرفاً
في تكوينه كحال الكيان الهصيوني، فإن التطرف هو سمة الجميع. وتصبح
مصطلحات الاعتدال والأكثر اعتدالاً مستويات من ذلك التطرف. فالتحليل
هنا يحتاج الى أن يكون مركباً بعيداً من تبسيطية «نظرية المؤامرة» أو
«المعلم» أو «المايسترو».
ثمة أمثلة
كثيرة في تاريخ المشروع الصهيوني عن كيفية حدوث توزيع للأدوار من غير
توزيع مسبق ومخطط له فمنها مثلاً استولت مجموعة متطرفة على جزء من
مسجد ابراهيم الخليل في مدينة الخليل وثارت أزمة، وأبدت الحكومة
الاسرائيلية معارضتها (الناشئة إما بسبب التوقيت وإما بسبب التخوف من
ردود الفعل). لكن في النتيجة تكرس الأمر الواقع رسمياً من خلال
الحكومة والجيش الإسرائيليين وتم اقتسام المسجد بين يهود ومسلمين.
ولقد حدث مثل هذا مع عشرات المستوطنات التي بادرت إلى انشائها
مجموعات متطرفة ومن دون إذن الحكومة. ثم تم تكريس الأمر الواقع
رسمياً. وحدث مثل هذا مع عدد من المجازر ونتائجها.
ولهذا لا
يمكن اعتبار المجموعات المتطرفة التي تعد للاعتداء على المسجد الأقصى
خارج السياق الإسرائيلي الرسمي والحزبي العام، أو شاذة عن تقليد
إسرائيلي تاريخي، أو عن إعادة التوفيق بين أمر واقع تفرضه مجموعة
متطرفة في حين تكون السياسة الرسمية متحفظة أو متخوفة من جهة، وبين
تحذيرات الحكومة ومحاولة غسل يديها من جهة أخرى. الأمر الذي يتطلب
منذ البدء تحميل الحكومة الإسرائيلية والكيان كله مسؤولية، مباشرة
وغير مباشرة، بالنسبة إلى ما تخطط له وقد تفعله تلك الجماعات، كما
تحميل الإدارة الأميركية بالقدر نفسه مسؤولية مماثلة. فالتحذير
العربي والإسلامي يجب أن يكون قوياً شاملاً ولا لبس فيه.
٭ كاتب فلسطيني - الأردن
|