الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

الصراع على مستقبل القدس

 

ماجد كيالي*

صحيفة الوطن السعودية 14/4/2005

 

عادت قضية الصراع على مستقبل القدس، بين الفلسطينيين والإسرائيليين لتتصدر واجهة الأحداث، إلى جانب قضية الاستيطان وجدار العزل العنصري، خصوصاً أن هذه القضية تختزل في معانيها مجمل تشابكات الصراع بين هذين الطرفين: الرمزية والسياسية والأيديولوجية والدينية والحدودية والديمغرافية.

 

معلوم أن الانتفاضة الفلسطينية اندلعت في أواخر سبتمبر 2000، بعد قيام حكومة باراك العمالية (1999 - 2001) بالسماح لأرييل شارون (زعيم حزب الليكود) باقتحام المسجد الأقصى، بحماية ثلاثة آلاف من الجنود الإسرائيليين (28/9/2000). وكانت محاولة حكومة نتنياهو (1996 - 1999) فتح نفق تحت الحرم القدسي الشريف (سبتمبر 1996) أدت إلى اندلاع مصادمات دامية بين الفلسطينيين والإسرائيليين. أيضاً فإن مدينة القدس كانت احتلت موقعاً ريادياً في فعاليات الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987 - 1993).

 

أما بالنسبة للتوترات الحالية بشأن مدينة القدس فإنه لا يمكن تحميل مسؤوليتها وتبعاتها إلى مجرد جماعات يهودية أصولية متطرفة، تخطط لاقتحام المسجد الأقصى الشريف، كما بدا من محاولتها يوم 10/4، برغم الخطر الذي تمثله مثل هذه الجماعات، فحكومة شارون هي التي تتحمل المسؤولية، المباشرة وغير المباشرة، عن إشاعة الأجواء المحمومة بشأن مستقبل هذه المدينة.  ذلك أن كل الوقائع تؤكد أن هذه الحكومة، التي يسيطر عليها اليمين، هي التي تشرّع وتنفّذ، بخطى حثيثة، وبشكل مبرمج، مخططات الاستيلاء على القدس بهدف تهويدها وفرض الأمر الواقع فيها.

 

فمنذ مجيئها (مطلع عام 2001) دأبت حكومة شارون على اعتبار القدس الموحدة عاصمة لدولة "إسرائيل"، ورفضت أية مقترحات تقاسم لها، كما عملت بكد على تعزيز الاستيطان اليهودي في الأحياء العربية، من خلال تشجيع الاستيلاء على بيوت الفلسطينيين، بوسائل التحايل أو عبر استخدام القوة. ثم إن هذه الحكومة هي التي وضعت المخططات الهيكلية لتوسيع غلاف القدس ليشمل أراضي قرى وبلدات عربية، مدعماً بالجدار الفاصل، وسعت لتعزيز الاستيطان في المستوطنات المجاورة، وهي التي تعتزم بناء ألوف الوحدات السكنية للربط بين مستعمرة معاليه أدوميم (في الشرق) ومدينة القدس، ما يقسّم الضفة الغربية إلى قسمين، شمالي وجنوبي.

 

فوق كل ما تقدم فإن حكومة شارون، ومنذ أكثر من ثلاثة أعوام، حظرت على الفلسطينيين دخول مدينتهم المقدسة، إلاّ بموجب تصريح من سلطات الاحتلال، والأنكى أنها تتّجه، أيضاً، نحو عدم السماح للمقدسيين بالتنقل إلى الضفة الغربية، إلاّ بموجب تصاريح، في محاولة لعزل القدس والمقدسيين نهائياً.

وكانت حكومة شارون، أيضاً، حظرت على السلطة الفلسطينية القيام بأي نشاط رسمي في القدس الشرقية، ومن ضمن ذلك فقد قامت بإغلاق "بيت الشرق"، الذي كان بمثابة مقر رسمي للسلطة، طالما التقى فيه مسؤولون فلسطينيون بمسؤولين أجانب وبسفراء الدول الأجنبية.

 

هكذا يبدو الأمر، وبكل جلاء، أكبر وأخطر من مجرد مجموعة من المهووسين الصهاينة، وربما أن تحركات هذه المجموعة ساهمت بالتغطية على المخططات الحقيقية التي ذكرناها، والتي هدفها تهويد القدس، وإضعاف العنصر العربي فيها.

واضح أن حكومة شارون حاولت توظيف التوتر الذي خلقته هذه الجماعات، التي اعتزمت اقتحام المسجد الأقصى مؤخراً، للظهور بمظهر متوازن، بحؤولها دون تمكينهم من دخوله، ومن خلال الإيحاء بأنها ذاتها مستهدفة من هذه التحركات، التي تتوخّى قطع الطريق على سعي حكومة شارون تنفيذ خطة الانسحاب الأحادي من قطاع غزة، كما بالنسبة لبعث رسالة إلى الإدارة الأمريكية، مفادها أنه لا ينبغي الضغط على شارون (لدى لقائه الرئيس بوش) بشأن مستقبل المستوطنات في الضفة، أو بشأن مستقبل القدس.

جدير بالذكر أن الصراع على مستقبل القدس احتل مكانة مميزة في حركة النضال الفلسطيني، وفي مختلف مجالات الصراع العربي - الصهيوني، منذ بداية المشروع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، كما احتلت هذه المدينة المقدسة حيزاً مميزاً في مختلف مشاريع تسوية هذا الصراع.

 

ويمكن القول إن أوضح تصور تقدم به المجتمع الدولي تجاه حل وضع القدس هو ما تضمنه القسم الثالث من القرار (181) بشأن تقسيم فلسطين، والصادر عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة في دورتها المنعقدة في 29/11/1947، إذ نص هذا القرار على اعتبار القدس منطقة دولية ذات وضع استثنائي، من حيث إدارتها وموظفيها واستقلالها المحلي، ونظامها التشريعي والقضائي، وارتباطها بالاتحاد الاقتصادي الفلسطيني وحرية العبور والزيارة وعلاقتها بالدولتين-العربية واليهودية- واللغات الرسمية فيها، والمواطنة، ووضع الأماكن المقدسة فيها. وكانت الجمعية العمومية للأمم المتحدة قررت أن تتولى هيئة الأمم إدارة مدينة القدس، وأن تعين مجلس وصاية ليقوم بأعمال السلطة الإدارية نيابة عن الأمم المتحدة. وتضمن القرار تجريد مدينة القدس من السلاح، وباعتبارها محايدة، مع ضمان حرية العبور إليها بالنسبة لمواطني الدولتين/العربية واليهودية.

 

وكما هو معروف، فقد نقضت الحركة الصهيونية القرار 181 الخاص بالتقسيم، ولم تلتزم بحدود الدولة اليهودية كما نص عليها، ووضعت يدها، بوسائل القوة والإرهاب، على جزء كبير من الأراضي الفلسطينية المخصصة للدولة العربية. وبالنسبة للقدس، فقد استولت القوات الصهيونية على الجزء الغربي من المدينة (وهو القسم الأكبر)، وفرضت بالقوة والأمر الواقع، تقسيم المدينة إلى قسمين: يهودي غربي، وعربي شرقي.

بعد قيام "إسرائيل" انحصر الاهتمام الدولي، بالنسبة للقدس، في مجال المطالبة بعدم إجراء تغييرات داخل المدينة، وأيضاً، في مجال المطالبة بحق الانتقال إلى الأماكن المقدسة.

 

أما بعد حرب يونيو فقد تمكنت "إسرائيل" من إعادة احتلال كامل القدس، وعملت على تعزيز الاستيطان داخل أحيائها العربية، كما عمدت إلى إحاطتها بكتل كبيرة من المستوطنات من الشمال والجنوب والشرق، وضيقت على حياة الفلسطينيين، لإجبارهم على الهجرة منها، وكل ذلك بهدف تهويدها نهائياً.

وعندما بدأت عملية التسوية في مؤتمر مدريد أواخر عام 1991، رفضت "إسرائيل" فتح ملف القدس وأصرت على تأجيل البحث فيها إلى جانب قضايا أساسية أخرى (اللاجئين - الحدود - المستوطنات - الترتيبات الأمنية)؛ وهو الأمر الذي لم يحصل بسبب تملص "إسرائيل" من استحقاقات التسوية الانتقالية، وأيضاً بسبب رفضها أي مساس بوحدة القدس تحت السيادة الإسرائيلية.

 

ولكن الاختراق الوحيد بشأن مستقبل القدس كان تمثل في المقترحات التي قدمها الرئيس الأمريكي السابق بل كلينتون في مفاوضات كامب ديفيد (يوليو 2000) التي جرت بين حكومة باراك والقيادة الفلسطينية، ففي حينه تقدم الرئيس كلينتون بمقترح تقسيم القدس، يقوم على الأمر الواقع الناشئ، حيث تخضع الأحياء العربية للسيادة الفلسطينية، والأحياء اليهودية للسيادة الإسرائيلية، وينطبق ذلك حتى على البلدة القديمة (القدس الشرقية).

 

لكن رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود باراك (آنذاك) تهرب من هذه الصيغة، وهو زعيم حزب العمل العلماني، باقتراحه بدعة تقاسم السيطرة على الحرم القدسي الشريف، بحيث تكون السيطرة فوق الأرض للفلسطينيين، وتحتها لإسرائيل! كما تمسك بالسيطرة على طول الحائط الغربي للقدس (المعروف في جزء منه فقط عند اليهود باسم حائط المبكى).

وهكذا باتت صيغة كلينتون للتسوية، التي بلورها فيما بعد في وثيقة رسمية باسمه (أواخر 2000)، قبل خروجه من البيت الأبيض، هي الصيغة الرائجة لدى الوسط واليسار الإسرائيلي.

 

هكذا عملت حكومة شارون على نقض هذه المبادئ، مثلما عملت على تقويض كل أسس التسوية، التي تم العمل عليها خلال السنوات العشر السابقة، بإصرارها على تعزيز الاستيطان وبناء جدار الفصل العنصري وسعيها الدؤوب لتهويد القدس؛ والمشكلة أن كل ذلك يجري تحت دعوى الانسحاب الأحادي من قطاع غزة.

 

*كاتب فلسطيني متخصص في الشؤون الإسرائيلية