تقرير
لجنة "شحانوفر" …
تشريع
سياسي لإرهاب الدولة العبرية
25
فبراير 1998م
خروجاً
عن المأزق الخانق الذي تورط فيه
بنيامين نتنياهو جراء تداعيات فل
محاولة الموساد الفاشلة لاغتيال
السيد خالد مشعل رئيس المكتب
السياسي، لحركة (حماس) في العاصمة
الأردنية عمان في 25 أيلول/ سبتمبر
العام الماضي. عمد نتنياهو إلى تشكيل
لجنة تابعة للحكومة تم تسميتها لجنة
"التفسير والتوضيح" بشأن
محاولة الموساد الفاشلة، وضمت في
عضويتها ثلاثة من أبرز قادة الجيش
والاستخبارات الإسرائيلية هم. يوسف
تشحنوفر "رئيساً"، ورافي بيلد
"جنرال احتياط"، ودان
طولتوفسكي "عميد احتياط، أعضاء .
وقد
أثارت المعارضة الإسرائيلية
العمالية آنذاك ضجة احتجاجاً على
تشكيل هذه اللجنة في 9/10/1997 معتبرة
أنها لجنة بدن صلاحيات، وتهدف إلى
تبرئة ساحة نتنياهو من أي قدر من
المسؤولية تجاه العملية الفاشلة،
باعتباره المسؤول الأعلى والمباشر
عن سائر عمليات الموساد. وعلى هذا
الأساس، تم تشكيل لجنة أخرى من ستة
أعضاء من لجنة الخارجية والأمن في
الكنيست لتقديم رأيها وحكمها في
العملية الفاشلة ضمت أعضاء من حزبي
الليكود والعمل وميرتس .
وقد
أصدرت لجنة تشحنوفر نتائج عملها في
تقرير مطول نشرت أهم نتائجه في تقرير
مختصر وزع على الإعلام في 15/2/1998 أي
بعد حوالي مرور خمسة أشهر على
مباشرتها العمل، والذي استغرق 47
جلسة مغلقة استمعت خلالها اللجنة
إلى 35 شاهداً كان من بينهم نتنياهو
ورئيس الموساد إلى الضابط والعناصر
المسؤولين عن العملية تخطيطاً
وتنفيذاً إلى جانب رؤساء وزراء
ورؤساء موساد وضباط أمن واستخبارات
إسرائيليين سابقين. فيما أبقت
اللجنة التقرير المطول عن عملها
سرياً للغاية حفاظاً على أمن وسلامة
الكيان الإسرائيلي على حد تعبير
رئيس اللجنة تشحنوفر .
وقد
برأت اللجنة بالكامل ساحة نتنياهو
بالفعل، عندما اعتبرت أنه عالج
العملية بطريقة معقولة ودرس وثمّن
خطتها، واهتم بتفاصيلها كما ينبغي
أن يفعل رئيس الوزراء، ولم تجد
اللجنة أي نقص أو عيب بتصرف رئيس
الوزراء إزاء هذه العملية. ولم تكتف
بتبييض صفحة نتنياهو من وزر فشل
العملية، ولكنها رفضت كذلك التطرق
إلى مسؤوليته الإدارية والسياسية
إزاء تبعات الفشل وانعكاساتها،
واعتبرت ذلك خارج نطاق صلاحيتها
ومهمتها .
لكن
اللجنة تطرقت في المقابل إلى أخطاء
جميع الأطراف الأخرى. وهي هنا رئيس
الموساد داني ياتوم، ورئيس شعبة
المقاتلين، ورئيس الوحدة المخطط
والمنفذة للعملية والعناصر المنفذة
كذلك .
صحيح
أن اللجنة اعترفت في تقريرها
المختصر لجميع هؤلاء بالفضل وخصتهم
بقدر كبير من المدح والثناء
باعتبارهم خدموا وقدموا تضحيات
للدولة العبرية، لكنها اتهمتهم
جميعاً بارتكاب العديد من الأخطاء
التي تسببت في فشل العملية، حيث
اعتبرت اللجنة داني ياتوم قد أخطأ في
معالجته لعملية التنفيذ والمصادقة
على الخطة، حيث وافق على مخطط "لعملية
هادئة" بدون احتوائه على وسائل
وإجراءات مناسبة لحادثة يمكن أن
تتسبب بتحويل هذه العملية من هادئة
إلى مزعجة وصاخبة – على حد تعبير
التقرير.
وفي
هذا الصدد أصرّ رافي بيلد عضو اللجنة
على التوصية بإقالة ياتوم من منصبه
كرئيس للموساد، رغم معارضة عضوي
اللجنة الآخرين لتوصية من هذا
القبيل. وحمل تقرير اللجنة بشدة على
رئيس شعبة المقاتلين في جهاز
الموساد وهو شخصية سرية، باعتباره
وافق على مخطط ملئ بالعيوب والنقائض
وأنه كان عليه تحذير المسؤولين عنه
وإطلاعهم على الضعف الذي يحيط
بالخطة، وقد استقال هذا المسؤول من
منصبه قبل صدور تقرير اللجنة.
لكن
اللوم والمسؤولية الأكبر تجاه فشل
العملية وجهها تقرير اللجنة للضابط
المسؤول مباشرة عن الخلية المنفذة
تخطيطاً وتنفيذاً، باعتباره
مسؤولاً عن أخطاء التخطيط والتنفيذ
دفعة واحدة، واعتبرت اللجنة أن (ط)
وهو الرمز الذي استخدمه التقرير
للدلالة على المسؤول عن الخلية
المنفذة يتحمل المسؤولية الكبرى عن
الفشل الذي انتهت إليه العملية جراء
عيوب ونقائض المخطط الذي لم يأخذ
إطلاقاً باعتباره أن "رمشة" قد
تقود العملية الهادئة إلى أن تصبح
عملية صاخبة جداً، وإلى الأخطاء
والإهمال الكبيرين أثناء التنفيذ .
وهذا
التصريح يحمل بدون شك، تهديداً
صهيونياً صارخاً بإمكانية تكرار
محاولات وعمليات من هذا القبيل في كل
مكان في العالم بما في ذلك الأردن،
ويبدو أن الاستثناء الوحيد الذي حصل
عليه العاهل الأردني لقاء معاهدته
السلمية الشاملة مع تل أبيب هو فقط
تجنب إحراج العاهل الأردني عبر
تنفيذ هذه العملية بهدوء، كما كان
مخططاً لمحاولة اغتيال مشعل
الفاشلة، الأمر الذي أثار حفيظة
المسؤولين الأردنيين، إلى درجة أن
أحدهم وصف التقرير الإسرائيلي بأنه
"وقح" معتبراً ما ورد فيه
تهديداً بشن هجمات جديدة، وإن لم
يصدر حتى الآن أي موقف رسمي أردني
يتضمن إدانة لما ورد في التقرير .
ويشار
في هذا الصدد أن تقرير اللجنة
المنبثقة عن الكنيست قد توصلت إلى
نتائج مشابهة ستنشر قريباً، حيث
تركز هذه النتائج على حق الدولة
العبرية في ضرب ما يسمى بـ"الإرهاب"،
مع تحفظ بعض أعضائها على ممارسة ذلك
على الأراضي الأردنية بحكم العلاقة
مع القيادة الأردنية في ظل معاهدة
السلام الموقعة بين الطرفين. ولم
تطالب هذه اللجنة أيضاً باستقالة
نتنياهو وإن كانت وجهت انتقادات
لأدائه، وكذلك لأداء جهاز الموساد
المسؤول عن التخطيط والتنفيذ
للعملية الفاشلة، ويؤكد هذا أن
تقرير لجنة تشحانوفر لا يعبر فقط عن
رئيسها وأعضائها وإنما عن سياسة
إسرائيلية مستمرة بممارسة الإرهاب
حتى ولو كان خارج إطار حدود الدولة
العبرية، وهي سياسة تضرب عرض الحائط
بالقوانين والأعراف الدولية وتضرب
بشكل مباشر مبدأ سيادة الدول على
أراضيها .
والخلاصة
أن اللجنة خدمت بالفعل نتنياهو خدمة
جليلة عندما برأت ساحته تماماً عن
أية مسؤولية تجاه فشل العملية أو أي
من انعكاساتها السياسية ونتائجها،
وعلقت الإدانة بضعف الموساد بدءاً
من رئيسه داني ياتوم ومروراً بالأقل
رتباً ومسؤولية إزاء العملية
الفاشلة .
لكن
ما يلفت للانتباه في تقرير اللجنة
المعد للنشر هو إصرارها على صواب
السياسة الإسرائيلية المتعلقة
بملاحقة المطلوبين للتصفية على
قائمة الموساد أينما تطالهم يد
الموساد. وعلى الرغم من حساسية
العملية وما جرّته من آثار سلبية على
العلاقة مع الأردن، إلا أن اللجنة
أكدت أن الأردن لا يحمل صفة
الاستثناء إزاء هذه السياسة والنهج
الإسرائيليين، وتضيف اللجنة أن هذا
ما صادقت عليه وتعاملت بموجبه سائر
الحكومات الإسرائيلية السابقة
والحكومات الحالية على حد سواء .
ويقود
هذا للحديث عن المواقف الدولية، إذ
أن توقيت صدور تقرير لجنة "شحانوفر"
في ظل أجواء التصعيد العسكري
الأمريكي ضد العراق، قد ساهم في تجنب
الدولة العبرية التعرض لانتقادات
المجتمع الدولي وعلى الأخص الدول
الغربية، حيث لم يكن من المتوقع أن
تصدر انتقادات عن الإدارة الأمريكية
حتى في ظروف مختلفة عن الأطراف
الحالية بسبب الموقف المعروف
للإدارة الأمريكية والمنحاز بشكل
كبير للدولة العبرية، وبسبب رضوخ
هذه الإدارة لضغوط اللوبي الصهيوني
في الكونغرس، والذي يعتقد أنه مارس
دوراً في تصعيد الفضائح الجنسية
للرئيس الأمريكي كلينتون في محاولة
لمنعه من ممارسة ضغوط حقيقية على
نتنياهو لإخراج عملية التسوية من
أزمتها الحالية .
على
أية حال، لم يكن من المستغرب أن
يترافق تقرير هذه اللجنة مع تصريح
أطلقه نتنياهو بأن مفتاح السلام في
المنطقة العربية هو الأمن وأن له
الأولوية على المعاهدات الموقعة مع
الدول العربية، فتقرير لجنة "تشحانوفر"
هو بمثابة تطبيق عملي لمفهوم الأمن
الذي لا تحده قيود ولا تضبطه
اتفاقيات سلام ولا تتحكم به مواثيق
وأعراف دولية، فالمهم أولاً وقبل كل
شيء سلامة الإسرائيلي، فاتفاقيات
أوسلو جرى القفز عن العديد من
استحقاقاتها المهمة تحت حجة إضرارها
بالأمن الصهيوني، ومعاهدة وادي عربة
تم خرقها بحجة ملاحقة "الإرهابيين"
ومنعهم من التمتع بأماكن آمنة،
والشعب العراقي يجري تجويعه وضربه
خشية أن يستخدم أسلحة كيماوية
وجرثومية مزعومة ضد الدولة العبرية .
إن
تقرير "تشحانوفر" يسلط الأضواء
من جديد على حقيقة الديمقراطية
الإسرائيلية، فهو لا يتعامل مع رفض
مبدأ ممارسة الإرهاب، ولكنه يركز
على فشل جهاز الموساد في تنفيذ هذه
السياسة، ومن هذه الخلفية فقط لا غير
جاءت استقالة رئيس هذا الجهاز "داني
ياتوم" ولو كان الأمر غير ذلك،
لاقتضى الأمر استقالة نتنياهو نفسه،
وتحريم استخدام العنف ضد سياسيين
يسعون لنيل الحرية والعدل واسترجاع
حقوق شعبهم المغتصبة، ففضلاً عن أن
هذا التقرير شرّع من جديد، سياسة
الإرهاب الصهيونية، فقد ساهم في كشف
عورة عملية التسوية، فهذه العملية
لم تفشل فقط في تحصيل حقوق الشعب
الفلسطيني أو وقف المد الاستيطاني
التهويدي للأرض الفلسطينية، وإنما
فشلت أيضاً في وضع حد للإرهاب
الصهيوني داخل وخارج الأرض المحتلة،
بل على العكس من ذلك ازداد التغلغل
الأمني الصهيوني في المنطقة
العربية، وهذا يؤكد على أن منهج
مقاومة المحتل هو الوحيد فقط الذي
يمكن أن يضع حد للغطرسة والهيمنة
الصهيونية ومواجهة مخططاته
العدوانية والأمنية الشريرة .
|