الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

في هذا القسم

عودة

 

اغتيال الشريف لا زال حساباً معلقاً بين "حماس" والصهاينة

هل تكفي دماء الشريف لإقناع نتنياهو

برفع نسبة الانسحاب إلى سقف المبادرة الأمريكية (13%)

4 مايو 1998

ما جرى منذ الإعلان عن استشهاد المهندس محيي الدين الشريف، وما ثبت عبر العديد من الشواهد يؤشر على الدور الذي لعبته السلطة الفلسطينية في جريمة اغتياله، والذي تراوح وفق هذه الشواهد بين التورط مباشرة باعتقاله وتعذيبه ثم قتله بالأسلوب والطريقة البشعة التي تم خلالها تصفية الشهيد، أو التعاون وتقديم الدعم لسلطات الاحتلال مرتين الأولى من خلال المساهمة اللوجستية في تسليم الشهيد ومن ثم اغتياله، والثانية عبر اتهام حركة "حماس" بتصفية أحد أبرز قادتها العسكريين على خلفية خلافات داخلية .

وقد تبدد الضجيج الذي أحدثته قنبلة الرجوب – عبد الرحيم الدخانية من تلاشي دخانها سريعاً، إذ قادت التفاصيل المتناقضة وهشاشة النظرية التي استندت عليها لجنة التحقيق وعجزها عن تفسير الكثير من نقاط الضعف، إلى كساد الرواية (ساقت السلطة حتى نهاية الثلث الثاني من شهر نيسان/ أبريل سبع روايات حول هوية القاتل ودوافعه وتفاصيل الجريمة) فلسطينياً وعربياً وحتى إسرائيلياً .

وقد تراوحت روايات السلطة، التي لم تثبت حتى الآن، على رواية معينة، بين اتهام الصهاينة بتصفية الشهيد محيي الدين الشريف، وبين اتهام حركة (حماس) بقتله على خلفية خلافات داخلية في صفوف كتائب القسام الجناح العسكري لحركة (حماس) .

وقد انصبت التعليقات العربية والأجنبية وحتى الصهيونية التي أدركت هشاشة رواية السلطة، على التساؤل حيناً عن هدف السلطة من نشر مثل هذه الرواية، وعلى محاولة نقاشها بطريقة موضوعية، لتبين نقاط القوة والضعف فيها، غير أن إجماعاً ظاهراً على رفض مصداقية الرواية تجلى من ثنايا التعليقات .

ففي افتتاحية صحيفة الراية القطرية يوم الثلاثاء 7 نيسان / أبريل، تساؤلات من قبيل (لماذا ورطت السلطة نفسها؟) بإعلان هذه الرواية و(هل جاءت هذه التصريحات حماية لمبادرة سلمية؟ أم حماية من السلطة لنفسها، بعد أن كشف أن الشريف كان قد اختفى ويعتقد أنه مات من جراء التعذيب وأن الرصاصتين أطلقتا عليه بعد موته وأن حادث التفجير جاء تغطية على مقتله؟).

وربط باتريك كوكبرن مراسل صحيفة الاندبندنت البريطانية في القدس، بين الرواية التي قال إنها إجراء "خطير سياسياً" وبين موقف الحكومة الصهيونية الذي حمل السلطة مسؤولية أي هجمات قد تنفذها حركة (حماس) رداً على اغتيال قائدها العسكري .

فيما قالت صحيفة ليبراسيون الفرنسية في نفس اليوم أن "اعتقال الشرطة الفلسطينية للدكتور عبد العزيز الرنتيسي المتحدث الرسمي باسم حركة حماس في قطاع غزة، جاء كإجراء متسرع على خلفية الاتهامات والاستنتاجات المتسرعة الأخرى حول معطيات اغتيال الشريف"، وتساءلت "لماذا عادت السلطة إلى اتهام حماس، علماً بأنها كانت قد اتهمت إسرائيل قبل ثلاثة أيام فقط! وكيف أنهت السلطة تحقيقها بهذه السرعة، علماً أن الحركة معروفة بأنها منظمة سرية يصعب اختراقها؟"

أما صحيفة الوطن القطرية فقالت في افتتاحيتها ليوم الأحد 12 نيسان/ أبريل الماضي "لو كانت السلطة الفلسطينية تستخدم مع إسرائيل ذلك النهج الحازم الذي تتعامل به مع حماس لتغير موقف بنيامين نتنياهو تجاه السلام"، وحول ما ردده الطيب عبد الرحيم عن رفض سلطته ازداوجية السيادة في مناطق الحكم الذاتي، قالت على سيادة السلطة، فإن من حق الجماهير الفلسطينية أن تتساءل: أي سيادة؟! مشيرة إلى أن "السلطة الفلسطينية لا تملك إزاء التدخل الإسرائيلي اليومي إلا سلطاناً أسمياً" .

وبدا ركام التجربة مسيطراً كمحدد أساسي لتقديم رواية السلطة، فالسمعة المهترئة للسلطة أضعف من أن تصمد أمام سمعة حركة "حماس" وهو ما ظهر في تعليقات الكثير من الصحف، حيث رأت صحيفة القدس العربي أن "قول السلطة أن مقتل الشريف تم على أرضية خلافات مالية يصعب تصديقه أو القبول به، لأن عناصر تنظيم عز الدين الشريف الجناح العسكري للحركة فعلاً طلاب شهادة وليسوا طلاب مال" وأضافت "لو كانوا طلاب مال لكانوا انضموا إلى السلطة وأجهزتها الأمنية، وآثروا السلامة والعيش الرغيد" .

موقف السلطة الذي وصفه البعض بأنه "مؤلم ومخز" لم يلق تعاطفاً حتى مع أشد أنصار التسوية تطرفاً، إذ هاجم الكاتب لطفي الخولي نتائج تحقيقات السلطة، وقال إن اتهام الدكتور الرنتيسي بأنه متورط في جريمة الاغتيال "يثير أكثر من سؤال واعتراض". وأنه لا يخدم القضية الفلسطينية. وأضاف الخولي إن نتائج تحقيقات أجهزة أمن السلطة في هذه القضية "هي نتيجة خطيرة لأنها تخرج الأمن الفلسطيني من حدوده كجهاز بوليسي إلى جهاز سياسي له روية ومواقف سياسية يتجاوز بها مواقف السلطة نفسها". مؤكداً أن "هذا الدور يتهدد الوحدة الوطنية". وعلى إثر حملات الاعتقال التي قامت بها أجهزة الحكم الذاتي في صفوف حركة (حماس) عقب اتهام الحركة الحكومة الصهيونية بالوقوف وراء اغتيال الشريف، تساءل الخولي الذي يثير حماسه للسلام جدلاً كبيراً في صفوف المثقفين العرب "أليس من حق (حماس) التي يلاحق أعضاؤها وقياداتها يومياً بالتصفية من الموساد والشين بيت، أن تتهم الحكومة الإسرائيلية بجريمة اغتيال الشريف" .

والمحصلة أن إجماع الموقف العربي والدولي من قبلها الفلسطيني على رفض روايات السلطة المتناقضة والتشكيك في دوافعها، يثبت مصداقية الحركة وانعداماً كبيراً في مصداقية السلطة، التي تضررت بفعل ممارساتها السابقة، لذا فإن السلطة حين اتهمت حركة "حماس" بأنها مخترقة، بدت كرجل قش يلعب بنار توشك أن تحرقه، كساد رواية السلطة لا ينفي كذلك أنها خطيرة فهي نقلة جديدة في علاقة السلطة مع الشعب والقوى الوطنية، واستجابة كبيرة للإملاءات الإسرائيلية تنذر باستجابات أخرى قد تكون أوسع .

وبصرف النظر عن الدور الحقيقي والفعلي للسلطة الفلسطينية في كل ما جرى، فإن سلوك السلطة الفلسطينية، وتعامل رموزها وقادة أجهزتها الأمنية، وعلى وجه الخصوص جبريل الرجوب/ الطيب عبدالرحيم وتوفيق الطيراوي. في أعقاب الحادث، كفيل بالوصول إلى القناعة ذاتها، وهي أن دماء الشهيد الشريف كانت رهاناً آخر من رهانات السلطة الفلسطينية، على التزامها بالشروط الصهيونية والأمريكية. التي تفضي جميعها إلى الربط بين أي تقدم فيما يتعلق بإعادة الانتشار في الضفة الغربية ونسبته، وبين نشاط السلطة وجهودها في مكافحة حركات المقاومة الإسلامية وعلى رأسها حركة (حماس) .

ولعل النشاط الملموس على صعيد إحياء جهود إنقاذ السلام على المسار الفلسطيني – الصهيوني، بدءً بجولة رئيس الوزراء البريطاني "توني بلير" للمنطقة، ثم عودة المبعوث الأمريكي روس ومحادثاته المستمرة بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، تمهيداً للقاءات منتظرة تجمع عرفات ونتنياهو وأولبرايت مطلع شهر أيار/ مايو، إلى جانب عودة الحديث بقوة عن المبادرة الأمريكية وإمكانية رفع نسبة الانسحاب الإسرائيلي إلى حدود 13% بدلاً من (10-11%). لعل هذا النشاط مصحوباً بكل هذه التطورات، يبدو متصلاً اتصالاً وثيقاً بالجهود والممارسات التي قامت بها السلطة الفلسطينية عقب اغتيال الشهيد الشريف، والتي انتهت إلى أزمة سياسية حادة بين السلطة وحماس، وصلت هذه المرة إلى حافة تفجير صراع داخلي حقيقي بينهما. أسفرت حتى الآن عن اعتقال العديد من رموز حماس، ناهيك عن محاولات إشاعة جو من البلبلة حول الوضع الداخلي في الحركة، وتهديد شعبيتها، والأهم من ذلك محاولات السلطة الحثيثة، لإحباط أي عمليات أو ردود فعل تسعى "حماس" لتنفيذها رداً على اغتيال المهندس الثاني في كتائب القسام، وهو الذي ظل مطارداً نحو ثلاثة أعوام، كان خلالها أبرز المطلوبين لقوات الاحتلال الصهيوني .

من هنا يتبدى فعلاً، حجم (الإنجاز) الأمني والسياسي الذي حققته السلطة الفلسطينية، من خلال الدور الذي لعبته قبل وبعد اغتيال الشهيد الشريف وإن كانت حقيقة هذا الدور في حادث الاغتيال لا تزال رهن الملفات السرية لجبريل الرجوب، أو الاجتماعات السرية الإسرائيلية –الأمنية المكرسة لهذا النوع من التعاون والتنسيق بين الطرفين منذ التوقيع على اتفاقية أوسلو عم 93 .

لكن الأزمة بين "حماس" والسلطة، لم تكن حالة طارئة أو استثنائية، بقدر ما جاءت استمراراً لمسلسل مماثل من الأزمات بين الطرفين حيث تفرض السلطة الفلسطينية نفسها بموجب الاتفاقات والالتزامات الملحقة بها، خصماً لحماس وبرنامجها، التي تصر بدورها على أن لا جدوى من هذه الاتفاقات، وخطورة انعكاساتها على القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، إلى جانب إصرارها على مقاومة الاحتلال الصهيوني.

وهذا التناقض السياسي، لم يلبث في أعقاب دخول السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة أوساط عام 94، أن تحول إلى تناقض أمني ولّد أزمات حادة، داخل المجتمع الفلسطيني، واقترب من أن يشعل فتيل صدام داخلي بين الطرفي، لولا أن حركة "حماس" كما يقول قادتها، تحملت الأذى، ورفضت توجيه السلاح إلا للاحتلال .

لكن لا يخفى أن الغضب من ممارسات السلطة، بدأ مؤخراً يجتاح صفوف أنصار حركة (حماس)، ويثير بالمقابل استياء المجتمع الفلسطيني، الذي أدرك بوضوح تخبط السلطة الفلسطينية في قضية اغتيال الشهيد الشريف، خصوصاً بعد تبني السلطة حوالي ست روايات متناقضة، خلال أيام قليلة، لدرجة أن المطارد عادل عوض الله الذي اتهمته السلطة باغتيال زميله المهندس محيي الدين الشريف، قال في شريط الفيديو الذي بثته وكالة رويترز، إن جبريل الرجوب متورط في اغتيال الشريف، بسبب أن الشريف كان قد بعث له برسالة حذره فيها من مغبة الاستمرار بالإساءة لمجاهدي "حماس"، ورموزها خصوصاً بعد إقدام جهاز الأمن الوقائي برئاسة الرجوب في أكتوبر الماضي على تسليم مجاهدي خلية صوريف المنتمين لحركة (حماس) إلى سلطات الاحتلال .

الأهم من ذلك أن دماء الشهيد الشريف التي تحول جزء منها إلى وقود لعملية التسوية، لا تزال فيما يبدو غير كافية بالنسبة لنتنياهو لكي يوافق على رفع نسبة إعادة الانتشار في الضفة الغربية بحدود (1-2%) أي إلى سقف الاقتراح الأمريكي الذي ما يزال غامضاً، بدليل أن نتنياهو وواشنطن على حد سواء لا زالا يطالبان عرفات بالمزيد من الجهود في إطار محاربة وضرب "حماس" والجهاد الإسلامي .

إلا أن اغتيال الشريف، لا زال حساباً معلقاً بين "حماس" والصهاينة ومن المؤكد أن مشروع "حماس" في تصفية هذا الحساب، سيلحق المزيد من التعثر في مسار الجهود المتعثرة بدون الحاجة إلى عمليات "حماس" لمحاولة إحياء التسوية، مثلما سيبقى ذلك الباب مفتوحاً أمام المزيد من التوتر والاحتقان في العلاقة بين "حماس" والسلطة، وهو أمر بات مألوفاً للطرفين ومتوقعاً ولا يبدو أنه كاف لثني أي منهما أي (حماس) والسلطة عن المضي في طريقين من الصعب أن يلتقيا في المدى المنظور .