الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

في هذا القسم

عودة


بين تجميد واي بلانتيشين والانتخابات الإسرائيلية

1 شباط 1999

تعيش عملية التسوية في المنطقة مرحلة جديدة من الجمود بعد الإعلان عن إجراء انتخابات إسرائيلية مبكرة في 17 أيار/ مايو 1999 أي قبل حوالي عام ونصف من موعدها المحدد وبعد أن أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن تجميد الاستحقاقات المتعلقة بتنفيذ اتفاق واي بلانتيشين متذرعاً بعد التزام السلطة الفلسطينية بما هو مطلوب منها خاصة في المسألة الأمنية. ويبدو أن مسيرة المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية ستصبح من جديد عرضة للمراهنة والمزاودة في ظل الحياة السياسية المتقلبة داخل الدولة العبرية، وفي ظل إرهاصات الانتخابات وما ستحمله من محاولات جذب وإطلاق الوعود بغرض كسب الأصوات .

وعند استعراض الخارطة الانتخابية الإسرائيلية نجد أنها تضم مجموعات عديدة متنوعة ومتنافسة تمثل كافة الأطياف السياسية ذات التوجهات المتضاربة وهي:

 

القوائم العربية

على أساس

تيار الوسط

الدينية

اليمين

اليسار

(القائمة العربية الموحدة)

حداش

(التجمع الوطني الديمقراطي)

الحزب العربي الجديد

إسرائيل بعليا (خاص بالمهاجرين من أصل روسي)

 

حزب الوسط

 

شاس

 

الليكود

العمل

ميرتس

غيشر

الحزب الشيوعي

 

وقد يشارك الإسرائيليون في دورتين انتخابيتين: الأولى ستكون لاختيار أعضاء الكنيست البالغ عددهم 120 عضواً، أما الدورة الثانية فتشمل فقط منصب رئيس الوزراء لاختيار أحد المرشحين اللذين حلاّ في المرتبة الأولى والثانية خلال الدورة الأولى، في حال لم يتجاوز أي من المرشحين نسبة 50% من الأصوات. وتمتاز الانتخابات الإسرائيلية لهذا العام ببروز ظاهرة الانشقاق والتشرذم. ففي صفوف اليمين استطاع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الفوز بترشيح الليكود له إلى منصب رئيس الوزراء، بعد أن خسر حزبه العديد من رموزه السابقين مثل دان مريدور وزير المالية السابق، زئيف بني بيغن القومي المتشدد، وإسحاق مردخاي. أما في صفوف المعارضة العمالية فيبدو أن أيهود باراك زعيم حزب العمل المرشح الوحيد لها حتى الآن. وجاء تشكيل حزب الوسط من شخصيات بارزة مثل رئيس هيئة الأركان السابق آمنون ليبكين شاحاك، وإسحاق مردخاي وزير الدفاع السابق الذي خرج من صفوف الليكود ليفوز بترشيح حزب الوسط لمنصب رئيس الوزراء، إضافة إلى روني ميلو رئيس بلدية تل أبيب السابق، كتعبير عن حالة التمحور والانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي على خلفية المواقف السياسية والخلافات الشخصية .

أما في صفوف فلسطين الـ48 وعلى الرغم من توزعهم على أربع قوائم وأحجام جزء كبير من الفلسطينيين عن دعمها أو حتى إبداء الكثير من الاهتمام لهذه الانتخابات إلا أن هذه القوائم تكاد تتفق على هدف واحد فيما بينها يتوافق مع اليسار الإسرائيلي ويتمثل في إسقاط نتنياهو والمشاركة مستقبلاً في أي حكومة عمالية، حيث من المتوقع أن يلعب الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات دوراً مهماً في توجه هذه القوائم نحو دعم اليسار الذي يبدو أنه الخيار الوحيد والأفضل بالنسبة للسلطة الفلسطينية .

أما بالنسبة للحركة الإسلامية فقد أعلنت عدم ترشيح أي من أعضائها للانتخابات، أو رئاسة الحكومة وعدم دعم أي مرشح للكنيست بعد أن نجحت في توحيد شقيها، وقبول عبدالله درويش بإعادة توحيد الحركة بزعامة الشيخ رائد صلاح .

إن تقديم موعد الانتخابات جاء على خلفية تخلي أحزاب اليمين عن تقديم الدعم الكامل لحكومة نتنياهو في الكنيست، بسبب توقيعها لاتفاق (واي بلانتيشين) الأمر الذي استغله حزب العمل للضغط على الليكود للقبول بتقديم موعد الانتخابات الإسرائيلية للحيلولة دون حجب الثقة عن حكومته. والدلالة المرتبطة بهذا الموضوع هي تزايد النفوذ السياسي لليمين الإسرائيلي المتشدد، وفقدان نتنياهو لقدرته التي تميز بها خلال فترة حكمه على الإمساك بالعصا من الوسط، والموازنة بين استمرار عملية التسوية في أدنى مستوى لها، وإرضاء اليمين المتشدد المتحالف معه عن طريق عدم تنفيذ استحقاقات هذه التسوية وتفريغها من مضمونها. عملية التسوية في مهب الريح .

وفي ظل هذا الوضع، يبدو أن المنطقة مقبلة على أشهر من الصعب رسم الملامح الأساسية لها في ظل غياب الضغط الأمريكي على أبواب الانتخابات الأمريكية وانشغال الرئيس الأمريكي بإجراءات محاكمته، إضافة إلى انغماس الإدارة الأمريكية في معالجة ملفي العراق وألبان كوسوفو، وانحسار الدور الأمريكي إلى التنسيق مع أوروبا لعقد صفقة مع السلطة الفلسطينية لتأجيل إعلان الدولة. كما أن الخيارات المطروحة على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في سبيل بقاءه في رئاسة الوزراء في الانتخابات القادمة تعزز احتمالات لجوئه إلى محاولة تعزيز وضعه الانتخابي عبر توجيه ضربات انتقائية ضد لبنان كما فعل سلفه بيريز. قبل الانتخابات السابقة، ومن جانب آخر سيتجه نتنياهو إلى التشدد في التعامل مع السلطة الفلسطينية، في سبيل الاستمرار في السلطة لمدة أربع سنوات قادمة، وبالتالي سيستمر في تجميد اتفاق واي بلانتيشين على الأقل إلى حين انتهاء الانتخابات الإسرائيلية .

ويرى كثير من المحللين أن عملية التسوية قد أصبحت فعلاً في مهب الريح، وأن  حكومة نتنياهو قد تتجه نحو عمل عسكري ما، خاصة بعد تعيينه لموشيه أرينز وزيراً للدفاع والذي يعرف بمعارضته لكافة الاتفاقات مع الفلسطينيين مما يزيد من احتمالات قيام نتنياهو بمغامرة عسكرية في الجنوب اللبناني، وإذا كانت الاتفاقات بين الفلسطينيين والإسرائيليين سوف تتعرض لمثل هذه الهزات في بدايتها فإنها مرشحة – أي الاتفاقات – للبقاء عرضة للتجميد والتعديل والرفض مستقبلاً طالما أن الجانب الإسرائيلي يتعامل وكأن كل حكومة تأتي غير ملزمة بما اتفقت عليه سابقتها، ولعل في هذا ما يعطي صورة عن مستقبل التسوية الهشة .

السلطة .. إعلان الدولة .. ولعبة التحالف مع اليسار الإسرائيلي

((إن القيادة الفلسطينية متمسكة بقرار إعلان الدولة المستقلة في الرابع من أيار المقبل وأن لا تراجع فلسطينياً في هذا الموضوع)) هذا ما صرح به الدكتور أسعد عبد الرحمن عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ومسؤول ملف اللاجئين في 23/1/1999م في معرض تأكيده على حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته، بيد أن هذه المسألة قد أصبحت إحدى الأوراق التي تحاول بها السلطة التأثير على مجرى الانتخابات الإسرائيلية، فحزب العمل ومعه حزب الوسط يسعيان لدى السلطة الفلسطينية لإقناعها بتأجيل إعلان الدولة الفلسطينية إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية، حيث يخشى كل من باراك ومردخاي من أن إعلان الدولة في الفترة القريبة من الانتخابات سيكون بمثابة فرصة مناسبة لرئيس الوزراء الحالي نتنياهو لإبداء مواقف متشددة واتخاذ تدابير يرافقها زخم إعلامي يتقنه طاقم نتنياهو مما يجعله يستقطب أصوات إسرائيلية إضافية .

ويبدو أن السلطة الفلسطينية، ونتيجة لضغوط أمريكية وإقليمية تتجه نحو تأجيل إعلان قيام الدولة، مع محاولة إظهار أنها ستحصل على ثمن مقابل ذلك يتمثل بتعهد دولي جازم بوقف الاستيطان وتأييد الفلسطينيين في إقامة دولة مستقلة في موعد أقصاه أواخر العام الحالي، إضافة إلى ضمان الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي تطبيق بنود اتفاق واي بلانتيشين بما في ذلك تنفيذ إعادة الانتشار الثالثة من الأراضي الفلسطينية، يتفق على حجمها من خلال التفاوض، وليس من خلال ما تحدده الحكومة الإسرائيلية فقط .

ولكن يبدو أن السلطة الفلسطينية ستحصل على مكاسب وقف الاستيطان أو حتى تنفيذ (واي بلانتيشين)، فمسألة الاستيطان لا تستطيع أي حكومة إسرائيلية وقفها، بل إن استمرار أي حكومة مرتبط بمدى التوسع في الاستيطان ودعمه. أما قضية تنفيذ اتفاق (واي) فهي ستعتمد إلى حد بعيد على الحكومة التي ستصل إلى سدة الحكم في الدولة العبرية، ولن يكون للاتفاقات الموقعة أي وزن حقيقي في ظل فهم مواقف العمل والليكود السابقة من هذه الاتفاقات والتي كانت ترتكز إلى تعديلها وتغييرها بما يتفق مع مصالحها ومواقفها .

وقد أثبتت التجربة السابقة لتطبيق الاتفاقات إبان وجود حكومة العمل أن دور هذا الحزب في إعاقة استحقاقات أوسلو يساوي دور الليكود الآن في تجميد اتفاق واي بلانتيشين، فالسلطة الفلسطينية لم تحصل إلا على إدارة حوالي 3% إدارة كاملة، من مساحة الضفة الغربية، وحوالي 24% مشتركة مع قوات الاحتلال الإسرائيلي، كما أن الاستيطان لم يتوقف بل ازداد بشكل ملحوظ دون ضجيج إعلامي كما حدث مع مستوطنة جبل أبو غنيم وطريقة حكومة الليكود في تنفيذها والإعلان عنها، إذا كانت حكومة العمل تحت غطاء المؤتمرات الاقتصادية وعملية التطبيع توحي بتمسكها بعملية السلام وإعطاء الفلسطينيين حقوقهم، بل إن عملية عناقيد الغضب حدثت في ظل حكومة عمالية وليست ليكودية، ولعل ما قاله أحد الصحافيين يمثل الحقيقة حين قال إن الفرق بين العمل والليكود أن الأول يبني عشر مستوطنات ويعلن عن اثنتين، بينما الثاني يبني عشر مستوطنات ويعلن عنها كاملة، أضف إلى كل هذا أن القيادة الحالية لحزب العمل وحتى الحزب الوسط الجديد هي قيادة متشددة تتمثل في اثنين من رؤساء هيئة الأركان سابقاً مما يجعل فرص التفاوت النسبي بين الأطياف السياسية قليلة .

وهكذا فإن السلطة الفلسطينية ستكون بانتظار حكومة إسرائيلية يمكنها معاودة المفاوضات معها، وأياً كانت نتائج الانتخابات، فإن المستقبل لا يحمل في طياته الكثير من التفاؤل على أوضاع السلطة، وهكذا فإن لعبة المحاور التي تنتهجها السلطة نتيجة منطقية لحالة الضعف التي تعاني منها بسبب ابتعادها عن عمقها العربي والإسلامي، إضافة إلى محاربتها لخيار المقاومة التي تتبناه الحركات المجاهدة في فلسطين بدلاً من محاولة استثمارها على طاولة المفاوضات .

المعارضة الفلسطينية … ودورها:

إذا كانت المعارضة الفلسطينية بمختلف أطيافها، ردت على خطوة بإلغاء بنود الميثاق الوطني بأن عقدت سلسلة من المؤتمرات الوطنية في الأراضي المحتلة وفي دمشق وذلك لبلورة موقف فلسطيني رافض لنهج التنازل عن حقوق الشعب الفلسطيني ومكتسباته، فهل تسعى هذه القوى الآن لعمل شيء يؤثر على الأوضاع في ظل الانتخابات الإسرائيلية وتناقضاتها وتردد السلطة الفلسطينية بين إعلان الدولة أو عدمه ؟

لا يبدو أن هناك أي تعويل في صفوف المعارضة على طرف سياسي معين في الدولة العبرية سواءً من اليمين أو اليسار، إذ أن الفروق بين هذين التيارين هي فروق شكلية وطفيفة طالما أن برامجهما الأساسية في الاستيطان وتجاه قضايا القدس واللاجئين والقضية الفلسطينية عموماً متقاربة .

إن ما حدث من اصطفاف فلسطيني ضد إلغاء بنود الميثاق ولأول مرة بين الفصائل والشخصيات الفلسطينية المستقلة ولو بحدوده الدنيا يفتح باباً لأمل في إيجاد صيغة من التعاون والعمل على تفعيل القوة الذاتية للشعب الفلسطيني وروح المقاومة فيه، بعيداً عن حسابات الانتخابات الإسرائيلية .