التحليل السياسي
نتائج وتداعيات الحرب الأمريكية المحتملة على
العراق
بعد أن
نجحت الولايات المتحدة الأمريكية في تغيير نظام طالبان، ومن ثم
الإتيان بحكومة أفغانية بقيادة "كرزاي"، دأبت الإدارة الأمريكية
بقيادة "بوش الابن" على تحذير العديد من دول العالم وخاصة الدول
العربية من مغبة دعم "الإرهاب" أو توفير الأرضية المناسبة له – حسب
ادعاء الإدارة الأمريكية -، حيث أخذت واشنطن على عاتقها توجيه
الاتهام ومن ثم التكفل بمحاسبة المتهمين إن لم يتماشوا مع
استراتيجيتها وعقيدتها السياسية الجديدة الداعية لمحاربة العدو
الجديد المسمى (الإرهاب).
وفي هذا
الاتجاه صعدت الولايات المتحدة الأمريكية من تهديدها للعراق،
مطالبة مجلس الأمن باتخاذ قرار ضده يسمح بإجراء تفتيش ضمن آليات
وبرامج وشروط تتجاوز كل المبادئ السيادية للعراق بقصد إخضاعه
للإرادة الأمريكية ونزع قدراته الذاتية، كما تطالب الإدارة
الأمريكية بأن يسمح قرار مجلس الأمن بمعاقبة العراق (بما فيها
توجيه ضربة عسكرية) فوراً إن أعاق مادياً عمليات التفتيش حسب
المعايير الأمريكية وإلا فإن الإدارة الأمريكية – كما أعلنت في
أكثر من مناسبة - ستتولى بنفسها مهاجمة العراق وتغيير النظام
بالقوة والإتيان بنظام موال كما حدث في أفغانستان متجاوزة الإرادة
الدولية الجماعية وضاربة بعرض الحائط الشرعية الدولية التي طالما
اتكأت عليها لتحقيق مصالحها القومية.
ومن الواضح
أن الإصرار الأمريكي – منقطع النظير – على ضرب العراق وتغيير نظامه
يتساوق مع إ رادة صهيونية تمثلت بدعوات متكررة للكيان الصهيوني
وبضغط متواصل للوبي الصهيوني الأمريكي المسيطر على مراكز التأثير
في صنع القرار في واشنطن وداخل البيت الأبيض أملاً في إضعاف الحالة
العربية وموقفها من المقاومة الفلسطينية ودفعها للتراجع ومن ثم
محاولة دفع بعض الأقطار العربية للمشاركة في الضغوط على المقاومة
الفلسطينية ووقفها وتحذير دولا أخرى من خلال ما يتوقع أن يحدث
للعراق كنموذج للرفض العربي .
الأهداف الأمريكية من شن الحرب على العراق
لا يخفى أن
استهداف العراق إنما يأتي لتعزيز استراتيجية أمريكية جديدة تدعو
إلى استبدال الشرعية الدولية وإرادة المجتمع الدولي بالشرعية
الأمريكية، الدولة الأقوى في العالم.
فالولايات
المتحدة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتحديدا بعد انتهاء حرب
الخليج الثانية أعلنت على لسان رئيسها "بوش الأب" حينذاك أن العالم
سيشهد "نظاماً عالمياً جديداً" ويبدو أن النظام الجديد تريده
الإدارة الأمريكية نظاماً ذا صبغة أمريكية ولذلك تسعى الولايات
المتحدة الأمريكية جاهدة لإضعاف مراكز القوى – حتى المحتملة منها
-، كما ترى أنه من الضرورة بمكان السيطرة على أهم مراكز ومنابع
الطاقة في العالم، عصب الصناعة الأمريكية.
فالدول
العربية وفي مقدمتها دول الخليج تمتلك 3/4 ما تمتلكه الدول
الإسلامية والعربية مجتمعة والتي بدورها تمتلك 2/3 مخزون الطاقة
النفطية العالمية، وهذا ما ذهبت إليه وثيقة "استراتيجية الأمن
القومي للولايات المتحدة الأمريكية " والتي أشارت إلى أن "الولايات
المتحدة الأمريكية لن تسمح مطلقاً لأي طرف دولي آخر بأن يتحدى
تفوقها العسكري، وأن الإدارة الأمريكية لن تنتظر قدوم التهديد
إليها ولو كمجرد احتمال وإنما هي التي ستوجه له ضربة عسكرية
استباقية حتى لو لم يكن هناك استفزاز يبرر هذا التصرف" . الأمر
الذي يشير إلى نية الإدارة الأمريكية للاستفراد بالعالم وتحقيق
مصالحها القومية على حساب القوى والدول الأخرى، بما فيها الدول
الأوروبية الحليف التقليدي للولايات المتحدة الأمريكية.
وفي نفس
الاتجاه يبدو تغيير النظام العراقي مطلباً ضرورياً لتحقيق
الاستراتيجية الأمريكية، فالعراق الدولة العربية الغنية بمواردها
الطبيعية والبشرية يمثل نموذجاً من نماذج الرفض العربي للهيمنة
الأمريكية والصهيونية على المنطقة، وهو يعتبر أحد أهم الأقطاب في
الشرق الأوسط الرافض للاعتراف بالكيان الصهيوني، علاوة على دعمه
لحق الشعب الفلسطيني في مقاومته للاحتلال، ولذلك تلتقي المصلحة
الصهيونية كما المصلحة الأمريكية للتخلص من النظام العراقي
واستبداله بنظام آخر موالٍ للإدارة الأمريكية وللإرادة الصهيونية.
كما تطمح
الإدارة الأمريكية من حربها على العراق من تحويله إلى قاعدة
أمريكية في الشرق الأوسط، حيث يتميز العراق بموقع استراتيجي هام
محاذٍ لعدة دول أضحت متهمة بالإرهاب – حسب الزعم الأمريكي – مثل
إيران، وسوريا، وكذلك السعودية "تلميحا" في الآونة الأخيرة،
وبالتالي هي رسالة تهديد مباشرة للأنظمة المجاورة لدفعها للإذعان
للمطالب الصهيو - أمريكية والاستجابة لرغباتها تحت سيف الجيش
الأمريكي "الإمبراطوري" المنتشر في المنطقة.
علاوة على
ما سبق، فإن استهداف العراق يأتي في سياق إعادة الاعتبار للولايات
المتحدة الأمريكية ومحاولة ترسيخ الصورة الكاملة للسيطرة الأمريكية
وهيمنتها خاصة وأن العراق يشكل إحدى مظاهر التحدي للسياسة
الأمريكية الخارجية في الشرق الأوسط، فقد راهنت الولايات المتحدة
الأمريكية على قدرتها في احتواء العراق بفعل استمرار الحصار لأكثر
من عشر سنوات وبالتالي سقوط النظام العراقي المناوئ لها. ولكن صمود
العراق، ومن ثم نجاح دبلوماسيته في تحسين العلاقة العراقية العربية
ونجاحها من جهة ثانية في ربط بعض مصالح الدول (مثل روسيا، فرنسا،
الصين) برفع الحصار عنه، أضعف من سياسة الاحتواء الأمريكية وفوت
عليها الفرصة، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة الأمريكية لتغيير
نمطية التعامل مع العراق من الاحتواء إلى استباقية الضربة العسكرية
وفرض الشرعية الأمريكية خاصة في ظل حملتها المحمومة على ما يسمى بـ
"الإرهاب" الذي ما زال يشكل لها هاجساً بعد أن لم تستطع القضاء
عليه في حملتها على أفغانستان، وبروزه بأكثر من رأس في أكثر من
قارة ودولة.
النتائج المحتملة للحرب على العراق
ما زال
صراع الإرادات والمصالح محتدماً في أروقة الأمم المتحدة بين أعضاء
مجلس الأمن، فالإدارة الأمريكية تدفع بجعل الخيار العسكري خياراً
متاحاً ومفتوحاً في أي وقت ترى فيه أن العراق يعيق مادياً عمل لجان
التفتيش الدولية المسؤولة عن نزع أسلحة الدمار الشامل دون الرجوع
لمجلس الأمن بينما ترى فرنسا وروسيا بأن الخيار العسكري يجب أن
يكون خياراً أخيراً وبعد العودة لمجلس الأمن.
وفي مقابل
هذا التدافع تحاول الولايات المتحدة الأمريكية تعزيز فرضية وقوع
الحرب وفرض الأمر الواقع من خلال الاستعدادات العسكرية وتهيئة
الأجواء الدولية الإقليمية لذلك، الأمر الذي يضع المنطقة أمام
استحقاقات كبيرة ومعقدة ونتائج محتملة لهذه الحرب في حال وقوعها
ومنها:
-
إعادة
رسم الخارجة السياسية في المنطقة العربية، من خلال العمل على
تغيير بعض الأنظمة المناوئة للسياسة الأمريكية ومن ناحية ثانية
ممارسة الضغط على بعضها الآخر للتجاوب مع المطالب والسياسات
الأمريكية والسير في الفلك الأمريكي، وإن لزم الأمر التلويح
باستعمال القوة ضد هذه الدول "المارقة" – حسب المعيار الأمريكي –
أملاً في جعل المنطقة العربية واحة أمريكية مفتوحة للصهاينة لفرض
هيمنتهم بعد التخلص من مراكز القرار ومحاور القوة العربية التي
تعتبر الإدارة الأمريكية أنها تعمل ضد استراتيجيتها في المنطقة
أو أنها لا تتساوق بالشكل الكافي معها، مثل سوريا والسعودية
ولبنان وبالمحصلة مصر.
-
ثانياً، محاولة التخلص من المقاومة الفلسطينية أو إضعافها إلى
حدودها الدنيا، حيث لا يمكن فك الارتباط بين القضية والمقاومة
الفلسطينية والعمق العربي والإسلامي، فقد سعت كل من الولايات
المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني للتخلص من المقاومة
والانتفاضة الفلسطينية من خلال ارتكاب أبشع المجازر عبر عامين من
الانتفاضة ولكن ذلك باء بالفشل بفعل الصمود الفلسطيني ومقاومته
البطولية، الأمر الذي جعل الولايات المتحدة الأمريكية والكيان
الصهيوني يعيدان أولويات التحرك في المنطقة للوصول إلى ذات
الهدف.
فبعد أن
كان المطلوب إنهاء الملف الفلسطيني للتفرغ للملف العراقي اصبح
المطلوب تهدئة الوضع الفلسطيني للتفرغ للملف العراقي وإنهائه
استعداداً لإنهاء الملف الفلسطيني، وأصبح من الأهمية تفتيت الحد
الأدنى من التفاهم والدعم العربي للانتفاضة الفلسطينية الأمر الذي
ينعكس سلباً على الانتفاضة ويضعها أمام تحدٍ جديد ويضاعف ويراكم
الصعوبات التي تواجهها المقاومة الفلسطينية.
ولعل "خطة
الطريق" الأمريكية، وما سبقها من تشريع أمريكي يجعل من القدس
بشطريها الغربي والشرقي عاصمة لدولة الاحتلال ينذر بما قد تفكر فيه
الإدارة الأمريكية المدعومة والمدفوعة من اللوبي الصهيوني خاصة إذا
أخذنا بعين الاعتبار حاجة الرئيس "بوش" لهذا الدعم في الانتخابات
الرئاسية المقبلة.
سيناريو عدم ضرب العراق
رغم إصرار
الإدارة الأمريكية على ضرب العراق ومن ثم تغيير النظام فيه
والإتيان بنظام موال لها، إلا أن فرضية عدم ضرب العراق – رغم ضعفها
– واردة وهذه الفرضية مرتبطة بثلاثة أمور متداخلة:
الأمر الأول: متعلق بدبلوماسية
العراق ومدى قدرته على سحب البساط والذرائع التي تتشبث بها
الولايات المتحدة الأمريكية، ولعل العراق نجح نسبياً في ذلك لحد
الآن من خلال موافقته على عودة لجان التفتيش دون شروط الأمر الذي
وضع الإدارة الأمريكية في حرج أمام المجتمع الدولي.
الأمر الثاني: متعلق بمدى صمود
"فرنسا" "وروسيا" في مواجهة الضغط الأمريكي في الأمم المتحدة
الداعي لاستصدار قرار يتيح لها ضرب العراق مباشرة في حال رأت
الولايات المتحدة الأمريكية أن العراق لم يلتزم شروط التفتيش
الدولي عن الأسلحة العراقية، وما يعزز من رغبة "فرنسا" "وروسيا" في
عدم ضرب العراق حجم مصالحهما النفطية في العراق وكذلك الاستثمارات
الأخرى داخل العراق ومنطقة الخليج (فآخر عقد عراقي – روسي قبل عدة
أشهر قدر بـ 40 مليار دولار)، إذن فكلاهما يتخوفان من حجم الأضرار
التي ستلحق بمصالحهما ومن حلول الولايات المتحدة الأمريكية مكانهما
في المنطقة الأمر الذي سيعزز الهيمنة الأمريكية على المنطقة
والعالم خاصة وأن الخليج مصدر الطاقة والنفط الأول والأكبر وكونه
السوق أكثر استهلاكاً للمنتجات المستوردة.
الأمر الثالث: متعلق بالمواقف
العربية الرافضة لضرب العراق أو التعاون مع الإدارة الأمريكية
لضربه، وخاصة سوريا ومصر والسعودية، استشعاراً منها بمدى الخطر
الذي تنطوي عليه هذه الحرب، ومدى التهديد الأمريكي والصهيوني الذي
يتربص بمستقبل المنطقة العربية وبوجود هذه الأنظمة ذاتها.
فهي تدرك
تماماً أنها الهدف التالي بعد العراق، فسوريا متهمة بالإرهاب وبدعم
الإرهاب وهي على قائمة الدول الإرهابية في وزارة الخارجية كما أن
الكونجرس شرع في الآونة الأخيرة بدراسة قانون محاسبة سوريا. أما
السعودية فهي تتعرض لحملة إعلامية أمريكية شرسة تتهمها بتوفير
التربة الخصبة "للإرهاب" هذا بالإضافة لمطالبتها من قبل الإدارة
الأمريكية بتغيير المناهج الدراسية والنمط الثقافي السائد في
السعودية، ووقف النشاط الأهلي الخيري في السعودية الداعم لفقراء
المسلمين وللشعب الفلسطيني المقاوم للاحتلال الصهيوني.
ومصر تدرك
أن الأمر لن يستثنيها فوقف بعض المساعدات المالية الأمريكية في
الآونة الأخيرة بسبب موقفها السياسي إشارة لما قد تتعرض له من
ابتزاز أمريكي – صهيوني.
وفي حال
شرعت الولايات المتحدة الأمريكية في ضرب العراق بإرادة دولية أممية
أو بإرادة منفردة فإن المسألة تحمل في طياتها العديد من الإشكاليات
التي قد تعيق تحقيق الأهداف الأمريكية في المنطقة العربية ومن هذه
المعوقات المحتملة:
- أن
الحرب وما يتبعها من إعادة ترتيب للوضع السياسي في العراق وفي
المنطقة عموماً قد يكلف الإدارة الأمريكية خسائر بشرية قد لا تكون
قادرة على احتمالها، كما أنه سيكلف أموالاً طائلة، الأمر الذي قد
يثير حفيظة الناخب الأمريكي المكلف بدفع الضرائب المتراكمة (فكلفة
إدارة العمليات الحربية فقط تقدر بـ 200 مليار دولار) مما قد يدفع
بتنامي حركة المعارضة داخل الولايات المتحدة الأمريكية خاصة وأن
هناك قطاعاً شعبياً أمريكياً بدأ يتحرك في الآونة الأخيرة متظاهراً
ضد الحرب (التظاهرة الأخيرة في واشنطن قدرت بـ 100 ألف أمريكي في
نهاية شهر تشرين أ ول 2002م).
- صمود
العراق في وجه العدوان الأمريكي وإطالة أمد الحرب، بالإضافة إلى
حالة عدم الاستقرار التي ستخلفها الحرب في المنطقة العربية قد يؤدي
لتصاعد حركة مواجهة التواجد الأمريكي في المنطقة، وبالتالي وقوع
أمريكا في وحل الاستنزاف وتكبدها خسائر غير متوقعة قد تقلب
الحسابات الأمريكية وتشكل مانعاً لتحقيق أهدافها أو جزء منها.
- إن
التدخل الأمريكي في المنطقة واستهدافه للعراق سيعمق شعور الكراهية
الشعبي للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة العربية التي ذاقت
الويلات بسبب الانحياز الأمريكي الفاضح للكيان الصهيوني الذي كان
أحد أسباب تمزيق وتخلف المنطقة العربية.
هذا الرفض
الشعبي الكاره للولايات المتحدة الأمريكية قد يلتقي مع إرادة
النظام العربي الرافض لضرب العراق والمتخوف من السياسة الأمريكية
الجديدة الرامية لإخضاعه أو تغييره، مما قد يشكل بداية في الاتجاه
الصحيح تعتمد فيه الأنظمة الرسمية على شارعها لمجابهة التدخل
الأمريكي الأمر الذي قد يعزز الخيار الشعبي العربي القادر على وقف
التدفق الأمريكي ولجم تغوله في المنطقة ويعطي للشعوب العربية فرصة
أخذ دورها الطبيعي في مواجهة الاحتلال الأمريكي الأمر الذي سيشكل
حماية ودعماً وعمقاً عربياً للمقاومة الفلسطينية باعتبارها الحصن
الأول والأصلب في مواجهة الكيان الصهيوني كونه القاعدة الأمريكية
المتقدمة في المنطقة العربية.
|