الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

في هذا القسم

 

 

عودة

 

التحليل السياسي

3/10/2002م

الانتفاضة في عامها الثالث

التحديات والآفاق

 

"المجتمع الفلسطيني صنع معجزة لأنه لم ينهر رغم تعدد معاناته ودخول الانتفاضة عامها الثالث، أين يمكن في أي مكان آخر في العالم أن نجد شعباً يصمد في ظل معدلات بطالة وفقر تصل إلى 60%؟، إنها معجزة كبيرة أن يتمكن الفلسطينيون من إيجاد آليات مكنتهم من تحمل المعاناة وتجاوز هذه الأزمة من دون حدوث انهيار"، هذا ما قاله "بيتر هانس".

 المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينية التابعة للأمم المتحدة (أونروا)

 

وهو ما يشير إلى جزء من التحديات التي واجهتها وستواجهها الانتفاضة - المقاومة وهي تدخل عامها الثالث.

 

تحديات أمام الانتفاضة في عامها الثالث

إن هذا الصمود "المعجزة" للشعب الفلسطيني على مدار عامين لا يحجب حقيقة أن الانتفاضة الفلسطينية على عتبة العام الثالث تقف أمام تحديات عدة منها ما هو آت من خارج الصف الفلسطيني الوطني، ومنها ما هو  داخل هذا الصف، الأمر الذي يستدعي من فصائل المقاومة وقوى الشعب الفلسطيني الحية الاستعداد والعمل على تذليل هذه العقبات والتحديات من أجل مراكمة النجاحات على طريق التحرر من الاحتلال.

 

التحديات الخارجية

1- الإرهاب الصهيوني المتواصل:

تشكل سياسة الكيان الصهيوني التحدي الخارجي الأبرز في ظل القيادة الشارونية التي لم ولن تتوانى  عن استعمال كل ما أوتيت من قوة ومن وسائل إرهابية وصفت بالأبشع منذ الحرب العالمية الثانية ضد الشعب الفلسطيني، فالقيادة الصهيونية ترى أنها تخوض معركة مصير بالنسبة لمستقبل هذا الكيان وهي تسعى لإخضاع الشعب الفلسطيني وهزيمته وذلك كما ورد على لسان رئيس هيئة الأركان الجديد "يعالون" الذي شدد على ضرورة هزيمة الفلسطينيين بل جعلهم يعترفون بالهزيمة، الأمر الذي يلقي بظلال الاستعداد والجهوزية على الشعب الفلسطيني لمواجهة أسوأ السيناريوهات المحتملة.

وفي هذا الجانب أثبتت المقاومة والشعب الفلسطيني خلال العامين الماضيين قدرة فائقة على استفزاز واستثمار الطاقات الكامنة لدى هذا الشعب في مقارعة الاحتلال والصمود في وجه حملاته العسكرية.

فقد أصبح ميزان الخسائر البشرية مع نهاية العام الثاني (3) شهداء فلسطينيين مقابل قتيل صهيوني، مقارنة بـ (11) شهيدا فلسطينيا مقابل كل قتيل صهيوني خلال العام الأول للانتفاضة الأمر الذي يشير إلى التطور النوعي في أداء المقاومة ومدى القدرة على التأقلم والاستفادة من التجارب الميدانية.

ولكن برغم هذا النجاح، فإن طبيعة التحدي المصيري تتطلب من المقاومة الفلسطينية البحث في الكيفية والوسيلة والأداء الناجع والقادر على مواجهة كل ما هو مستجد بحيث تثبت للعدو الصهيوني أنه مع كل اجتياح أو اعتداء سيتكبد خسائر فادحة وأن الشعب الفلسطيني قادر على المواصلة وأن الاعتداءات لن تزيده إلا قوة وإصراراً وأن الفشل والاندحار سيكون من نصيبه.

 

2- الرأي العام العالمي:

كثيراً ما يدور الجدل في الوسط الفلسطيني حول كسب الرأي العام العالمي لصالح القضية الفلسطينية وخاصة الرأي العام لدى الدول الغربية كونها تمثل الوزن الأثقل مقارنة بالدول والقوى الأخرى، ولكن المشكلة تكمن في فلسفة وكيفية كسب هذا الرأي العام العالمي، حيث يعتقد البعض - وخاصة ممن هم في قمة السلطة الفلسطينية وممن أفرزتهم اتفاقات أوسلو- أن كسب هذا التأييد يتطلب وقف المظاهر (العنيفة) لمقاومة الشعب الفلسطيني واستبدال هذه الوسيلة  بوسيلة المقاومة السلمية حتى يبدو الشعب الفلسطيني شعباً متحضراً وغير "إرهابي"، فضلاً عن ترويجهم أن الكف الفلسطيني لا يستطيع أن يلاطم المخرز الصهيوني!!

وحقيقة الأمر أن هؤلاء ينطلقون من نظراتهم الشخصانية ومصالحهم الخاصة وكون الانتفاضة جردتهم من الامتيازات التي حازوا عليها جراء الولاء والمدافعة عن الأمن الصهيوني الذي نصت عليه اتفاقات أوسلو وتوابعها، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن هذه الرؤية فيها تجنٍ على الشعب الفلسطيني ومقاومته وقلب للحقائق، فالإرهاب هو الاحتلال ومقاومته مشروعة باعتراف الشرعية الدولية، فكل الشعوب التي تحررت من الاحتلال تحررت عبر المقاومة والمثال الغربي الأبرز على ذلك المقاومة الفرنسية للاحتلال النازي.

أما فصائل المقاومة  ومعها الشعب الفلسطيني فبرغم اهتمامها بالرأي العام العالمي فإنها ترى أن كسبه لا يكون على حساب الحقوق الوطنية الفلسطينية، ويتحقق من خلال تعزيز قوة الفلسطينيين والعرب وليس من خلال تقديم التنازلات للعدو، ويرجعون تشويه المقاومة الفلسطينية في الغرب إلى الآلة والسيطرة الصهيونية على وسائل الإعلام، الأمر الذي يلقي عبئاً على القطاعات والمؤسسات المدنية الفلسطينية والعربية للتحرك في أهم المراكز والعواصم العالمية ومن خلال الاتصال بمراكز التأثير في صناعة ا لقرار لكشف الحقيقة وإزالة التزوير الذي يقوم به الصهاينة، خاصة وأن العديد من الشعوب الغربية وغيرها بدأت تكتشف فظائع الإرهاب الصهيوني، وبدأت تدرك وتساند الشعب الفلسطيني في مقاومته ضد الاحتلال، وما المظاهرات التي شهدتها العواصم الغربية دعماً للشعب الفلسطيني في الذكرى السنوية الثانية للانتفاضة - خاصة المظاهرة النصف مليونية في لندن، وكذلك في واشنطن وبرلين وروما - إلا شاهد على ذلك، الأمر الذي يفتح تحدياً جديداً للصهاينة في قطاع طالما احتكروه لصالحهم، فقد أعلن مصدر في مكتب رئيس حكومة الكيان الصهيوني بتاريخ 29/9/2002م أن "الانفجار قادم بيننا - أي الصهاينة - وبين الصحفيين الأجانب، إنهم منحازون وموالون للعرب ويخوضون ضدنا الحرب بواسطة تقارير كاذبة" حسب ادعاء المصدر، كما كشف مكتب الصحافة الحكومية عن نية الكيان الصهيوني طرد مئات الصحفيين الأجانب تحت ذرائع مختلفة في محاولة لحجب الممارسات الإرهابية الصهيونية عن الرأي العام العالمي.

 

التحديات الداخلية

3- الإدارة الذاتية:

خلال عامين من الانتفاضة والمقاومة تعرض الشعب الفلسطيني لأبشع أنواع الإرهاب والقتل والتدمير الذي أتى على معظم البنى التحتية في الضفة والقطاع بالإضافة إلى ارتفاع معدل الفقر ليصل إلى 65% تقريباً بسبب الحصار الصهيوني العسكري لمدن وقرى الضفة والقطاع.

وهذه سياسة احتلالية مقصودة تهدف لكسر روح الصمود لدى الشعب الفلسطيني ومن ثم التخلي عن المقاومة ورفع راية الاستسلام الأمر الذي فشل فيه الاحتلال لحد الآن.

وفي الوقت الذي ندرك فيه أن التعويل على السلطة الفلسطينية أصبح غير مجد بسبب تدمير بنيتها المؤسساتية من جهة ومن جهة أخرى بسبب الفساد الإداري والمالي المستشري أصلاً في القيادة قبل الانتفاضة وبعدها الأمر الذي يستدعي تطوير آليات التنسيق والتعاون بين الفصائل الفلسطينية المقاومة والمجتمع المدني الفلسطيني لرسم تصور ووضع آليات ووسائل الإدارة الذاتية القادرة على تسيير الشأن الفلسطيني اليومي في ظل الحصار ولتمكين الشعب الفلسطيني من الصمود، ففي صموده صمود للمقاومة وتعزيز لبرنامجها المقاوم، كما أن الشعب الفلسطيني لديه الطاقة والإمكانية على مثل هذه الإدارة في ظل الاحتلال، فهو الذي مارس أعلى درجات الإدارة الذاتية في مجال التعاضد الاجتماعي، والثقافي، والتعليمي، والصحي، والإدارة البلدية خلال سبع سنوات في انتفاضة الحجارة في العام 1987، وكما هو الآن في ظل انتفاضة الأقصى.

 

4- الوحدة الوطنية:

كانت وما زالت الوحدة الوطنية تشكل هاجساً في الشارع الفلسطيني، وتحظى باهتمام بالغ لدى معظم الأطر الفلسطينية، فالشعب الفلسطيني يدرك مدى أهميتها لتنسيق وتكامل الجهود الوطنية في مواجهة الاحتلال ودحره، كما أنها أهم دعامة لصموده في وجه أشرس احتلال عرفه القرن العشرين والواحد والعشرين، ولعل انتفاضة الأقصى والمقاومة كانت الفرصة الأمثل لإبراز وبلورة هذه الوحدة وصونها ومن ثم إفراز وتشكيل أطر وطنية تعبر عن هذه الوحدة مثال اللجنة الوطنية العليا للمتابعة.

ولكن التحدي الأبرز في هذا الجانب هو خروج السلطة الفلسطينية وجزء من حركة فتح بين الفينة والأخرى للدعوة إلى وقف بعض وسائل المقاومة وخاصة الاستشهادية منها استجابة لضغوط خارجية ومطالب صهيو - أمريكية الأمر الذي ينذر أحياناً بالتأثير سلباً على الوحدة الوطنية الفلسطينية، هذا من جانب، أما من جانب آخر فإن هذا الجزء من فتح بالإضافة إلى ما تبقى من قيادة السلطة ينادون أحياناً بوقف المقاومة لإعطاء الفرصة للقيادة السياسية في السلطة بحجة ضرورة استثمار الفعل المقاوم من خلال تفاهمات وصفقات سياسية مع الطرف الصهيوني.

وما يثير الريبة، أن من يدعو لهذه الدعوات هم أنفسهم الذين تجندوا لتنفيذ اتفاقية أوسلو، الأمنية الجوهر، على مدى عشر سنوات عجاف لم تجلب للشعب الفلسطيني سوى التفريط بالحقوق، والارتهان بالاحتلال من خلال إدارة حكم ذاتي مرتبط حيوياً بالاحتلال.

كما أن هذه السلطة برغم ما اعتراها ويعتريها من فساد، فإن دعواتها تأتي في ظل ضغوط ومطالب صهيو - أمريكية للإصلاح ( المقصود به الإصلاح الأمني) حسب المعيار والرؤية الصهيونية، ولذلك انصب الجهد في الآونة الأخيرة لتوحيد الأجهزة الأمنية تحت قيادة اللواء عبد الرزاق المجايدة (وزير الداخلية) الذي أعلن منذ تسلمه لمنصبه بأن مهمته منع كل ما هو خارج عن القانون، والمقصود به طبعاً المقاومة بالدرجة الأولى، هذا بالإضافة إلى إعادة هيكلة وتدريب الأجهزة الأمنية الفلسطينية بإشراف أمريكي وبمساعدة بعض الدول العربية.

ولكن هذه الدعوات (وقف المقاومة والعودة لطاولة المفاوضات) من الراجح أنها لن تجد لها صدى وأثراً كبيراً في الوسط الفلسطيني بعد التجربة المريرة التي عاشها الفلسطينيون بعد اتفاقية أوسلو وبعد أن شاهد المواطن الفلسطيني السلوك والأداء السياسي السلطوي الفاسد، هذا بالإضافة إلى ترسخ القناعة لدى الفلسطينيين بعدم جدوى مقولة التعايش مع الاحتلال الذي مارس أقسى وأشد أنواع الإرهاب خلال العامين الماضيين من الانتفاضة، الأمر الذي يعني تمسك معظم الشعب الفلسطيني ببرنامج المقاومة كخيار أمثل على طريق دحر الاحتلال مما يعطي مؤشراً إيجابياً تجاه صون الوحدة الوطنية كأحد إنجازات المقاومة خاصة بعد أن انحاز قطاع كبير من حركة فتح (كتائب شهداء الأقصى) لخيار المقاومة.

وعلى عتبة العام الثالث فإن التحدي الأكبر هو مدى قدرة الفصائل الفلسطينية على صوغ رؤية سياسية مشتركة تدفع إلى تقارب البرامج على تنوع خلفياتها الأيدلوجية خاصة بعد أن تحققت الوحدة الوطنية الميدانية من خلال تبني خط المقاومة والعمل المشترك لدعم صمود شعبنا الفلسطيني، وذلك حتى تتوفر البيئة الأنسب للمقاومة والصمود ولقطع الطريق أمام الضغوط الصهيو - أمريكية الرامية لشق الصف الوطني ووقف الانتفاضة ودفع الشعب الفلسطيني إلى اليأس والاستسلام.

مستقبل الانتفاضة في ضوء التحديات

لا شك أن الشعب الفلسطيني بمقاومته ضرب مثلاً في الصمود والتضحية والعطاء وأثبت أنه يمتلك طاقة وإيماناً هائلاً بحقوقه الوطنية مكنته من الاستمرار في مقاومة الاحتلال بعزيمة وإرادة صلبة فاقت كل التوقعات.

ورغم التحديات الهائلة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني  بعد مضي عامين على استمرار الانتفاضة إلا أن هناك العديد من العوامل التي تعزز إمكانية استمرار الانتفاضة والمقاومة ومنها:

1- فشل خط التسوية السياسية بعد أن تكشفت حقيقة اتفاق أسلو وفشله في تحقيق أي إنجاز للشعب الفلسطيني.

 

2- تقدم برنامج المقاومة للصدارة حتى أضحى ثقافة عامة للشعب الفلسطيني كخيار أمثل لدحر الاحتلال بعدما صدقت رؤية القائمين والداعين له، وبعد ما استطاع أن يهز أركان الكيان الصهيوني من خلال الاستنزاف الكبير والمتواصل لجميع القطاعات الصهيونية، الأمر الذي يعزز صمود الشعب الفلسطيني ويحافظ على وحدته الوطنية كأبرز إنجاز حققته الانتفاضة.

 

3- تؤكد الأحداث الدامية والمجازر التي يقترفها الاحتلال أن "شارون" وحكومته الصهيونية لا تملك أي مشروع "للسلام" أو التسوية سوى العمل على قمع الشعب الفلسطيني وتقتيله بغية هزيمته من أجل فرض الأجندة الصهيونية للحل الرامية لإبقاء الفلسطينيين رهينة الاحتلال بمسمى دولة حسب الرؤية والمعايير الصهيونية.

 

4- تشير المعطيات أن كل الدعوات الأمريكية لإصلاح السلطة (الإصلاح الأمني) إنما ترمي لإيجاد بدائل "قيادية" أكثر طواعية وتلبية لحاجة الكيان الصهيوني الأمنية، ولتهيئة الطريق للمخطط الرامي لضرب العراق ومن ثم كل دول الصمود العربي لفرض الهيمنة الصهيو أمريكية على المنطقة من خلال وقف الانتفاضة والمقاومة التي أصبحت تمثل الحصن الأمامي في وجه العدوان المستمر على الشعب الفلسطيني والاعتداء المرتقب على المنطقة العربية والإسلامية خاصة وأن الإدارة الأمريكية لا تتوانى عن محاولة فرض هيمنتها حتى على ثقافة المنطقة وطمس هويتها القيمية والحضارية، كما ورد على لسان مستشارة الأمن القومي الأمريكي "كونداليزا رايس" المدعية باضطلاع الولايات المتحدة الأمريكية بدور الوصي على الديمقراطية في المنطقة العربية والراعية لها!!

الأمر الذي يشكل تحدياً حقيقياً يجعل من المقاومة والانتفاضة الفلسطينية وسيلة وحاجة عربية وإسلامية لوقف هكذا عدوان على مقدرات المنطقة وصوناً لعزة الأمة وحضارتها، ويجعل كذلك استمرار برنامج المقاومة المحفّز الأول لتحريك الأمة، خصوصاً وأن العدوان المتوقع على العراق سيعزز - في حال نجاحه في تحقيق أهدافه - من هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على المنطقة وسيضعف النظام الرسمي العربي الذي سيكون المستهدف التالي مما سيزيد من حاجة هذا النظام إلى التيار الشعبي الذي يشكل الوضع الفلسطيني بانتفاضته ومقاومته العامل الأساسي في تفعيله.