|
الانتخابات الصهيونية.....النتائج والتداعيات
أجريت في
الكيان الصهيوني بتاريخ 28/2/03م انتخابات سياسية لاختيار أعضاء
الكنيست الصهيوني التاسع عشر، ورغم أن نتائجها لم تخرج عن السياق
المتوقع والذي رسمته استطلاعات الرأي قبل يوم الاقتراع، إلا أن
المفاجأة تجلت في الأوزان النسبية للأحزاب الصهيونية الأمر الذي
سيكون له تأثيراته على الساحة السياسية وتحالفاتها داخل الكيان
الصهيوني ، كما سيكون له تداعيات وانعكاسات على الوضع السياسي
والميداني على صعيد الصراع المحتدم بين شعبنا والعدو.
ولعل من
المفيد قبل الولوج إلى حيثيات الانتخابات الأخيرة ، أن نحدد جملة
من القضايا الرئيسية التي تحدد اتجاهات الرأي العام الصهيوني
وبالتالي تنعكس تلقائياً على السلوك الانتخابي لشرائح الناخب
الصهيوني ، وهي قضايا جوهرية ترتبط بوجود واستمرار هذا الكيان
، وأهمها ما يلي:
1- الوضع
الأمني : حيث إن الكيان الصهيوني بصفته كياناً إحلالياً غريباً عن
نسيج المنطقة وهويتها، يقوم على أساس عقدة الأمن المطلق، وأي تهديد
جدي لمرتكزاته الأمنية يعني تهديداً وجودياً للكيان كنسق اجتماعي
ونظام سياسي ومن هنا كانت عقدة الأمن الجماعي والفردي من أولى
أولويات الناخب الصهيوني والمحدد الأساسي لخياراته السياسية.
2- الوضع
الاقتصادي: فالكيان الصهيوني قائم على محاولة توفير الرخاء لليهود،
وحل مشكلات الجاليات اليهودية الاقتصادية عبر تشجيعها على الهجرة
إلى فلسطين، في ظل وجود وعود بالجنة الموعودة في أرض اللبن والعسل
، ومن هنا تأتي أهمية توفير شبكة واسعة من الخدمات الاجتماعية
والصحية ومستوى معيشي مرتفع نسبياً ، وأي خلل في هذا النظام قد
يضعف من الاندفاع للهجرة ، ويؤدي إلى إضعاف ما يسمى بالحلم
الصهيوني .
3-
التفاعلات الداخلية: بلا شك فإن المجتمع الصهيوني الذي تمت صياغته
عبر عملية قسرية حشرته في بقعة جغرافية محدوة ، بقي في حالة من عدم
إكمال الانسجام الداخلي مما أدى إلى بروز تيارات فكرية وسياسية
ومصلحية وانشقاقات متواصلة في الأحزاب بكافة توجهاتها . إضافة إلى
ذلك ، ونتيجة لتعدد الأماكن التي جاء منها المستوطنون اليهود
والتباينات السياسية والاجتماعية والاقتصادية فيما بينهم ، حالة
صراع وتدافع ، سواء بين الشرقيين (السفارديم) أو الغربيين
(الاشكناز) أم بين العلمانيين والمتدينين (الحرديم) . وكذلك الحالة
بين اليمين واليسار وطروحاتهم السياسية ولذلك فإن نتائج أي
انتخابات إنما هي نتاج التفاعل بين مختلف هذه ا لتيارات والشرائح.
4- سبل
حل الصراع : حيث إن ظروف النشأة للكيان الاستيطاني الاحلالي، وما
استتبعه ذلك من صراع مع الشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال ،
أبقت هذا الكيان في حالة صراع وعدم استقرار الأمر الذي دفع
السياسيين الصهاينة إلى إعادة النظر في استمرار احتلال جميع أراضي
فلسطين نظراً لفداحة الثمن المترتب على ذلك . ولذلك شهد الفكر
الاحتلالي الصهيوني تراجعاً كبيراً منذ انتفاضة 1987، وأدى ذلك إلى
تفاقم حدة الخلافات والتباينات في المجتمع الصهيوني، وأصبحت وسائل
تسوية الصراع تشكل عنصراً مهماً في الانتخابات الصهيونية.
5-
العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية: فقد ارتكز المشروع
الصهيوني منذ نشأته على قوة دولية تتبناه وترعاه وتوفر له الحماية
والغطاء السياسي والعسكري والاقتصادي . وفي بداية هذا المشروع تولت
بريطانيا هذا الدور ، ومنذ قيام الكيان تتولى الولايات المتحدة
الأمريكية مهمة حمايته على مختلف الأصعدة ، ولذلك فإن المجتمع
والنخبة الحاكمة تدرك هذه العلاقة وطبيعتها ، وتحرص على تطويرها
والمحافظة عليها من خلال تطوير دور اللوبي الصهيوني في الكونجرس
وتغلغل اليهود في المجتمع الأمريكي . كما أن العلاقة مع أمريكا لها
تأثير في الوضع الصهيوني الداخلي وتؤثر تأثيراً مباشراً على سياسات
الحكومات الصهيونية وتؤثر كذلك على توجهات الناخب الصهيوني.
خلفيات الانتخابات الأخيرة:
جرت
الانتخابات الأخيرة يوم 28/2 في ظل مجموعة من المتغيرات والأحداث
التي أدت إلى تقديم موعد الانتخابات ورسمت صورة الخريطة السياسية
الصهيونية خلال الانتخابات وبعدها، وأهم هذه العوامل يتمثل في:
1-
تدهور الأمن والاقتصاد الصهيوني: وذلك بفعل
تداعيات وآثار الانتفاضة ، حيث وصلت الأوضاع الأمنية أسوأ حالاتها
خلال العامين الماضيين في ظل حكومة ا لائتلاف الصهيوني برئاسة
شارون ، وكان عام 2002م ذروة ذلك التدهور ، وقد توازى ذلك مع تراجع
شامل في الاقتصاد من حيث عجز الميزانية وتدهور دخل الفرد وتراجع
حجم الاستثمارات الأجنبية وهروب رأس المال إلى الخارج وارتفاع نسبة
البطالة وتراجع قطاعات السياحة وصناعة التكنولوجيا وغيرها من
القطاعات مما انعكس على الواقع السياسي في ظل العجز من الخروج من
المأزق.
2-
النزاع بين العمل والليكود : رغم نجاح شارون في
المحافظة على ائتلافه الحكومي لمدة عامين ، ونجاحه في استخدام
العمل كغطاء لبرنامجه السياسي والأمني ، إلا أن ذلك لم يلغ
الفروقات في الرؤية السياسية والاقتصادية بين الحزبين ، ورغم أن
شارون استطاع بتكتيكات ومناورات عديدة واعتماداً على رغبة قادة حزب
العمل في الاستمرار بالحكم أن يبقى على رأس الائتلاف إلى أن تفجرت
أزمة الميزانية ، حين قلص شارون ميزانية الدفاع والتأمين الاجتماعي
لمصلحة المستوطنين وقطاعات اليمين الانتخابية الأمر الذي اعتبره
رئيس حزب العمل آنذاك بن اليعازر سبباً كافياً للخروج من الحكومة
وإنهاء الائتلاف الحكم والتوجه إلى انتخابات مبكرة.
3-
الصراع على زعامة الليكود والعمل: حيث ظل شبح
نتنياهو يلاحق شارون على زعامة الحزب ، حيث ظل يزايد على شارون
وإجراءاته القمعية وخياراته السياسية وخاصة فيما يتعلق بقبول إقامة
دولة فلسطينية على أجزاء من الضفة وغزة. وبعد أزمة الميزانية، قرر
شارون التخلص من نتنياهو عبر الانتخابات الداخلية استعداداً
للانتخابات برلمانية وذلك للحصول على تفويض جديد من الحزب والمجتمع
الصهيوني.
وفي
المقابل فإن بن اليعازر وبعد أن تخلص من ملاحقة ومنافسة ابراهام
بورغ رئيس الكنيست الصهيوني ، وقع تحت وطأة منافسة كل من حاييم
رامون وعمرام متسناع الذي سطع نجمه فجأة ، وبدأ يتصدر استطلاعات
الرأي داخل الحزب ، فكان انسحاب بن اليعازر من حكومة شارون خطوة
تكتيكية لتعزيز مكانته الانتخابية داخل حزب العمل ، ومعسكر اليسار
عموما ً، والبروز كقائد قادر على اتخاذ قرارات حاسمة لمصلحة الحزب
وبرنامجه السياسي وشرائحه الاجتماعية التي يدعمها ، بيد أن حاجة
الحزب إلى التجديد وإعادة البناء في مواجهته استحقاق الانتخابات
المبكرة أدى في النهاية إلى انتخاب ميتسناع كبديل يساري عند بن
اليعازر الذي مثل يمين حزب العمل الصهيوني.
نتائج الانتخابات:
أظهرت
الانتخابات الصهيونية إقبالاً هو الأضعف منذ تأسيس الكيان حيث بلغت
نسبة التصويت 69% ، وقد فاز حزب التكتل (الليكود) بـ 38 مقعداً وحل
ثانياً العمل (المعراخ) بـ 19 مقعداً ، واحتلت حركة التغيير
(شينوي) المرتبة الثالثة بواقع 17مقعداً، وحل رابعاً حزب المتدينين
الشرقيين (شاس) بواقع 11 مقعداً وقد فازت الاحزاب العربية مجتمعة
بتسعة مقاعد، والاتحاد الوطني بزعامة أبغدور ليبرمان بسبعة مقاعد،
وميرتس بخمسة مقاعد، والمفدال بستة مقاعد ، وتوزعت بقية المقاعد
على يهودت هاتوراة (2) وإسرائيل بعليا (2) وآحاد عام (3).
يلاحظ مما
تقدم أن اليمين الصهيوني قد حصل على أغلبية كبيرة في الكنيست
الصهيوني بلغت 69 مقعداً، يأتي الليكود في مركزها بثمانية وثلاثين
مقعداً، وهو ما يدل بصورة واضحة على توجه الناخب الصهيوني ومزاجه
اليميني المتطرف، الذي يرى في سياسة شارون الاستئصالية الحل
والمخرج، وبرغم إخفاقات شارون في مختلف المجالات بدءاً من الأمن
ومروراً بفضائح الفساد الشخصية، وانتهاء بالاقتصاد، إلا أن الناخب
الصهيوني ظل ينظر إليه باعتباره المخلص من المأزق الحالي ، وهنا
يلاحظ جلياً تصدر أولوية الأمن لدى الصهاينة على مختلف الأولويات
الأخرى ، حيث وجد الصهاينة أن شارون رغم إخفاقاته استطاع أن يخفف
من وتيرة العمليات الاستشهادية عبر حملات القمع والمذابح التي
ارتكبها، بل وقام بتصعيدها إبان الحملة الانتخابية.
ولعل من
أهم العوامل التي خدمت الليكود للفوز بهذه الانتخابات وحدته
الداخلية وحسم مسألة الزعامة بيد شارون، حيث دخل الحزب الانتخابات
وهو في حالة من الثقة تعززها استطلاعات الرأي ، ورغم العاصفة التي
أثيرت حول نزاهة شارون وعائلته، إلا أنه استطاع تجاوزها والاستمرار
في التصاعد ومراكمة التأييد.
كما استفاد
الحزب من ارتفاع نسبة تأييده في شرائح محددة من المجتمع الصهيوني ،
حيث نجح الحزب في الحصول على أصوات 40% من الناخبين الجدد وهم
الشباب والمراهقين الذين يبلغون سن التصويت القانونية لأول مرة ،
في حين لم يحصل العمل سوى على 17% منها، كما ذهبت الكثير من أصوات
المهاجرين الروس إلى الليكود وذلك كرغبة في الاندماج بالمجتمع
والأحزاب الصهيونية الكبيرة حيث خسر حزب المهاجرين الروس (إسرائيل
بعليا) معظم مقاعده فلم يحصل سوى على مقعدين فقط، وذهبت بقية
أصواته لليكود، واستجابة لذلك فإن قيادة الحزب (شيرانسكي)في طريقها
للاندماج مع الليكود مما يرفع عدد أصوات الليكود في الكنيست إلى 40
عضواً، باعتبار أن الحزب قد أدى دوره في دمج المهاجرين الروس في
المجتمع الصهيوني.
ومن
الشرائح التي دعمت اليمين الصهيوني بصورة كبيرة الناخبون المنتمون
للجيش الصهيوني، حيث حصل الليكود على مقعد اضافي ليصل إلى 38
مقعداً بفضل تصويت الجيش، كما حصل المفدال على مقعد آخر ليصبح لديه
6 مقاعد، وهذا الاتجاه في التصويت يتوافق مع دراسة حديثة في الجيش
الصهيوني، وجدت أن 40% من جنود وضباط هذا الجيش ذوي الرتب المنخفضة
والمتوسطة يرتدون قبعات المتدينين، في حين لا يلبسها سوى اثنان فقط
من ضباط المقدمة، وهو ما يؤكد أن التوجهات المتدينة تتوغل بصورة
متسارعة في صفوف الجيش الصهيوني، وان كثيراً من هؤلاء الضباط خريجو
مدارس المتدينين التي تدفعهم للتطوع والعمل في الجيش الصهيوني،
ويقف حزب المتدينين الوطنيين (المفدال) على رأس من يدعون إلى دخول
الجيش والاستيطان في الضفة وغزة.
وفي مقابل
التقدم الكبير الذي حققه اليمين، فإن معسكر اليسار مني بخسارة
تماثل خسارة الليكود في انتخابات 1999م، فقد خسر العمل سبعة مقاعد
وحزب ميرتس أربعة مقاعد، بينما خسرت الأحزاب العربية مقعداً
واحداً، بما يعني أن مقاعد كتلة اليسار والتي تضم الأحزاب العربية
مجتمعة لا تتجاوز 33 مقعداً، أي أنها مجتمعة حصلت على اقل مما حصل
عليه الليكود وحده، حتى وإن شكل اليسار والوسط كتلة نيابية فهي لن
تتجاوز 50مقعداً.
ولعل تفسير
ذلك يكمن جزئياً في الأسباب التي أدت إلى فوز اليمين حيث ميل
المجتمع الصهيوني بمختلف شرائحه إلى اليمين والتطرف، بيد أن لهذه
الهزيمة أسباب أخرى متعلقة بالأداء السياسي لأحزاب اليسار
الصهيوني، فقد حمّل المجتمع الصهيوني حزب العمل كافة الإخفاقات
الأمنية والسياسية والاقتصادية للسنوات الماضية، وقد حاكمه عليها
عبر صناديق الاقتراع، فاوسلو وباراك هو المسؤول عن اندلاع
الانتفاضة ، خاصة في ظل نجاح شارون وبمشاركة من حزب العمل في
تصويره اليسار باعتباره المسؤول عن جلب السلطة وعرفات، ومن جهة
ثانية فإن الصهاينة لم يحفظوا للعمل دخوله حكومة شارون الائتلافية
كرد على الانتفاضة، وبرغم أن العمل بوزير دفاعه (بن اليعازر) وزير
خارجيته (بيرس) نفذ كافة سياسات القمع الشارونية وقام بتوفير غطاء
دعائي دولي لحماية شارون وحكومته من المحاسبة والتنديد، فإن العمل
حُمّل وزر المشكلات التي يعيشها الكيان وتم تبرئة شارون من نتائج
سياساته.
لقد كان
لدخول العمل إلى حكومة شارون أثراً بالغاً في غياب دوره، وضعف
تأثيره السياسي، فلم يعد للعمل رؤية سياسية متميزة حيث تماهى مع
سياسيات وبرامج شارون، وقد استطاع الأخير التلاعب بقادة العمل
مستفيداً من رغبتهم الجامحة في الاستمرار في السلطة والحكم، وظل
قادراً على الإمساك بهم عبر مناورات وتكتيكات، وفرت له بقاء الحزب
تحت مظلة حكومته ووفرت له ورقة التوت في مواجهة الولايات المتحدة
الأمريكية والمجتمع الدولي.
وقد أسهمت
الطروحات اليسارية لمتسناع وميرتس ، في ظل المزاج اليميني العام في
الكيان الصهيوني، إلى تراجع مكانة الحزب وحصوله على أسوأ نتيجة منذ
قيامه بتأسيس دولة الكيان الصهيوني ، وهي النتيجة التي حرصت قيادة
الحزب على ألا تصل إلى أقل مما وصل إليه الليكود عام 1999م حيث حصل
على 19 مقعداً فقط، بل إن المخاوف وصلت إلى حد الخشية من تحوله إلى
الحزب الثالث بعد شينوي.
أما على
صعيد الأحزاب العربية فإنها لم تخسر الكثير حيث حافظت على قوتها
الانتخابية بواقع تسعة مقاعد مع خسارة مقعد واحد نتيجة لسوء
التنسيق بينهما، وعدم وجود اتفاقات لتبادل الأصوات الفائضة، حيث
فوتت بذلك الفرصة أمامها للمحافظة على مقعدها العاشر وربما حصلت
على المقعد الحادي عشر.
وكان من
اللافت للأنظار خسارة القائمة العربية الموحدة والتي تضم الحركة
الإسلامية (الجناح الجنوبي ) والحزب الديمقراطي العربي، لنصف
مقاعدها لصالح حزب التجمع الديمقراطي بقيادة عزمي بشارة، واحتفاظ
الجبهة العربية للسلام والمساواة (حداش) بقيادة أحمد الطيبي
بمقاعدها، ويبدو أن المعركة القضائية التي خاضها بشارة والطيبي ضد
قرار لجنة الانتخابات رفض ترشيحهما قد أعطت مصداقية لهما
ولقوائمهما وعزز مكانتهما لدى ا لناخب العربي في الكيان الصهيوني،
وهو إنما يدل على رغبة عربية في النكاية بالأحزاب الصهيونية.
وفي
المقابل فإن مؤيدي الحركة الإسلامية قاطعوا الانتخابات استجابة
لمقاطعة الحركة الإسلامية جناح رائد صلاح لها.
ولعل من
أبرز نتائج هذه الانتخابات هو التقدم الهائل لحركة ا لتغيير
(شينوي) حيث استطاعت مضاعفة مقاعدها على حساب اليسار عموماً وحزب
العمل وميرتس خصوصاً وقد تبوأت الموقف الثالث بواقع 17 مقعداً بعد
الليكود والعمل.
وحركة
شينوي بقيادة يوسف (طومي) لبيد حركة علمانية غربية قضيتها المركزية
الوصول إلى علمنة الكيان الصهيوني، أو إلغاء امتيازات المتدينين
(الحرديم) والتي ترى أنها على حساب المواطن العلماني في الكيان
الصهيوني، وهي حركة لم تتحدد معالمها السياسية إزاء القضايا
الجوهرية، وإن كانت أقرب إلى اليمين الصهيوني منها إلى اليسار ،
وذلك نظراً لعنصريتها الغربية، وإن كانت تصنفت باعتبارها حزب وسط
بين اليمين واليسار.
هذا الفوز المدوي لشينوي له دلالتان هما:
الأولى:
تراجع تأثير المتدينين وخاصة حركة شاس إذ خسرت 6 مقاعد من مقاعدها،
وهو يدل على رغبة في الحد من امتيازات المتدينين ولكنها لا تعني
تلاشي تأثير تلك الأحزاب بل ربما دلت على حالة احتجاجية على خدمات
تلك الأحزاب للشرائح التقليدية المستفيدة منها.
الثانية :
حاجة المجتمع الصهيوني إلى تيار يمثل الوسط السياسي ، وهي مساحة
كبيرة ومتوفرة ولكنها في ذات الوقت متحركة، فقد نشأت أحزاب وسط مثل
(داش ، والمركز) ولكنها تلاشت بسرعة نتيجة لعوامل سياسية وذاتية
لدى هذه الأحزاب، بما يعني أن فوز شينوي الكبير هذا لا يعني
بالضرورة تغييراً جوهرياً ودائماً، خاصة إن لم تحسن شينوي استثمار
هذا الإنتصار وتطوير أدائها للمحافظة على هذا الإنجاز الانتخابي
الكبير.
خيارات شارون الائتلافية :
فتحت نتائج
الانتخابات الباب واسعاً أمام شارون للنظر في خياراته السياسية
والائتلافية ، حيث حصل على تفويض شعبي صهيوني لقيادته ، وأصبحت
لديه كتلة برلمانية كبيرة تحمي خياراته السياسية والأمنية
والاقتصادية ، بيد أن هذه النتائج بلا شك لا تحل المعضلات والمأزق
الناجم عن رغبة شارون ، في الحصول على أفضل الصيغ الائتلافية التي
تخدم رؤيته السياسية والأمنية.
وتتراوح
خيارات شارون بين حكومة ائتلافية موسعة مع العمل وغيره من الأحزاب
، أو بين حكومة يمينية ضيقة ، بيد أن حسم هذا الخيار لا بد أن
يراعي مجموعة من الاعتبارات لدى شارون في حكومته القادمة، وأهم هذه
الاعتبارات:
أ-الرغبة
في الإرتكاز إلى أوسع مظلة برلمانية ممكنة.
ب-الرغبة
في عدم الخضوع لإبتزاز اليمين المتطرف أو اليسار، وأن يحافظ على
برنامجه بتأييد من اليمين وغطاء من اليسار.
ت-إحتواء
أية معارضة حقيقية وفاعلة تمثل البديل السياسي المحتمل لحزبه، خارج
الحكومة سواء في الشارع أم الكنيست.
ث-استثمار
الإنتصار الكبير الذي حققه لفرض برنامجه، والمحافظة على هذا
الإنتصار وترجمة ذلك سواء على الصعيد الداخلي والائتلافي أم على
الصعيد الخارجي في العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية وبعض
الدول العربية.
وانطلاقاً
من هذه الإعتبارات يسعى شارون إلى إقامة ائتلاف حكومي موسع يضم
كلاً من الليكود والعمل وإما الأحزاب الدينية أو شينوي ، وهذا
الخيار الذي ظل شارون يفضله ويردده على الدوام ، بيد أن هذا الخيار
أصبح الآن غير ممكن بسبب توصل مركز الحزب إلى قرار برفض الدخول في
حكومة وحدة متجاوباً بذلك مع رغبة زعيمه عميرام متسناع ، مما يعني
توجه الحزب إلى المعارضة والبناء الداخلي للحزب باعتبار أن دخول
الحزب إلى حكومة قيادة شارون سيعني نهايته السياسية كما انتهت
أحزاب أخرى مثل (حيروت).
ويبدو أن
تكتيك شارون المستند إلى ممارسة مختلف الضغوط على العمل للموافقة
على الائتلاف وخاصة لدى بيريز عبر الإستفادة من هزيمة الحزب وضعف
إنجاز ميتسناع في الانتخابات والفروقات في المواقف إزاء المشاركة
داخل قيادة الحزب قد فشل.
ولذلك
فربما يلجأ إلى تشكيل حكومة يمينية ضيقة ترتكز إلى 69 مقعداً مع
الاتحاد الوطني بقيادة ليبرمان، أو حكومة يمينية تتمتع بتأييد 62
عضواً بدون ليبرمان، لما قد يمثله من حالة عدم استقرار في الحكومة،
ويحتمل أن تنضم حركة أحاد عام بثلاثة مقاعد إلى الحكومة فيصبح
لديها 65 مقعداً، كما أن حركة شينوي لديها رغبة جامحة في دخول
الحكومة شرط ألا يكون فيها حركة شاس، وهو ما ينبغي لشارون أن يوازن
بينهما ويحسم خياراته فيه.
إن خيار
الحكومة اليمينية الضيقة (62 عضواً) يعتبر أسوأ الخيارات بالنسبة
لشارون ، حيث سيضيق عليه هامش المناورة ، على الصعيد السياسي
والميداني ، وسيزيد الضغوطات الدولية على حكومة شارون ، خاصة في ظل
غياب حزب العمل وبيريز الذي وفر له غطاء جيداً عبر حملات العلاقات
العامة التي قام بها لمصلحة شارون وطروحاته.
لذلك مهما
اختلفت صورة التشكيك والائتلاف فسيظل يعكس قوة اليمين وعنفوانه
الانتخابي سواء إشراك العمل أو شينوي في الائتلاف أم لم يشتركوا ،
أكان ذلك بصورة مؤقتة في حكومة طوارئ أو حكومة ائتلافية ، وتظل
الاحتمالات رغم ذلك مفتوحة على مصراعيها لتغيير الموقف وتشكيل
الحكومة الصهيونية القادمة .
تداعيات الانتخابات الصهيونية:
إن أية
حكومة صهيونية قادمة ومهما اختلفت صورة تحالفاتها فإن برنامج
اليمين سيكون طاغياً عليها، كما كان الحال في حكومة شارون السابقة،
ومن ثم فإنها ستكون امتداداً فعلياً لسياسات تلك الحكومة ، وفي هذه
المرة في ظل دعم يميني أكبر يشكل السند والغطاء الداخلي الصهيوني
لأي خطوات تصعيد ضد شعبنا إضافة إلى الدعم من الحكومة اليمينية
الأمريكية ، ومن هنا فمن المؤكد أن حملات القمع المتواصلة ستستمر ،
وربما أخذت منحنى تصاعدي أكثر حدة، خاصة في ظل انشغال العالم
بالعدوان على العراق. وبرغم أن خيارات الإرهاب والقمع الصهيوني
باتت محدودة في الضفة الغربية التي يحتلها بالكامل ، فإن التصعيد
قد يأخذ منحى التوجه نحو قطاع غزة سواء بالإقتحام الشامل أم بزيادة
وتيرة الاقتحامات الجزئية وإجراءات العقاب الجماعي وهدم المنازل ،
في إطار رؤية شارون القائمة على الحسم الأمني والعسكري للانتفاضة
والمقاومة.
إن أي تحرك
سياسي أمريكي أو أوروبي أو إقليمي سيعمل شارون على إفراغه من
مضمونه، وتحويله إلى برنامج أمني يخدم هدفه وطريقته للتعامل مع
الوضع الأمني والسياسي، ومن هنا فإن شارون سيعمل على التفاهم مع
إدارة بوش اليمينية لتجاوز خارطة الطريق . فرغم تبنيه لخياراته
المتعلقة بأولوية الوضع الأمني والإصلاح داخل السلطة إلا أن تحفظه
على البند المتعلق بتجميد الاستيطان وإقامة دولة فلسطينية في
المستقبل وفق جدول زمني سيؤدي إلى بذله كل الجهود لتجاوزها،
وانتظار ضرب العراق، وما قد ينتج عنه من ظروف إقليمية ودولية تسهم
في فرض رؤيته بالقوة على الشعب الفلسطيني والجانب العربي، وخاصة أن
هذه الرؤية تتوافق مع رؤية متنفذين في الإدارة الأمريكية منهم
تشيني ورامسفيلد ورايس وريتشارد بيرل من البنتاغون، والذين يرون أن
الحل في المنطقة يجب أن يفرض فرضاً على الأطراف وأنه لا ينبغي
استرضاء العرب لفرض الحل في المنطقة وضرب العراق ربما يمهد لهذا
الحوار.
فإن حاولت
إدارة بوش فرض خيارات لا يرضاها شارون فإنه سيعمل على تحريك عوامل
الضغط على الإدارة الأمريكية والمتمثل في اليمين المسيحي والقومي
الصهيوني وغيرها من الأطراف من جهة، والعمل على دحرجة أي خطة إلى
ربيع عام 2003م حيث تبدأ إرهاصات الانتخابات الأمريكية الرئاسية
بما يضعف خيارات إدارة بوش في الضغط على شارون.
وفي هذا
الإطار فإن شارون سيسعى إلى المحافظة على علاقاته مع الإدارة
الأمريكية، وتعميق التفاهمات السياسية معها، وخاصة فيما يتعلق
بأولوية إزاحة عرفات عن السلطة ، باعتباره العقبة الوحيدة أمام
التسوية ووقف المقاومة، بيد أن عرفات وإبعاده لا يعكس بالضرورة
الموقف من السلطة والذي لا يزال خياراً سياسياً وأمنياً ومصلحة
صهيونية لا ينوي شارون أو أمريكيا أن تخسره إلا إذا توفرت لديها
بدائل أخرى بمواصفات صهيو – أمريكية.
بلا شك
انتخاب شارون المتزامن مع الضرب الأمريكية للعراق سيؤدي إلى
تداعيات وآثار ربما زادت من وتيرة الضغوط الميدانية السياسية على
المقاومة بيد أنها لن تؤدي إلى تغييرات جوهرية على معادلة الصراع
وحقوق شعبنا ومقاومته، وسيظل نهج وخيارات شارون تسمح بهامش مناورة
للمقاومة.
|