الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

في هذا القسم

 

 

عودة

 

 

مأزق الاحتلال الأمريكي في العراق وأثره على القضية الفلسطينية

 

تـوطـئة

مضى عام على سقوط بغداد (9/4/2003)، واحتلال الجيش الأمريكي-البريطاني للعراق، عام حافل بالأحداث والتطورات، سقط خلاله نظام صدام حسين واعتقل هو ومعظم القيادة العراقية السابقة، لتحل محلها إدارة أمريكية مباشرة، بقيادة جاي جارنر ثم بول بريمر، وإدارة عراقية (مجلس الحكم الانتقالي) تم تعيينها من قبل الاحتلال، وذلك بعد أن تم حل مختلف المؤسسات السيادية العراقية، فجرى تسريح الجيش العراقي وأجهزة الأمن والشرطة وحل الوزارات المختلفة، وأطلقت الأيدي العابثة لتعيث فساداً في العراق بطريقة مقصودة ومنهجية، لتدمير ما تبقى من حاضر وماضي العراق، ولإفساح المجال للاحتلال الأمريكي لإعادة تشكيل العراق من جديد وفقاً للرؤية الأمريكية، عراق منبت الجذور غريب عن ذاته خصم لمحيطه العربي والإسلامي.

 

ولكن الواقع الذي بدا طيعاً للاحتلال في أسابيعه الأولى، بفعل أثر الصدمة والارتباك، أخذ بالتطور بطريقة أكثر تعقيداً وتداخلاً، وغدا جامحاً صعب القياد لإرادة المحتل، فقد بدأت القوى الشعبية العراقية تبلور أدواتها وتتخذ لنفسها مرجعيات دينية وسياسية، أما المقاومة العراقية فقد نظمت صفوفها أكثر.

 

وفي مقابل ذلك فإن مبررات الحرب قد تهاوت في ظل اتضاح زيف الأدلة التي ساقتها أمريكا وحليفاتها، كما أن أسلوب وأداء القوات الأمريكية في قمع الشعب العراقي أطاحت بالشعارات الخادعة التي أعلنتها تلك القوات الغازية من جلب الحرية والديمقراطية للعراق، وتخليصه من قمع النظام السابق، وإذا بالعراق يبتلى بقمع واستبداد أشد وأقسى ولكن بأدوات وأيدٍ أمريكية وأجنبية.

 

خلال عام من الاحتلال اختلف وجه العراق، وتشكل فيه واقع جديد، بعضه بفعل الاحتلال، والبعض الآخر بآليات الفعل الشعبي العراقي، عراق يقف على مفترق طرق، فإما أن يحتوى في سياق الرؤية والمصالح الأمريكية-الصهيونية، وإما أن يستعيد سيادته ويحافظ على هويته، ودوره التاريخي، في إطار الأمة العربية والإسلامية، واقع يعبر عن مخاض عسير، وتدافع عنيف، لحسم المعركة في أي من الاتجاهين، هذا الصراع والتدافع بين إرادة المحتل والإرادة العراقية الوطنية، أفرز واقعاً له تداعياته وامتداداته المحلية والإقليمية والدولية، سيكون لها تأثيراتها العميقة على هوية العراق والمنطقة، وعلى الصراع مع الكيان الصهيوني، بل ويتعدى ذلك إلى إدارات الحكم في دول تحالف الحرب الأمريكية، ومجمل النظام الدولي مستقبلاً.

 

ملامح المأزق الأمريكي:

الواقع العراقي القائم في ظل الاحتلال شديد التعقيد والتشابك، ومن الصعب الإحاطة بتفاصيله وحيثياته، خاصة على المراقب الخارجي لتطور وتداعيات الأحداث اليومية في العراق، إلا أنه بالإمكان رصد وتحديد الملامح العامة للمأزق الأمريكي، وانعكاسات هذا الواقع على الصعيد الإقليمي والدولي وعلى القضية الفلسطينية على وجه الخصوص.    

 

أولاً المأزق الأمني والعسكري:

تمكن الجيش الأمريكي بفضل التفوق النوعي الهائل على الجيش العراقي، تحقيق نصر سهل واحتلال العراق خلال أسابيع محددة، مما أحدث حالة من الإرباك الشديد، وانهياراً للمؤسسة الأمنية العسكرية العراقية، توجت بحل الجيش العراقي وأجهزته السيادية بقرار أمريكي.

 

وما لبث أن تحول هذا النصر السهل إلى حالة ميدانية معقدة، تمثلت في مظاهر الفوضى والنهب والجريمة والعمليات العشوائية ضد الاحتلال وشخصيات سياسية عراقية، وبدا أن جيش الاحتلال غير قادر على السيطرة رغم نجاحه في الاحتلال، أو ربما غير راغب فيها في باديء الأمر. بيد أن المقاومة العراقية بدأت تنظيم صفوفها في وقت قريب نسبياً، وأخذت تمارس المقاومة بصورة متصاعدة، وازدادت تلك المقاومة ضراوة وتنظيماً بعد اعتقال الرئيس العراقي السابق صدام حسين، حيث تحررت من وصمة الانتماء إلى صدام ونظامه، وبدأت بعض الشرائح العراقية أقل تحفظاً إزاء المقاومة، بعد أن زال شبح عودة صدام إلى السلطة بفعل المقاومة.

 

وقد برز معلمان رئيسان على صعيد المقاومة بعد عام من الاحتلال هما:

1.  تبلور غطاء سياسي وشرعي للمقاومة العراقية السنية ممثلة في هيئة علماء المسلمين، أصبحت معبرة عن الاتجاه الرافض لوجود الاحتلال، والذي أخذ يشكل مرجعية سياسية للمقاومة وللسنة بصورة عامة، وقد عزز ذلك دورها في الإفراج عن الرهائن، وفي دعم أهل الفلوجة، والتفاوض نيابة عن المقاومين وأهل المدينة بالاشتراك مع مندوبي الحزب الإسلامي والعشائر، وقد نجح هذا التكامل في تحقيق منجزات سياسية للمقاومة، وكرس الإنجاز العسكري وخاصة في مدينة الفلوجة.

 

2.  اتساع دائرة المقاومة لتشمل تيار الصدر الشيعي، ممثلاً في جيش المهدي، وما يسمى الحوزة الناطقة، فامتدت الاشتباكات لتشمل مناطق الجنوب العراقي، بما فيها المدن المقدسة لدى الشيعة في النجف وكربلاء والكوفة وغيرها، وقد استطاع هذا التيار فرض واقع المقاومة على المرجعيات الشيعية التي رأت في المقاومة السلمية طريقاً وحيداً، وقد نجح تيار الصدر في المحافظة على جيش المهدي وعدم تسليم مقتضى الصدر وهي المطالب الأمريكية من هذا التيار.

 

لقد تميز أداء القوات الأمريكية في العراق بأخلاق الجيش المنتصر في الحروب الصليبية والقرون الوسطى، إذ مارس الجنود الأمريكيين التنكيل بالعراقيين في الشوارع، بما في ذلك التحرش بالنساء وتفتيشهن بصورة تستفز مشاعر ونخوة العراقيين، الأمر الذي ولد المزيد من الشعور بالإهانة والرغبة في الانتقام، وأثار الأمريكيون الثارات في بيوت العراقيين عبر عمليات القتل الأهوج للمدنيين والعزل وكل شرائح المجتمع دون أي اكتراث بتلك الدماء، كما جرى في الفلوجة حيث قتلت الطائرات الأمريكية "26" فرداً من عائلة واحدة جلُّهم من الأطفال والنساء، وتكرر الأمر في حفل زفاف قرب القائم إذ استشهد 45 عراقياً في قصف أمريكي.

 

ورغم ضراوة البطش الأمريكي بالشعب العراقي، إلا أن المقاومة استطاعت الاستمرار والتصاعد المنظم، بل وتحول المأزق الأمني في حالات عدة إلى مأزق عسكري، مما دفع القوات الأمريكية إلى تمديد مدة الجنود الذين أنهوا مدة خدمتهم في العراق، والسعي إلى جلب 3 آلاف جندي من كوريا الجنوبية، والعمل على تزويد جيش الاحتلال بناقلات جنود أكثر تدريعاً، كما اعتبرت عدة مدن عراقية خارج السيطرة العسكرية الأمريكية كالفلوجة، كما تحررت مدينة القائم على الحدود السورية لعدة أيام من الاحتلال، ويجري الصراع على مدن النجف وكربلاء والكوفة وغيرها. ومن جهة أخرى فإن حالة الانفلات الأمني التي بدت ظاهرة للعيان، تفاقمت لتطال أعضاء مجلس الحكم العراقي ورئيسه (عز الدين سليم)، وبعض رموز الأحزاب العراقية التي قدمت إلى العراق مع الاحتلال.

 

يضاف إلى ذلك فشل المشروع الأمريكي في استخدام قوات الشرطة والجيش العراقي لمحاربة المقاومة، فقد صرح أحد القادة العسكريون الأمريكيون أن 40% من الشرطة العراقية تؤيد المقاومة، وأن 10% منهم التحقوا فعلاً في صفوفها، وأن 40% آخرين لا يرغبون في القيام بدور فاعل ضد المقاومة ويتقاعسون عن أداء الأدوار التي يطلبها منهم الأمريكيون –على حد تعبيره-

 

أما الجيش العراقي الجديد فرفضت قواته مهاجمة المقاومة في الفلوجة، وموقف الكتيبة 86 معلوم، حيث حاصرها الجيش الأمريكي لإجبارها على القيام بمحاربة المقاومة لمصلحة الاحتلال، غير أن صمود موقفها، وإسنادها من هيئة علماء المسلمين في العراق، بل ومطالبة الوفد المفاوض عن أهل الفلوجة على إعادتهم إلى عملهم أدى إلى تكريس وتعزيز الانتماء الوطني للجيش العراقي، الذي أرادت له قوات الاحتلال أن يكون أداة في يدها، بما يفقدها جزءاً من الاستراتيجية الميدانية التي أرادت تحويل المعركة إلى معركة عراقية عراقية.

 

ثانياً المأزق الأخلاقي:

الأخلاق والاحتلال نقيضان، بيد أن الإدارة الأمريكية حاولت إدعاء الأخلاقية في احتلال العراق، باعتبار أن ذلك سيؤدي إلى تحرير الشعب العراقي من قهر صدام حسين، ونشر الديمقراطية في العراق، غير أن ممارسة القتل اليومي في العراق، وانتهاك حقوق المواطن العراقي، وانتهاك الأعراض، وسوء معاملة المعتقلين جعل من الاحتلال الأمريكي احتلالاً بالمواصفات القياسية المعيارية لأي احتلال غاشم.

 

لقد كشفت صور المعتقلين العراقيين وهم يرزحون تحت صنوف التعذيب والإذلال في السجون الأمريكية في العراق صدمة في أرجاء العالم، ورغم أن ما كشف من هذه الأساليب الهمجية أقل بكثير مما يجري في الواقع، إلا أن ما توفر من صور كان كافياً لإبراز تلك الانتهاكات على الصعيد الدولي والمحلي الأمريكي، ورغم أن بعض المحللين يرون في تسريب الصور بتلك الطريقة إنما يقصد به المزيد من الإذلال للشعب العراقي والأمة العربية، إضافة إلى محاولات التجنيد عبر كسر الإرادة وإفقاد السجين احترام ذاته بعد فقدانه كرامته، إلا أن ما تم تسريبه وكشفه من صور قضى على أية دعاوى ديمقراطية وحرية وحقوق إنسان يدعي الأمريكيون أنهم روادها وحماتها على الصعيد الدولي، فقد اتضح أن هذه الأساليب لم تقتصر على سجن أبو غريب، بل شملت مختلف السجون الأمريكية في العراق، كما أنها أساليب معتمدة في معتقل غوانتينامو وأفغانستان، ومن المعلوم أن إدارة السجون الأمريكية عملية منظمة ومنضبطة لا مكان فيها للتجاوزات والأعمال الفردية، بل إن المجندة الأمريكية التي ظهرت في الصور صرحت أنها نفذت الأوامر العليا، بما يؤكد أن مستويات رفيعة في الإدارة الأمريكية أقرت تلك الأساليب وأشرفت عليها، ولكن الإدارة تحاول البحث عن كبش محرقة لإعادة ترميم صورتها الأخلاقية على الصعيد الداخلي الأمريكي وعلى الصعيد العربي والدولي وقبل ذلك كله أمام الشعب العراقي الذي استبدل طاغية عربياً بطغاة أجانب، لا يقلون عنه دموية وهمجية وسفكاً للدماء وهتكاً للأعراض.

 

هذه الممارسات الأمريكية المخالفة للقيم الأخلاقية، وللقانون الدولي ومعاهدة جنيف، تسحب من واشنطن ورقة الضغط السياسي المعتمدة على موضوع حقوق الإنسان والإصلاحات الديمقراطية، أو على الأقل ستضعف وطأتها على الدول العربية لأغراض غير الإصلاح والديمقراطية.

 

ثالثاً المأزق السياسي:

منذ الأيام الأولى للاحتلال بدا واضحاً، أن الإدارة الأمريكية، لا تملك تصوراً وخططاً محددة لما بعد الاحتلال، فقد بدا الصراع داخل الإدراة جلياً على إدارة الملف السياسي بين البنتاغون ووزارة الخارجية، انتهى بعزل جاي غارنر وتعيين بول بريمر.

 

وبدا أن الأمريكيين قد فوجئوا بجملة حقائق على الأرض لم تكن بالحسبان أهمها:  

1.  زيف نظرية "الشعب العراقي الراضي بالاحتلال" والتي سوقها بعض أقطاب المعارضة العراقية، ذوي الارتباط بصقور الإدارة والبنتاغون، وعلى رأسهم أحمد الجلبي، إذ اتضح أن الشعب العراقي بمجمله يرفض الاحتلال ويطالب بزواله وإن تعددت الوسائل والأساليب.    

2.  ضعف حضور وشعبية أحزاب المعارضة العراقية القادمة من الخارج مع الاحتلال، وخاصة تلك المرتبطة بالمخابرات الأمريكية ووزارة الدفاع البنتاغون.   

3.  تعقيد تركيبة المجتمع العراقي الطائفية والعرقية والعشائرية والسياسية، الأمر يصعب من إمكانية إدارة الملف السياسي دون استعداء هذا الطرف أو ذاك.  

4.  عودة الشعب العراقي التلقائية إلى أصوله العقائدية والدينية بمجرد حدوث الفراغ السياسي، فأصبحت المرجعيات الإسلامية السنية والشيعية مركز الحراك الاجتماعي والسياسي، بدلاً من الاحتلال وأعوانه، وخلافاً لليبرالية والعلمانية التي ترغب الإدارة الأمريكية تكريسها.

 

أرادت الإدارة الأمريكية إعادة تنظيم العراق بما يتوافق والأجندة الأمريكية الصهيونية، فقامت بحل أجهزة الدولة العراقية السيادية، وعملت على استغلال مشكلات العراق السابقة في ظل صدام، لاستمالة الشيعة، وتحييدهم من الصراع، بل وإثارة حفيظة السنة ضد الشيعة، والعكس، وحاولت بذلك تحويل المعركة إلى عراقية داخلية يكون فيها الاحتلال الحكم بين الطرفين. غير أن المقاومة التي فاجأت الأمريكيين بضراوتها وفعاليتها اضطرت الاحتلال للتوجه نحو مجلس الأمن والأمم المتحدة للعب دور في العراق، وتحديد أجندة سياسية محددة لإعادة السيادة للعراقيين، ورغم محاولات الاحتلال الخداع والتحايل على العالم والعراقيين بشأن موعد 30/6 القادم لنقل السيادة، عبر التظاهر بنقل السيادة دون جوهر أو مضمون حقيقي، إلا أن ذلك لا يبدو أنه ينطلي على الشعب العراقي في ظل تفاصيل القرار الأمريكي لمجلس الأمن، وقد مهدت هيئة علماء المسلمين لهذا الموقف إذ أعربت عن قلقها من أن الصيغة القادمة للحكومة العراقية لا تختلف في جوهرها عن مجلس الحكم القائم، وهذا يعني أن الاحتلال لا يزال قائماً، وأن السيادة العراقية مفقودة ما دام الاحتلال موجوداً، بما يعزز حق المقاومة ضد الاحتلال ويضمن استمرارها.

 

لقد أثبت الشعب العراقي أن هويته العربية والإسلامية، أعمق مما ظن الأمريكيون، وهو يعبر بوضوح عن تمسكه بهذه الهوية، وبصورة طوعية واعية عميقة أكثر مما كانت في ظل نظام صدام حسين، سواء عبر العودة إلى الإسلام ورموزه باعتبارهم المرجعية السياسية، أم من خلال التمسك بالعلم العراقي في ظل النظام السابق، لدلالاته العروبية والإسلامية، ورفض العلم الجديد الذي اعتمده مجلس الحكم، كما أكد على انتمائه هذا عبر التضامن في الكثير من المناسبات مع الشعب الفلسطيني وخاصة إثر اغتيال الشيخ أحمد ياسين والدكتور الرنتيسي، وذلك رغم ما يعانيه من بطش الاحتلال الأمريكي، وقد اشترك في هذا التضامن كل من السنة والشيعة في العراق.

 

كما أظهر الشعب العراقي وعياً عميقاً وحدوياً فوت على الأعداء محاولات النيل من وحدتهم كشعب وكوطن، خاصة بعد أن انخرطت أطراف شيعية في برنامج المقاومة العراقية ضد الاحتلال، بعد أن كانت حكراً على السنة وخاصة فيما يسمى "المثلث السني".   

 

لقد وصلت الصيغ التي طرحها الاحتلال إلى نهاية دورها، بعد أن فشلت في كسب ثقة الشعب العراقي، بعد أن لازمتها وصمة الاحتلال وتعيينه، فقد أكدت أحداث الفلوجة والنجف وغيرها، غياب مجلس الحكم عن التأثير في الأحداث، وأن الاحتلال هو من يملك القرار السياسي الميداني، فتجاوزت قوى المجتمع العراقي مجلس الحكم، بل إنه أصبح متهماً ومعزولاً في ظل غياب موقف واضح وحازم من المجلس ضد العدوان الأمريكي.

 

ورغم افتقاره للشرعية الشعبية، ورغم اختياره ليكون الإدارة السياسية للاحتلال، إلا أن العلاقة بين المجلس والمحتل لم تكن دوماً يسيرة سلسة، وقد وصف الجنرال انتوني زيني تشكيل الحكومة العراقية واختيار شخص الرئيس بمثابة الانقلاب على إدارة الاحتلال، غير أن فقدان المجلس للسيادة والصلاحيات، وافتقاره للتجانس، وارتباط بعض أعضائه بأطراف سياسية واستخبارية أمريكية أدى في أغلب الأحيان إلى تمرير إرادة المحتل على المجلس، وكان آخر تلك الفصول اختيار إياد علاوي ذي العلاقات القوية مع  CIA رئيساً للوزراء العراقي بصلاحيات واسعة بما يقلل من حقيقة ما أطلق عليه الجنرال زيني انقلاباً.

 

ولعل من أبرز معالم المأزق السياسي الأمريكي في العراق فقدانه المبرر السياسي للغزو، واعتراف الإدارة بعدم عثورها على أي من أسلحة الدمار الشامل، كما أنها لم تستطع إثبات وجود علاقة بين القاعدة وصدام حسين، إضافة إلى افتقار دعاوى الحرية وحقوق الإنسان إلى سند حقيقي بعد الممارسات الهمجية ضد الشعب العراقي، ومن ثم أصبحت حرباً لا هدف لها سوى أوهام الإمبراطورية الأمريكية لدى المحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية.

 

وفي ظل بطلان دعاوى الحرب، وتصاعد المقاومة، قامت إسبانيا بعد انتخاب "ثاباتيرو" رئيساً للوزراء بسحب قواتها من العراق، مما أدى إلى زعزعة التحالف الأمريكي في العراق، وتعميق مأزقه، وتزايد حاجة الإدارة إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة، مع المحافظة على مصالحها التي من أجلها احتلت العراق، الأمر الذي اضطرها لاستصدار قراري 1483 و 1500 من مجلس الأمن والأمم المتحدة لشرعنة الاحتلال، وسعيها الحالي لقرار جديد يقنن خطواتها وقراراتها في إدارة العراق فيما سمي بنقل السلطة في 30/يونيو، الأمر الذي يضطرها للتشاور مع الأطراف الدولية الفاعلة في مجلس الأمن الدولي (فرنسا، ألمانيا، روسيا) وتقديم تنازلات لهذه الأطراف لضمان تمرير القرار، الأمر الذي يعيد شيئاً من التوازن الدولي المفقود.

 

ورغم أن الإدارة تحاول ترتيب الواقع السياسي العراقي وفق إرادتها، لما بعد 30/6، باحتفاظها بمراكز التأثير الرئيسة في العراق، واستمرار احتلالها العسكري، تحت ذريعة الأمن، إلا أن مفاعيل المجتمع العراقي وخاصة المقاومة العراقية بمختلف أطيافها، سيدفع الاحتلال للخروج آجلاً أم عاجلاً، وستظل القوى الشريفة في العراق قادرة على التشويش على مخططات الاحتلال وإفشالها.

 

وربما أدى المأزق الحالي للاحتلال في العراق إلى خسارة قادة الحرب في أمريكا وبريطانيا واستراليا وايطاليا مواقعهم الرئاسية، كما حدث لرئيس وزراء اسبانيا "أثنار"، فقد وصلت شعبية بوش إلى مادون 50% بما ينذر بإمكانية خسارته الانتخابات الرئاسية القادمة، وقد أعرب جون هاورد (رئيس وزراء استراليا) عن مخاوفه من خسارته وبوش الانتخابات على خلفية المشاركة في التحالف ضد العراق، كما يعاني بلير من مشكلات داخل حزبه والمجتمع البريطاني قد تخسر منصبه، وبدلاً من أن تتحول الحرب رافعة سياسة لهؤلاء أصبحت لعنة وسقطة سياسية مكلفة.

 

المأزق الأمريكي والقضية الفلسطينية: 

منذ أن وطأت أقدام الجيش الأمريكي أرض العراق تحققت وحدة الحال مع الاحتلال الصهيوني، وحدة قائمة على القمع وقهر الشعوب ومحاولة خداعها أو تركيعها واستعبادها، فأخذ الاحتلالان يتبادلان الخبرة والوسائل والأساليب، بعد أن اشتركا في الأهداف والغايات.

 

كشف الجنرال الأمريكي المتقاعد "انتوني زيني" مؤخراً: أن الإدارة الأمريكية ممثلة في المحافظين الجدد، ومعظمهم يهود صهاينة، أقدمت على احتلال العراق لضمان مصالح الكيان الصهيوني وإزالة التهديد العراقي للكيان من المنطقة لضمان تفوق استراتيجي مستقبلي على الدول العربية والمنطقة، في محاولة لإجراء تغييرات جيوبوليتيكية في الشرق الأوسط يكون الكيان مركزه، بما يخدم الكيان والمصالح الأمريكية.

 

ومن هنا جاءت الرؤية الأمريكية لما يسمى "الشرق الأوسط الكبير"، إذ تحاول الإدارة من خلاله توسيع الشرق الأوسط الحالي ليشمل كل بؤر التوتر والعداء المحتملة في العالم الإسلامي لأمريكا والكيان الصهيوني، ولهذا تم ضم باكستان وأفغانستان وتركيا وإيران لهذه المنطقة، على أساس برنامج يقوم على القفز عن مشكلات فلسطين والعراق وغيرها والبدء في تنفيذ رؤية بيريز عن الشرق أوسطية، تمهيداً لانخراط الكيان الصهيوني في المنطقة، دون النظر إلى الهوية العربية والإسلامية للمنطقة، ودون احترام لحقوق شعوبها في الحرية والاستقلال، وبدلاً من ذلك اعتبار المصالح الاقتصادية والتجارية أساساً للعلاقات، والقفز فوق الاعتبارات الحضارية والثقافية والسياسية المصيرية للأمة.

 

لقد ظل العراق موضع اهتمام واستهداف أمريكي صهيوني لعقود، نظراً لإمكاناته المادية والبشرية، وخاصة في ظل اختراقه لسقف التسليح والتطوير المفروض على الدول العربية في المنطقة، فمنذ قصف مفاعل تموز النووي العراقي (1982)، وبروز نجم الجيش العراقي، أصبح تفكيك هذا الجيش المعروف بوطنيته وقوميته هدفاً استراتيجياً أمريكياً وصهيونياً، فكانت حرب الخليج الثانية واثني عشر سنة من الحصار، بهدف تدمير البنية التحتية العلمية والصناعية للعراق، وهاهو الاحتلال يعمل على إكمال المهمة عبر استهداف العلماء العراقيين المتميزين في مختلف التخصصات بالاعتقال أو الاغتيال، بأيدي عراقية وصهيونية وأمريكية.

 

لقد أرادت الإدارة الأمريكية تغيير وجه العراق وانتمائه العروبي والإسلامي لمصلحة العلاقات مع العدو، وفتحت أبواب العراق للموساد وشركات العدو لاختراق المجتمع العراقي، أخلاقياً واجتماعياً واقتصادياً واستخبارياً، وتمهيداً لاعتراف متبادل وعلاقات سياسية ودبلوماسية بين العراق بوجهه الجديد والكيان الصهيوني، خاصة في ظل علاقات سرية وعلنية لبعض الشخصيات العراقية الحاكمة حالياً بالكيان الصهيوني.

 

شكل احتلال العراق الخطوة نحو استهداف مراكز الممانعة في الأمة، عبر تهديد سوريا واستهدافها، والضغط على إيران والسعودية وغيرها من الدول، لوقف تأييدها ودعمها للمقاومة الفلسطينية، حيث تقتصر المطالب الأمريكية من هذه الدول في الأغلب على ما يحقق المصالح الصهيونية والأمن القومي والداخلي الصهيوني.

 

ومن هنا ندرك أهمية فشل المخططات الأمريكية في العراق، على الصعيد الدولي والإقليمي والفلسطيني، إذ أن ذلك يمكن أن يعيد شيئاً من التوازن الدولي، عبر إفشال مخططات المحافظين الجدد للسيطرة والهيمنة على العالم، تحت أحلام الإمبراطورية الأمريكية (روما الجديدة)، وإعادة السياسة الأمريكية إلى العقلانية والانكفاء على الذات بدل العدوان على الآخرين.

 

أما على الصعيد الإقليمي فإن المأزق الأمريكي في العراق وفشل أهداف الإدارة الأمريكية، سيؤدي إلى إعادة النظر في منطق القوة والهيمنة الذي تتعامل من خلاله مع الأنظمة العربية، بما سيخفف من الضغوط عليها، ويقلل من فرض الأجندة الأمريكية الصهيونية على الدول العربية، وبما يدفع الإدارة إلى التفكير ملياً قبل اللجوء إلى استخدام القوة واحتلال أية دولة عربية أو إسلامية وهذا يشكل مصلحة استراتيجية للشعب الفلسطيني ومقاومته المشروعة. أما الشعب الفلسطيني الذي يرى أن المعركة واحدة وأن الاستهداف واحد وأن قضايا الأمة لا تتجزأ، فإن المقاومة العراقية تمثل امتداداً طبيعياً لبرنامج المقاومة في فلسطين، وأن أي إنجاز لأي منها يصب في مصلحة الأخرى، ومن هنا جاء التشبيه بل والتطابق بين نموذج جنين والفلوجة.

 

فالمقاومة أصبحت تمثل حالة من الوعي والثقافة لدى الشعبين ولدى الأمة جميعها، وهذا هو مفتاح الانتصار وتحقيق الإنجازات السياسية والحضارية والميدانية، ومن هنا فإن انتصار المقاومة العراقية هو انتصار للشعب الفلسطيني، ودحر المشروع الأمريكي في العراق والمنطقة هو هزيمة للمشروع الصهيوني وإضعاف له، ومن هنا علت الولولة الصهيونية حينما تصاعدت المقاومة العراقية وتكرس المأزق الأمريكي في العراق، وعلت أصوات المتخوفين الصهاينة على مصالحهم، وعلى اللوبي الصهيوني، والمحافظين الجدد، باعتبار أن هؤلاء هم من دفع الإدارة لهذه المجازفة الهوجاء وغير المحسوبة، لمصلحة الكيان الصهيوني بصورة أساسية، حتى وإن تطابقت المصالح الأمريكية الصهيونية، ومن ثم الخشية كبيرة لدى هؤلاء من تحميل اليهود والصهاينة المسيحيين وزر هذه الحرب ونتائجها في حال الفشل الأمريكي وتزايد القتلى من الجنود الأمريكيين، وتصريح الجنرال زيني يدق ناقوس الخطر لدى هؤلاء، وفي هذا السياق صرح رئيس الاستخبارات العسكرية الصهيونية "أهارون زئيفي-فركش" في الجلسة الخاصة للحكومة الصهيونية، أن التورط الأمريكي في العراق أخذ بالتعاظم، وقدر بأن الحسم الأمريكي في العراق سيحتاج إلى أكثر من سنتين، وأن ذلك من شأنه أن يدفع بالأمريكيين إلى التعلق بأوروبا والأمم المتحدة، وأضاف بأن "هناك إمكانية أن يؤدي الضغط على الأمريكيين إلى أن يدفعوا الثمن بعملة إسرائيلية" (يديعوت أحرونوت 1/6)

 

وأضافت الصحيفة أن التخوف من أثرين محتملين:

الأول: أن تتهم إسرائيل أنها أدت إلى التورط في العراق، فأقوال بهذه الروح انطلقت في واشنطن. 

الثاني: عزل الولايات المتحدة دولياً سيصعب عليها صد ضغوط الأوروبيين الذين يتهمون بوش بسياسة مؤيدة بوضوح لإسرائيل.

 

وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع هذه الرؤية، فإن ذلك يشير إلى مدى الاضطراب الذي تعيشه النخبة السياسية الصهيونية إزاء المأزق الأمريكي في العراق، وإزاء فشل الرؤية الاستراتيجية الأمريكية التي تقف من خلف الغزو الأمريكي للعراق، والتي وضعها أنصار الكيان الصهيوني في الإدارة الأمريكية، ومن هنا تأتي أهمية استمرار هذا المأزق الأمريكي وتعميقه تمهيداً لإفشال الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، بالتوازي مع المأزق الصهيوني السياسي والأمني والاقتصادي الذي يعيشه الكيان في ظل استمرار المقاومة والانتفاضة.