الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

المبحث الأول

 

المشاركة في المجالس النيابية

 

ويتكون من ثلاثة مطالب:

 

المطلب الأول: مفهوم المجالس النيابية

المطلب الثاني: حكم المشاركة في المجالس النيابية

المطلب الثالث: ضوابط المشاركة في المجالس النيابية


 

المطلب الأول

مفهوم المجالس النيابية

معنى النيابة لغة: هي من ناب عنه ينوب نوْباً ومناباً: أي قام مقامه([1])، ونَابَ عني في هذا الأمر نِيَابَةً، إذا قام مقامك، والنَّوْبُ: اسم جمع ناب، مثل: زائر وزوْر، والنَّوْبَةُ: الجماعة من الناس، أنشد ثعلبة:

انقطع الرَّشاء وانحلَّ الثَّوْبْ             وجاء من نبات وطَّاء النَّوبْ([2])

مفهوم المجالس النيابية في النظم المعاصرة، وأركانها:

مفهوم المجالس النيابية:

يقوم النظام النيابي على أساس اختيار الشعب من آن لآخر نواباً يتولون الحكم لمدة محدودة، باسمه ونيابة عنه، فلا يزاول الشعب سلطانه بنفسه، بل يقتصر دوره في اختيار نواب عنه، وتعد بعد ذلك إرادة هؤلاء النواب معبرة عن إرادة الناخبين، أي إرادة الشعب([3]).

والهيئة النيابية لها حق إصدار القواعد العامة الملزمة، التي تحكم تصرفات الجماعة داخل كيان الدولة.

والمقصود بالقواعد العامة الملزمة في هذا النظام: ما لا يشمل اللوائح التي هي من اختصاصات السلطة التنفيذية، فهي إذن: ما لا تنحصر في القواعد الدستورية، والتشريع الفني بالمعنى الدقيق([4]).

وهذا النوع من النظام يمثل صورة الديمقراطية غير المباشرة، أو الديمقراطية النيابية ـ Democratie Representative  ـ فالشعب لا يمارس السلطة التنفيذية، كما هو الحال في الديمقراطية المباشرة، ولا يشارك في ممارستها مع من ينتخبهم من النواب، كما يحدث في نظام الديمقراطية غير المباشرة، وإنما يترك لهؤلاء النواب الممارسة الكاملة للسلطة نيابة عنه([5]).

فدور الشعب في هذا النظام مقصور على انتخاب الهيئة النيابية، ثم لا يشترك معها فـي الحكم، وتختص الهيئة النيابية بالاختصاصات الآتية([6]):

1.  اختصاص تشريعي ( سن القوانين ).

2.  اختصاص مالي ( الموافقة على الميزانية ).

3.  اختصاص سياسي (مراقبة السلطة التنفيذية ).

أركان النظام السياسي:

للنظام السياسي أركان تميزه عن غيره من أنظمة الحكم، وتنحصر فيما يأتي([7]):

1.  هيئة نيابية منتخبة بواسطة الشعب، لها اختصاص حقيقي في إدارة الحكم.

2.  النائب البرلماني يمثل الأمة كلها.

3.  استقلال الهيئة النيابية قانوناً عن الناخبين.

4.  الانتخاب الدوري للهيئة النيابية.

الركن الأول: الهيئة النيابية المنتخبة:

إن الدعامة الأساسية التي يقوم عليها النظام النيابي هي وجود برلمان ينتخبه الشعب، وعلى ذلك فإن الانتخاب يعتبر من أهم أسس النظام النيابي، ويجب حتى يتحقق هذا النظام من الناحية الفعلية أن يكون للمجلس النيابي سلطات حقيقية، واشتراك واقعي في إدارة شئون الدولة، وبالذات بالنسبة للوظيفة التشريعية، فإذا كان البرلمان استشارياً فقد انعدم وجود النظام النيابي.

وتمارس المجالس النيابية في الدول ذات الأنظمة النيابية وظائف متعددة مختلفة: تشريعية، ومالية، وسياسية.

الركن الثاني: النائب يمثل الأمة كلها:

قبل قيام الثورة الفرنسية كان المبدأ السائد في النظم النيابية أن النائب يمثل دائرته الانتخابية فقط، وبالتالي كان من حق الناخبين أن يصدروا تعليمات إلزامية للنائب، ولم يكن بمقدوره الخروج على هذه التعليمات، وكان عليه أن يراعي مصالح الدائرة، وأن يقدم حساباً بأعماله، وكان من حق الناخبين عزل النائب.

وبعد الثورة الفرنسية تغير المبدأ، وأصبح النائب يمثل الأمة بأجمعها، بحيث يستطيع إبداء الرأي بحرية كاملة، دون التقيد بتعليمات الناخبين؛ لأنه يعمـل من أجل الصالح العـام للأمة، وليس لمجرد تحقيق مصالح إقليمية ضيقة للدائرة التي انتُخِب فيها، كما لم يعد من حق الناخبين عزل النائب متى شاءوا.

الركن الثالث: استقلال الهيئة النيابية عن الناخبين:

بعد انتهاء عملية الانتخاب يصبح البرلمان صاحب السلطة القانونية، ولا يستطيع الشعب التدخل في أعماله.

والنظام النيابي يقوم على أساس استقلال البرلمان عن مجموع الناخبين، ومظهر اشتراك الشعب في الحكم إنما ينحصر في عملية انتخاب أعضاء البرلمان، وبعد انتهاء هذه المهمة لا يباشر الشعب أية سلطة قانونية، وإنما تتركز السلطة بعد ذلك في يد البرلمان وحده، أو بالاشتراك مع السلطة التنفيذية، وذلك حسب التنظيمات الدستورية في الدولة المختلفة.

الركن الرابع: الانتخاب الدوري للهيئة النيابية:

ليس معنى استقلال البرلمان أن يستمر الأعضاء نواباً عن الشعب مدى الحياة، فإن ذلك قد يؤدي إلى الاستبداد، وتضعف بمرور الزمن فكرة تمثيل الأمة، ولذلك يجب ضمان صدق البرلمان في تعبيره برجوعه إلى الشعب من وقت لآخر؛ ليعيد انتخاب البرلمان، ويحقق رقابته على ممثليه.

واتفق على أنه يجب ألا تكون مدة النيابة طويلة لدرجة أن تضعف الرقابة الشعبية، ولا أن تكون قصيرة لدرجة أن يخضع النواب إلى الناخبين، ويفقد البرلمان استقلاله، والحل الوسط أن تكون المدة بين أربع إلى خمس سنوات.

مفهوم السلطة التشريعية في الإسلام وخصائصها:

هي مجموع مجلس الشورى الذي يكون له سلطة للنظر فيما يعرض للمسلمين من وقائع وأحداث؛ ليبحث عن الأحكام التي ينبغي أن تعطى له وفق تعاليم الإسلام، والأحكام الصادرة عنه ملزمة، وليس له أن يخالف الأحكام التي جاء بها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، والأحكام التي اتفق عليها إجماع المسلمين.

والسلطة التشريعية في الدولة الإسلامية اختلفت من عصر إلى عصر، ففي عهد النبي r انحصر التشريع فيه بالوحي إليه من الله تعالى بالقرآن الكريم والسنة النبوية.

ولما انتقل النبي r إلى جوار ربه، صار المسلمون يجتهدون فيما لم يرد به نص، وقد ساعدهم على ذلك صحبتهم للنبي r وملازمتهم له.

ولما اشتدت رقعة الدولة الإسلامية، واختلط العرب بالعجم، وجدَّت وقائع وحوادث كثيرة، أحس الفقهاء بالحاجة إلى قيام التشريع الإسلامي على قواعد ثابتة، فدونـت قواعـد الاجتهاد وأصوله في القرن الثاني الهجري([8])، وكانت أهم المصادر هي المجمع عليها بين العلماء، وهي: القرآن الكريم، والسنة النبوية، والإجماع، والقياس([9]).

خصائص التشريع الإسلامي:

يمكن تلخيص الخصائص العامة للتشريع الإسلامي وإجمالها فيما يأتي([10]):

1. المصدر الأصلي للتشريع الإسلامي هو وحي الله، متمثل في القرآن الكريم والسنة النبوية، بالإضافة إلى اجتهاد الفقهاء المقيد بهما.

2. إن التشريع الإسلامي نزعته جماعية، كما في أحكام العبادات والمعاملات، يهدف إلى تهذيب الفرد وصالحه والصالح العام للمجتمع بأسره، وهو ذو صبغة عالمية.

3.  روح الاعتدال، ونبذ التطرف، والتوسط بين الأطراف.

4. غاية التشريع الإسلامي يهدف إلى إسعاد البشر، وتنظيم الحياة الخاصة والعامة، ويعنى بالناحيتين المادية والروحية معاً، ويسعى لصلاح الفرد والجماعة في الدنيا والآخرة.

أوجه الاختلاف بين السلطة التشريعية في الإسلام والأنظمة المعاصرة:

هناك اختلاف جوهري بين التشريع في الدولة الإسلامية والأنظمة المعاصرة أهمها:

1. أن المرشحين لعضوية المجالس النيابية في ظل الأنظمة المعاصرة لا يشترط فيهم عادة من حيث الثقافة، إلا القدر الذي يمكنهم من أداء وظائفهم، والذي يتمثل حده الأدنى في إجادة القراءة والكتابة. أما التشريع الإسلامي القائم على الاجتهاد، فإنه مقصور على المجتهدين، الذين يستوفون شروطاً معينة، يكتسبها المجتهد إذا توافر فيه الاستعداد الشخصي الموروث، ثم الدراسة التي تكفل له الإحاطة بأسباب الاجتهاد ووسائله([11]).

2. أن سن القوانين في ظل المجالس النيابية في الأنظمة المعاصرة لا يخضع لأي قيد، فتملك المجالس إصدارها طالما أن الأغلبية وافقت على ذلك، حتى أن الدستور نفسه عرضة للتعديل. أما مجال اجتهاد السلطة التشريعية في الدولة الإسلامية، فهو عمل تشريعي محض، فتسن القوانين وتشرع الأحكام وفق نظر الإسلام، الذي يلزمها بعدم الخروج عن النصوص الشرعية.

التوفيق بين مفهومي السلطة التشريعية في الإسلام والأنظمة المعاصرة:

لما كان الذين يقومون بمهام التشريع في الإسلام هم المجتهدون، الذين يجب أن تتوافر فيهم شروط دقيقة، تتطلب كونهم على مستوى عال من الكفاءة العلمية في أحكام الشريعة الإسلامية.

ولما كانت الأنظمة المعاصرة قد ألغت نظام المجالس التشريعية بهذا المفهوم الواسع في عملها وأعضائها، وهي ليست على استعداد لأن تتنازل عنه، ولكنها في المقابل أشارت في دساتيرها إلى أن الشريعة الإسلامية هي مصدر أساسي للتشريع.

فإنه يمكن التوفيق باستمرار نفس الأسلوب، مع تعديل جوهري فيه، بحيث يشمل تكوين المجالس النيابية لجنة تشريعية متخصصة، أعضاؤها من صفوة فقهاء الشريعة الإسلامية، تعرض عليها مشروعات القوانين لتقيمها وفق تعاليم الشريعة الإسلامية، على أن يكون قرارها ملزماً.

ولا يقال: إن هذا الإجراء فيه إلغاء لدور بقية أعضاء المجالس النيابية؛ لأنهم يشتركون في مناقشة مشروعات القوانين قبل أخذ رأي اللجنة التشريعية، التي تبصرهم بحكم الشريعة الإسلامية حتى تتجلى جوانبها، وتتضح آثارها الاجتماعية والاقتصادية وغير ذلك.

وإلى جوار هذا، فإن بقية الأعضاء يشتركون في الأعمال المالية والسياسية للمجلس، وأعتقد أن المجالس النيابية بهذا التصور لا تتعارض والمنهج الإسلامي، الذي عرف إلى جوار مجلس الشورى في الأحكام التشريعية، مجلس أهل الحل والعقد في اختيار الخليفة([12]).

فقد كانت مشاورة أهل الرأي وأصحاب الشأن من صميم واقع الدولة الإسلامية، فقد شاور النبي r الأنصار y لما أراد ملاقاة المشركين، وكان يشاور أصحابه في الآراء والخطط المتعلقة بمصالح الحروب، وتشاوروا بعـد رسـول الله r في

الحروب، حتى شاور عمر بن الخطاب t في الهرمزان حين وفد عليه مسلماً في المغازي([13]).

وقد جاء في تفسير القرطبي: " واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وفيما أشكل عليهم من أمور الدين، ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكتَّاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها "([14]).


 

المطلب الثاني

حكم المشاركة في المجالس النيابية

اختلف العلماء والمفكرون المعاصرون في مشاركة الإسلاميين في المجالس النيابية، في ظل الأنظمة التي لا تحتكم إلى الشريعة الإسلامية، إلى قولين:

القول الأول: منع المشاركة في المجالس النيابية، وذهب إليه الشيخ أبو نصر الإمام، والدكتور حسن قاطرجي، الشيخ محمد قطب، والأستاذ محمود المحامي([15]).

القول الثاني: جواز المشاركة في المجالس النيابية، وذهب إليه الشيخ جاسم الياسين، والإمام الشهيد حسن البنا، والدكتور سلمان العودة، والدكتور عبد الرحمن عبد الخالق، والشيخ عبد العزيز بن باز، والدكتور عصام العريان، والشيخ علي الخفيف، والدكتور عمر الأشقر، والدكتور فتحي يكن، والشيخ فيصل مولوي، والأستاذ كمال حبيب، والشيخ محمد أبو زهرة، والشيخ محمد الضناوي، والأستاذ محمد عبد اللطيف محمود، والشيخ محمد عبد الله الخطيب، والشيخ محمد بن عثيمين، والشيخ مصطفى مشهور، والشيخ مناع القطان([16]).

الأدلة:

أدلة القول الأول:

استدل المانعون من المشاركة في المجالس النيابية في ظل الأنظمة المعاصرة بالقرآن، والسنة، والمعقول:

أولاً: القرآن الكريم:

1. قال الله تعالى:} وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُـمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَـرُ بِهَـا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا {([17]).

وجه الدلالة: إن في هذه المجالس النيابية أناساً يتطاولون على آيات الله، ويستهزئون بها؛ لكونها تضم شرائح حزبية متعددة، فيها اليساري، والقومي، والإباحي إلى غير هذه الأصناف ذات المناهج الأرضية، وبجلوس المسلم معهم سيصيبه قول الله تعالى: } إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ {([18]).

2. قال الله تعالى: } فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ{([19]).

وجه الدلالة: إن المشاركة في هذه المجالس ـ مع ما فيها من مخالفات لمنهجية هذا الدين ـ يعد نوعاً من المجاراة للكارهين لما أنزل الله، وهذا لا يجوز ولو في بعض الأمر([20]).

3.  قال الله تعالى: } قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا{([21]).

وجه الدلالة: إن الاشتراك في المجالس النيابية يأتي بمنافع جزئية، لا شك في ذلك، وعلى الرغم من المكاسب الجزئية التي تتحقق من وراء الاشتراك في الحكم، فإن الإثم والضرر الذي يتحقق أكبر، وتمييع قضية الحكم لدى الجماهير ضرر عظيم، ولذلك فإننا نعلن ونقول في كل مناسبة: إن الحكم بغير ما أنزل الله باطل، وإنه لا شرعية إلا للحكم الذي يحكم بشريعة الله، ثم تنظر الجماهير فترانا قد شاركنا فيما ندعوها هي لعدم المشاركة فيه، فكيف تكون النتيجة ؟([22]).

4. قال الله تعالى: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ~ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ {([23]).

وجه الدلالة: إن الدخول في المجالس النيابية يقوم على تضييع الولاء والبراء، ولا قيمة لمؤمن إن لم يوال أولياء الله ويحارب أعداء الله، وفي قوله تعالى: } أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ { إشارة إلى صفة عظيمة للمؤمنين كثير من الناس بعيدون عنها، بخاصة الدعاة إلى الانتخابات؛ لأنهم يشكلون تكتلاً ضد المؤمنين، ولا يعادون من خالف منهج الله([24]).

5. قال الله تعالى: } أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ {([25]).

وجه الدلالة: إن واقع هذه المجالس النيابية إنما هو تقليد للديمقراطية، وذلك داخل في الإشراك بالله، وخاصة في شرك الطاعة، حيث إن الانتخابات جزء من النظام الديمقراطي، وهذا النظام من وضع أعداء الإسلام، ليصرفوا المسلمين عن دينهم، فمن قبله راضياً به مروجاً له، معتقداً صحته، فقد أطاع أعداء الإسلام؛ لجعله مؤسسي الديمقراطية الذين وضعوا الانتخابات شركاء لله في التشريع، ووضع المناهج للخلق([26]).

ثانياً: السنة:

1. أن المشركين جاءوا إلى النبي r وعرضوا عليه الملك قائلين: فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا فنحن نسودك علينا، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا([27]).

" لكن الله سبحانه ـ وهو العلي الحكيم ـ لم يوجه رسوله r هذا التوجه، إنما وجهه إلى أن يصدع بلا إله إلا الله، وأن يحتمل هو والقلة التي تستجيب له كل هذا العناء "([28]).

2. لم يشارك الرسول r في دار الندوة التي تشابه اليوم المجالس النيابية([29])، يقول الأستاذ محمد قطب ـ رحمه الله ـ: " فقد كان النبي r يذهب إلى قريش في ندوتها ليبلغها كلام الله، لكنه لم يكن يشاركهم في ندوتهم، ولو أن مسلماً يدعو إلى تحكيم شريعة الله استطاع أن يذهب إلى ندوة الجاهلية المعاصرة، ويُسمح له بالكلام فيها كما كانت تسمح الجاهلية الأولى لرسول الله r لكان واجباً عليه أن يذهب وأن يبلغ؛ لأنه في هذه الحالة لا يكون عضواً في دار الندوة، إنما هو داعية من خارجها جاء يدعوها إلى اتباع ما أنزل الله، فلا الندوة تعتبره فيها، ولا هو يعتبر نفسه من الندوة، إنما هو مبلغ جاء يلقي كلمته ثم يمضي، أما المشاركة في عضوية الندوة بحجة إتاحة الفرصة لتبليغها كلمة الحق، فأمر ليس له سند من دين الله "([30]).

ثالثاً: المعقول:

1. المجالس النيابية تقوم على تأليه الأغلبية، واعتماد ما قبلته وإن كان باطلاً، ورد ما رفضته، وإن كان معلوماً من الدين بالضرورة([31]).

2. إن المشاركة في هذه المجالس تعني تمييع القضية الإسلامية، وإعطاء النظام الذي لا يحكم بما أنزل الله الصبغة الشرعية، وتكريس وجوده([32]).

3.  لم يصل إسلاميون إلى الحكم عن طريق الديمقراطية، وبالتالي لم تنجح التجربة البرلمانية في الحركات الإسلامية([33]).

4. إن الانتخابات لها دور كبير في تفريق كلمة المسلمين، وتشتيت وحدتهم، وهي لا تقل شراً عن الحزبية، التي فرقت المسلمين فرقة ليس بعدها تلاق إلا أن يشاء الله([34]).

5.  إن الدخول في المجالس النيابية فتنة لمن يدخل فيها، حيث تأخذه المظاهر وتلهيه الدنيا، ويغره السلطان([35]).

ثانياً: أدلة القول الثاني:

أولاً: القرآن الكريم:

1.  قال الله تعالى: } ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ {([36]).

وجه الدلالة: إن المشاركة في المجالس النيابية تتيح الاعتراض على التشريعات المخالفة للإسلام، وإقامة الحجة على أعضاء المجلس، وإعلان حكم الإسلام في كثير من القضايا، وهذا من باب الدعوة العامة التي أوجبها الله تعالى علينا.

فإذا أمكن للجماعات الإسلامية أن تعلن حكم الإسلام على الأشهاد، وتنقله وسائل الإعلام في الداخل والخارج، كان ذلك حينئذ واجباً تأثم إن لم تأخذ به([37]).

2. قال الله تعالى: } قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ {([38]).

وجه الدلالة: يقول العلامة عبد الرحمن السعدي ـ رحمه الله ـ: " إن الله يدفع عن المؤمنين بأسباب كثيرة، وقد يعلمون بعضها وقد لا يعلمون شيئاً منها، وربما دفع عنهم بسبب قبيلتهم وأهل وطنهم الكفار، كما دفع الله عن شعيب رجم قومه بسبب رهطه، وأن هذه الروابط التي يحصل بها الدفع عن الإسلام والمسلمين لا بأس بالسعي فيها، بل ربما تعين ذلك؛ لأن الإصلاح مطلوب حسب القدرة والإمكان.

لذا لو سعى المسلمون الذين تحت ولاية الكفـار، وعملوا على جعل الولايـة

جمهورية يتمكن فيها الأفراد والشعوب من حقوقهم الدينية والدنيوية، لكان أولى من استسلامهم لدولة تقضي على حقوقهم الدينية والدنيوية، وتحرص على إبادتها، وجعلهم عمالاً وخدماً لهم، نعم إن أمكن أن تكون الولاية للمسلمين وهم الحكام، فهذا المتعين، ولكن لعدم إمكان هذه المرتبة، فالمرتبة التي فيها دفع ووقاية للدين والدنيا مقدمة "([39]).

ثانياً: السنة:

1. قال رسول الله r: " مَنْ رَأَى مِنْكُم مُنْكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ "([40]).

وجه الدلالة: إن الرسول r أمر بتغيير المنكر، وعدد لذلك المراتب، وتعد المشاركة في المجالس النيابية وسيلة فاعلة وقوية من وسائل التغيير التي أمرنا بها النبي r لاسيما وأن كلمة الحق تصل إلى قبة البرلمان، والذي يمثل موطن صنع القرار.

2.  قال رسول الله r: " سَيَكُونُ أُمَرَاءُ تَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ نَابَذَهُمْ نَجَا، وَمَنْ اعْتَزَلَهُمْ سَلِمَ، وَمَنْ خَالَطَهُمْ هَلَكَ "([41]).

3. وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام: " إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَراءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ "([42]).

وجه الدلالة: إن هذه الأحاديث وكثيراً أمثالها في الصحاح، هي دليل على جواز المشاركة في المجالس النيابية، وربما لوجوبها أحياناً، ذلك أن الرسول r يبين موقف المسلم من الأمراء المنحرفين، فإذا اعتزلهم فقد سلم، وإذا خالطهم وسكت على منكرهم، فقد هلك، وإذا نابذهم فقد نجا، والمنابذة يمكن أن تكون في ساحة المجتمع الواسع، ولكنها عادة لا تؤدي إلى نتيجة، ويظل المنكر شائعاً، وقد تكون المنابذة في المجالس النيابية وهي بلا شك أقوى وأبعد أثراً، وقد تؤدي ولو في حالات قليلة لإزالة المنكر، وإذا وجد هذا الاحتمال فإنها تصبح هي الأفضل؛ لأن المقصود من المنابذة ليس مجرد إنكار المنكر وإنما تغييره لمن استطاع، وهذا ما يؤيده الحديث السابق المشهور " مَنْ رَأَى مِنْكُم مُنْكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ "([43]).

ثالثاً: قواعد الشريعة ومقاصدها:

القاعدة الشرعية: الأصل في الأشياء الإباحة:

ليس هناك دليل قطعي يمنع من المشاركة في المجالس النيابية، وليس في دخولها ما يخالف منهج الله، فتبقى على الأصل وهو الإباحة، لاسيما وأن الأدلة التي تحظر المشاركـة مردود عليها.

مقاصد الشريعة:

إن التأصيل الفقهي للمشاركة في المجالس النيابية، قائم على فقه الموازنة بين المصالح والمفاسد، والناظر بجد إلى حقيقة المشاركة، يتيقن جازماً بوجود الكثير من المصالح، التي يمكن اعتبارها أصلية لا تكميلية، نحو القيام بفرضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومعارضة القوانين المخالفة للإسلام، وطرح البديل الإسلامي في كل الجوانب، والاطلاع على الكثير من أسرار الدولة وما يدور في الخفاء، وإخراج جيل وصقله بالتجربة السياسية وغيرها من المصالح الكثيرة التي يمكن جلبها من المشاركة، بالإضافة إلى دفع الكثير من المفاسد.

ولما كانت الشريعة الإسلامية قائمة على جلب المصالح ودفع المفاسد، كان القول بمشروعية المشاركة في المجالس النيابية هو المتوائم ومقاصد الشريعة الغراء

والأليق بتحقيق مصالح الأمة.

رابعاً: المعقول:

1. إن أعضاء المجلس لهم حصانة برلمانية، ولا سلطان لأي هيئة حكومية عليهم؛ لأن العضو يمثل الأمة بأسرها، وبالتالي يمكن للإسلاميين أن يتمتعوا بهذه الحصانة خلال دعوتهم للإسلام، فلا يتعرضون للإجراءات التعسفية التي يتعرض لها غيرهم تحت شعار محاربة التعصب أو غير ذلك من قاموس الاتهامات التي يسود أكثر المجتمعات الإسلامية، كما أنهم لا يؤاخذون على ما يبدونه من آراء وأفكار بالمجلس أو لجانه، وبذلك يمكن أن يعلنوا الرأي الإسلامي من خلال المجلس، وأن يكشفوا الإجراءات التعسفية ضد الدعاة للإسلام([44]).

2. إن طريق البرلمان سبيل لدعاية الحركة الإسلامية عن نفسها، فالبرلماني المسلم بإمكانه أن يعلن مفهوم الإسلام للقضايا في أكبر محافل المجتمع الذي يعيش فيه، والدعوة دوماً تسعى للإعلان عن نفسها في أي مجال، فكيف بأكبره؟ هذا فضلاً عما يمكن أن يطلع عليه الدعاة من أسرار الدولة في مختلف مؤسساتها السياسيـة والتشريعيـة، والعسكريـة والمالية، ما لم يمكنها الوقوف عليه دون دخول البرلمان([45]).

3. يمكن لأي عضو استجواب الوزراء المخالفين للإسلام، بل وطلب سحب الثقة منهم؛ لأن كل وزير مسئول أمام المجلس النيابي عند إهمال وزارته، وإذا قرر المجلس سحب الثقة منه يعتبر معزولاً من تاريخ هذا القرار([46]).

4. إن خلو هذه المجالس من الإسلاميين فرصة مواتية لغيرهم لطرح نظرياتهم، ثم التصويت عليها دون اعتراض، ويمكنهم من تقنين نظرياتهم وإلزام الأمة بها، وفي هذه من الخطورة ما لا يخفى؛ لأن الاعتراض على الشيء قبل الموافقة خيـر

من السعي إلى إلغائه بعد تقنينه([47]).

5.  إن المشاركة تمكن الإسلاميين من إيصال حقوقهم إلى البرلمان، والمطالبة بحكم الله في أعلى مؤسسات الدولة.

6. صقل المواهب والقدرات لدى الإسلاميين، وخوض تجربة محاورة الآخرين بالحجة والبرهان، حيث إنه من مكملات الشخصية الإسلامية أن يكون لهم نصيب في الحياة السياسية، وإدارة شئون البلاد.

7. تقديم الإسلام كنموذج صالح لكل زمان ومكان، من خلال خدمة الجماهير، والتصدي لقضاياهم اليومية، مما يعزز الثقة في الدعاة.

المناقشة:

مناقشة أدلة القائلين بتحريم دخول المجالس النيابية:

أولاً: مناقشة استدلالهم بالقرآن الكريم:

1. بالنسبة لآية سورة النساء فنقول: إن النهي الوارد في الآية عن مجالسة المستهزئين بآيات الله، إنما يختص فيمن يجلس ويقر بالباطل، ويسكت عمن يخوضوا في آيات الله، وهذا ما دلت عليه تفاسير القرآن الكريم.

يقول الإمام القرطبي ـ رحمه الله ـ: " فكل من جلس في مجلس معصية، ولم ينكر عليهم ما يخوضوا فيه، يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية "([48]).

ويقول الشهيد سيد قطب ـ رحمه الله ـ: " فمن سمع الاستهزاء بدينه في مجلس، فإما أن يدفع، وإما أن يقاطع المجلس وأهله، فأما التغاضي والسكوت فهو أول مراحل الهزيمة "([49]).

ويقول الشيخ وهبة الزحيلي ـ حفظه الله ـ: " وسبب النهي: أن المشركين كانوا يخوضون في ذكر القرآن في مجالسهم فيستهزئون به، فنهي المسلمون عن القعود معهم مـا داموا خائضين فيه، وفي هذا إيماء إلى أن الساكت عن المنكر شريك في الإثم"([50]).

يتضح جلياً أن النهي عن مجالسة المستهزئين هو المقرون بالسكوت عن استهزائهم بآيات الله وتجاوزاتهم، ومهمة النائب المسلم في المجالس النيابية هي الإصلاح والتغيير، وصد كل ما يخالف منهج الإسلام، وطرح البديل الإسلامي، وتبيين الحق ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فإن لم يستطع في بعض الأوقات، انسحب حتى يخوضوا في حديث غيره.

2. بالنسبة للآيتين من سورة هود، فمن خلال الرجوع إلى التفاسير، يتضح أن النزاع في غير محله، يقول ابن كثير ـ رحمه الله ـ: " أي لا تستعينوا بالظلمة فتكونوا كأنكم رضيتم بأعمالهم فتمسكم النار "([51]).

وجاء في تفسير الطبري ـ رحمه الله ـ: " قال أبو العالية: الركون هو الرضا"([52]).

وقال الشهيد سيد قطب ـ رحمه الله ـ: " لا تستندوا ولا تطمئنوا إلى الذين ظلموا إلى الجبارين الطغاة الظالمين وأصحاب القوة في الأرض، الذين يقهرون العباد بقوتهم، ويعبدونهم لغير الله من العبيد "([53]).

فالنهي إنما يكون عن قبول أعمالهم والرضا بها، ومساندتهم عليها، فيكون الخلاف في غير محل النزاع، لاسيما أن مهمة النائب المسلم هي مخالفة الذين ظلموا، وصدهم عن ذلك، والصدع بكلمة الحق.

3. بالنسبة لآية سورة البقرة: فإنه ليس هناك ثمة تمييع لقضية الحكم لدى الجماهير، فالقول بأن الحكم لله تعالى، وأن ما دونه من المناهج الوضعية باطل حرام، يعد قضية ثابتة في ديننا نعلنها بكل وضوح دون مداراة أو مهادنة، ولا تعارض بين هذه الحقيقة ودخول المجالس النيابية إذا ما علمنا أن دخولها لا يكون إلا بعد دراسة مستفيضة تستند على مدى تحقيق المصلحة العامة للأمة، وأن أولى المهام الأساسية للدعاة في المجالس النيابية هي السعي والمطالبة بتحكيم شريعة الإسلام، والقيام بواجب التغيير قال الله تعالى: } وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {([54]).

وما أعظم أن يصل المسلم في التأثير والتغيير إلى موطن صنع القرار! يقول الشيخ مناع القطان ـ رحمه الله ـ في معرض حديثه عن جواز مشاركة الإخوان المسلمين في مجلس الشعب: " وليست المشاركة في مجلس الشعب تمييعاً لقضية وجوب التحاكم إلى شرع الله؛ لأن المشاركين من الإخوان يطالبون داخل المجلس بتحكيم الشريعة، ويوضحون لأعضائه أن هذا من صميم العقيدة } فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا {([55])، ويرفضون أي قانون يخالفها، وهذا هو الموقف الذي تقفه الجماهير المسلمة، فصوتهم في مجلس الشعب يعبر عن صوت هذه الجماهير ويتسق مع ما تطلبه، والذي يميع هذه القضية هو المشاركة القولية أو الفعلية السلوكية في تشريع يخالف شرع الله، وهذا لا يحدث من أعضاء الإخوان في مجلس الشعب"([56]).

4. وأما عن آية المائدة: فإن المشاركة في المجالس النيابية، ليس إلغاءً أو تضيعاً لمبدأ الولاء والبراء، بل هي ميداناً لبيان هذه القضية والصدع بها، حسب مقتضيات المصلحة الشرعية، إذ أن السعي للوصول إلى هذه المجالس، هو لتبليغ دعوة الله والتمكين للشرع، ووجود النائب المسلم في هذه المجالس، يمنع عديداً من المفاسد، ويجلب كثيراً من المصالح، وفي وجوده يطرح البديل الإسلامي، ويقوم بواجب التغيير والإصلاح، وفي المقابل يجابه المخالفين، ويدحض أقوالهم، وينكر باطلهم، ويعترض على كل ما يخالف الدين، متمتعاً في ذلك بالحصانة البرلمانية التي تجعله فوق المساءلة عن كلماته، ليصل صوت الإسلام إلى هذه المجالس، وتصدع كلمة الحق في موطن القرار، وهذا هو جوهر الولاء للإسلام، والبراء مما دونه.

5. وأما الاستدلال بآية الشورى فنقول: لا نسلم اعتبار الديمقراطية كلها نظام كفر([57])، حتى لو كانت كذلك، فينبغي التفريق بين هذا الاعتبار، وبين التزام النائب المسلم ببعض أنظمتها لتحقيق مصلحة الإسلام والمسلمين، فهذا لا يعد تضارباً مع الإسلام، ولا يوصل المسلم إلى الكفر، الذي لا يتحقق إلا بإقراره أو اعتقاده، فالنبي r قد استفاد من النظام الجاهلي المتمثل في الحماية والجوار؛ والمسلم يدخل هذه المجالس ليخالف أصحابها في تشريعاتهم الباطلة، ويسعى لتقليل الشر، ورفض الظلم، أو أضعف الإيمان إنكاره، وطرح البديل الإسلامي.

ثانياً: مناقشة استدلالهم بالسنة:

1. الاستدلال برفض النبي r الملك عندما عرض عليه المشركون، وإصراره علـى المضي في طريق في الدعوة، هي قياس مع الفارق للأسباب التالية:

    ‌أ.   أن العرض الذي قدمه المشركون للنبي r كان مقابل أن يتخلى عن دعوته، وهذا ما لا يشترط على مشاركة النائب المسلم بأن يترك دينه أو يتخلى عن أي قضية فيه، بل إن دوره التمسك بالثوابت الإسلامية، وحض الناس عليها.

   ‌ب.  الاختلاف الكبير بين مجتمعنا اليوم، ومجتمع المشركين الذي كان كافراً، وبالتالي سيكون النبي r والياً من قبل الجاهلية على مجتمع كافر، وهذا يؤدي إلى ضعف نفوذه، وعدم استطاعته فرض أي رأي عليهم، أما في وقتنا الحاضر فالمجتمع مسلم، وما زالت بقية من الأحكام الشرعية يعيشها الناس في حياتهم.

2. أما الحجة بأن المجالس النيابية اليوم هي شبيه بدار الندوة والنبي r لم يغير الواقع الجاهلي من خلال هذه الدار، فلا نسلم بهذا التشبيه، ويكفي لإبطاله هاتان الملاحظتان:

    ‌أ.   إن دخول النبي r لدار الندوة كان يحتم عليه أن يترك دعوته في تسفيه أحلام وأصنام قريش، ولا أحد يقول ذلك حين يدخل هذه المجالس([58]).

   ‌ب.  إن سن القوانين في دار الندوة لا يستند لأي قاعدة شرعية، أو أصول دينية، بل كل ما يصدر إنما يكون عن هوى بشري، وفي المجالس النيابية ليس الأمر بهذه الصورة([59]).

ثالثاً: مناقشة استدلالهم بالمعقول:

1. الرد على الاحتجاج بأن المجالس النيابية تقوم على تأليه الأغلبية يتمثل في قوله تعالى: } أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ~ وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى {([60])، فلا تتحمل نفس وزر أخرى، ويقول الرسول r: " إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِ امْرِئٍ مَا نَوَى "([61]). فكيف يتم القول بأن إنساناً ـ أياً كان ـ لمجرد جلوسه في مكان يؤخذ فيه برأي الأغلبية يشترك معهم في الوزر إن كان الرأي المأخوذ مخالفاً للشرع؟ ونعلم أن الاتجاهات التي أباحت الدخول للمجالس النيابية، لم يكن الغرض هو مجرد الدخول إليها، ولكن لاتخاذها منبراً يُنادى من خلاله بتطبيق الشريعة كاملة، ويُمنع فيه ما يخالفها.

أما وأن الأغلبية غير متفقة على ما ينادي به أصحاب الاتجاهات الإسلامية، فالوزر عليهم ـ وإن كانوا أغلبية ـ وحسب أصحاب الاتجاهات الإسلاميـة وغيرهم ممن ينـادون بالحق أن بلغوا ودعوا الناس إلى الشرع، ورفضوا السماح بالباطل.

ثم إن المجالس النيابية تصدر القوانين باسم الشعب، ويتحمل الشعب كله مسئوليتها ونتائجها، فإذا استطاع المسلم ألا يدخل مجلس النواب، فهل يستطيع أن ينزع نفسه من هذا الشعب؟ وكيف يرضى المسلم أن يصدر القانون من مجلس النواب باسم الشعب؟ وهل يقدر أن يتحمل هنا مسئولية أمام الله وأمام الناس باعتباره من هذا الشعب، الذي صدر باسمه هذا القانون غير الشرعي؟.

فهذه القوانين التي يصدرها نواب الشعب، لا يمكن أن يكون الشعب متحملاً للوزر فيها إلا من رضي بذلك، وكذلك النواب غير الموافقين على أي قانون، لا يمكن أن ينطلوا في هذا الإثم؛ لأنهم معارضون له([62]).

2. بالنسبة للقول بأن دخول البرلمان يعني تمييع القضية، وإعطاء النظام الصبغة الشرعية وتكريس وجوده، فهذا يمكن أن يصح " إذا نسي النائب المسلم عقيدته على باب المجلس النيابي، أما إذا دخل هناك ليرفع لواء الدعوة إلى الحكم بما أنزل الله، ويطالب بإصلاح أحوال الأمة كلها وفق شريعة الله، فأين يكون التمييع؟"([63]).

أما عن إعطاء صفة الشرعية للمجلس، فما من مجلس ينتخب إلا ويعلن أنه جاء عن انتخاب حر مباشر ـ حتى ولو كان غير ذلك ـ ودخول المعارضة فيه ـ حتى ولو كانت قليلة ـ تؤيد ذلك، فهل إطلاق صفة الشرعية للمجلس يتوقف على دخول أصحاب الاتجاهات الإسلامية؟!

وعلى فرض أن المجلس باطل، فهل يجوز ترك الباطل دون تغييره أو إقامة الحجة عليه ما دام ذلك في الاستطاعة ؟([64]).

وأما اعتبار المشاركة تكريس للنظام، فهو غير مقبول، إذ إن العمل في أي وظيفة تجارية أو زراعية، حتى أدنى وظيفة في أجهزة هذا النظام، يعد تكريساً وتقوية له، فلِم المنع من المشاركة في المجالس النيابية لإصلاحها، وعدمه في الوظائف العادية التي يتقوى بناء النظام بها؟.

3. الحجة بأن الإسلاميين لم يصلوا إلى الحكم عن طريق الديمقراطية، فهذا صحيح نتيجة للتآمر العالمي على العاملين للإسلام، والحيلولة دون وصولهم إلى سدة الحكم في أي مكان، ولكن خوض الإسلاميين الحياة الديمقراطية أنشأ لهم قاعدة جماهيرية صلبـة تنـادي بالإسلام جهرة، وتسعى لنشر فكرتها في كل الميادين دون خوف أو وجل، كما قلل من حدة التصادم بين الحكومة والأحزاب الإسلامية، وفي المقابل مكَّن للإسلاميين من الوصول إلى قبة البرلمان، والصدع بكلمة الحق، ومحاربة المعارضين لهم سياسياً، والوقوف بحزم وقوة لكل قرار يخالف شريعة السماء، بل وإخضاع الحكومة للمحاسبة، وقد أثبتت التجارب في كثير من البلدان كالأردن والكويت واليمن صدق هذا التوجه.

4. أما اعتبار الانتخابات والحزبية سيان في تفريق وحدة المسلمين، فنقول: إن الحزبية قد مر الحديث عنها، وخلصنا إلى أن تشكيل الأحزاب الإسلامية يعد فريضة شرعية وضرورة سياسية، تقتضيها المصلحة العامة في واقعنا المعاصر، وكذلك الشأن في الانتخابات والمشاركة في المجالس النيابية.

5. وأما قولهم بأن الدخول في المجالس النيابية فتنة لأصحابها، فنقول: إن العيب في ذلك ليس دخول المجالس، وإنما العيب في الأشخاص، وإلا فمن علماء الدين من باع دينه من أجل الدنيا، وأفتى بما يرضي السلاطين وأهواء الناس، وكتم الحق إرضاء للعامة، وحفاظاً على منصبه، والعيب ولا شك ليس في المنصب الديني ولا في المشيخة نفسها، وإنما هو في النفوس والقلوب.

يقول ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: " فالواجب اتخاذ الإمارة ديناً، وقربة يتقرب بها إلى الله، فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله r من أفضل القربات"([65]).

فمن أخذ الولاية على هذا النحو، فلا شك أنه موفق صالح، وأما من أخذها اتباعاً لهواه ورغبة في الدنيا، فلا شك أنه يفسد بها([66]).

ومما لا شك فيه أن الدعاة الذين وصلوا إلى تقلد هذه المناصب في المجالس النيابية، يفترض أن يكونوا قد رسخوا في علوم الشريعة، وعلموا ثقل الأمانة التي يحملونها، وعظم الرسالة التي سيؤدونها، ونحسب أن من فهم ذلك أيقن أن الأمر تكليف، وليس تشريفاً.

الترجيح:

بعد استعراض الرأيين ومناقشة القائلين بحرمة المشاركة في المجالس النيابية في ظل أنظمة الحكم المعاصرة، يظهر بوضوح تأييدنا للرأي الثاني القاضي بجواز المشاركة في المجالس النيابية وفق ضوابط شرعية، وذلك للاعتبارات التالية:

1. إن المشاركة في المجالس النيابية تنسجم مع مبادئ ومنطلقات الإسلام الحنيـف من مراعاة التدرج في التغيير، والواقعية في طرح الإسلام كبديل، كما أنهـا تتواءم مع قواعـد الشريعة ومقاصدها، التي تؤول إلى الموازنة بين المصالح والمفاسد.

2.  إن المشاركة تقود إلى المساهمة في التشريع، ومراقبة السلطة التنفيذية، وفي هذا انسجام ومقاصد الشريعة.

3. وقد تعطي المشاركة العالم دليلاً مادياً على انحياز الأمة للمشروع الإسلامي، مما يعزز الثقة بالحركات الإسلامية ويعجل في استئناف الحياة الإسلامية

من جديد.

4. لقد حقق الإسلاميون المشاركون في الانتخابات مكاسب كثيرة للدعوة وللأمة، ومنعوا بعضاً من القرارات المخالفة لمنهج الإسلام، وأثبتوا للناس أن الإسلام دين متكامل.

وهذا القول هو ما أفتى به الكثير من العلماء المعاصرين، مؤكدين على مشروعيته، بل وعلى وجوبه في بعض الأحيان، ويجدر بي أن أسجل بعضاً من فتاوى العلماء الأجلاء.

الإمام الشهيد حسن البنا ـ رحمه الله ـ ودخول المجالس النيابية:

تحت عنوان " لماذا دخل الإخوان المسلمون مجلس الشعب " كتب الإمام حسن البنا ـ رحمه الله ـ قائلاً:

" وعماد الدعوة لتنجح وتظهر: تبليغ واضح دائم يقرع بها أسماع الناس، ويصل بها إلى قلوبهم وألبابهم، وتلك مرحلة يظن الإخوان المسلمون أنهم وصلوا بها في المحيط الشعبي إلى حد من النجاح ملموس مشهود، وبقي عليهم بعد ذلك أن يصلوا بهذه الدعوة الكريمة إلى المحيط الرسمي، وأقرب طريق إليه " منبر البرلمان"، فكان لزاماً على الإخوان أن يزجوا بخطبائهم ودعاتهم إلى هذا المنبر؛ لتعلو من فوقه كلمة دعوتهم، وتصل إلى آذان ممثلي الأمة في هذا النطاق الرسمي المحدود، بعد أن انتشرت فوصلت إلى الأمة في نطاقها الشعبي العام، ولهذا قرر مكتب الإرشاد أن يشترك الإخوان في انتخابات مجلس النواب.

وإذن فهو موقف طبيعي لا غبار عليه، فليس منبر البرلمان وقفاً على أصوات دعاة السياسة الحزبية على اختلاف ألوانها، ولكنه منبر الأمة تسمع من فوقه فكرة صالحة، ويصدر عنه كل توجيه سليم يعبر عن رغبات الشعب، أو يؤدي إلى توجيهه توجيهاً صالحاً نافعاً "([67]).

هذه رؤية الإخوان الواضحة، ومنها تم ترشيح المرشد العام للإخوان المسلمين الإمام الشهيد حسن البنا ـ رحمه الله ـ مرتين من قِبل مكتب الإرشاد عن دائرة الإسماعيلية.

وهكذا سار الإخوان المسلمون في كل الأقطار وفق هذا الفقـه لا يترددون فـي خوض معترك المجالس النيابية، حتى حرصت على ذلك معظم الحركات الإسلامية في كل أقطار العالم الإسلامي، مثل الجماعات الإسلامية في الباكستان، وحزب العدالة والتنمية في المغرب، والجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر، وحزب الرفاه في تركيا، وكذلك التيارات السلفية في الكويت، حتى أن الإخوان المسلمين في فلسطين لم يرفضوا المشاركة في المجلس التشريعي على الرغم من تقيده ومحدودية صلاحياته باتفاقات أوسلوا إلا رفضاً مصلحياً.

رأي الشيخ العالم عبد العزيز بن باز ـ رحمه الله ـ:

هذا وقد سئل شيخنا المفضال العالم الورع سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ـ رحمه الله ـ عن شرعية الترشيح لمجلس الشعب وحكم الإسلام في استخراج بطاقة انتخابات بنية انتخابات الدعاة والإخوة المتدينين لدخول المجلس؟ فأفتى فضيلته بقوله:

" إن النبي r قال: " إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِ امْرِئٍ مَا نَوَى "([68])، لذا فلا حرج في الالتحاق بمجلس الشعب إذا كان المقصود من ذلك تأييد الحق، وعدم الموافقة على الباطل؛ لما في ذلك من نصر الحق والانضمام إلى الدعاة إلى الله، كما أنه لا حرج في استخراج البطاقة التي يستعان بها على انتخاب الدعاة الصالحين، وتأييد الحق وأهله، والله الموفق "([69]).

فقد استند شيخنا عبد العزيز بن باز ـ رحمه الله ـ على فتواه باعتبار دخول

المجالس النيابية نية حقيقية لتأييد الحق، ومناهضة الباطل، والانضمام إلى قافلة الدعاة بمناصرتهم.

رأي الشيخ محمد الصالح العثيمين ـ رحمه الله ـ:

وبهذا أفتى سماحة الشيخ محمد الصالح العثيمين ـ رحمه الله ـ شفاهاً لعدد كبير من الإخوة طلاب العلم الذين سألوه عن حكم الترشيح للمجالس النيابية، فأجابهم بجواز الدخول، وقد كرر عليه بعضهم السؤال مع شرح ملابسات الدخول إلى هذه المجالس، وحقيقة الدساتير التي تحكم، وكيفية اتخاذ القرار، فكان قوله في ذلك " ادخلوها، أتتركونها للعلمانيين والفسقة؟" وهذه إشارة منه إلى أن المفسدة التي تتأتى بعدم الدخول أعظم كثيراً من المفسدة التي تتأتى بالدخول إن وجدت([70]).

رأي الشيخ العالم محمد أبو زهرة ـ رحمه الله ـ:

أجرت مجلة الإخوان المسلمون حواراً مع الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله حول دخول الإخوان المسلمين الانتخابات النيابية، وجاء فيه:

ما رأيكم في أن يرشح بعض الإخوان المسلمين أنفسهم لكراسي النيابة؟

فأجاب فضيلته: " إن ترشيح بعض الإخوان المسلمين الذين يستمسكون بالعروة الوثقى، وللدين الاعتبار الأول في نفوسهم، أمر واجب جد واجب؛ لأنه يحمي جماعة الإخوان، وينشر دعوتهم، ويفيد الحياة النيابية في مصر:

أما حمايته لجماعة الإخوان: فلأن وجود نواب يمثلونهم يمكن الجماعة من أن ترفع صوتها في دار الشورى بالشكاة العادلة مما يقع على أعضائها من مظالم أو اضطهادات، أو نحو ذلك مما تتعرض له الجماعات في مصر.

وأما أنه سبيل لنشر فكرتها: فلأنه يمكن ممثليها من أن يدلوا بآراء الجماعة الصحيحة في كل ما يعرض من قوانين في مسائل إدارية ونظامية، وإن صوتهم سيكون صوت الإسلام يتردد تحت قبة البرلمان، وهو رقابة قوية تستمد قوتها من الدين، وضمان وثيق لكي تسير أمور الدولة في قابل أمرها غير متجانفة عن الإسلام، ولا مجافية لأحكامه.

وأما فائدتها للنيابة في مصر: فلأن نواب الجماعة سيكونون ممثلين لفكرة فوق تمثيلهم لناخبيهم، وسيعملون تحت سلطان هذه الفكرة على أن يكونوا رقباء على الحكومة، فاحصين لأعمالها "([71]).

رأي الشيخ سلمان بن فهد العودة ـ حفظه الله ـ:

وقد سألت الشيخ سلمان بن فهد العودة ـ حفظه الله ـ عن حكم الدخول في عضوية المجالس النيابية، فأجاب فضيلته:

" إن العضوية في المجالس النيابية وغيرها: فالذي أراه إجمالاً أن هذا من باب تقليل المفاسد، أو جلب بعض المصالح، أو حصول الإنسان على بعض حقه، كما دخل الرسول r في جوار أبي طالب، ثم في جوار المطعم بن عدي([72])، وكذلك أبو بكر t دخل في جوار ابن الدغنة([73])، وليس الدخول اعترافاً بحقها في التشريع، ولا هو ـ بالضرورة ـ اعتقاد بأنها طريق التغيير، لكن من باب الانتفاع بالأشياء الممكنة، ولعله في الجملة داخل في باب الضرورات الشرعية([74]).


 

المطلب الثالث

ضوابط المشاركة في المجالس النيابية

1. أن تكون المشاركة في حدود الإطار الشرعي، فلا يترتب عليها إقرار للكفر، أو عمل به، بالاعتقاد أنه من حقه أو من حق أي أحد أن يشرع من دون الله تعالى، فحق التشريع لله عز وجل، وليس لأحد أن ينازعه فيه } إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ{([75]).

2. أن لا تكون المشاركة غاية في ذاتها على حساب المبادئ، أو على حساب الأمة، فهي ليست بديلاً عن منهج الإسلام في إقامة دولته وإرساء معالمه، وإنما هي وسيلة يسعى من خلالها المشاركون جلب المصالح ودرء المفاسد.

3. أن يكون المقصد الأساسي من المشاركة خدمة الإسلام والمسلمين، فلا يترتب عليها مفاسد أعظم من المصالح المرجو تحقيقها.

4. أن تكون مشاركة منضبطة ومدروسة دراسة وافية، وأن تتحدد المصالح والاعتبارات للمشاركة بدقة، بحيث تكون ظاهرة متحققة لا خفية أو موهومة، حتى ينجح الدعاة في سياستهم، وطرح منهجهم، فيكونوا أقرب إلى تحقيق غاياتهم المثلى.

5. ألا يدخل هذا المدخل إلا من تتحقق بدخولهم المصلحة، وتندفع المفسدة قدر الإمكان، فلا يكون هو برنامج الدعوة ومنطلق التربية، ولا يلج فيه الضعفاء المعرضون للفتن، ولا يخوض غماره من يجدون من فرص الخير ومجالاته وآفاقه ما هو أنفع وأبقى، وإنما ينبري له أفراد تنطبق عليهم الشروط([76]).

6. إخضاع تجربة المشاركة للاختبار، وتقديمها بين الحين والآخر لمعرفة مدى تحقق الأهداف التي بنيت على أساسها المشاركة، أو الانسحاب الفوري.


 


([1]) ابن منظور: لسان العرب (1/774)، الرازي: مختار الصحاح (1/285)، مادة: نوب.

([2]) ابن منظور: لسان العرب (1/774).

([3]) حلمي: نظام الحكم الإسلامي (ص: 153)، عبد الله: النظم السياسية والقانون الدستوري (ص: 147)، ليلة: النظم السياسية والدولة والحكم (ص: 225).

([4]) الطماوي: السلطات الثلاث (ص: 52)، عبد اللطيف: الدولة الإسلامية وسلطتها التشريعية (ص: 254).

([5]) عبد الله: النظم السياسية والقانون الدستوري (ص: 147).

([6]) حلمي: نظام الحكم الإسلامي (ص: 204 - 209)، ليلة: النظم السياسية والدولة والحكم (ص: 525).

([7]) الأنصاري: الشورى وأثرها في الديمقراطية (ص: 351- 353)، حلمي: نظام الحكم الإسلامي (ص:153- 155)، عبد الله: النظم السياسية والقانون الدستوري (ص: 150- 151)، ليلة: النظم السياسية والدولة والحكم (ص: 542- 548).

([8]) الشائع عند العلماء أن أول من دون هذا العلم وكتب فيه بصورة مستقلة هو الإمام محمد بن إدريس الشافعي، المتوفى (204 هـ). زيدان: الوجيز في أصول الفقه (ص: 16).

([9]) عبد اللطيف: الدولة الإسلامية وسلطتها التشريعية (ص: 273).

([10]) حلمي: نظام الحكم الإسلامي (ص: 232- 237).

([11]) الطماوي: السلطات الثلاث (ص: 339- 340).

([12]) الطماوي: السلطات الثلاث (ص: 344- 345)، عبد اللطيف: الدولة الإسلامية وسلطتها التشريعية (ص: 296- 298).

([13]) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن (6/37).

([14]) السابق (4/250).

([15]) قطب: واقعنا المعاصر (ص: 463)، الإمام: تنوير الظلمات بكشف مفاسد وشبهات الانتخابات (ص: 34)، قاطرجي: مناقشة علمية لآراء الشيخ فيصل مولوي حول المشاركة في المجالس النيابية، بحث نشره فتحي يكن في كتابه أضواء على التجربة النيابية الإسلامية في لبنان (3/141)، المحامي: المجالس النيابية أكبر خدعة للإسلاميين ـ حوار أجراه عمرو محمود، ( ملف الإسلاميون والبرلمانات السياسية )، موقع الإسلام اليوم ـ.

([16]) الأشقر: حكم المشاركة في الوزارة والمجالس النيابية (ص: 108)، البنا: مجموعة الرسائل (ص: 322)، حبيب: الإسلاميون والانتخابات النيابية (مجلة المنار الجديد العدد 6)، راضي: الإخوان المسلمون تحت قبة البرلمان (ص: 24- 32)، الضناوي: الطريق إلى حكم إسلامي (ص: 264)، عبد الخالق: مشروعية الدخول إلى المجالس التشريعية (ص: 19)، العريان: المشاركة في الانتخابات اختيار سليم ـ حوار أجراه معه أسامة الهيتمي، (ملف الإسلاميون والبرلمانات السياسية )، موقع الإسلام اليومـ، العودة: سؤال وجهته للشيخ سلمان العودة عبر موقعه على الانترنت، الإسلام اليوم، القطان: مقومات تطبيق الشريعة الإسلامية (ص: 166)، محمود: الاختلافات الفقهية لدى الاتجاهات الإسلامية المعاصرة (ص: 314)، مولوي: رد على مناقشة الشيخ حسن قاطرجي حول المشاركة في المجالس النيابية، بحث نشره فتحي يكن في كتابه أضواء على التجربة النيابية الإسلامية في لبنان (3/165)، الياسين: للدعاة فقط (ص: 232)، يكن: أضواء على التجربة النيابية الإسلامية في لبنان (1/197).

([17]) سورة النساء: الآية (140).

([18]) الأشقر: حكم المشاركة في الوزارة والمجالس النيابية (ص: 103- 104)، عبد الخالق: مشروعية الدخول إلى المجالس التشريعية (ص: )، قطب: واقعنا المعاصر (ص: 263)، الياسين: للدعاة فقط (ص: 225-226).

([19]) سورة هود: الأيتان (112، 113).

([20]) الأشقر: حكم المشاركة في الوزارة والمجالس النيابية (ص: 105)،

([21]) سورة البقرة: من الآية (219).

([22]) الأشقر: حكم المشاركة في الوزارة والمجالس النيابية (ص: 105- 106)، حزب التحرير: حكم الشرع في المجالس النيابية ـ بيان صادر عن حزب التحرير بولاية اليمن بتاريخ 25/4/2003 م ـ، قطب: واقعنا المعاصر (ص: 464)، الياسين: للدعاة فقط (ص: 225- 226).

([23]) سورة المائدة: الأيتان (54، 55).

([24]) أبو نصر الإمام: تنوير الظلمات بكشف مفاسد وشبهات الانتخابات (ص: 42- 44).

([25]) سورة الشورى: الآية (21).

([26]) أبو نصر الإمام: تنوير الظلمات بكشف مفاسد وشبهات الانتخابات (ص: 34- 36)، حزب التحرير: حكم الشرع في المجالس النيابية.

([27]) ابن هشام: السيرة النبوية (2/133).

([28]) قطب: معالم في الطريق (ص: 30).

([29]) الياسين: للدعاة فقط (ص: 224).

([30]) قطب: واقعنا المعاصر (ص: 463- 464).

([31]) أبو نصر الإمام: تنوير الظلمات بكشف مفاسد وشبهات الانتخابات (ص: 37)، حزب التحرير: الانتخابات النيابية في الأردن ترسيخ لأنظمة الكفر ـ بيان صادر عن حزب التحرير بولاية الأردن بتاريخ 24 / أيار/ 2003 م ـ.

([32]) أبو نصر الإمام: تنوير الظلمات بكشف مفاسد وشبهات الانتخابات (ص: 50-51)، الأشقر: حكم المشاركة في الوزارة والمجالس النيابية (ص: 107)، محمود: الاختلافات الفقهية لدى الاتجاهات الإسلامية المعاصرة (ص: 310).

([33]) الضناوي: الطريق إلى حكم إسلامي (ص: 261)، عبد الخالق: مشروعية الدخول إلى المجالس التشريعية (ص: 24).

([34]) أبو نصر الإمام: تنوير الظلمات بكشف مفاسد وشبهات الانتخابات (ص: 58).

([35]) أبو نصر الإمام: تنوير الظلمات بكشف مفاسد وشبهات الانتخابات (ص: 78- 79)، عبد الخالق: مشروعية الدخول إلى المجالس التشريعية (ص: 26).

([36]) سورة النحل: من الآية (125).

([37]) الأشقر: حكم المشاركة في الوزارة والمجالس النيابية (ص: 108- 109).

([38]) سورة هود: الآية (91).

([39]) السعدي: تيسير الكريم الرحمن (ص: 345).

([40]) أخرجه مسلم: الصحيح (كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان 1/69 ح 49).

([41]) أخرجه ابن أبي شيبة: المصنف (7/530 ح 37743)، الطبراني: المعجم الكبير (11/39 ح 10973)، والحديث صحيح، الألباني: صحيح الجامع الصغير (1/638 ح 3661).

([42]) أخرجه مسلم: الصحيح (كتاب الإمارة، باب وجوب الإنكار على الأمراء 3/1481 ح 1854).

([43]) مولوي: رد على مناقشة الشيخ حسن قاطرجي حول المشاركة في المجالس النيابية، بحث نشره فتحي يكن في كتابه أضواء على التجربة النيابية الإسلامية في لبنان (3/166-167).

([44]) الأشقر: حكم المشاركة في الوزارة والمجالس النيابية (ص: 109- 110).

([45]) الضناوي: الطريق إلى حكم إسلامي (ص: 262).

([46]) الأشقر: حكم المشاركة في الوزارة والمجالس النيابية (ص: 110).

([47]) العودة: فتوى بعنوان التصويت على الانتخابات (ملف الإسلاميون والبرلمانات السياسية)، موقع الإسلام اليوم.

([48]) القرطبي: الجامع أحكام القرآن (5/418).

([49]) قطب: في ظلال القرآن (2/781).

([50]) الزحيلي: التفسير المنير (5/321).

([51]) ابن كثير: التفسير (2/462).

([52]) الطبري: جامع البيان (2/127).

([53]) قطب: في ظلال القرآن (4/1931).

([54]) سورة آل عمران: الآية (104).

([55]) سورة النساء: الآية (65).

([56]) القطان: معوقات تطبيق الشريعة الإسلامية (ص: 165).

([57]) راجع الموقف من الديمقراطية (ص: 35).

([58]) الأشقر: حكم المشاركة في الوزارة والمجالس النيابية (ص: 113)، الياسين: للدعاة فقط (ص: 228).

([59]) الياسين: للدعاة فقط (ص: 228).

([60]) سورة النجم: الآيتين (38، 39).

([61]) أخرجه البخاري: الصحيح (كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله 1/3 ح 1).

([62]) محمود: الاختلافات الفقهية لدى الاتجاهات الإسلامية المعاصرة (ص: 312- 313)، يكن: أضواء على التجربة النيابية الإسلامية (1/187).

([63]) يكن: أضواء على التجربة النيابية الإسلامية (1/185).

([64]) محمود: الاختلافات الفقهية لدى الاتجاهات الإسلامية المعاصرة (ص: 313).

([65]) ابن تيمية: مجموع الفتاوى (28/290).

([66]) عبد الخالق: مشروعية الدخول إلى المجالس التشريعية (ص: 26).

([67]) راضي: الإخوان المسلمون تحت قبة البرلمان (ص: 20- 21)، نقلاً عن: البنا: لماذا دخل الإخوان المسلمون مجلس الشعب، مقال منشور في مجلة الإخوان المسلمون، العدد 18، بتاريخ 4/11/1944 م.

([68]) سبق تخريجه (ص: 185)، وهو صحيح.

([69]) القطان: معوقات تطبيق الشريعة الإسلامية (ص: 166)، نقلاً عن: مجلة لواء الإسلام ملف الانتخابات العدد الثالث 1409 هـ ـ 1989 م.

([70]) عبد الخالق: مشروعية الدخول إلى المجالس التشريعية (ص: 19).

([71]) راضي: الإخوان المسلمون تحت قبة البرلمان (ص: 31)، نقلاً عن: مجلة الإخوان المسلمون، العدد 2 ذو الحجة 1363 هـ.

([72]) انظر: ابن حجر: فتح الباري (7/233).

([73]) السابق (7/229).

([74]) العودة: سؤال وجهته للشيخ سلمان العودة عبر موقعه على الانترنت، الإسلام اليوم.

([75]) سورة يوسف: من الآية (40).

([76]) العودة: العودة: سؤال وجهته للشيخ سلمان العودة عبر موقعه على الانترنت، الإسلام اليوم.