|
المبحث الرابع
الشــــــــورى
ويتكون من ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: مفهوم الشورى، وأهميتها
المطلب الثاني: حكم الشورى وفوائدها
المطلب الثالث: الشورى والديمقراطية المعاصرة
المطلب الأول
مفهوم الشورى،
وأهميتها
أولاً: مفهوم الشورى:
الشورى في اللغة:
الشُّورَى: المشورة،
والمشاورة: استخراج الرأي، يقال: شَاوَرْتُهُ في الأمر، استشرته، وطلبت منه
المشورة([1]).
والشُّورَة، والشَّارة:
الحُسن والهيئة، يقال: شَارَ الرجل، إذا حسن وجهه،([2])،
وشَارَ العسل: استخرجه واجتناه من مواضعه، وشَارَ الدابة: عرضها للبيع([3])،
كأنه من الشَّور، وهو عرض الشيء وإظهاره([4]).
والخلاصة: فالشورى الإظهار،
والاستخراج.
الشورى في الاصطلاح:
قال الراغب الأصفهاني ـ
رحمه الله ـ: " هي استخراج الرأي، بمراجعة البعض إلى البعض "([5]).
ويقول ابن العربي ـ رحمه
الله ـ: " هي الاجتماع على الأمر، ليستشير كل واحد منهم صاحبه، ويستخرج ما عنده "([6]).
وقال الطاهر بن عاشور ـ
رحمه الله ـ: " هي أن قاصد عمل يطلب ممن يظن فيه صواب الرأي والتدبير، أن يشير عليه
بما يراه في حصول الفائدة المرجوة
من عمله "([7]).
وعرفها الدكتور جابر
الأنصاري ـ من المعاصرين ـ بقوله: " هي استطلاع رأي الأمة، أو من ينوب عنها في
الأمور العامة المتعلقة بها "([8]).
فالتعاريف تتفق على معنى
واحد للشورى، فتفيد أنها قائمة على تبادل الآراء؛ للتوصل إلى الرأي الأصوب.
الشورى في الكتاب والسنة:
أولاً: القرآن الكريم:
وردت كلمة الشورى في القرآن
الكريم في ثلاثة مواضع:
أولها: في خطاب موجه لولي
الأمر. وثانيها: في خطاب موجه للأمة الإسلامية. وثالثها: في أمر اجتماعي.
1. قال الله تعالى:
} وَشَاوِرْهُم فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُ المُتَوَكِّلِينَ {([9]).
وجه الدلالة: أمر الله نبيه
r أن يشاور المسلمين؛ تطييباً لنفوسهم، ورفعاً من
أقدارهم، ولتصير سُنة، فإذا عزمت على ما تريد إمضاءه من الشورى، فتوكل على الله لا
على المشاورة([10]).
2. قال الله تعالى:
} وَالذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِم وَأَقَامُواْ
الصَّلاةَ وَأَمْرُهُم شُورَى بَيْنَهُم وَمِمَّا رَزَقْنَاهُم يُنْفِقُونَ
{([11]).
وجه الدلالة: إن طابع
الشورى في الجماعة كان مبكراً، وكان مدلوله أوسع وأعمق من محيط الدولة، وشئون الحكم
فيها، إنه طابع ذاتي للحياة الإسلامية، وسمة
مميزة للجماعة المختارة لقيادة
البشرية([12]).
3. قال الله تعالى:
} فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا
وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا {([13]).
وجه الدلالة: في الآية دليل
على إباحة الله تعالى للوالدين التشاور في الرضاعة، فيما يؤدي إلى إصلاح الصغير،
وذلك موقوف على غالب ظنونهما لا على الحقيقة واليقين([14]).
ثانياً: السنة:
عن أبي هريرة t
قال: قال رسول الله r: " المُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ "([15]).
وجه الدلالة: أفاد الحديث
أن من أفضى إلى أخيه بسره، وأمنه على نفسه، فقد جعله بمحلها، فيجب عليه ألا يخون
المستشير بكتمان مصلحته، وألا يشير عليه إلا بما يراه صواباً، فهو أمين على ما
استشير فيه([16]).
ثانياً: أهمية الشورى في
حياة الأمة:
تعد الشورى ركيزة أساسية في
بناء الدولة الإسلامية، بل هي من أُسس الحكم في الإسلام، ومن أبرز خصائصه؛ فالشورى
تحتل مكان الصدارة في عداد المبادئ التي جاء بها الإسلام، وأرسى دعائم دولته([17]).
ولأهمية الشورى في حياة
الأمة، سمى الله تعالى سورة في القرآن الكريم باسم
الشورى، ومدح أهل الشورى في
معرض حديثه عن فرائض كلية في الإسلام؛ ليدلل على عظيم شأنها ومكانتها، فالأمة تعيش
على وجه الأرض بالخيرية من السعادة في تطبيقها؛ لهذا المبدأ قال رسول الله r:
" إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارُكُمْ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاؤُكُمْ،
وَأُمُورُكُم شُورَى بَيْنَكُمْ، فَظَهْرُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا
"([18]).
والشورى في الأمة مبدأ
أصيل، وصفة لازمة، بدونها تفقد الأمة صلاحها كما لو تركت الصلاة أو الصيام([19])،
حيث ترتكز عليها كل دولة راقية تنشد لرعاياها الأمن والاستقرار، والفلاح والنجاح؛
ذلك لأنها الطريق السليم التي يتوصل بها إلى إجراء الآراء والحلول، لتحقيق مصالح
الأفراد، والجماعات، والدول([20]).
وما تمسك المسلمون بالكتاب
والسنة، فإنهم لن يضلوا بقرار يصدرونه بالشورى، ولا يجمعون على باطل، كما روي عن
رسول الله ([21])،
وتلك العصمة النسبية من الباطـل لنتيجة الشورى العامة، تؤكد جليل شأنها في الحياة
الإسلامية، والسياسية([22]).
والشورى في الإسلام أصل
مشروعية الولاية العامة على الأمة، وهي الشورى السياسية، قال عمر t:
" فَمَنْ بَايَعَ امْرَأً مِنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنْ المُسْلِمينَ، فَإِنَّهُ لا
بَيْعَةَ لَهُ وَلا للذِي بَايَعَهُ "([23])...([24]).
وقد تفرد الإسلام بهذا
المبدأ الأصيل، وأقره سلوكاً عاماً في المجتمع، وأسلوباً في إدارة الشئون العامة،
حتى ربط العالم ابن عطية ـ رحمه الله ـ به شرعية الحكم فقال :"إن من لا يستشير أهل
العلم والدين، فعزله واجب لا خلاف فيه "([25]).([26]).
والشورى تحتاج إليها كل
جماعة ترغب في إصلاح شأنها وتقدم بلادها؛ لأنها من أهم أسباب صلاح المجتمع، ومن أهم
أسس الحضارة الإسلامية الإنسانية، وتشتد حاجة الأمة إلى الشورى حرصاً على استمرار
حضارتها واضطراد تقدمها، ... ويكفي أن الشورى مطلب الأمم الواعية المتنورة يكفي هذا
دليلاً على عظمة نظام الشورى أساساً من أسس الشريعة الإسلامية الخالدة([27]).
المطلب الثاني
حكم الشورى
وفوائدها
أولاً: حك الشورى:
لمكان الشورى في الإسلام،
واعتبارها دعامة وركيزة أساسية في بناء الدولة الإسلامية، ولعظيم شأنها في وحدة
الأمة، وإعداد قيادتها، ولتعلقها بمصالح الأمة المختلفة، والمصيرية من السلم
والحرب، والمعاهدات وغيرها، ... اعتنى علماؤنا ـ رحمهم الله ـ في إظهار حكمها.
وقد اختلف الفقهاء ـ رحمهم
الله ـ في حكم الشورى بالنسبة للحكام على قولين:
القول الأول: الشورى واجبة
على الحاكم، وإلى هذا ذهب كثير من السلف، وعامة المعاصرين([28]).
القول الثاني: الشورى
مندوبة للحاكم، وإلى هذا ذهب الشافعي، وقتادة، والربيع، وابن إسحاق([29]).
فإذا كانت الشورى واجبة كان
الحاكم ملزماً بالأخذ بها، وإلا ترتب على عدم الأخذ بها إثم وعقاب.
وإذا كانت مندوبة، فلا ضير
بتركها من قِبَل الحاكم.
الأدلة:
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بأن الشورى
واجبة على الحاكم بالقرآن الكريم والسنة كما يلي:
أولاً: القرآن الكريم:
1. قال الله تعالى:
} فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ
فَظّاً غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّواْ مِن حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ
لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ
{([30]).
وجه الدلالة: هذا النص صريح
في وجوب المشاورة؛ لأن ظاهر الأمر للوجوب، إلا إذا صرفته قرينة عن ذلك، ولا قرينة
صارفة عن الوجوب هنا([31]).
قال الفخر الرازي ـ رحمه
الله ـ: " ظاهر الأمر للوجوب فقوله: } وَشَاوِرْهُمْ{
يقتضي الوجوب "([32]).
2. قال الله تعالى:
} وَالذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ
الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ
{([33]).
وجه الدلالة: قرنت الآية
الكريمة الشورى بين المسلمين بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة المعبر عنها بالإنفاق،
فدل ذلك على أن حكم الشورى كحكم الصلاة والزكاة، وهما واجبتان شرعاً، فكذلك الشورى
واجبة شرعاً([34]).
ودل هذا على أنه إذا كانت
الصلاة فريضة عبادية، والزكاة فريضة اجتماعية، فإن الشورى فريضة سياسية([35]).
قال الجصاص ـ رحمه الله ـ
بعد شرحه لهذه الآية: " يدل على جلالة موقع الشورى ذكره لها مع الإيمان، وإقامة
الصلاة، ويدل على أننا مأمورون بها "([36]).
ثانياً: السنة:
استدل الفقهاء ـ رحمهم الله
ـ على وجوب الشورى بمواظبته r عليها، وكتـب التاريـخ،
والحديث، والتفسير مليئة بالنماذج، والتي منها:
1. مشاورة النبي r
لأصحابه y في غزوة بدر لخوض المعركة([37])،
وفي قبوله مشورة الحباب في النزول عند ماء بدر([38])،
واستشارته في شأن الأسرى([39]).
2. استشارة النبي r
لأصحابه في غزوة أحد في مكان ملاقاة العدو، أفي المدينة أم يخرجون خارجها لقتاله؟
وقد رأت الأغلبية الخروج؛ حتى لا يقال عنهم إنهم جبنوا عن لقاء العدو([40]).
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بأن الشورى
مندوبة للحاكم بالقرآن الكريم والسنة، كما يلي:
أولاً: القرآن الكريم:
إن الأمر في قول الله
تعالى: } وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ{([41]).
للندب وليس للوجوب؛ فقد نُقل عن الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ قوله: " نظير هذا
قوله r: " البِكْرُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا"([42])،
إنما أراد استطابة نفسهـا، فإنها لو كرهـت، كـان للأب أن
يزوجها؛ وكذلك مشاورة إبراهيم
عليه السلام لابنه حين أُمر بذبحه "([43]).
ثانياً: السنة:
إن الشورى لو كانت واجبة
لفعلها النبي r في كل الأمور، وواظب عليها، ولكن ثبت أنه
ترك المشاورة في المسائل الكبيرة؛ مثل صلح الحديبية، وقتال بني قريظة([44]).
المناقشة:
نوقشت أدلة القائلين بأن
الشورى مندوبة بما يلي:
1. إن الاستدلال بآية سورة
آل عمران باعتبار الأمر للندب: لا نسلم؛ به إذ إن القول المنسوب إلى الشافعي ـ رحمه
الله ـ أن الأمر في } وَشَاوِرْهُمْ {
صرف عن الوجوب إلى الندب قياساً على قوله: " البِكْرُ
تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا " يعتبر قياساً مع الفارق؛ لأن الشورى أمر عام، والمقيس
عليه أمر خاص، ثم إن حكم المقيس عليه ليس محل اتفاق([45]).
ويرد كذلك القياس بالندب
على استشارة سيدنا إبراهيم عليه السلام لابنه، أنه قياس غير سليم، فرؤيا سيدنا
إبراهيم عليه السلام وهو يذبح ولده بكره إسماعيل عليه السلام، تكليف لإبراهيم عليه
السلام، وابتلاء له، وهو كذلك وحي إلهي، والأمر الإلهي الموحى به لا يشاور فيه
أصلاً، فقول إبراهيم عليه السلام لابنه من قبيل الإخبار بالأمر، والتكليف بالذبح،
فهو على سبيل الإعلام ليس إلا([46]).
2. بالنسبة للاستدلال
بالسنة على أن الشورى لو كانت واجبة لفعلها النبي r في
كل الأمور، حيث ثبت تركه لها في صلح الحديبية وبني قريظة:
فيرد عليه أن النبي
r لم يشاور أحداً من المسلمين في صلح الحديبية حين أبرمه؛ لأن
الصلح أمر رباني، والأمر أصبح فيه وحياً؛ يدل على ذلك قوله r
حين اعترض عمر بن الخطاب t على الصلح: " إِنِّي رَسُولُ
اللهِ وَلَسْتُ أَعْصِيهُ، وَهُوَ نَاصِري "([47]).
أما في قتال بني قريظة،
فأمر النبي r بالمسير إلى بني قريظة دون أن يستشير
أحداً؛ لأنه كذلك أمر رباني؛ إذ إن جبريل عليه السلام جاء النبي r
قائلاً له: " وَضَعْتَ السِّلاحَ؟! وَاللهِ مَا وَضَعْتُهُ، اخْرُجْ إِلَيْهِمْ،
قَالَ النَّبِيُّ r: " فَأَيْنَ؟ " فأشار إلى بني قريظة،
فأتاهم رسول الله r، فنزلوا على حكمه "([48]).
الترجيح:
إن الناظر في أقوال
الفريقين، وأدلتهم يتيقن جازماً رجحان الرأي القائل: إن الشورى واجبة، وذلك لما
يلي:
1. قوة أدلتهم الثابتة
من القرآن والسنة، وسلامتها من أي اعتراضات حقيقية.
2. إن القول بأن الشورى
مندوبة، يؤدي إلى استبداد الحاكم، وانفراده في تقرير مصير الأمة، فتصبح الشورى
خاضعة لمزاجه، مما يفقد الثقة بين الحاكم والمحكوم، ويبعث العُجب والغرور في نفس
الحاكم([49]).
3. إن ترك الشورى يفقد
الأمة كفاءاتٍ كان بإمكانها أن تستفيد منها.
ثانياً: من فوائد الشورى:
بعد بيان أهمية الشورى،
واعتبارها دعامة في حياة الأمة، وبعد استجلاء حكمها، يجدر بنا أن نتحدث عن فوائدها،
ومن أهمها:
1. إن الشورى طريق إلى وحدة
الأمة الإسلامية، ووحدة المشاعر الجماعية، من خلال عرض المشكلات العامة، وتبادل
الرأي والحوار([50]).
2. الشورى خير وسيلة للكشف
عن الكفاءات والقدرات، وتحقيق الأفراد لذاتياتهم، وما أوتوا من مواهب وملكات؛ كي
تستفيد الدولة والأمة من كافة طاقات أبنائها، ولاسيما في شئون الحكم والسياسة([51]).
3. الشورى آلية للتوصل إلى
توافق بخصوص اختيار البديل الأمثل من بين عدة خيارات مطروحة، فَلُبُّ الشورى هو
المشاركة في القرار السياسي وغيره، وهي آلية المشاركة مع الإبقاء على التعددية
والتمايز([52]).
4. إنها خير وسيلة لتربية
الأمم وإعدادها للقيادة الرشيدة، وتدريبها على تحمل التبعات، كما أنها تُعَوِّد
الأفراد على العطاء، وعلى الانتماء لجماعتهم ووطنهم، وتحمل مسؤولياتهم تجاه هذه
الجماعة([53]).
5. تدرب الشورى المستشار
على المساهمة في الحكم والإدارة، وتثريه بالتجربة وجودة الرأي والتفكير من خلال
ممارسته للشورى([54]).
6. إن ممارسة الشورى في كل
جوانب الحياة يمثل للأمة المسلمة مدرسة تستطيع من خلالها تحقيق آراء قوية وسديدة
توصلها إلى طريق النصر والتمكين، كما نال بها المسلمون الأوائل، الظفر والأمن.
المطلب الثالث
الشورى
والديمقراطية المعاصرة
أولاً: تعريف الديمقراطية:
الديمقراطيةـ
Democracyـ كلمة مشتقة من لفظتين لاتينيتين (Demos
) الشعب و ( Kvatos ) سلطة، ومعناها: الحكم الذي تكون
فيه السلطة للشعب، وهي كلمة إغريقية الأصل([55]).
وقد اتسع مفهوم الديمقراطية
في العصر الحديث، وتبنتها أنظمة حكم متباينة، ومن ثم صار لها تعاريف كثيرة بحسب
الزاوية التي ينظر إليها، ولكن لا يزال تعريف الرئيس الأمريكي ( لنكولن )
للديمقراطية بأنها: " حكم الشعب بالشعب وللشعب " وهو الأكثر شيوعاً([56]).
ثانياً: الديمقراطية بين
التحفظ والرفض:
تعددت كتابات العلماء
والمفكرين المسلمين في الموقف من الديمقراطية المعاصرة، والمتتبع لهذه الكتابات يرى
ثمة ثلاثة اتجاهات متباينة.
فمن الكتابات من حاولت
إبراز مصطلح ديمقراطية الإسلام مقابل الديمقراطية المعاصرة، متجاوزة ما إذا كان
الإسلام يتعارض والديمقراطية([57]).
وبعضها حاولت أن تبرز نظرية
الشورى في الإسلام في مقابل الديمقراطية المعاصرة، وأن الشورى أوسع وأعمق من
الديمقراطية المعاصرة([58]).
وثالثها هاجمت الديمقراطية
المعاصرة، ورفضتها جملة، واعتبرت أن لا سبيل
إلى مزج الإسلام بالديمقراطية،
ولا سبيل إلى القول بأن الإسلام نظام ديمقراطي([59]).
وعلى ضوء ذلك يمكن القول
على صعيد المصطلح: إنه لا بأس من الاستعانة بكل كلمة رائجة تعبر عن معنى، وإدراجها
في سياق الدعوة للإسلام، ولفها بأطر التصورات الإسلامية([60]).
ويمكن القول: إنه من حقنا
اقتباس ميزات الديمقراطية، فالإسلام قد سبق الديمقراطية بتقرير القواعد التي يقوم
عليها جوهرها، ولكنه ترك التفصيلات لاجتهاد المسلمين وفق أصول دينهم، ومصالح
دنياهم، وتطور حياتهم بحسب الزمان والمكان، وتجدد أحوال المسلمين([61]).
حتى هذه الأمور الجزئية إذا
اقتبست من غير المسلمين، تعد في هذا الوقت جزءاً من الحل الإسلامي؛ لأنها إنما
اقتبست باسم الإسلام، وعن طريقه، وبعد إذنه، ووفقاً لقواعده في استنباط الأحكام
الشرعية لما لا نص فيه من الوقائع والتصرفات، ولا يضيرنا أن هذه الجزئية بالذات قد
أخذت من نظام غير إسلامي، فإنها باندماجها في النظام الإسلامي تفقد جنسيتها الأولى،
وتأخذ طابع الإسلام وصبغته([62]).
ولا يوجد شرعاً ما يمنع
اقتباس فكرة نظرية أو حل عملي من غير المسلمين، فقد أخذ النبي r
في غزوة الأحزاب بفكرة حفر الخندق، وهو من أساليب الفرس([63]).
ولكن لا يعني ذلك أن نحتكم
إلى الديمقراطية في حياتنا على إطلاقها، وندع إسلامنا، أو نترك الشـورى التي تمثل
قيمة إسلامية عليـا في حياة الأمة: } أَفَحُكْمَ
الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ
وَمَن أَحْسَنُ مِن اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ {([64]).
ثالثاً: أوجه الاختلاف بين
الشورى والديمقراطية المعاصرة:
يمكن تلخيص الفروق ووجوه
الاختلاف بين الشورى والديمقراطية في النقاط التالية:
1. إن الديمقراطية المعاصرة
تمثل نظاماً للحكم فقط، يهدف إلى إقامة سلطة يكون الشعب هو الممارس لها، ودون أن
يأخذ بالاعتبار أي أسس دينية، ولا مجال بالطبع في الإسلام لحكم شعبي منقطع عن معاني
الإيمان؛ لأن الدين الإسلامي دين توحيدي يحيط بالحياة، ويضفي عليها جميعاً معنى
العبادة، وينظمها بشريعة شاملة([65]).
2. إن الشورى نظام إيماني
قائم على قواعد المنهاج الرباني، وهي رسالة إلى الناس جميعاً تحمل صفة الشمول، وتعد
منهجاً صالحاً للتطبيق في كل عصر وزمان، أما الديمقراطية فهي تجربة بشرية محصورة
بمدى استيعابها، ومحدودة بمدى إيفائها لمتطلبات الحياة، ومواءمتها لمتغيرات العصر.
3. إن سلطة الأمة في
الديمقراطية المعاصرة مطلقة، فالأمة هي صاحبة السيادة المطلقة، وهي أو المجلس الذي
تنتخبه التي تضع القانون، أو تلغيه، ولكن في الشورى ليست سلطة الأمة مطلقة هكذا،
وإنما هي مقيدة بالشريعة، ولا تستطيع أن تتصرف إلا في حدود هذا القانون([66]).
إن الشورى الإسلامية مرتبطة
بقيم أخلاقية نابعة من الدين نفسه، ولذلك فهي ثابتة غير خاضعة لتقلبات الميول
والرغبات، ومن ثم فهي تضبط تصرفات الأمة ورغباتها، بينما لا تستند الديمقراطية
المعاصرة إلى مثل هذه القيم الثابتة، بل هي قيم نسبية تتحكم فيها رغبات وميول
الأكثرية([67]).
([2])
ابن منظور: لسان العرب (6/310)، مادة: شور.
([3])
ابن قتيبة: الغريب (1/558)، ابن منظور: لسان العرب (2/434، 435).
([4])
ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث والأثير (2/508)، ابن منظور: لسان العرب
(4/434).
([5])
الأصفهاني: المفردات في غريب القرآن (مادة شَوَر ص: 273).
([6])
ابن العربي: أحكام القرآن (1/297).
([7])
ابن عاشور: التحرير والتنوير (25/112).
([8])
الأنصاري: الشورى وأثرها في الديمقراطية (ص: 4).
([9])
سورة آل عمران: من الآية (159).
([10])
الواحدي: الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (1/240).
([11])
سورة الشورى: الآية (38).
([12])
قطب: في ظلال القرآن (5/3165).
([13])
سورة البقرة: من الآية (232).
([14])
القرطبي: الجامع لأحكام القرآن (3/172).
([15])
أخرجه الترمذي: السنن (كتاب الأدب، باب إن المستشار مؤتمن 5/125 ح 2822)،
والحديث صحيح، الألباني: صحيح وضعيف الترمذي (ص: 631).
([16])
المباركفوري: تحفة الأحوذي (8/88)، المناوي: فيض القدير (6/268).
([17])
أبو جيب: الوجيز في المبادئ السياسية في الإسلام (ص: 129، 144)، أبو فارس:
النظام السياسي في الإسلام (ص: 97)، الدريني: خصائص التشريع الإسلامي (ص: 419)،
السدلان: أسس الحكم في الشريعة الإسلامية (ص: 8)، السوسي، وشويدح، ومقداد:
النظم الإسلامية (ص: 239)، طباره: روح الدين الإسلامي (ص: 294)، عالية: نظام
الدولة والقضاء والعرف في الإسلام (ص: 93)، الغنوشي: الحريات العامة في الدولة
الإسلامية (ص: 108)، المبارك: نظام الإسلام والحكم والدولة (ص: 34).
([18])
الترمذي: السنن (كتاب الفتن، باب 4/529 ح 2266)، وقال: " حسن غريب "، المنذري:
الترغيب والترهيب (3/259 ح 3949).
([19])
جابر: الطريق إلى جماعة المسلمين (ص: 64)، حوى:دروس في العمل الإسلامي (ص:52).
([20])
أبو فارس: النظام السياسي في الإسلام (ص: 80).
([21])
قال r: " إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُم مَا إِنْ
اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَداً، كِتَابَ اللهِ، وَسُنَّةَ
نَبِيِّهِ r "، الحاكم: المستدرك (1/171)، وذكر
صحته.
([22])
الترابي: الشورى والديمقراطية مشكلات المصطلح والمفهوم (ص: 13)، بحث منشور ضمن
مجلة المستقبل العربي السنة الثامنة العدد (754).
([23])
ابن حبان: الصحيح (ذكر الزجر عن أن يرغب المرء عن آبائه إذ استعمال ذلك ضرب من
الكفر 2/148 ح 413)، والأثر صحيح، الأرناؤوط: تحقيق ترتيب ابن بلبان على صحيح
ابن حبان (2/148 ح 413).
([24])
الدريني: خصائص التشريع الإسلامي (ص: 413).
([25])
القرطبي: الجامع لأحكام القرآن (4/249).
([26])
الغنوشي: الحريات العامة في الدولة الإسلامية (ص: 108).
([27])
عتر: الشورى في ضوء القرآن والسنة (ص: 35- 37).
([28])
الجصاص: أحكام القرآن (3/386)، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن (4/250)، النووي:
شرح صحيح مسلم (4/76)، ابن تيمية: السياسة الشرعية (ص: 133)، أبو فارس: حكم
الشورى في الإسلام ونتيجتها (ص: 83)، الأنصاري: الشورى وأثرها في الديمقراطية
(ص: 108)، البنا: مجموع الرسائل (ص: 319)، السوسي، وشويدح، ومقداد: النظم
الإسلامية (ص: 241)، عتر: الشورى في ضوء القرآن والسنة (ص: 155)، عبد الخالق:
الشورى في ظل نظام الحكم الإسلامي (ص: 17)، عودة: الإسلام وأوضاعنا السياسية
(ص: 206).
([29])
ابن الجوزي: زادا لمسير (1/488)، الرازي: التفسير الكبير (9/67)، ابن حجر: فتح
الباري (13/342) الشافعي: الأم (5/168).
([30])
سورة آل عمران: من الآية (159).
([31])
أبو فارس: حكم الشورى في الإسلام (ص: 32)، الدريني: خصائص التشريع الإسلامي (ص:
420)، زيدان: الفرد والدولة في الشريعة الإسلامية (ص: 32، 33).
([32])
الرازي: التفسير الكبير (9/67).
([33])
سورة الشورى: الآية (38).
([34])
أبو فارس: حكم الشورى في الإسلام ونتيجتها (ص: 40).
([35])
الأنصاري: الشورى وأثرها في الديمقراطية (ص: 53)، نقلاً عن: جريشة: المشروعية
الإسلامية العليا (ص: 254).
([36])
الجصاص: أحكام القرآن (3/386).
([37])
مسلم:الصحيح (كتاب الجهاد والسير، باب غزوة بدر 3/1403 ح 1179)، من حديث أنس .
([38])
الطبري: التاريخ (2/29).
([39])
مسلم: الصحيح (كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر 3/1385 ح
1763)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
([40])
ابن هشام: السيرة النبوية (4/9)، الطبري: التاريخ (2/59).
([41])
سورة آل عمران: من الآية (159).
([42])
الأصبهاني: المسند المستخرج على صحيح مسلم (كتاب النكاح، باب الثيب أحق بنفسها
من وليها 4/86 ح 3309)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
([43])
ابن الجوزي: زاد المسير (1/488)، الرازي: التفسير الكبير (9/67)،
القرطبي:الجامع لأحكام القرآن (4/250).
([44])
أبو فارس: الشورى (ص: 75)، الأنصاري: الشورى وأثرها (ص: 103).
([45])
الأنصاري: الشورى وأثرها في الديمقراطية (ص: 62).
([46])
أبو فارس: حكم الشورى في الإسلام ونتيجتها (ص: 74).
([47])
البخاري: الصحيح (كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب
2/978 ح 2581).
([48])
البخاري: الصحيح (كتاب المغازي، باب مرجع النبي r من
الأحزاب يخرجه إلى بني قريظة 4/1511 ح 3896).
([49])
أبو فارس: حكم الشورى (ص: 83 – 84).
([50])
الأنصاري: الشورى وأثرها في الديمقراطية (ص: 6)، نقلاً عن الخطيب: مجلة الوعي
الإسلامي (ص: 47)، العدد (69، أكتوبر 1970).
([51])
أبو فارس: النظام السياسي في الإسلام (ص: 86)، الدريني: خصائص التشريع الإسلامي
في السياسة والحكم (ص: 414)، النحوي: ملامح الشورى في الدعوة الإسلامية (ص:
33).
([52])
السيد عمر: نواة الشورى والديمقراطية (ص: 137- 139)، بحث منشور في مجلة المسلم
المعاصر السنة (23) العدد( 9).
([53])
السدلان: أسس الحكم في الشريعة الإسلامية (ص: 16)، السوسي، وشويدح، ومقداد:
النظم الإسلامية (ص:240) النحوي: ملامح الشورى في الدعوة الإسلامية (ص: 33).
([54])
أبو فارس: النظام السياسي (ص: 86).
([55])
قطب: مذاهب فكرية معاصرة (ص: 178).
([56])
الأنصاري: الشورى وأثرها في الديمقراطية (ص: 335).
([57])
من هذه الكتابات:العقاد: الديمقراطية في الإسلام (ص: 74)، الفنجري: الحرية
السياسية في الإسلام (ص: 143).
([58])
من هذه الكتاباب: الأنصاري: الشورى وأثرها في الديمقراطية (ص: 427- 428)،
الترابي: إشكالات المصطلح والديمقراطية والمفهوم (ص: 9).
([59])
الرقب: حاضر العالم الإسلامي (ص: 202)، قطب: مذاهب فكرية معاصرة (ص: 251)،
النحوي: الشورى لا الديمقراطية (ص: 34- 35).
([60])
الترابي: إشكالات المصطلح والديمقراطية والمفهوم (ص: 9).
([61])
القرضاوي: فتاوى معاصرة (2/643).
([62])
القرضاوي: الحل الإسلامي فريضة وضرورة (ص: 104).
([63])
القرضاوي: فتاوى معاصرة (2/643).
([64])
سورة المائدة: الآية (50).
([65])
الترابي: الشورى والديمقراطية إشكالات المصطلح والمفهوم (ص: 14)، عالية: نظام
الدولة والقضاء والعرف في الإسلام (ص: 97، 98).
([66])
علي: التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية (ص: 162)، هويدي: الإسلام
والديمقراطية (ص: 24)، بحث منشور في مجلة المستقبل العربي، السنة (15) العدد
(166).
([67])
الأنصاري: الشورى وأثرها في الديمقراطية (ص: 428).
|