|
(10)
و كان أبو سمير فرحاً بأبوّته
الجديدة لآيات الصغيرة ، التي أعادت آيات الأخرس الكبيرة ، إلى الحياة ، بعد أقلّ
من أربعين يوم على استشهادها . و عادت آيات الأخرس بميلاد الطفلة الصغيرة آيات ،
التي أسمتها والدتها على اسم الاستشهادية آيات تيمّناً بها .
و آيات الجديدة هي ابنة الشهيد
ناهض الجوجو ، الذي استشهد في شهر تشرين أول عام 2001 ، و هو يدافع ببسالة عن مخيم
العزة في مدخل مدينة بيت لحم الشمالي أثناء إحدى الغزوات الاحتلالية على محافظة بيت
لحم ، و التي أسماها المحتلون عملية "السكين في الزبدة" .
و عندما استشهد الجوجو كانت
ابنته آيات جنيناً في بطن أمها .
و كان الجوجو ، و هو أحد أفراد
الأمن الفلسطيني ، قاد المقاومة في مخيم العزة و نظّم مجموعة من المقاومين تمكّنوا
من إيقاع خسائر كبيرة في صفوف قوات الاحتلال بأسلحة بسيطة و عبوات صنعت محلياً تعرف
باسم الأكواع .
في شهر 10 عام 2001 ، و عندما
تمكّنت حينها من الدخول إلى المخيم الذي خضع لحصار و تدمير ، رأيت مجموعة من
الأطفال تتحلّق في إحدى زوايا مخيم العزة في مدينة بيت لحم ، بجانب صور للمقدّم
الشهيد ناهض الجوجو المعروف لدى السكان بكنيته (أبو حسين) و على الجدران بقايا من
دم الشهيد الجوجو الذي سقط في معركة الدفاع عن المخيم خلال الأسبوع الماضي .
و قال لي شهود عيان من المخيم
، إن الجوجو الذي كان يقوم بواجبه في مقاومة المحتلين ، قتل بعد إصابته برصاصة قناص
صهيوني ، و رغم أنه كان يعرف بأنه في مكان يمكن أن يصيبه في مقتل كما حدث إلا أنه
أصر على بقائه في موقعه و أطلق النار على المحتلين قائلاً قبل لحظات من استشهاده :
(إذا كان لي بقية من عمر فسأعيش) .
و عندما وقفت في نفس المكان
الذي كان يقف عليه الجوجو ، أدركت خطورة المكان لوقوعه في مرمى قناصة الاحتلال
الذين كانوا موجودين في فندق البراديس قبالة المخيم .
و عندما استشهد في المكان غمر
أحد رفاقه كفيه بدمه و طبعه على الجدار . و عندما تحدّث المواطنون في المخيم عن قصص
المقاومة فإن الجوجو كان حاضراً كأحد الأبطال الذين سقطوا دفاعاً عن مخيّمهم .
و مثل الجوجو سقط دفاعاً عن
المخيم وائل ضيف الله العبيات و الذي روِيَ عنه قصص بطولة في أعمال المقاومة و
تزويد المقاومين بالذخائر المصنّعة محليا و نجاحه أكثر من مرة في اقتحام مواقع جيش
الاحتلال و العودة ، و استشهد و هو يقاوم
و في تلك الفترة سقط شهيد ثالث
سقط في المخيم هو محمد براقعة و هو مواطن بسيط طيّب القلب يعاني من إعاقة في السمع
و سقط و هو في منزله برصاص المحتلين .
و كشف حجم الدمار الذي خلفته
الدبابات الصهيونية و الجرافات مدى الحقد الذي يعتقد المواطنون أن حكومة الاحتلال
تكنّه للمخيم و سكانه بسبب صمودهم أمام الآلة العسكرية الصهيونية .
و هناك منازل بالكامل كانت
الجرافات الصهيونية حملتها و رمتها في مكبّ قريب ، و ساعد هذه الجرافات في عملها
هشاشة المنازل في المخيم التي بناها اللاجئون بما تيسّر من مواد و إمكانيات .
و عندما تكبر آيات سوف لا تعرف
فقط بأنها تحمل اسم استشهادية دخلت قلوب الجماهير العربية بعملها البطولي الذي قامت
بها (دفاعاً عن الكرامة العربية و الإسلامية) كما قالت في وصيتها ، و أن والدها
بطلٌ و مقاوم دافع عن مبادئه حتى الاستشهاد ، و لكنها ستعرف أيضاً أن خالها أيضاً
كان شهيداً ، و هو البطل محمد أبو سرور .
و سقط محمد أبو سرور و كان
طالباً في جامعة بيت لحم أثناء انتفاضة النفق في خريف عام 1996م . و كان محمد فتحي
أبو سرور المعروف بكنية (أبو صالح) ، طالباً في السنة الثالثة بكلية إدارة الأعمال
في جامعة بيت لحم .
قتل يوم 26/9/1996م و ما سمي
بانتفاضة النفق التي قام بها الفلسطينيون في أوجها ، بعد أن افتتِح نفقٌ بالقرب من
أساسات المسجد الأقصى المبارك ، و كان من الأسباب الفعلية للانتفاضة فهم مبكر
لنوايا المحتلين في (مسيرة السلام) التي لا تنتهي و لا تجلب معها سلاماً من أيّ نوع
.
بدأت الانتفاضة بمسيرات سلميّة
، تطوّرت خصوصاً في رام الله ، و في بيت لحم بالقرب من قبة راحيل شمال بيت لحم إلى
مواجهات عنيفة ، و كان أبو سرور طالباً خلوقاً و مجتهداً في دراسته ، فرغ لتوّه من
تأسيس لجنة للحفاظ على البيئة في الجامعة ، و كما يليق بطالب نشط في أوساط الحركة
الطلابية ، و وفاء لتاريخ طويل من النضال سطّره طلبة الجامعة ، كان أبو سرور في
مقدّمة المنتفضين ضد فتح ذلك النفق الذي اعتبره الفلسطينيون أنه يهدّد أساسات
المسجد الأقصى بالانهيار .
و كما يحدث دائماً ، فإن رصاص
الاحتلال عندما يطلق يحصد أفضل المنتفضين ، فسقط أبو سرور برصاص قناصة الاحتلال
المرابطين عند قبة راحيل ، و وصفه رفاقه في بيانات النعي (بالإعصار في وجه عثرات
الزمن) . و سميّت لجنة البيئة في الجامعة باسمه ، و زرع زملاؤه و زميلاته أرضاً قرب
الجامعة بالأشجار الحرجية على اسمه .
و من المؤكّد ، إذا قدّر لآيات
الصغيرة أن تنجو من بطش المحتلين و قتلة الأطفال ، ستذكر بفخرٍ أنها تحمل اسم واحدة
من أجمل بطلات هذه الأمة في عصرها الحديث ، و بأنها ابنة شهيد و ابنة شقيقة شهيد
آخر .
|