الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

(3)

 

في فجر يوم 10/12/2000 ، و انتفاضة الأقصى تخطو خطواتها بثقة أكبر بدماء أجيال جديدة من الفلسطينيين ، كان محمود المغربي مسؤول أحد الخلايا المسلحة في الانتفاضة ينفّذ عملية ضد قوات الاحتلال في منطقة بيت جالا التي استقطبت الأنظار بسبب قربها من مستوطنة "جيلو" التي عرف المقاومون أنها إحدى نقاط الضعف الصهيونية بسبب اعتبارها جزءاً من حدود بلدية القدس الصهيونية ، فأصبحت هدفاً دائماً لهم .

كان المحتلون ينتظرون محمود في كمينٍ مدبّر مسبقاً و بعد إصابة محمود في ساقه اعتقله المحتلون و سلّموا جثته بعد نحو عشر ساعات و كان واضحاً أن ثلاثة عيارات نارية أطلقت على رأس محمود من نقطة صفر كانت كافية لإعدامه ، و كانت آثار التعذيب واضحة على وجه الشهيد و الدماء ما تزال تنز من رأسه .

و كان ذلك أول إعدام ، في انتفاضة الأقصى ، تنفّذه قوات الاحتلال لمناضل بعد اعتقاله حيث أعدمت بهذه الطريقة ، حسب إحصائية أولية نحو 80 فلسطينياً .

و أصبح محمود : الفتى الأسمر نقي القلب ، في استشهاده ، مثلما كان في حياته ، نموذجاً و قدوة ، و أكمل آخرون طريقه تحت اسم (كتائب الشهيد محمود المغربي) و نفّذوا عدة عمليات مقاومة . كان أبرزها تلك التي نفّذها الفتى محمد أحمد ضراغمة ، بتاريخ 2/3/2002م ، في القدس الغربية .

و أسفرت عن مقتل عشرة و إصابة العشرات بجراحٍ مختلفة ، و حملت تلك العملية الاستشهادية ، في وقتها ، أكثر من مغزى .

و أعطت تلك العملية التي فاجأت قوات الاحتلال التي فرضت حصاراً مشدداً لا مثيل له على المناطق المحيطة بالقدس مثل بيت لحم التي جاء الشهيد ، من أحد مخيماتها و هو مخيم الدهيشة ، مصداقية كبيرة للتهديدات التي كانت أطلقتها كتائب شهداء الأقصى بتنفيذ عمليات خلال ساعات إذا استمر العدوان الاحتلالي على مخيم بلاطة و جنين ، و الذي عرف ، في حينه بحرب المخيمات ، و هو ما حدث و بشكلٍ مدوّي على يد ابن مخيم الدهيشة محمد ضراغمة و بعملية كانت ناجحة بكلّ المقاييس ، بعد سلسلة من العمليات التي شهدت إخفاقاً نسبياً نتج أساساً على الأغلب لحالة التأهب العالية التي  أعلنتها سلطات الاحتلال .

و في الوقت ذاته جاءت عملية ضراغمة للتأكيد على الترابط بين أبناء المخيمات الفلسطينية بعد أن فهمت جماهير هذه المخيمات بأن العدوان الاحتلالي على مخيمي بلاطة و جنين يحمل أبعاداً سياسية تتعلّق بقضية اللاجئين ، و هو الأمر الذي يعتبره هؤلاء خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه.

و كان مخيم الدهيشة شهد تظاهرة كبرى قبل عملية ضراغمة بيوم تضامناً مع مخيمي بلاطة و جنين انطلقت من أمام صرح الشهيد في المخيم إلى مدينة بيت لحم و هدّد فيها المقاومون بالانتقام لشهداء بلاطة و جنين .

و من نفس المكان الذي انطلقت منه التظاهرة التضامنية انطلقت ليلة تنفيذ العملية مسيرة حاشدة ضمّت رفاق الشهيد محمد ضراغمة و الآلاف من أبناء المخيم إلى منزل والد الشهيد ، و سار المتظاهرون يهتفون بحياة الشهيد و يطلقون زغاريد الفرح و الرصاص في الأجواء تعبيراً عن فخرهم بالشهيد ابن مخيمهم .

و لا يمكن إغفال مغزى آخر للعملية و هي أنها تأتي انتقاماً للشهيد محمود المغربي القائد في كتائب شهداء الأقصى و الذي تبنّت العملية الاستشهادية الوحدات التي تحمل اسمه .

و شعر سكان مخيم الدهيشة بالفخر الكبير كما عبرّ عن ذلك أكثر من واحدٍ منهم بالشهيد ابن مخيمهم و اعتبروا تضحيته ، أمراً طبيعياً للمخيم الذي كانت له صولات و جولات مع الاحتلال منذ أكثر منة ثلاثين عاماً .

و كان لنجاح ضراغمة بتنفيذ العملية بتخفّيه بلباس متدينين يهود ، أثراً مريعاً على المحتلين ، خصوصاً و أن إحدى الصهيونيات شاهدت ضراغمة بلباسه المتنكر و شكّت فيه عندما شاهدته يخرج سيجارة من جيبه و يشعلها و هو يقف أمام كنيس يهودي ليفجّر نفسه .

و ربما نسي محمد أنه يحظر على اليهود إشعال النيران في يومهم المقدس ، و ربما كان ذلك حاضراً في ذهنه ، و لكنه لم يقاوم رغبته الأخيرة في الحياة التي سيغادرها سريعاً سريعاً و بعد لحظات و هو ما حدث عندما ضغط على الزر المتفجر ، بعد أن نفث أنفاس سيجارته ، و أوقع 12 قتيلاً في أوساط الصهاينة ، قبل وصول شرطة الاحتلال التي أبلغتهم تلك التي شاهدت السيجارة المشتعلة .

و كانت نذر التوتر تلوح في الأفق ، و فجر اليوم التالي لعملية ضراغمة ، أغارت قوات الاحتلال بمروحياتها على مقار أجهزة السلطة الفلسطينية و دمّرت ورشة حدادة خاصة تملكها إحدى عائلات بيت لحم .

و قتل في الغارة ، التي أطلق خلالها نحو عشرة صواريخ ، على تلك المقار و ورشة الحدادة ، حصاناً ترك وحيداً داخل تلك الورشة .

و لم تقع إصابات في الغارة على مقار أجهزة الأمن في المبنى المعروف بالمقاطعة لإخلاء هذا المبنى سابقاً ، و إنما أحدثت تدميراً فيه ، و هو جزء من سلسلة البنايات التي بناها الاحتلال البريطاني و تسمى بنايات (تارغيت) على اسم المهندس البريطاني الذي وضع مخطّطات بناء مقرات لقوات الاحتلال البريطاني بعيداً عن هجمات المقاومين على أطراف المدن الفلسطينية الرئيسية مثل نابلس و رام الله و الخليل و غيرها و تسمّى كلّ بناية منها بالعمارة .

و في الليلة التالية صعّدت قوات الاحتلال من عدوانها و استخدمت طائرات الـ أف 16 في غارة جديدة على مبنى المقار الأمنية "المقاطعة" ، و أحدث القصف الذي تم على مراحل تدميراً كبيراً ، و أوقع إصابات في صفوف المواطنين .

و أدّى القصف أيضاً إلى تهشيم زجاج عشرات المنازل في مختلف أحياء المحافظة بسبب تحليق الطائرات على ارتفاع منخفض و قوة الصواريخ التي أطلقت . و في النهار التالي ضرب المقاومون ، و نجحوا في قتل مستوطنة و إصابة زوجها خلال عملية جريئة قرب الخضر .

و قتلت المستوطنة و أصيب زوجها بعد أن أطلق المقاومون النار على سيارة للمستوطنين كانت تسير على الشارع الاستيطاني المعروف بشارع رقم 60 و هو شارعٌ أقيم على حساب أراضي المواطنين في عدة مدن و قرى فلسطينية للربط بين المستوطنات الموجودة في محيط القدس المحتلة و تلك في جنوبها .

و استمرت الغارات الليلية بطائرات الـ أف 16 و التي لم يكن أثرها فقط على مبنى المقاطعة و لكن أيضاً على الأبنية السكنية المقابلة لها ، مثلما حدث مع المواطن يوسف إلياس الذي عندما خرج مساءاً و زوجته و أطفاله الثلاثة من بيتهم ، لم يكن يتوقّع أن يعود إليه ليجده مدمّراً بالكامل .

كانن طائرات الـ أف 16 تحلّق في سماء المحافظة و هدير محركاتها يصم الآذان و أضواءها تلمع في السماء ، و أصبح المواطنون على يقين بأن هدفاً أو أكثر ستقوم طائرات التدمير هذه بقصفه ، و مثل كثير من المواطنين شعر يوسف إلياس بالخطر المقبل خصوصاً و أن بيته يقع مقابل مبنى المقاطعة و هو أحد الأهداف الأكثر احتمالاً للقصف ، فأخذ أطفاله الصغار و زوجته بسرعة إلى بيت والده ، و كان مثل جميع سكان المحافظة يستطيع سماع  أصوات الانفجار الذي أحدثه الصاروخ المدمّر الأول الذي سقط على مبنى المخابرات العامة في المحافظة ، و تواصل القصف خلال نحو نصف ساعة سقط خلالها أربعة صواريخ كانت كافية ليس فقط لتدمير مبنى المخابرات و إحداث تدمير في مبنى الأمن الفلسطيني و الأمن الوقائي بل أيضاً في عشرات المنازل المحيطة بالمقاطعة و منها منزل يوسف إلياس الذي دمّر منزله بشكلٍ كبير و عندما عاد صباح اليوم التالي وجد حجارة مبنى المقاطعة المهدّم في صالون بيته الذي كان ، من قوة التدمير .

و حمد يوسف إلياس ، الله ، على نجاته و أولاده و زوجته من موتٍ محقّق لو تأخر عن الخروج و مغادرة المنزل .

و اعتبر السكان الذين يفصل بينهم و بين مبنى المقاطعة شارع القدس - الخليل أنه لولا العناية الإلهية لوقعت مجزرة حقيقية في صفوف المدنيين .

و من هؤلاء المواطن نمر القنواتي الذي يعيش في مبنى مكوّن من 4 شقق يضم أشقاءه و عائلاتهم ، و الذي قال إنه منذ أن استشعروا أن القصف اقترب تركوا هذه الشقق و اختبئوا مع أبنائهم في بيت الدرج بينما كان الأطفال يعيشون في رعب كبير و حقيقي و بعضهم أصيب بصدمات نفسية و بحالات من القيء .

و أصيب نمر بشظية من صاروخ في رجله و اعتبر ما قامت به حكومة الاحتلال إرهاباً حقيقياً .

و عرفت القوة التدميرية الكبيرة للصواريخ الاحتلالية من النار التي كانت مشتعلة في مبنى المخابرات صباحاً بعد ساعات من قصفه ، و رأيت ذلك عندما وصلت إلى المكان ، و كذلك من التدمير الذي أصاب عشرات المباني .

و لم تقتصر الأضرار على المباني القريبة من المقاطعة بل شملت مباني أخرى بعيدة عنها دمّر زجاجها و أبوابها بفعل قوة ضغط الهواء الذي أحدثه القصف . و لم يكن كلّ ذلك التدمير إلا مقدّمة لخطوة تالية و تدمير أكبر .