الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

مداهمة و اعتقال

 

كانت ليلة من ليالي الشتاء الباردة ، فزعت فيها أيما فزع ، فقد كانت أصوات الرجال ، و خفق النّعال ، و قرع الأبواب بالأقدام و أعقاب البنادق كفيلة بأيقاظ أهل الحَيّ ، فضلاً عن إيقاظي و زوجتي ... حركات تعوّدنا عليها ، و أصوات من مألوفات مسموعاتنا ... أيقنت منذ الوهلة الأولى أنّ جنود الاحتلال يحيطون ببيتي ، و أني أنا المطلوب ..

لقد أصبح يوم ذكرى انطلاقة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) 14/12/ من كلّ عام يوماً من أيام فخارنا و مجدنا ، فهو من ناحية يحمل صورة البطولة التي صنعها تلاميذ القسّام بعملياتهم الفريدة ، و يحمل من ناحية أخرى صور الهلع الصهيوني المتمثل في جمع آلاف الشّباب المسلم الفلسطيني ، و الزَّج بهم في دهاليز المخابرات ، و غرف التحقيق ، و عنابر السجون .

 

كانت الساعة قد قاربت العاشرة و النصف من مساء يوم الإثنين 14/12/1992 ، حينما اقتربت من نافذة الباب الصغيرة لأجد رجال المخابرات ، و حوله الجند يقولون بعربية تشوبها عبرية : (إفتخ إحنا جيش) ، و على الفور قلت : "انتظر قليلاً، و سارعت لأشعر زوجتي التي كانت قد أخذت إُهبتها فتستَّرت و لبسَت جلبابها" .. فتحت الباب لتندفع ثلة من الجنود ، يدلف خلفهم ضابط المخابرات بوجهة السمج المنكود المعروف لأهل البلد ، و معه مخبر صغير يدربه على فنون دخول البيوت و اعتقال الناس .

قال : أنت فلان ... ؟

قلت : نعم .

قال : هات الهوية .

فأتيته بها بعد أن أخرجت منها رخصة قيادة السيارة ، رأيت معه هوية أخرى ، أدركت أنها لأخي الذي كان قد فتح له البوابة الرئيسية .

قال : مَن عندك ؟

قلت :  لا أحد ، سوى زوجتي و أولادي .

قال : إلبس ثيابك .

جمعت عليّ ثيابي ، و أشرت لزوجتي أن تأتيني بحذائي ، فجاءتني بحذاء رقيق .

فقال ضابط المخابرات : إلبس بوت .

فأدركت حينها أن الرحلة طويلة و شاقة .

شرع الجنود يفتشون البيت غرفة غرفة ، بينما فَتَّشَ ضابط المخابرات المكتبة ، حاسوا البيت ، أشعلوا الأضواء ، دخلوا غرفة النوم ، و غرفة الصغار الذين كانوا يغطون في نوم عميق ، مستشعرين دفء الأب و حنان الأم ، موقنين أنهم سيستيقظون على أصوات أمهم تقول لهم : (قوموا افطروا) ، و على صوت أبيهم و هو يستحثهم كيلا يتأخّروا عن المدرسة التي دأبوا على أن يذهبوا إليها و يرجعوا منها بسيارة أبيهم الصغيرة ، أضاءوا غرفتهم ليوقظوهم و يزعجوهم قبل أن يوقظهم نور الصباح فلا يجدوا أباً يداعبهم ، و يستحثهم لينقلهم إلى مدرستهم ، تُرى من سينقلهم في الصباح إلى مدرستهم ؟؟؟ ..

حمدت اللّه تعالى إذ لم يستيقظ صغاري على إزعاج المزعجين ، و تمرّد المتمردين ، حمدت اللّه إذ لم يستيقظوا ليشاهدوا أباهم مقيّد اليدين ، معصوب العينين ، يدفع في ظهره ، حمدت اللّه إذ لم يستيقظوا و يروا الإرهاب و الإرهابيين .

و أخيراً خرج ضابط المخابرات و جنوده ، و أنا بين رشاشاتهم و حرابهم ، يدفع جنديّ في ظهري ، و قبل أن أخرج نظرت في عيني زوجتي مودّعاً ، لم تنطق بحرفٍ و تركت لعيونها النطق ، و لم أنطق بأزيَد من قولي لها و أنا أصافحها : (السلام عليكم)

و كان حالي و حالها كما قال الشاعر :

قالت و عيناها تفيضان عبرة

بنفسي بيّن لي متى أنت راجع

فقلت لها : و اللّه ما من مسافر

يحيط بعلم اللّه ما اللّه صانع

أنا رجل لي في الوفاء عقيدة

و لي في الهوى من خشية اللّه وازع

ألا لا يعلَمن سرّي و سرّك ثالث

فكل حديثٍ جاوز الإثنين شائع

خرجت لأجد شقيقي يقف أعلى الدرج أمام بيته ، و قد كان الجنود منعوه دخول بيتي معهم ، نظر إليّ نظرات ساهمة ملؤها الحزن و الأسى ، لم يعرِب لسانه بكلمة و أعربت نظراته بكلّ معاني المودة و الأخوة و الحب و الدعوات الصادقة الصالحة .

و شعرت بأن بعض الجيران كان يسترق النظر من خلف النوافذ المغلقة ، و الستائر المسدولة ، و الأبواب الموصدة إلا قليلاً ، و لعله تساءل في نفسه ليلاً ، و أفضى بمكنون نفسه لأخي نهاراً ، تُرى ما التهمة التي سيلفقونها لأبي فلان هذه المرة ؟

و أجزم بأنّه سيعرف الجواب ، فهو الجواب المعتاد في كلّ مرّة و هي التهمة المتكررة في كل اعتقال : (إنه أصولي ، متطرف ، إنه نشيط من نشطاء حركة المقاومة الإسلامية حماس" .

أدخلت إحدى السيارات الثلاث التي كانت تنتظر على بعد مائة متر من بيتي ، و ذلك كي لا أشعر بمجيئهم ، كنت مقيّد اليدين إلى الخلف بقيدٍ بلاستيكي لعين ، عرف و اشتهر بين المعتقلين بشدته و حدّته التي تزيد على شدّة و حدّة القيد الحديد ، فمن سماته جرح اليد و إدماء الرجل التي تزج فيه ، حادة الأطراف ، متين الصنع يزداد ضيقاً  بصورة تلقائية كلما تحرّكت اليد أو الرجل فيه .

انطلقت السيارة تنهَب الأرض تتقدّمها سيارة الفورد سيرا - التي يقودها ضابط المخابرات ، لتقف بعد مسافة قصيرة ، و ينزل منها الجنود ، فأدركت على الفور أنّ المعتقل هذه المرّة هو جاري فلان ، و الذي لم يمضِ على خروجه من السجن سوى خمسة أشهر ، إثر اعتقال دام سنة و نصف السنة ، أعطى خلال الشهور الخمسة المنصرمة هوية خضراء ، منع بسببها من دخول القدس و الصلاة في المسجد الأقصى .

قلت في نفسي و أنا جالس على المقعد الحديدي في سيارة الجيب الضخمة ،  وأعضائي ترتجف من شدّة البرد ، و قطرات المطر تتسلّل إليّ بعضها فيلامس جسدي و ثيابي فيزيدني ارتعاداً على ارتعاد .. مسكين جاري ، لم يفرح به أهله بعد ، لم تفرح به زوجته التي غاب عنها دهراً ، لم تتعرّف إليه ابنته التي لم تلفظ كلمة بابا إلا بعد سنتين و نصف ، مسكين جاري، لم يكد يهنأ بالعيش بين أهله و أحبابه و جيرانه ، ماذا فعل ؟ هل زاول نشاطه من جديد ؟ هل قاوم الاحتلال مرّة أخرى ؟ هل ؟ هل ؟ هل ؟؟؟ لا ، لا ، ليس من سببٍ للاعتقال سوى أنها اللّمة الكبرى التي تطول الجميع في مثل هذا اليوم من كلّ عام ، و كان اختطاف الجندي الصهيوني الرقيب (نسيم طوليدانو) من قبل كتائب الشيخ عز الدين القسّام ، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) كفيلاً باعتقال آلاف الإسلاميين لتهدئة الشارع الصهيوني .

عاد الجنود بعد ربع ساعة من الزمان ، أغلقوا خلالها المنطقة ، و أوقفوا السيارات و فتّشوها ، و زرعوا الرعب بين سكان الحي ، و انطلقت السيارات من جديد بعد ما أضافت إلى كاتب هذه السطور رفيقاً جديداً ، وُضِعَ في سيارة أخرى تعمية للأمر ، و لم تتوقّف هذه المرّة إلا في الساحة الكبرى حيث أُنزلنا و دفعنا جنديّ لئيم في ظهورنا انتهى بنا إلى مخفر الشرطة ، فأوقفنا و وجوهنا تجاه الحائط تحت المطر و الثلج الذي بدأ يتساقط ، و عصب أعيننا كي لا نرى شيئاً ، و كنت ألبس كوفية حمراء فجمعها اللئيم على رأسي و عينيَّ و كاد يكتم بها أنفاسي .

وقفت و صديقي ننتظر رحمة اللّه التي وسعت كلّ شيء ، و ألسنتنا تلهج بدعاء الكرب :

لا إله إلاّ اللّه العظيم الحليم

لا إله إلاّ اللّه رب العرش العظيم

لا إله إلاّ اللّه رب السموات ، و رب الأرض ، و رب العرش الكريم

و بأدعية أخرى كنا نستشعر معها نسمات الإيمان و حلاوته ، و لذّة القرآن و بركته ، و الثقة و اليقين بالله ، و التوكل عليه، و الاعتصام به . كان ترداد : "حسبي اللّه لا إله إلاّ هو عليه توكّلت و هو رب العرش العظيم" ، يلقي في الروع الاستقرار و السكينة ..

 و كان قولنا : "لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" يبشّر بالفرج بعد الشدّة ، و باليسر بعد العسر .

 أما قولنا : "لا حول و لا قوة إلاّ باللّه ، و الله أكبر" فكان استشعاراً يزرع القوة و يلغي الضعف ، و يبعث العزّة و يدفع الذلّة ، و كانت الروح لا تجد راحتها في هذا الجو العصيب إلا في ظلال دوحة الاستغفار و الذكر و الدعاء ، خاصة أننا منِعنا الكلام ، و كيف نتكلم و نحن نُضرَب دون كلام ..