الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

مخرّبان يعتمران قبّعتين دينيتين

         

في الأول من نيسان (أبريل) 1988 ، عيّنت رئيساً لجهاز الأمن العام . حسب التقاليد المتبعة ، يحتفل بالتغيير في المنصب ، بمراسم تقام في مكتب رئيس الحكومة ، لكنني طلبت إعفائي من هذه المراسم الاحتفالية . أوضحت لرئيس الوزراء ، إسحاق شامير ، بأن التوقيت غير ملائم ، في رأيي . فالجهاز كان لا يزال مصاباً و يلعق جروح قضية الباص 300 . بدا لي أيضاً أن مراسيم كهذه لم تكن ضرورية بالنسبة لرئيس الجهاز المنتهية ولايته ، يوسف هرملين ، الذي كان قد عاد في الواقع للشاباك قبل أقل من سنتين حتى يعيّن وريثاً .. استجاب شامير لرغبتي و اكتفى بأن دعانا كلينا لجلسة الحكومة ، حيث شكر هرملين على جهوده و إسهامه ، و قدّمني للوزراء ثم سلّمني كتاب التعيين . كنت في الرابعة و الأربعين من عمري ، و من الأصغر سناً بين رؤساء الشاباك .

لم ينظر الجميع إلى التعيين بعين الارتياح . و كما هو معلوم ، فقد كان هناك من ادعى أنني لا أستحق المنصب لأنني لم أتخذ موقفاً عندما تفجّرت قضية الباص 300 . صحافي معيّن كرّر على مسامع وزير الدفاع إسحاق رابين ، الادعاء بأنه توجد لي علاقات صداقة لافتة للنظر مع شخصيات عربية . و قد قال له رابين إنه غير مستعد للتعليق على كلامٌ يقال على سبيل الثرثرة ، منهياً بذلك الحديث بينهما .

تسلّمت مهام منصبي بعد حوالي خمسة شهور من اندلاع الانتفاضة . الأجهزة الأمنية ، و بضمنها الشاباك ، لم تكن مستعدة لموجة الاضطرابات التي اجتاحت المناطق الفلسطينية . لقد حذّر الجهاز في الواقع ، قبل ذلك بوقتٍ طويل ، من المزاج العام و الاتجاهات السائدة في الشارع العربي (الفلسطيني) و من الاتجاه الذي تسير فيه الزعامة المحلية . شعرنا كمن يطلّ على غرفة مليئة بالمتفجّرات . كان واضحاً لنا أن أحداً ما سيشعِل ذات يوم الفتيل ، لكن لم نعرف بالضبط متى سيتم ذلك .

لقد انطوت الانتفاضة على مغزى تاريخي .. إذ كانت هذه المرة الأولى في تاريخ الشرق الأوسط ، التي يهبّ فيها الشارع ، بدون قيادة ، ليأخذ زمام المبادرة بيديه . لم تتشاور الجماهير مع منظمة التحرير الفلسطينية بشأن البدء بالاضطرابات . كما أنها لم تتلقّ أوامر من القيادة حول كيفية العمل . شيئاً فشيئاً ، و على مرّ سنوات ، أقام الشارع الفلسطيني علناً القاعدة التي أتاحت الاستعداد و التحضير للاضطرابات . و قد ظهر لاحقاً ، بعد فوات الأوان ، أنه لو كانت (إسرائيل) عملت مسبقاً و نجحت في منع ، أو على الأقل الحد ، من قيام و تشكيل مئات الاتحادات و النقابات المهنية و الأطر و الهيئات الطلابية التي ضمّت عشرات آلاف الطلبة الجامعيين الفلسطينيين في نطاق اتحادات جامعية مزعومة ، و كذا اتساع و تجذّر التنظيمات و الحركات الشبابية التابعة لحركة فتح و الجبهة الشعبية ، فلربما كانت الانتفاضة قد تأجّلت أو تأخّرت إلى موعدٍ لاحق ، بل و ربما لم تكن لتندلع على الإطلاق . جميع العوامل المذكورة شكّلت جوهر و أساس القوى التي حملت على أكتافها الانتفاضة في المناطق .

و يمكن القول ، و يا للمقارنة ، إن (إسرائيل) ساهمت بذلك بنفسها ، و بدرجة كبيرة ، في وضع و إرساء القاعدة التي قامت عليها الانتفاضة .

عندما أصبح الشارع مهيّئاً للانتفاضة ، كان ما ينقص فقط هو الحافز أو الشرارة ، و قد جاء ذلك سريعاً جداً . ففي التاسع من كانون الأول (ديسمبر) 1987 ، قتل ثلاثة شبان عرب في قطاع غزة صدمتهم شاحنة (إسرائيلية) . ظاهرياً بدا ذلك حادث طرق لم يخرج عن المألوف . لكن في هذه الحالة ، كان ذلك كافياً لإشعال برميل البارود . في نفس اليوم اندلعت هبة عنيفة في مخيم جباليا للاجئين امتدت بسرعة إلى مخيم بلاطة للاجئين . و قد وجدت الأحداث انعكاساً و تعبيراًً لها في عددٍ لا يحصى من المظاهرات و حوادث الإخلال بالنظام ، و توزيع المناشير و إلقاء الحجارة و الزجاجات الحارقة ، و حوادث الطعن بالسكاكين و اعتداءات في تجمّعات السكان بـ (إسرائيل) .

في الأيام الأولى للانتفاضة ، أرسلني يوسف هرملين لتقديم تقريرٍ شامل في جلسة الحكومة . وزير الدفاع ، إسحاق رابين ، كان حينئذٍ في زيارة خارج البلاد . أبلغت عن اضطرابات بحجمٍ و نطاق يتجاوز حوادث إخلال النظام المألوفة .. تقدير الشباك الذي أعد في وحدة البحث التابعة للقسم العربي ، اعتبر أن الأحداث ليست تطوّراً اعتيادياً . في هذه المرحلة اعتقدنا أنه يمكن في الواقع إخماد و خنق التمرّد ، لكن لن يكون ممكناً ، في رأينا ، منع و تفادي الهبة القادمة . قلت للوزراء إن الشاباك يقترح إرسال قوات عسكرية كبيرة للمنطقة بغية قمع الاضطرابات . رئيس الحكومة ، إسحاق شامير ، وافق على أن الوضع في المنطقة مقلق و أن من الضروري التصدّي له لكنه امتنع عن اتخاذ قرارٍ واضح . حتى أنه لم يقل بشكلٍ واضح أنه يجب إرسال الجيش للمناطق .. الوزراء أيضاً لم يبدُ عليهم التأثّر و الانفعال بشكلٍ زائدٍ عن الحد .

خلال أيام معدودة خرجت الأمور عن نطاق السيطرة . حوادث الإخلال بالنظام تحوّلت إلى كرة ثلج ، اكتسبت اندفاعة و أبعاداً هائلين . الهيئة الأمنية وجدت نفسها في خضم واقعٍ جديد ، مرهِقاً و مثيراً للمتاعب و الإشكاليات بما لا يقاس : فالأمر لم يعد ينحصر في عمليات تخريب متفرقة ، يتورّط فيها عددٌ قليل من (المخرّبين) ، و تعالج بشكلٍ ملموس كلاً على حدة . من الآن أصبحت كلّ الجهات و الأجهزة الأمنية مدعومة لمواجهة عشرات الآلاف من مثيري الشغب و العنف ، شباناً و شيباً ، في أماكن مختلفة ، و في آنٍ واحد .. كلّ طفلٍ و صبي ، تسعفه قوته على رفع حجر و إلقائه ، تحوّل إلى عدو . وصلت من الميدان قوائم إسمية لا حصر و لا نهاية لها لناشطين في الانتفاضة . لم نتمكّن ، بالطبع ، من معالجة أمر كلّ هؤلاء . ليس من الصعب تخمين كم كان الإحباط كبيراً عندما تصل إليك قائمة تضمّ أسماء عشرات رماة الحجارة في قرية معينة ، و أنت لا تتمكّن من تولّي أمرهم و معاقبتهم لأن سلّم الأولويات يملي نشاطاً في مكان آخر .

طيلة الوقت اضطررت لإعداد و تحديد ميزان الأولويات ، و لإقرار إلى أين يجب أولاً توجيه الجمهور : لإخماد بؤر المقاومة التي لا تزال في مراحل التبلور و التنظيم الأولى ، أم لإخلاء و فتح محاور طرق رئيسة في ذات المنطقة ، أغلقَت على يد متظاهرين غاضبين .

شكّلت في المناطق "لجان شعبية" الواحدة تلو الأخرى ، و هي التي قادت جزءاً كبيراً من المناشطات الانتفاضية . على رأس الانتفاضة ، وقفت ، "القيادة الوطنية الموحدة" .. لم يكن لها قائدٌ أو زعيم محدّد . إذ كانت من ناحية عملية ، بمثابة لجنة تنسيق بين "اللجان الشعبية" . و بوجهٍ عام ، قامت القيادة الموحّدة بنقل و تعميم تعليماتها عبر منشورات و بيانات حملت أرقاماً متسلسلة . و بهذه الطريقة ، دُعيَ السكان للإضراب ، لمقاطعة بضائع و سلع (إسرائيلية) ، لمقاصعة و ضرب المتعاونين مع (إسرائيل) ، و سماسرة الأراضي ، و عملاء المخابرات .

عمليات قتل المتعاونين العرب الذين أدينوا و شهّر بهم على يد القيادة ، و إحراق و تخريب ممتلكاتهم تحوّلت إلى ظواهر مألوفة .. الشاباك فكّك عدة مرات "القيادة الوطنية الموحّدة" و اعتقل أعضاءها ، لكنها عادت للظهور في كلّ مرة مجدّداً بتشكيلة مختلفة .

الانتفاضة فرضت عدداً من الزعماء البارزين . أبرزهم جميعاً ، كان الشيخ أحمد ياسين . عندما كان فتى في السادسة عشرة من عمره ، قام ياسين بحركة وقوف على الرأس على شاطيء البحر في غزة ، سقط على ظهره و تعرّض لإصابة بالغة في عموده الفقري . الأطباء لم ينجحوا في إشفائه ، فتفاقمت حالة الإعاقة الجسمانية التي ألمّت به منذ ذلك الحين . في العام 1974 ، عندما حجّ إلى مكة ، كان لا يزال يقف على قدميه ، و إن احتاج إلى الإسناد . في مطلع سنوات الثمانينيات ، كان لا يزال ينجح بالطير ببطىء بقواه الذاتية . اليوم ، بعد أن تخطّى سن الستين ، أصبح جليس كرسيّ معاقين ، يستطيع فقط تحريك رأسه و يعاني بشكلٍ دائم من نوبات سعال شديدة ، و التهابات في مجاري التنفس ، و قرحة في المعدة ، و بواسير و غيرها .. و هو متزوج من امرأتين و أب لأولاد ..

إعاقته الشديدة ، تواضعه و بساطة ورقّة طباعه ، مضافاً إليها سعة معرفته و إلمامه الكبيرين بخبايا و جوانب الشريعة الإسلامية ، كلّ ذلك جعل منه ما يشبه ولياً مقدّساً بين سكان القطاع . لقد روى هؤلاء بتأثر و انفعال صنائع المعجزات و قدرة الإشفاء العجيبة التي يتمتع بها . صوره علقت على ملصقات و كتب قرآن ، و بطاقات بريدية و علاقات مفاتيح . كان بمثابة مرجعٍ و مفتي في شؤون دينية ، و هو الرجل الذي أسّس ، عملياً ، حركة حماس .

في البداية عملت المنظمة كجمعية خيرية اجتماعية باسم "المجمّع الإسلامي" ، سجّلت بشكلٍ قانوني لدى مسجّل الجمعيات في (إسرائيل) .. على رأس الجمعية ، التي حاولت إيجاد حلولٍ لمشكلات التعليم و الضائقة الاقتصادية ، وقف أحمد ياسين . تردّدنا غير مرة ، سوياًُ مع جهات حكومية رفيعة ، بشأن السياسة التي يتوجّب علينا تبنّيها إزاء الجمعية . كان هناك من قالوا إنه جدير فحص إمكانية تشجيع نشاطات الشيخ ياسين كوزنٍ مضادٍ لمنظمة التحرير الفلسطينية . أنا عارضت ذلك . فلو كان واضحاً لنا أن تنظيم ياسين سيعمل دوماً ضمن إطار إجتماعي ، هكذا قلت ، لكانت الفكرة عندئذ جيدة بالتأكيد . لكن الإسلام ، بحكم جوهره ، لا يستطيع الاكتفاء بنشاط من هذا النوع .

ففي الدين الإسلامي تكمن أسس و أركان الجهاد ، و محاربة الكفار ، و السعي لنظام حكم إسلامي . هناك إذاً أكثر من احتمال لأن تتحوّل الجمعية ، في يومٍ من الأيام ، في ظلّ ظروف معينة ، إلى منظمة (إرهابية) عنيفة . و بناء عليه ، اقترحت شطب الموضوع من جدول الأعمال ، و بالفعل فقد استبعدت الفكرة و لم تثَرْ مجدّداً منذئذ .

حصل ياسين على أموال ، و راكم قوة ، ليحوّل بمرور الزمن ، كما كان متوقّعاً ، جمعيته إلى منظمة مقاتلة باسم "حركة المقاومة الإسلامية" .. و تشكّلت كلمة "حماس" اختصاراً يتألف من الأحرف الأولى لكلمات التسمية المذكورة ، لكنها أيضاً كلمة قائمة بذاتها لها مدلولاتها التي تعني الجرأة و البطولة . في العام 1984 ، اعتقل الشيخ ياسين و قدّم للمحاكمة بتهمة حيازة أسلحة و وسائل قتالية و قيادة تنظيم معادي ، و قد أدين و حكم عليه بالسجن لمدة اثني عشر عاماً . بعد مرور سنة واحدة أطلق سراحه في صفقة تبادل الأسرى مع أحمد جبريل .

لقد كان أحمد ياسين و لا يزال الزعيم المتنفّذ في "حماس" ، و الرجل الذي لا يتمّ شيء إلا بإذنٍ و إيعازٍ منه . فهو الذي أصدر التعليمات ، و صاغ المنشورات و البيانات التي لعبت دوراً هاماً في الانتفاضة : فهي التي أمرت متى يجب الإضراب و متى و أين تلقى الحجارة ، و متى يتم الخروج للمظاهرات . و إلى جانب التوجيهات العمليّة ، كانت هذه المنشورات تحفل بالمواعظ و الدعاوي الأيديولوجية .

لقد قوّضت الانتفاضة بدرجة كبيرة جهاز القضاء المحلي الذي أقيم بمساعدة (إسرائيل) . المحاكمات المدنية و الجنائية جمدت بصورة تامة تقريباً . في قطاع غزة وفّر الشيخ ياسين البديل . فقد تحوّل إلى محكّمٍ في النزاعات ، و فرض عقوبات على منتهكي القانون ، و هكذا جذّر أكثر سيطرة حماس في القطاع . في يهودا و السامرة (الضفة الغربية) كان نفوذ ياسين ، في المقابل ، أقل بكثير .

رغبنا ، بالطبع ، في اعتقاله و تقديمه للمحاكمة إن كان ذلك ممكناً ، و ذلك بغية تشويش نشاطات حماس ، لكنه لم يكن سهلاً دسّ عملاء في صفوف حماس من أجل جمع أدلة ضده . حتى أولئك العملاء القلائل الذين كانوا لنا رفضوا التعاون ، عندما طلبنا منهم معلومات عن الشيخ ذاته . "نفعل أي شيء .. إلا هذا .." و هكذا قالوا . هالة الاحترام الذي أكّنوه له وقفت فوق كلّ شيء آخر .

خلال الانتفاضة اكتسبت حماس دفعة و انطلاقة كبيرة في قطاع غزة .. تفحّص نشريات المنظمة يبيّن بما لا يدع مجالاً للشك ، أن التوجّه لم يكن فقط نحو القيام بأعمال شغب و الإخلال بالنظام ، و إنما أكثر من ذلك بكثير . لقد وضعت حماس ، الجهاد - في سبيل تحرير فلسطين - على رأس أولوياتها ، و كان لهذا الشعار - الهدف أن ألهب مشاعر الجماهير التي انضمت إلى الحركة بأعدادٍ متزايدة . ازدياد قوة حماس ، جاء بطبيعة الحال على حساب حركة فتح و تنظيمات أخرى ، حيث تحوّلت بسرعة لتغدو تنظيم المقاومة الأكبر في قطاع غزة ، الذي حمل على أكتافه الانتفاضة بأكملها . ليس هذا و حسب ، فقد نالت حماس شهرة و سمعة واسعين بفضل كونها نقية من الفساد . و خلافاً لباقي التنظيمات التي اختلس مقرّبون على اختلافهم من أموال التبرعات التي تلقّتها ، حرصت حماس على نقاء الأكف على طول الطريق .

في 16 شباط 1989 ، انتظر الجنديّ آبي سسبورتس نقلة بالمجان في مفترق "هوديا" جنوب البلاد .. سيارة تحمل لوحات ترخيص (إسرائيلية) توقّفت بالقرب منه . في داخلها جلس رجلان بشرتهما حنطية يعتمران على رأسيهما قبعات متدينين يهود . سسبورتس ، الذي لم تساوره أية شكوك ، دلف إلى الداخل ، و انطلقت السيارة مسرعة من المكان . معتمرا القبعات كانا محمد ناصر و محمد المبحوح ، ناشطا "حماس" من غزة ، أرسِلا لاختطاف جنديّ و قتله . السيارة التي استخدمت في عملية الاختطاف سرقت من داخل (إسرائيل) . أثناء السفر أطلق ناصر على رأس و صدر سسبورتس رصاصتين من مسدس "برتا" عيار 0.22 ملم . بعدما مات ، نزع الإثنان عنه ملابسه ، و دفناه بين مفترق "هوديا" و مفترق "غبعاتي" و لاذا بالفرار من المكان . سلاح الجندي و أشياؤه الشخصية ، نقلا مع عضوين آخرين في خلية (القتل) ، كانا بانتظار (القاتلين) في قطاع غزة . بعد ذلك نقل القتلة السيارة إلى بئر السبع ، أوقفوها هناك و عادوا إلى غزة .

في الثالث من آيار ، قبل أيام معدودة من العثور على جثة آبي سسبورتس ، سرقت الخلية نفسها سيارة من "رمات غان" ، و اختطفت الجنديّ إيلان سعدون ، ثمّ قامت بقتله . دفن (القتلة) جثته في منطقة "بلماحيم" و سارعوا بالهرب باتجاه غزة . عندما حاولا تهريب السيارة إلى القطاع ، عبر حقول كيبوتس "مفلسيم" ، لاحظهم حارس الكيبوتس . تركوا السيارة و لاذوا بالفرار . أفراد قوات الأمن الذين هرعوا إلى المكان فحصوا السيارة و عثروا بداخلها على بقع دم . قدّرنا أنه تم تنفيذ عملية قتل ، لكننا لم نعرف في الحال من هو القتيل .

المنطقة التي سعى القتلة للوصول إليها في قطاع غزة ، شكّلت نقطة انطلاقٍ في التحقيق . كان الاعتقاد الراجح أن هناك صلة ما بينهم و بين المكان ذاته : فلربما أنهم أنفسهم أقاموا فيه ، أو ربما تلقّوا مساعدة من السكان . و استناداً للتجربة ، افترضنا أن الأمر لا يتعلّق بـ (مخرّبين) بارزين ، ممن يحرصوا على عدم تلطيخ أياديهم بالدماء ، و إنما ناشطون اعتياديون من الصف . استعرضنا قائمة أعضاء حماس المعروفين لنا في المنطقة .        

اعتقلنا أحدهم بالسر ، و اقتدناه إلى حاجز آيرز ، و أجرينا التحقيق الأولي معه هناك . لم أشارك في التحقيق ذاته ، لكنني جلست على مقربة من المكان و تابعت التطوّرات . في البداية تخوّفنا من أننا ربما اعتقلنا الرجل غير المناسب . إذ اتضح أنه لم يشارك في القتل و لا في التحضيرات . لكن التحقيق كان مع ذلك مثمراً و مفيداً . فقد نجحنا في الحصول منه على أسماء عددٍ من ناشطي حماس ، من سكان مخيم جباليا للاجئين ، الذين كان يمكن في تقديره أن يعرشفوا شيئاً . سارعنا إلى تجنيد قوات ، حاصرت المخيم و بدأت عمليات تفتيش و بحث من بيتٍ إلى بيت . في هذه المرحلة تولّيت بنفسي الإشراف على قيادة الحملة من طائرة عمودية حلّقت فوق المخيم ، أثناء عمليات التفتيش عثِر على المخابىء التي أخفيَ فيها السلاح و الحاجيات الشخصية للجنديّ إيلان سعدون ، لكن القتلة أنفسهم لم يعثروا عليهم .

واصلنا التحقيق ، و بعد مرور بضعة شهور تمكّنا من الكشف عن هوية القاتلين . وجدنا أيضاً بأنهما نجحا في الهرب إلى مصر . هكذا فعل في حينه عددٌ غير قليل من  (المخرّبين) المطلوبين . السلطات المصرية عالجت أمرهم بطريقة بسيطة : اعتقلت الفارّين ، استجوبتهم و قامت بعد فترة قصيرة بطردهم ، لكونها لم ترغب بتعزيزات متطرّفين إسلاميين .

سفيرنا في القاهرة ، البروفيسور شمعون شامير ، طلب بمبادرته لقاء عاجلاً مع الرئيس حسني مبارك . أوضح لمبارك أن (إسرائيل) تتفهم الوضع الحسّاس لمصر ، و لذلك فهي لا تطلب تسليماً فعلياً للقاتلين و عوضاً عن ذلك ، دُعيَ الرئيس لإصدار تعليماته إلى وزير داخليته ، المسؤول عن جهاز المخابرات المصرية ، كي يتم التحقيق مع المعتقلين بشأن مكانِ دفن إيلان سعدون . في حضور شامير ، هاتف الرئيس المصري وزير الداخلية و أمره بلهجة صارمة بالحصول على المعلومات المطلوبة ‎. تعهّد الوزير بعمل اللازم ، بل و طلب أن يتصل شامير به بعد ثلاثة إلى أربعة أيام حتى يحصل على نتائج التحقيق . فعل السفير ذلك ، لكنه و لدهشته لم يحصل على أية معلومات . بعد أيام معدودة طرد القاتِلان من مصر . فقط في وقتٍ لاحق تبيّن لنا أنه لا الرئيس و لا الوزير قصدا منذ البداية مساعدتنا و أن ما فعلاه كان مجرد "مسرحية" تظاهرا بها أمام السفير .

في نهاية المطاف نجحنا في الوصول إلى مكان دفن إيلان سعدون . كان ذلك بعد أن كنت قد استقلت من الجهاز ، و بناءً على طلب رئيس الحكومة ، إسحاق رابين ، أخذت على عاتقي مهمة التنسيق بشأن قضية الأسرى و المفقودين (الإسرائيليين) و هي مهمة لا زلت أواصل القيام بها بتطوّع حتى لحظة كتابة و تأليف هذا الكتاب .

وحدة البحث عن المفقودين التابعة لقسم الطاقة البشرية في الجيش (الإسرائيلي) (إيتان) ، و جهاز الشاباك و الطاقم لشؤون الأسرى و المفقودين ، عملوا فوراً و بكامل الجهد كلّما كانت تصل نُزر معلومات يمكن له أن تقودنا إلى جثة الجندي . السلطة الفلسطينية أيضاً ساعدتنا كثيراً . في 28 تموز 1996 ، تكلّلت جهودنا بالنجاح . فقد عثِر على الجثّة في منطقة "بلماحيم" ، تحت الشارع الذي شقّ حديثاً ، و تم إحضارها للدفن في مقبرة بـ (إسرائيل) .

في أعقاب مقتل سسبورتس و سعدون ، نفّذنا حملة اعتقالات واسعة النطاق في صفوف أعضاء حماس . و خلال ذلك كشفنا قاعدة واسعة و متجذّرة للحركة في مناطق مختلفة بقطاع غزة ، و اعتقلنا معظم الناشطين في الجناح العسكري لحماس . في حصيلة الأمر اعتقلنا حوالي خمسمائة مسؤول و ناشط ، اعترفوا بمهاجمة (إسرائيليين) و بقتل مشبوهين من أبناء شعبهم بالتعاون مع (إسرائيل) .

التحقيقات كشفت أنه رأس جميع الأجنحة و الأذرع التي نفّذت هذه الفظائع ، وقف الشيخ ياسين ، الذي كان قد عمِل منذ ما قبل سنة و نصف السنة من التأسيس الرسمي لحركة "حماس" ، في إقامة و تشكيل خلايا القتل .. "فتوى" دينية صدرت عنه ، و أباحت قتل كلّ من لم يتمسك بمبادىء الإسلام ، عرباً و يهوداً على حد سواء ، شكّلت هادياً للقتلة . و بموازاة ذلك ، أقام ياسين على نحو دؤوب و فعال ، جهازاً تنظيمياً واسعاً ، ضمّ جهاز الدعاية المؤلّف من أكاديميين و طلبة جامعيين ، و خصوصاً من الكلية الإسلامية في غزة ، و جهازاً تولّى شؤون الطلبة ، و جهازاً عسكرياً أشرف على إدارة و توجيه كتائب عز الدين القسام في تنفيذ الهجمات و الاعتداءات . جلّ قوة "حماس" تركّز في قطاع غزة ، بينما في المناطق الأخرى - في رام الله و الخليل و المنطقة القروية في نابلس و القدس الشرقية - كان لحماس امتدادات و فروع صغيرة فقط.

غالبية الناشطين البارزين في الجهاز العسكري لحماس جنّدوا من بين الطلبة في الكلية الإسلامية بغزة ، و التي كانت و لا تزال معقلاً بارزاً لحماس ، مثلما أن جامعة النجاح في نابلس كانت و لما تزل معقلاً للتنظيم في يهودا و السامرة .. المساجد أيضاً لعبت دوراً هاماً في النشاطات السرية لحماس . فبداخلها أخفيت أرشيفات التنظيم ، و جرت لقاءات سرية و عقدت الصلة أو الاتصال بين كبار مسؤولي التنظيم و مرؤوسيهم . لقد شكّلت المساجد دفيئة مثالية لـ (الإرهاب) . فكل مسلم مؤمن يذهب للمسجد مرة واحدة على الأقل في اليوم . و من الطبيعي و الحال ، أن يتوجه ناشطو (الإرهاب) إلى هناك أيضاً . و في المقابل فإن قدرتنا على الدخول للمساجد قاربت درجة الصفر . كان أي دخول كهذا يحتاج إلى إذنٍ من وزير الدفاع ، و حتى عندما كان لدينا سببٌ وجيه و ملح للدخول إلى مسجدٍ ما ، لم نكن متأكدين فيما إذا كنا سنحصل على الإذن بذلك . كان واضحاً لكلّ ذي بصيرة أن دخول رجال أمن (إسرائيليين) إلى دور الصلاة و العبادة ، سواء بالزي الرسمي أو بدونه ، يمكن له أن يولّد ضجة كبرى و أن يشعل ناراً رهيبة .

الشيخ ياسين أدرك أن حملة الاعتقالات الواسعة لا بدّ و أن تطاله . فقد كان القائد الأعلى ، الذي قادت كلّ الآثار و الدلائل إليه . كانت هذه مسألة وقتٍ فقط إلى أن يطرق جهاز الشاباك على باب بيته ليقتاده إلى الاعتقال . خلال المهلة القصيرة التي بقيت له في الحرية ، سارع إذن لتعيين قائمٍ بأعماله ، يعيد بناء التنظيم بعد ضربة الاعتقالات الكبرى . و كان هذا إسماعيل أبو شنب ، رجل حماس معروف في القطاع .

التقيت معه عدة مرات في سجن أشمورت بكفار يونا . كان هناك معتقلان يلازمانه بشكلٍ دائم ، حتى يساعداه . أبديت اهتماماً كبيراً بطريقة تفكيره و بالأسلوب الذي عبّر فيه عن أفكاره . لم ألاحظه يوماً يخرج عن طوره ، يفقد صبره أو ينفجِر بالصراخ . بصوته المتهدّج الناعم أصدى لمحادثه باعتدالٍ مقصود . لكن هذا كان اعتدالاً لرجل متطرّف جداً ، لن يكون أبداً سافراً ، و لن يقول أبداً "نحن سنبيدكم" أو "سنلقي بكم في البحر" ، بل سيتحدّث عن "التعايش" الذي يعني في عالم مفرداته و مصطلحاته دولة يعيش فيها العرب و اليهود و أتباع ديانات أخرى في كنف نظام حكم إسلامي . لم يعترف الشيخ ياسين باي ضلعٍ أو تورّط في نشاطات حماس ، لا في عمليات القتل ، و لا في الاختطاف ، و لا في هجمات . و يمكن القول ، مع مراعاة الفارق و الاختلاف الشديد بين الإثنين ، أنه عمل بدرجة كبيرة بأسلوب مؤسس حركة "كاخ" الحاخام مائير كهانا الذي لم يأمر قط بتنفيذ اعتداء ، و إنما فتى بشيء ما ، بثّ مقولة أو مثالاً ، كان من المفترض لأتباعه أن يفهموا و يفسّروا معانيها و مدلولاتها العملية .

ياسين وُجِد مذنباً و حُكم عليه بالسجن المؤبد و فوقه خمسة عشر عاماً . بالتشاور مع إسحاق رابين ، تم بلورة مبادرة لطرده من البلاد ، بشرط أن يتعهّد بعدم العودة قبل مرور عشر سنوات . لكنه رفض الاقتراح من دون أن يفكّر فيه مرتين . "سأخرج من السجن إلى بيتي فقط ، و ليس إلى أيّ مكانٍ آخر" قال لنا بهدوء و تصميم .. و يتضح أنه كان يعرف ما يقوله . فقد أطلق سراحه ، كما هو معروف ، في العام 1997 ، بأمر رئيس الوزراء ، في أعقاب التسوية التي تمّ التوصل إليها مع الملك حسين من أجل إنهاء قضية المحاولة المحرجة لاغتيال رجل حماس القيادي خالد مشعل في الأردن .

معتقل آخر من حماس ، و الذي اشتبه بتورّطه في اختطاف و قتل الجنديين سبسورتس و سعدون ، كان صلاح شحادة ، أحد كبار مسؤولي الجهاز العسكري للتنظيم . و قد كان شحادة ، رجل أسرار ياسين و ساعده الأيمن ، رجل دينٍ مؤثّر و محبوب في منتصف العقد الثالث من عمره ، يطلق لحية طويلة ، و يتمتع بملامح و طباع رقيقة . خلف هذه الصورة و الطلعة الوادعة ، اختبأت شخصية واحدٍ من القادة (الإجراميين) الأكثر وحشية في حركة حماس . كان شحادة ، مسؤولاً في نطاق ما عهد إليه من مهام ، عن تجنيد المرشّحين الجدد . أسماؤهم أحيطت و حفظت بسرية تامة . في أحيانٍ قليلة جداً عرف مرشّح للتنظيم عن آخرين تضمّهم القائمة خلافاً له . كلّ مرشّح اجتاز عدداً لا يحصى من الاختبارات و الاستجوابات ، بغية التأكد من أنه ليس مدسوساً من طرف المخابرات (الإسرائيلية) ، "الشاباك" .

تحدّثت مع شحادة مطولاً في السجن . و من أجل إثارة جوّ من الرهبة أثناء محاولتي لإقناعه بتقديم اعترافٍ أحضرت معي مرات عدة للتحقيق قائد المنطقة الجنوبية ، إسحاق مردخاي ، و ضباطاً كباراً آخرين . منعناه من النوم و حقّقنا معه بشكلٍ مكثّف و متواصل . لكن شحادة كان مسؤولاً صلباً لا يرضخ . وافق على الاعتراف فقط بوقائع ثابتة لا تقبل الجدل أو الطعن ، عرضناها أمامه ، لكنه رفض بشدة الإدلاء و لو بنزرٍ قليل من المعلومات الجديدة . من السهل فهم ذلك ..

فقلة من الناس فقط ، يتمتعون بإرادة و عزم قويان مثله ، يستطيعون النهوض بالدور و المركز الذي اأشغله شحادة في حماس . أشخاص من هذا النوع ، قادرون على امتصاص و تحمّل أي وضعٍ أو ظروف صعبة ، و الصمود في وجه أي ضغطٍ و أي إغراءٍ في التحقيق .

اعتقلنا أيضاً محمد شراتحة ، قائد "خلية 101" و هي التي دعيت أيضاً بـ "خلية جباليا" . إنها الخلية التي قتَل أفرادها سسبورتس و سعدون . شراتحة نفسه كان قاتلاً محترفاً ، بلطجّي و كاذب بالفطرة ، شُغل على يد شحادة . كلّ الخيوط أدّت من هؤلاء إلى زعيمهم المحبوب ، الشيخ ياسين "أيديولوج" أعمال القتل . إبان سنوات الانتفاضة وجّه "الشباك" ، من ناحية عملية ، جهود جميع قوات الأمن في المناطق - الجيش (الإسرائيلي) ، حرس الحدود و الشرطة الزرقاء . الجهاز نفسه اضطر إلى ملاءمة نظريته القتالية للواقع الجديد .

التحقيقات مع الأعداد الكبيرة من المعتقلين أثمرت نتائج ممتازة . لذلك قرّرنا أن نوسّع بدرجة ملموسة جهاز التحقيقات . و في نطاق ذلك ، بادرنا أيضاً إلى إقامة وحدة محقّقين دروز في إطار الجيش (الإسرائيلي) . أفراد الوحدة ، وجّهوا على يد "الشاباك" .. في البداية تم وضعهم في مركز اعتقال الفارغة ، على الطريق المؤدّي من نابلس إلى غور الأردن ، حيث اقتيد إلى هناك المشاغبون المخلّون بالنظام . و في وقتٍ لاحقٍ عمِل أفراد الوحدة أيضاً في معسكر أنصار بقطاع غزة ، الذي اعتقل فيه كثيرون من منظّمي و قادة الاضطرابات و المشتركين فيها . و في محاولة لتحييد و إبطال فاعلية ناشطي الانتفاضة ، أجرينا آلاف الاعتقالات الإدارية . عزّزنا بشكلٍ ملموسٍ أيضاً نظام الحماية الجسدية حول رجالنا الذين عملوا في الميدان وسط تعريض حياتهم للخطر .

و قد مكثت بنفسي فترات طويلة من الوقت في مراكز التحقيقات و التقيت دون توقف مع رجالنا الذين انتشروا في كلّ مناطق التوتر . يجب أن نذكر أن الجهاز عمل في نفس الفترة أيضاً . في مجالات كثيرة أخرى ، تُعزى لها كذلك أهمية بالغة . فقد عالجنا أمر جواسيس روس ، و يمين متطرّف و يسار متطرّف ، قمنا بمهام حماية و حراسة جميع الشخصيات العامة في دولة (إسرائيل) ، و السفارات و طائرات شركة "إل عال" و بواخر النقل (الإسرائيلية) في أنحاء المعمورة ، و مجموعات المهاجرين من دول الاتحاد السوفييتي.

الانتفاضة الطويلة في المناطق هي التي أفضت أيضاً إلى بداية عملية (السلام) .. الجمهور العربي أصيب بالتعب و الإنهاك ، حيث تدهور وضعه الاقتصادي و وهنت قدرة التحمّل لديه . لكن أيضاً في الجانب الآخر للمتراس وقع أمر جلل : إذ توصل صانعو السياسة في (إسرائيل) إلى نتيجة و إقرار بأنه من دون عملية مصالحة لن يكون ثمة مخرج من المأزق .

رئيس "الشاباك" ، يقوم في الواقع أيضاً بدور "وزير خارجية" للجهاز . لذلك ، و إضافة إلى كوني متدخلاً في كافة تلك النشاطات ، فقد التقيت بشكلٍ دائمٍ مع رؤساء الحكومة و وزراء الدفاع في جلسات أسبوعية شخصية و في اجتماعات الحكومة و مجلس الوزراء المصغر و في مداولات و مشاورات خاصة .. اللقاءات مع وزراء الدفاع جرت أحياناً عدة مرات في الأسبوع . عندما أشغل رابين منصبي رئيس الحكومة و وزير الدفاع كانت اللقاءات معه تتم بوتيرة متقاربة و عالية بشكلٍ خاص . أحببت على وجه الخصوص الجولات الميدانية برفقته . لقد حرص و واظب رابين على الخروج في جولة بالمناطق مرة واحدة على الأقل في الأسبوع . التجوال معه ، تحرياته الدقيقة و المتعمّقة و أحاديثه مع الجنود ، كانت دوماً تجربة ممتعة . إضافة لذلك ، دُعيت بشكلٍ منتظم للمشاركة في اجتماعات لجنة الخارجية و الأمن التابعة للكنيست ، و قدّمت تقارير مفصلة إلى اللجنة البرلمانية الفرعية لشؤون أجهزة المخابرات السرية ، حاضرت في دوراتٍ للجهاز ، أجريت أحاديث خلفية مع صحافيين ، و هذه قائمة جزئية فقط .