|
قبلة
خطيرة
كانت حماس قادرة أكثر من أي
منظمة (إرهابية) فلسطينية أخرى على الانتعاش بسرعة هائلة من كلّ ضربة أنزلت بها .
استطعنا اعتقال مئات الناشطين ، و أن نضبط كميات كبيرة من الوسائل القتالية ، و
نصادر ماكنات طباعة ، و منشورات و خطط عمل ، و أن نتسبّب نتيجة لذلك بهبوط معيّن في
نشاطات حماس . لكنها كانت ، بعد شهورٍ معدودة ، ترفع رأسها من جديد .. تصفية
"المهندس" يحيى عياش في العام 1996 ، كانت إحدى الضربات الصعبة التي تلقّتها حماس .
مع ذلك ، و بعد وقتٍ قصير أعلنت حماس الخروج للجهاد مجدّداً ، بل و نفّذت سلسلة
عمليات (انتحارية) .
و في المقابل احتاجت الحركة
لفتراتٍ زمنية طويلة نسبياً من أجل إحياء قاعدتها التنظيمية و السياسية بعد حملات
الإحباط (الإسرائيلية) . تتمتع حماس بقدرة مثبتة على تجنيد (انتحاريين) .. رجال
الدين يلعبون دوراً هاماً في تهيئة و تحضير (الانتحاريين) لمهامهم . فهم يعدونهم
بالفوز ، بفضل مشاركتهم في حرب الجهاد المقدّسة ، بمكانة "شهيد" ، و هو مكان مرموق
في جنة عدن ، و بدعم و مساندة عائلاتهم بعد موتهم .
كنت على صلة وثيقة بكلّ مراحل
التصدّي لحماس . كان ذلك موضوعاً ذو أهمية عليا ، استوجب اهتمامي الدائب كرئيس
"للشباك" . كنت متدخّلاً في إصدار التوجيهات لشعبة البحث ، شاركت في تخطيط العمليات
لإلقاء القبض على المطلوبين ، تابعت النشاطات في الميدان ، ساهمت في استجواب
معتقلين و التحقيق معهم ، قرأت مئات الاعترافات ، قدّمت تقارير عن التطوّرات إلى
رئيس الحكومة في لقاءات شخصية و للوزراء في اجتماعات المجلس الوزاري المصغر و
الحكومة . لم أستطع أن أخفي تأثّري و انفعالي إزاء مستوى السرية و الإحكام في عمل
حماس . على سبيل المثال ، قلائل فقط من بين مئات المعتقلين الذين خضعوا للتحقيق ،
عرفوا صلاح شحادة ، و حتى هؤلاء لم يعرفوا تفاصيل كثيرة عن نشاطه . السرية في خلايا
القتل كانت مشدّدة أكثر . كان ذلك واحداً من الأسباب و العوامل وراء الانتعاش
السريع لحماس بعد كلّ موجة اعتقالات و كشف وسائل قتالية . فبمقدار ما عرف أعضاء
التنظيم أقلّ ، هكذا قلّت و تضاءلت فرصة نجاحنا في اعتقال كبار المسؤولين الذين
وقفوا وراء النشاطات (الإجرامية) و في إثبات الاتهامات ضدهم .. آلة حماس عمليّة
جيّداً داخل السجن أيضاً . القادة الذين سجِنوا أداروا و وجّهوا خلايا الذراع
العسكري بواسطة زوّار من أقاربهم و أصدقائهم .. كشفنا وسائل و طرق مختلفة لنقل
التعليمات التي اتخذها المعتقلون .. و من بين ذلك ، قاموا بنقل قصاصات صغيرة من فم
إلى فم أثناء تبادل قبلة مع أحد الأقارب .
على الرغم من الصعوبات الكبيرة
التي واجهتنا في دسّ عملاء داخل صفوف حماس ، إلا أننا حققنا نجاحات لا يستهان بها
في هذا المجال . في مطلع سنوات التسعينيات تمكّنا ، بمجهودات كبيرة ، من تجنيد
عميلٍ كان قريباً جداً من محافل حماس . لم يكن شخصاً متديّناً بكلّ معنى الكلمة ،
لكنه أكثر من ارتياد المساجد و الإصغاء للخطب و المواعظ الدينية ، و الأهم من كل
ذلك ، فقد تمتع بثقة كاملة لدى ناشطي حماس . كان يناهز الثلاثين من عمره ، و قد رغب
بالسفر للأردن حتى يستكمل تعليمه هناك . منسّق "الشباك" في المنطقة استدعاه لحديثٍ
كي يكوّن انطباعاً عنه ، فنشأ بينهما انسجام و ودّ متبادلين . في البداية قام
بتزويدنا ، بشكلٍ أساسي ، بمعلومات عن نشاطات اجتماعية و خيرية لحركة حماس . بعد
ذلك أتيحت له الفرصة ليساعدنا في مواضيع أكثر جدية . بعد بضعة شهور من بدء عمله و
تعاونه معنا ، هرب من سجن الظاهرية قرابة نصف دزينة من المعتقلين الشبان ، الذين
اعتقلوا بتهم الإخلال بالنظام . حسب المعلومات التي وصلت إلينا ، التحق اثنان من
الفارين بخلية عسكرية تابعة لحماس ، خطّطت لشنّ هجمات ضد (إسرائيليين) . أفراد تلك
الخلية كانوا مطلوبين بارزين كانت تتوفر لدينا معلومات نسبَ لهم الاعتداء على يهود
داخل الخليل و على الطريق المؤدّي للقدس ، و بضمن ذلك قتِل المستوطن مردخاي لفيد و
ابنه شالوم . في السادس من كانون الأول 1993 ، في ساعات الغروب ، نزل مردخاي لفيد ،
البالغ 65 عاماً ، من منزله في تلة الخارصينا بـ "كريات أربع" إلى شارع الخليل –
القدس . كان يرافقه أربعة من أبنائه الأربع عشر ، و من ضمنهم "شالوم" البالغ 19
عاماً ، الذي كان يدرس في معهد ديني بـ "أفرات" . مردخاي لفيد و أبناؤه الثلاثة
الآخرون قرّروا الانتظار مع "شالوم" إلى أن تصل سيارة لتنقله بالمجان إلى القدس . و
بينما كانوا ينتظرون أطلّت من الشرق شاحنة صغيرة من نوع "بيجو" بيضاء اللون ، ترجّل
منها اثنان أو ثلاثة (مخرّبين) مسلحين بسلاح أوتوماتيكي ، ليشرعوا بإطلاق النار على
لفيد و أبنائه .. مردخاي و شالوم أصيبا بجروحٍ بليغة و ماتا بعد مرور بضع دقائق ..
الأولاد الثلاثة الآخرون ، الأصغر ، أصيبوا بجروحٍ بين طفيفة و متوسطة .
مردخاي لفيد كان مهندساً هاجر
من الاتحاد السوفييتي في العام 1968 ، و كان مع زوجته "مريم" من طلائع المستوطنين
في السامرة (شمال الضفة) ثم انتقلا لاحقاً إلى كريات أربع . هذا الاعتداء أثار صدمة
كبيرة في الدولة و في صفوف المستوطنين . بعد أقل من ثلاثة شهور ، عندما فتح صديق
العائلة ، د. باروخ غولدشتاين ، النار على مصلّين مسلمين في الحرم الإبراهيمي ، و
قتل 29 مصلياً و جرح 125 آخرين ، كان هناك من اعتبر هذا العمل الفظيع ردّ فعلٍ
انتقامي لمقتل مردخاي و شالوم لفيد .
صور أعضاء الخلية التي قتَلت
لفيد و ابنه و تفاصيل تشخيص أخرى كانت موجودة في حوزة جميع أفراد قوات الأمن في
المنطقة . هذه الحقيقة عرفت لهم ، و لذلك فقد قلّلوا من الخروج من الشقق السرية
التي آووا إليها .
أحد أفراد الاتصال القلائل لهم
كان عميلنا ، الذي أولوه ثقة كبيرة ، و بذلك تأكّدت صحة قرارنا بتجنيده . و في
المحصلة ، فإن غاية تشغيل العملاء تمثّل في استغلال حقيقة كونهم معروفين في محيطهم
كأناسٍ موثوقين ، بما يتيح انضمامهم لخلايا محليّة و إيجاد اتصال يؤدّي إلى
المطلوبين . ذات يومٍ أخبرنا العميل أنه كلّف بمقابلة أحد الفارّين من سجن الظاهرية
.. كان باستطاعتنا ، بالطبع ، أن نتعقّبه حتى مكان اللقاء ، و أن نعتقل الرجل و
نحاول انتزاع اعترافٍ منه أثناء التحقيق عن مكان وجود زملائه ، لكن افترضنا أن خطوة
كهذه سوف "تحرِق" على الأرجح ، عملينا . قرّرنا إذاً تعقب و مراقبة ما يحدث من بعيد
، دون التدخل في هذه الأثناء .
اللقاء بين العميل و السجين
الهارب جرى في ساعة متأخرة من الليل على أطراف قرية قريبة من الخليل . لم يذكر
(المخرّب) أسماء زملائه ، لكنه قال إن الخلية التي انضم إليها تعتبر نفسها كـ "رأس
حربة" خلايا (المخرّبين) في الضفة الغربية . و كشف أن قسماً من أعضائها جاءوا من
غزة . و قد طلب من العميل أن يخبر أحد سكان قرية بيت أمّر ، بأن "ينقل ما وعد به"
إلى "النقطة الميتة" المتفق عليها . وقَع القرويّ في الفخ و كشف بدون خوفٍ المكان .
سارعنا إلى وضع مراقبة هناك . عاد العميل إلى مرسله ، و أبلغه أنه قام بمهمته و
اتفق الإثنان على معاودة اللقاء . في اللقاء التالي جلب معه العميل ، حسب توجيهاتنا
، خبزاً و لحوماً معلبة و مشروبات خفيفة . الهارب ابتلع الطعام بشهية كبيرة ، و
توثّقت الصلة بين الإثنين . واصلنا مراقبة مكان النقطة الميتة ، لكن دون جدوى .
أفراد الخلية تحرّزوا لسببٍ ما من الذهاب إلى المكان . و مع ذلك استمرت اللقاءات
بين عميلنا و (المخرّب) كالمعتاد .
في إحدى هذه اللقاءات كشف
(المخرّب) للعميل بأن خليّته تخطّط لعملية كبيرة بعد حوالي ثلاثة أسابيع ، في عيد
الفصح اليهودي . كما و أسرّ في أذنه بأن أعضاء الخليّة يختبأون في حارة أبو سنينة
بمدينة الخليل . قمنا على الفور باستدعاء الجيش (الإسرائيلي) ، حيث حاصرت قوة ضمّت
مئات الجنود ، تحت جنح الليل ، خمسة منازل في الحيّ . توقّعنا أن نجد في إحداها
الخلية .. جرت العملية تحت قيادة الجنرال شاؤول موفاز ، الذي أشغل حينذاك منصب قائد
قوات الجيش (الإسرائيلي) في الضفة الغربية . قائد المنطقة العسكرية الوسطى ، داني
ياتوم ، كان هو الآخر في ميدان العملية . في الساعة السادسة صباحا أحضرنا إلى
المكان عدداً من وجهاء الخليل و طلبنا منهم الدخول إلى المنازل الخمسة ليقترحوا على
(المخرّبين) الاستسلام . إذا رفضوا الاستسلام ، أوضحنا للوجهاء ، فإنهم يعرّضون
بذلك أنفسهم لخطر أن ننسف البيوت على من فيها . الوجهاء فعلوا مثلما طلبنا منهم ، و
عندما عادوا بعد وقتٍ قصير أبلغونا "لم نجد هناك أي (مخرّب)" . تصعّبنا تصديقهم .
بقينا في المنطقة ، و استخدمنا مكبّرات الصوت لندعو بواسطتها دون توقّف (المخرّبين)
للاستسلام . في ساعات بعد الظهر ، أطلقت فجأة عدة عيارات من داخل أحد المنازل . منذ
تلك اللحظة ، و طيلة ثمانية عشر ساعة متواصلة ، دارت هناك معركة قتِل في نهايتها
عددٌ من (المخرّبين) ، فيما سلّم الباقي أنفسهم .
كانت تلك معركة صعبة ، استخدم
فيها الجيش (الإسرائيلي) الصواريخ . امرأة فلسطينية قتِلت عندما خرجت لنشر غسيلها
في منطقة الاشتباك .. خمسة جنود (إسرائيليين) أصيبوا بجروحٍ طفيفة ، و بضمنهم
الجنرال شاؤول موفاز الذي عولج في المكان . في أوج الاشتباك دعا ياسر عرفات وزير
الخارجية الأمريكي و الرئيس المصري إلى التدخّل من أجل وقف القتال ، لكن تبادل
إطلاق النار خمد قبل أن تتدخّل الجهات السياسية . كان ذلك اشتباكاً غير مألوف من
حيث المدة الزمنية التي استغرقها ، و الوسائل القتالية التي استخدمت فيه و الضجة
الدولية التي أثارها .
في نطاق الصراع ضد حماس كرّسنا
و بذلنا جهوداً كبيرة بهدف سدّ منافذ تمويل المنظمة . و بمقدار ما اتسعت حماس ، و
ازدادت نشاطات التجنيد و الدعاية التي تقوم بها ، بمقدار ما ازدادت الحاجة لمبالغ
مالية أكبر لتغطية مصاريفها و إنفاقاتها . كان يجب دفع رواتب ، و تمويل عمليات و
طباعة منشورات ، و سفريات و بنود صرف عديدة أخرى . الأموال جاءت من تبرّعات قدّمتها
جهات و هيئات إسلامية متعاطفة في السعودية و الكويت و دول عربية أخرى . العلاقات
التي أقامتها حماس مع الإخوان المسلمين و تنظيمات أصولية أخرى في مصر و الأردن و
السعودية ، ساعدت هي الأخرى .
مبالغ مالية لا يستهان بها ،
وصلت أيضاً من الولايات المتحدة الأمريكية ، حيث نشطت حماس هناك منذ العام 1988 .
النشاطات ركّزها وتولاها عربي يقيم في شيكاغو ، اسمه محمد صلاح ، و يدعى "أبو أحمد"
، في الأربعين من عمره ، مواليد مخيم قلنديا للاجئين . في كانون الثاني (يناير)
1993 ، بلغتنا معلومات من مصادر شغّلناها داخل حماس ، مفادها أن مواطنين أمريكيين
من أصل عربي ، قد وصلا إلى البلاد كلاً على حده ، و ذلك حتى يعيدا بناء القاعدة
التنظيمية و العسكرية للحركة ، التي كانت تلقّت ضربة قوية في أعقاب حملة الاعتقالات
و الإبعاد التي طالت عدداً كبيراً من ناشطي التنظيم . أحد الرجلين كان محمد صلاح
(أبو أحمد) و الثاني محمد جراد ، الملقب بـ "أبو أنس" ، و عمره 37 عاماً ، من
مواليد "عين يبرود" قضاء رام الله ، و هو يقيم أيضاً في شيكاغو . بعيد وصولهما ،
قاما بالاتصالات ، حسب توجيه قادة حماس في الولايات المتحدة و بريطانيان مع ناشطي
التنظيم الذين بقوا طلقاء في المنطقة ، في رام الله و القدس و الخليل و قطاع غزة ،
و حوّلوا لهم مئات آلاف الدولارات بما يمكّن من استمرار النشاطات (التخريبية) .
كذلك كلّفا أيضاً بإقامة اتصال مع زعماء الحركة الإسلامية الناشطة بين عرب
(إسرائيل) .. عثرنا عليهما في فندق الـ "Y.M.C.A" في
القدس الشرقية ، و بعد مراقبة لصيقة اعتقلنا الرجلين في 25 كانون الثاني ، بعد خمسة
عشر يوماً من قدومهما إلى (إسرائيل) . في أعقاب التحقيق معهما اعتقلنا نحو أربعين
من ناشطي حماس . اكتشفنا أيضاً أن صلاح قام قبل سفره إلى (إسرائيل) ، بإعداد و
تهيئة أربعة شبان عرب لتنفيذ اعتداءات في (إسرائيل) ، و أن هؤلاء خطّطوا للوصول في
أعقابه بفترة وجيزة . إضافة لذلك ، فإن هذه لم تكن الزيارة الأولى التي يقوم بها
صلاح للبلاد . فقبل حوالي نصف سنة من ذلك ، في أيار 1992 ، كان قد وصل إلى الخليل
حتى يرسي قاعدة لإقامة خلايا تتبع "كتائب عز الدين القسام" في المنطقة .
اعتقال "أبو أحمد" و "أبو أنس"
لم يؤدّ فقط إلى تشويش خطط القائمين على تشغيل الخلية الجديدة ، بل و كشف أيضاً
الوسائل و الطرق التي استخدمت في نقل و تحويل الأموال . وجدنا أن مبالغ كبيرة بشكلٍ
خاص ، خصّصت بالأساس لتمويل النشاطات العسكرية لحماس ، نقلت في الغالب عن طريق رسلٍ
و موفدين . و في المقابل جرى استخدام وسيلة التحويلات البنكية على نطاق واسع ، من
أجل تمويل النشاطات الاجتماعية و الخيرية للحركة .. و قد أودعت الأموال في بنوك
عربية في الأردن و في دول مجاورة أخرى ، على اسم صرّافي عملة في القدس الشرقية .
كان هؤلاء يسافرون إلى هناك ليأتوا بالأموال و يسلّموها لحماس ، مع خصم عمولة بنسبة
عشرة في المائة . بهذه الطريقة تدفّقت ملايين عديدة إلى صندوق حماس الذي أدير بشكلٍ
مباشر على يد الشيخ ياسين في غزة و على يد الشيخ جميل حمامي في الضفة الغربية .
كانت هذه طريقة مجرّبة ، استغلت على مدى سنوات طويلة على يدِ قسمٍ كبيرٍ من سكان
المناطق الفلسطينية دون الاهتداء إلى وسيلة قانونية لسدّها و إقفالها .
خلال التحقيق مع الرجلين ،
هاتفني رئيس الوزراء إسحاق رابين و طلب مني أن أقابل مراسلة صحافية من جريدة
"نيويورك تايمز" تدعى جوديت ميلر ، لأعطيها تفاصيل يمكن نشرها عن مجرى التحقيق . و
قد تمّ ذلك بعدما كنا قد نقلنا النتائج الأولية إلى أجهزة الاستخبارات الأمريكية
التي تعاطت معها ، من جهتها ، بتشكّك و ارتياب . لبّيت طلب رئيس الحكومة ، حيث
التقيت مع الصحافية في فندق "هيلتون" بتل أبيب ، و تحدّثت لها عن قاعدة حماس في
الولايات المتحدة ، عن نشاطاتها الواسعة و المتشعبة هناك و عن طريق نقل الأموال إلى
ناشطي الحركة في المناطق ..
المعطيات و الوقائع تركت
انطباعاً لديها ، لكنها طلبت حتى تقتنع بصحتها ، السماح لها بحضور جانب من
التحقيقات . خاطبت رئيس الحكومة في هذا الخصوص ، فأعطى ، على نحو غير مألوف على
الإطلاق ، إذناً بذلك بشرط ألا تنكشف لأنظار المعتقلين الخاضعين للتحقيق . أخذتها
إلى مركز التحقيقات في رام الله ، و سلّمت المحقّقين قائمة أسئلة أعدتها سلفاً ،
حيث قام هؤلاء بطرح الأسئلة في حضورها ، من دون أن يتمكّن المحقّق معهما ، بالطبع ،
من رؤيتها . الإجابات جاءت مرضية بالنسبة إليها ، و التقرير الذي أرسلته في أعقابها
إلى صحيفتها "نيويورك تايمز" نشر بشكلٍ بارز على الصفحة الأولى للصحيفة .
بعد انتهاء التحقيق توجّهت
للولايات المتحدة لأطلع الشرطة الفيدرالية الـ "أف.بي.آي" على التفاصيل و الحيثيات
المتعلّقة بشأن قاعدة حماس هناك ، نشاطها و طرق الاتصال و نقل الأموال للمناطق
الفلسطينية . المسؤولون الأمريكيون الذين تحادثت معهم تعاملوا مع تقاريري بقلة ثقة
مؤدّبة ، بل و ألمحوا بصورة شفافة للغاية بأنني ، حسب رأيهم ، بالغت بدرجة غير
قليلة . بقيت مصراً على رأيي ، و طلبت منهم تعميق و تشديد الرقابة على نشاطات حماس
في بلادهم . بعد تحريّات مطولة ، مصحوبة بمناقشات حادة ، اقتنعوا في نهاية المطاف
بصحة ادعاءاتي ، و تمّ بالفعل تشديد المراقبة . فضلاً عن ذلك ، فقد اعتمد في العام
1997 في الولايات المتحدة قانون يحدّ بدرجة كبيرة من إمكانيات نقل أموال إلى حماس و
تنظيمات (إرهابية) أخرى . نتيجة لكلّ ذلك اعتقل هناك قبل حوالي السنة محمد صلاح ،
الذي عاد إلى شيكاغو بعدما أمضى عقوبته بالسجن في (إسرائيل) واستأنف نشاطه في حماس
. التعاطف الذي أثاره اعتقاله أفضى إلى نشر تقارير و مقالات عديدة في وسائل الإعلام
الأمريكية حول أساليب العمل و نقل الأموال التي تتبعها الحركة .
لم تكن حماس في ذلك الوقت تملك
هرماً تنظيمياً مشابهاً لذاك الذي كان قائماً في "فتح" و الجبهة الشعبية و الجبهة
الديمقراطية .. و بمرور الوقت تبلور أسلوب عملٍ واضح : تنظيم النشاطات الاجتماعية و
العسكرية ملقى على أكتاف ناشطين بارزين في الحركة ، مما عيّنهم الشيخ ياسين مباشرة
. نشاط هؤلاء يتم بقدرٍ من الاستقلالية بوصية و توجيه من الشيخ ياسين ، من دون أن
يكونوا مؤطّرين بإطار رسمي ، من قبيل لجنة تنفيذية . و هؤلاء هم الذين يحدّدون
أهداف الهجمات ، و سلّم الأولويات ، و الغايات التي توجّه إليها التبرعات . و هناك
ما يشبه قيادات محلية في دول أخرى ، و بضمنها الولايات المتحدة . و تستخدم هذه
القيادات بصورة أساسية لنقل المعلومات و الأموال و في إدارة علاقات عامة ، و
للتشاور و يشارك أعضاؤها أحياناً في بلورة السياسة العامة .
و تنشب بين حين و آخر صراعات
على مراكز القوة و النفوذ و تنشأ انقسامات مؤقتة بين القيادات المختلفة و بينها و
بين الزعامة في المناطق الفلسطينية . لكن تطوّرات من هذا النوع لا تنطوي على درجة
تؤثّر سلباً على نشاطات حماس في الميدان ، ذلك لأن القرارات المبدئية و التنفيذية ،
تتخذ كما هو معروف على يد الزعيم المتنفّذ و حفنة من كبار المسؤولين الموالين و
المذعنين لزعامته و إمرته بلا منازع .
أحد الأهداف الرئيسية لحماس
يتمثّل ، كما هو معلوم ، في ضرب و تقويض عملية (السلام) . كبار الحركة يعتقدون أنه
إذا صعّدوا وتيرة الهجمات ، فإن الرأي العام في (إسرائيل) سيضغط على الحكومة لوقف
العمليّة . حماس في حدّ ذاتها لا ترغب بقيام دولة فلسطينية علمانية و ديمقراطية .
فهي تتطلع إلى دولة إسلامية بكلّ ما تعنيه الكلمة .. لكن زعماء المنظمة يدركون أن
الدخول في صراع مع السلطة الفلسطينية سيكون في هذه المرحلة خطوة خاطئة من ناحيتهم .
بعد سلسلة الهجمات في العام 1996 ، و التي أفضت إلى وقوع صدامات بينهم و بين السلطة
الفلسطينية ، أيقنوا أن السلطة قادرة على توجيه ضربة قوية للحركة ، و أن في متناول
يدها أن تفعل ذلك على نحو مستمر و ممنهج . لذلك حرصت حماس على عدم تخطّي الخط
الأحمر في علاقاتها مع السلطة ، و هي تواصل في الوقت ذاته توسيع قاعدتها و زيادة
قوتها .
في الشارع العربي ثمة تأييد و
تعاطف لا يستهان به مع حركة حماس . في نظر فلسطينيين كثيرين تبدو الحركة بوصفها
الطرف الذي يتحمّل الآن وحدة عبء النضال ضد المحتل الصهيوني . كتائب عز الدين
القسام ، الذراع العسكري لحركة حماس ، تشكّل مصدراً للإعجاب و الاعتزاز . حتى
الأغلبية الصامتة مستعدة للاستجابة طوعاً و عن طيب خاطر لطلبات ناشطي الحركة بمدّ
يد العون و المساعدة و التبرّع بالمال و تقديم خدمات شتى للخلايا المسلحة الموجودة
في الميدان .
من المحتمل أن تفكير حماس في
قابل الأيام بالتحوّل إلى حركة سياسية ، تتنافس على الزعامة داخل السلطة الفلسطينية
أو على إقامة و تشكيل إطار بديل للسلطة . تطوّرٌ من هذا القبيل يمكن أن يحصل إذا
ضعفت قدرة تأثير السلطة كنتيجة لخيبة أمل الفلسطينيين من إنجازاتها . حماس ، الذي
تضم نواتها الصلبة بضعة آلاف الأعضاء ، قد تحشد في انتخابات تأييد عشرات الآلاف و
ربما مئات الآلاف .
في حال نشأت ضرورة لحسمٍ سياسي
مصيري ، تستطيع حماس جني فائدة قصوى من آلتها الضخمة في الجامعات و المساجد و في
مراكز القوة الأخرى . لكن في الوقت الحالي المجابهة مع السلطة ليست سهلة ، ذلك لأن
قسماً من الجمهور العربي (الفلسطيني) العلماني ، على الأقل ، يرى في نشاطات حماس
الاجتماعية بمثابة إكراهٍ ديني ، بينما السلطة الفلسطينية أوجدت نوعاً من الانفتاح
بعد عهد من التسمّم .. فعلى سبيل المثال تم بناء متنزه (كورنيش) على شاطيء غزة ، و
فتحت مقاهي ، و عائلات تستحم في البحر من دون فصل بين الرجال و النساء .. لكن ،
علاوة على كلّ هذه الأمور ، فإن حماس تتمتع بقدرة تنفيذية مثبتة . قدرة كهذه ، و إن
بدرجة أقلّ بكثير ، تتمتع بها أيضاً حركة الجهاد الإسلامي .. هذين التنظيمين ،
قادران على أن يجنّدا بسرعة ، (انتحاريين) لتنفيذ هجمات عنيفة . و هما يستطيعان في
الوقت الحالي العمل بسهولة أيضاً . فبسبب المماطلة و التسويف في عملية (السلام) و
تجميد إنجازات السلطة الفلسطينية في المجال السياسي نتيجة لذلك ، فهي لا تقوم
بالحدّ من خطى و نشاطات حماس .
و طالما ظلّت عملية (السلام)
تعرج و تتعثّر ، فمن المحتمل أن يستمر الوضع الذي تمتنع فيه حماس عن القيام بهجمات
، و السلطة الفلسطينية عن التصدّي للحركة . عندما تتقدّم العملية ، ستتجدّد الهجمات
بالتأكيد . لكن حينئذ ، هكذا يجب الافتراض ، ستكون للسلطة الفلسطينية مصلحة في ضرب
و إضعاف حماس و منع نشاطاتها ، استمراراً مكمّلاً للنشاطات الشاملة لجهاز "الشاباك"
و الجيش (الإسرائيلي) .
|