الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

لقاء محظورٌ في سويسرا

      

تعلّم الفلسطينيون جيّداً من (إسرائيل) كيفية الإعداد لإقامة دولة . شكّلوا طواقم لقيادة الدولة المستقلة لدى حلول الوقت المناسب . و أقاموا مؤسسات لتحويلها بعد إعلان الاستقلال لمؤسسات الدولة الجديدة .

أخذ القائد العسكري للمنطقة الوسطى في صيف عام 1987 توصيات "الشاباك" و وجّه تعليمات بإغلاق جمعية الدراسات الاستراتيجية في القدس الشرقية بسبب النشاطات التآمرية لرئيسها فيصل الحسيني . أجرى "الشاباك" تفتيشاً جذرياً في الجمعية داخل حقيبة بسيطة ، غير مخفية و لا مشفّرة ، و عثرنا على وثيقة سرية ، تضمّنت مخطط الإعلان عن إقامة الدولة الفلسطينية . وصلت إلى مسامعنا شائعات عن نيّة كهذه ، لكن لدى التفتيش عثرنا و للمرة الأولى على مخطّط تفصيلي مكتوب . ورد فيه بأن لجنة وطنية عربية ستعقد اجتماعاً في القدس و ستعلن عن إقامة دولة فلسطينية مستقلة في حدود التقسيم . و ستسبق هذا الإعلان مشاورات مع دول عربية و مع الاتحاد السوفييتي . ستكون القدس عاصمة الدولة و عرفات رئيس الحكومة ، و سيعمل أعضاء اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية أعضاء في الحكومة ، و سيعلن عن المجلس الوطني الفلسطيني برلماناًُ يتكوّن من 152 عضواً ، و ستشكّل ممثليات منظمة التحرير الفلسطينية في العالم ممثليات دبلوماسية للدولة الجديدة . و يشكّل إضافة لذلك جهاز إداري يرتكز على "اللجان الشعبية" . كانت اللجان قائمة في حينه و تحوّلت خلال عدة أشهر إلى عنصر مركزي في الانتفاضة . و أكدت الوثيقة أيضاً أن الدولة الجديدة ستعلن عن استعدادها إجراء مفاوضات مع (إسرائيل) ، يتم التركيز فيها على ترسيم نهائيّ للحدود و على حلّ مشكلة المستوطنات و حقوق الفلسطينيين بالتطوّر . و فقط بعد اتفاق أوسلو اتضح مدى قرب هذه الوثيقة من الواقع . فيصل الحسيني نفسه هو حفيد موسى كاظم الحسيني (رئيس بلدية القدس في السنوات 1918 - 1920) و نجل عبد القادر الحسيني ، أحد كبار قادة المناضلين في المرحلة الأولى من حرب الاستقلال ، سقط في معركة القسطل ، و يعتبر أحد "أمراء" الجمهور الفلسطيني ، ولد في بغداد عام 1940 ، و ذلك بعد هروب والده من البلاد برفقة قريبٍ من العائلة ، المفتي الحاج أمين الحسيني ، في أعقاب أحداث سنوات الثلاثينيات ، ترعرع بعد وفاة والده في القاهرة . لكنه حصل في سنوات الخمسينيات على الجنسية الأردنية و استقر في القدس . بدأ بعد تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية في منتصف سنوات الستينيات بالعمل في أجهزتها في سوريا و عاد في تشرين الأول عام 1967 إلى القدس .

بدأ بالصعود في الهرم الهيكلي لمنظمة التحرير الفلسطينية في المناطق ، حتى أصبح كبير نشطاء المنظمة في الضفة الغربية . و درس خلال ذلك العبرية . و عيّن مع مرور الأيام عضواً في وفد فلسطيني التقى جيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكي قبيل عقد مؤتمر مدريد . و نسّق في المؤتمر نفسه و من وراء الكواليس نشاطات الجانب الفلسطيني من الوفد الأردني – الفلسطيني . و عيّن بعد إقامة السلطة الفلسطينية وزير دولة لشؤون القدس . يقول البعض إن عرفات الذي تربطه به قرابة بعيدة يخاف منه و يحاول وضعه في الظلّ ، و أعرب البعض عن اعتقادهم بأن الحسيني قد يصبح وريثاً لعرفات في القيادة الفلسطينية ، لكن حتى كتابة هذه السطور لا يبدو بأن هذه التقديرات ستتحقّق .

التقيت الحسيني المرة الأولى عام 1971 ، و ذلك عندما كنت رئيساً لقسم إفشال التآمر السياسي في لواء القدس و منطقة الضفة الغربية . تلقّينا في تلك الأيام معلومات استخبارية كثيرة عنه و قرّرت بأنه حان الوقت لأخذ انطباعات مباشرة عنه و عن الجمعية التي يرأسها . كانت جمعية الدراسات الفلسطينية حينذاك في مبنى قديم بالقدس الشرقية (اليوم تعمل في "الأورينت هاوس") ، بدا من الناحية الخارجية كخرابة . و وجدت خلف هذه الواجهة البائسة غرفاً فاخرة مليئة بالملفات ، يعمل فيها باحثون و سكرتيرات . الحسيني - الذي عرف بالطبع من أكون - استقبلني بأدبٍ جم ، لكن النغمة اللطيفة التي ظهرت في الحديث التمهيدي تلاشت عندما انتقلنا لبحث الواقع السياسي . استبدل الشخص ذو المنطق الغربيّ برمشة عين ، اختفت بسمته ، و بدأت القسوة على ملامحه و تحوّل صوته الرقيق إلى متصلب . تحدّثنا العربية . و عرض عليّ لساعة طويلة و بصورة حازمة "قناعاته" السياسية : حقّ الفلسطينيين الذي لا استئناف عليه بالعودة إلى أراضيهم و إقامة دولة مستقلة عليها ، عاصمتها القدس . و عاد و أكّد : لا وجود لأيّ حلّ آخر . و أتذكّر كلمات وداعه في مدخل الجمعية : "المستقبل سيدي سيثبت صدق مواقفي" .

في أعقاب التفتيش المذكور في صيف عام 1987 اعتقل الحسيني إدارياً . و فور إطلاق سراحه عاد لاحتلال موقع الزعيم السياسي الأبرز لمنظمة فتح في المناطق ، و عزّز الاعتقال و توتّر الأوضاع في المناطق من مكانته . أشرف من مقره في القدس على النشاطات التآمرية العامة في المناطق التي شكّلت الأرضية التي نمت فيها الانتفاضة . شاهدنا جميعاً اندلاع الحريق ، لكن لم يعرف أيّ منا رجال الأمن و مبلورو السياسة معاً ، إلى أين سيمتد و متى . الحسيني كان على علم و كان على علمٍ أيضاً بأن الانتفاضة ليست هدفاً بل مجرّد وسيلة .

عرفته بصورة أفضل مع مرور السنين . بنظري هو شخص كاريزماتي مؤثّر جداً ذو قدرة على التعبير يمتاز بعمق التفكير و بالإيمان الراسخ بعدالة دربه . أدبه الجم لا يخفي السموم التي لديه . يبدي في مواجهاته مع (الإسرائيليين) تصميماً متطرّفاً و يهتم بالإيضاح لهم بصورة جازمة مدى عمق الهوة التي تفصل بين الطرفين . و مع ذلك أعتقد بأنه يمكن أن يشكّل طرفاً بالتوصل لتسوية سياسية .

كان عيزر وايزمن أحد (الإسرائيليين) الذين يبحثون عن حوارٍ مع فلسطينيين . دعاني في كانون الثاني عام 1990 لوجبة غداء في فندق "تريانه" بتل أبيب . كان في حينه عضواً في المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية و السياسية ، و وزير علوم في حكومة الوحدة الوطنية ، برئاسة إسحاق شامير و أراد الحديث معي حول امتناع (إسرائيل) عن إجراء أي اتصال مع منظمة التحرير الفلسطينية . فور دخولي المطعم استقبلني كعادته بنكتة : "ها قد حضر الجاسوس ، الشخص الذي زرع في منزلي أجهزة تنصت" . و أصبح بعد ذلك جاداً و قال : "قل لي ، أليس من الغباء عدم الحديث مع الفلسطينيين ؟" . و ما زلت أتذكّر ردّي بصورة دقيقة "إسمع عيزر ، لا تحرج موقفي و لا تقحمني بذلك ، أنا رئيس الجهاز و نحن أصدقاء حميمون . لكن فقط إلى هذا الحد ! يوجد قانون في دولة (إسرائيل) يحظر عقد لقاءات مع أعضاء منظمة التحرير . و هذا هو الوضع الآن" .

لم تؤثّر أقوالي بوايزمن . و قال لي إن الدكتور أحمد الطيبي ، الذي كان صديقه ، على استعداد لعقد لقاء بينه و بين فلسطينيين كبار . الطيبي طبيب نسائيّ ولد في الطيبة ، ذو تطلعات سياسية كبيرة ، عبأ فراغاً عندما بدأ أشخاص سياسيون (إسرائيليون) ، مثل عيزر وايزمن ، بالتطلع لإجراء حوار مع منظمة التحرير الفلسطينية . أيقن بأن (الإسرائيليين) يبحثون عن رجل اتصال يكون مقبولاً لدى الطرفين و قفز إلى العربة في الوقت المناسب . قلت لوايزمن بأنني أعتقد بأنه من الأفضل الابتعاد قليلاً عن الطيبي . و أضفت : "إحذر ، على العكس مما يعتقدون ، هذا الشخص ليس بالضبط مقرباً من عرفات ، و لا يجري معه اتصالات وثيقة جداً ، كما يقول هو . إنه فعلاً مؤدّب جداً ، و لغته العبرية جميلة و ممتازة . لكن إذا قرّرت التوجّه لإجراء اتصالات مع منظمة التحرير الفلسطينية عليك الحذر ، خصوصاً عندما يجرّك الطيبي إلى هناك" . لم أتحدّث عن المغزى المحتمل لخطوات كهذه على مكانة وايزمن في الحكومة . و تخيّلت بأنه يدرك جيداً بأن أعمالاً يقوم بها مناقضة لمواقف إسحاق شامير رئيس الحكومة قد تكلّفه منصبه .

يعلم رئيس جهاز الأمن ، و هذا أمر طبيعي ، تقريباً بكافة تفاصيل الأحداث السياسية الخفية في الدولة و بالاتصالات (الإسرائيلية) في الخارج أيضاً . و بالطبع آراؤه الخاصة بهذه القضايا غير مهمة ، إذ يجب ارتكاز اعتباراته على موضوعية تامة . و يواجه أكثر من مرة مشكلة ، هل يقدّم تقريراً عما يعرفه إلى رئيس الحكومة أم يمتنع عن ذلك ؟ . من الناحية المبدئية يقدّم تقارير عن كافة التطوّرات التي يمكن أن تلحق أضراراً بدولة (إسرائيل) ، سواء أكانت هذه الأضرار كبيرة أم صغيرة .

في ساعة متأخرة من الليل و بعد فترة قصيرة من لقائي وايزمن جلست إلى جانب طاولة الطعام في منزلي و قرأت تقارير سرية . اعتدت القيام بجزءٍ كبير من العمل الكتابي ، خصوصاً قراءة معلومات استخبارية في المنزل بعد ساعات العمل . أكثرت في ساعات النهار من وجودي الميداني و عقد لقاءات مع أشخاص ، أما في ساعات الليل و بعيداً عن المكتب كنت أستطيع العمل تقريباً دون إزعاج . عثرت بين الأوراق على تقريرٍ سري جداً ، ورد فيه أن وزير العلوم سافر إلى جنيف لعقد لقاء مع نبيل رملاوي و هو عضو كبير في منظمة التحرير الفلسطينية . و فجأة اتضح لي كامل الصورة : حديث الاستطلاع الأولي في المطعم و وعود أحمد الطيبي . عدت و قرأت التقرير عدة مرات و وجدت صعوبة بتصديق مضمونه .

لم يعرف مصدر المعلومات هدف اللقاء ، لكن ساد انطباع غير جيّدٍ لدي . تجوّلت في المنزل مثل أسد في قفص . كانت تلك ليلة مقدسيّة باردة . و مع ازدياد تفكيري كانت تتضح لي ضرورة نقلي للمعلومات على الفور لرئيس الحكومة ، كانت الساعة الثانية عشر و النصف و عندما اتصلت بإسحاق شامير قلت له إنه يجب عليّ رؤيته بسرعة . و ردّ قائلاً : "تعال على الفور !" .

لا يكون أيّ شخص منّا بأفضل حالاته في ساعات الليل المتأخرة . و نسي شامير ببساطة إبلاغ الحراس بوشوك وصولي . و لهذا عندما أوقفت سيارتي في مدخل منزله حوالي الساعة الواحدة بعد منتصف الليل التفّ حولي رجال الشرطة . هدأوا بعد أن تعرّفوا عليّ . قلت لهم إن رئيس الحكومة بانتظاري . اتصلوا به و حصلوا على موافقته و سمحوا لي بالدخول . كان الطابق الأول مظلماً . و تحسّست طريقي إلى السلم الذي يقود لطابق السكن و سقطت عدة مرات قبل وصولي إليه . و شاهدت في طرف الرواق باباً مفتوحاً و بصيص نور يتدفّق منه . و سرت على أطراف أصابعي باتجاه النور ، من أجل عدم إيقاظ زوجة رئيس الحكومة . توقّفت في مدخل الغرفة و شاهدت شامير ، يرتدي روباً شتوياً رسمت عليه مربعات ، جالساً مرتكزاً على طاولة عمله . كان الضوء ينير فقط وسط الطاولة ، التي كانت تتراكم عليها كومة وثائق . كانت هذه هي المرة الأولى التي أشاهده فيها مركّزاً على قراءة مواد . رفع شامير رأسه و نظر إليّ من وراء نظارة ذات إطار سميك . حدثته باختصار عن المعلومات التي حصلت عليها بخصوص وايزمن . ضغط على شفتيه ، و لم تكن العلاقة بينهما حسنة جداً .

سألني بعد صمتٍ قصير ، "ما الذي تقترحه ؟" . اقترحت استدعاءه وايزمن و الحديث معه حول هذه القضية . و قرّر شامير القفز عن هذه المرحلة و طالب في اليوم التالي إقالة وايزمن من الحكومة . واجه طلبه هذا معارضة حزب "العمل" شريكه في حكومة الوحدة الوطنية . و تمّ التوصل في النهاية لحلٍ وسط : يبقى وايزمن في الحكومة لكنه يبعد عن المجلس الوزاري المصغّّر لمدة عامٍ و نصف . و لم يكن من الناحية العملية لذلك مغزى كبيراً بالنسبة لوايزمن ، لأنه بعد شهرين فقط من ذلك حلّت حكومة الوحدة الوطنية و توقّف عيزر وايزمن و الوزراء الآخرون من حزب "العمل" عن وجودهم فيها .

خمّن وايزمن و بالطبع بأن لي يداً بذلك . لكن لم تؤدّ هذه القضية إلى المسّ بصداقتنا . أيقن بأنه عندما يتسلّم شخص مهمة يجب عليه القيام بها على أحسن وجه . عوقب على الاتصالات التي أجراها مع منظمة التحرير الفلسطينية ، لكن لم يكن بالاإمكان وقف مسيرة السلام البادية في الأفق و التي كانت ضرورة يفرضها الواقع . و لم يعد سراً القول إنه حتى قبل بلورة هذه المسيرة جرت مباحثات سرية على مستويات مختلفة مع ممثلين من دولٍ لم تكن لنا علاقات دبلوماسية معها . قام بذلك سياسيون و مبعوثون عنهم و أيضاً أجهزة مخابراتنا . أجريت مرات عديدة لقاءات مع رؤساء مخابرات إحدى الدول العربية . كان المكان شبه الدائم لعقد هذه اللقاءات مدينة معينة في أوروبا . و شارك في هذه اللقاءات عادة أيضاً رئيس "الموساد" شبتاي شبيط و أفرايم هليفي و كنا نهتم بقضايا مشتركة .

بدأت اللقاءات و في معظم الأحوال في ساعات بعد الظهر و انتهت أكثر من مرة في ساعات الصباح الباكر . ترك رؤساء المخابرات العرب لديّ انطباعاً كبيراً إذ كانوا ذوو تعليمٍ عالٍ . بعد تبادل التحيات التي كان يرافقها أحيانا كأسٌ من الشراب كنا نبدأ نحن و هم باستعراض الأوضاع و تقييم ما يدور في المنطقة . و نجري بعد ذلك مداولات حول قضايا ملحة و نتبادل الآراء . كانت المباحثات تجري بالعربية و بالإنجليزية .

سافرت في مرحلة لاحقة لعقد لقاءات مع الملك حسين . جرى اللقاء الأول في منتصف عام 1989 . اعتدت و بالتنسيق مع سلاح البحرية ، الإبحار من إيلات في يختٍ مدني إلى العقبة . و عندما كنت أقترب من الشاطىء الأردني كان يستقبلني اليخت الملكي لنقلي ، و كان يقوده أحياناً الملك نفسه . كانت اللقاءات تعقد عادة في قصره الصيفي في العقبة . كانت اللقاءات مريحة جداً و لم تتخذ طابعاً رسمياً . كانت مباحثاتنا ترتكز بصورة رئيسة على  قضايا مبدئية – محاربة (الإرهاب) ، الفلسطينيون ، مستقبل المنطقة ، العلاقات بين دول الشرق الأوسط ، بما في ذلك إيران و العراق و قضايا أخرى . ترك الملك معالجة الشؤون العمليّة لرجاله الميدانيين . و زرت سراً أيضاً مقره قرب لندن . استقبلني حسين كعادته بترحابٍ كبير و بعد إنهائنا حديثنا أخذني إلى قبوٍ و عرض عليّ بفخار الراديو المتطوّر الذي يملكه . كان هاوي راديو متلهّف يجري اتصالات لاسلكية مع هواة في جميع أرجاء المعمورة .

رغبت بتذكارٍ من زيارتي لقصر العقبة ، و وضعت عيني على المناشف الصغيرة في غرفة الحمام المنسوج عليها شعار المملكة الأردنية ، و بعد أن سألت الملك و بعد تردّد كبير ، إذا كان بإمكاني أخذ واحدة منها قال لي بابتسامة عريضة "بالتأكيد أعطيك إياها بسرور" . و تحتل هذه المنشفة الآن مكانة محترمة في مجموعة تذكاراتي .

التقيت الأمير حسن في مرحلة لاحقة في صيف عام 1993 ، برفقة الملك . عقد هذا اللقاء أيضاً في قصر العقبة . كان حسن على معرفة جيّدة بكافة ما تحدّثنا عنه في لقاءاتي السريعة مع أخيه . كانت تنبعث من هذا الشخص ثقة بالنفس و تصميم و جرأة . و لم يبدُ لي بأنه يفقد عقلانيته في الأوضاع العصيبة . كان لديه مزيجٌ نادر من الصلابة و المرونة . و تحدّثنا كثيراً عن عائلتينا و عن أطفالنا .

راجت شائعات بعد وفاة الملك حسين و تتويج عبد الله ولياً للعهد بأن الأمير حسن سيشكّل معارضة لسلطة الملك الجديد . و حسب معرفتي لحسن لم يبدُ لي بأن هذا سيحدث . و أشارت معظم الاحتمالات إلى أن حسن سيوافق على ذلك و سيسير مع الركب .

سافرت في سنوات رئاستي للجهاز عدة عشرات المرات إلى الخارج ، لاحتياجات العمل ، و كانت بعض هذه الرحلات لأهداف روتينية جداً : مؤتمر لضباط الأمن ، الاطلاع على ترتيبات حراسة مهاجرين و لقاءات عمل مع رؤساء أجهزة مخابرات أخرى . سافرت أحيانا بهويتي الحقيقية ، و أحياناً بهوية مستعارة . التقيت في الولايات المتحدة عدة مرات رؤساء وكالة التحقيقات الفيدرالية ، "أف.بي.آي" و وكالة المخابرات المركزية "سي.آي.إيه" لإجراء مداولات في قضايا استخبارية ، تقلق الدولتين . و وصل ممثلون عن المؤسستين لإجراء مباحثات في (إسرائيل) بطائرة خاصة و برفقة نصف دزينة من الحراس ، إذا لم يكن أكثر من ذلك .

ما زال عدد من سفراتي للخارج منقوش بذاكرتي كتجارب غير عادية . كانت إحداها سفري إلى رومانيا في نهاية 1989 ، بعد فترة وجيزة من معارك الشوارع بين معارضي النظام الشيوعي و إعدام الدكتاتور شاوشيسكو . و كما يبدو كنت رئيس جهاز المخابرات الأجنبي الأول الذي يحلّ ضيفاً على النظام الجديد . عندما وصلت في ساعات المساء إلى بوخارست وصل رئيس المخابرات الروماني و مساعده لاستقبالي حتى  الطائرة . كان منظر المطار بائساً تعمّه الظلمة . كانت لامبات نيون معدودة بضوء باهت تشع في غرفة بائسة أصر المضيفون لي على وصفها بغرفة الرجال المهمين جداً . بعد انتظارٍ قصيرٍ أحضروا حقائبي و أدخلوني بسرعة إلى سيارة بدت جوانبها الفولاذية بسمك جوانب مدرعة . اجتزنا بوخارست بسفر سريع يحيطنا الحراس من كافة الجوانب و وصلنا إلى بيت الاستضافة الرسمي الواقع خارج المدينة ، سجنوني هناك طوال وقتٍ كبير من الأيام الثلاثة من وجودي في رومانيا ، كان هذا فعلاً بيت بسيط و مريح ، و تفانى الطاقم بخدمتي ، لكن لم تتوفّر لي أي إمكانية للخروج منه . لم تكن المخابرات الرومانية ، على استعداد لتحمّل أي مخاطرة و كانت مصرة على حمايتي حتى و إن كان الثمن راحتي الشخصية . أجريت هناك أحاديث كثيرة عن شؤون الحراسة و قضايا مشتركة أخرى . و في النهاية و مع اقتراب سفري أخذوني في جولة ذات حراسة مشدّدة بالعاصمة . لكنني شعرت بأنني شخصٌ وضع في السجن طوال ثلاثة أيام .

بعد انهيار النظام الشيوعي في تشيكوسلوفاكيا سافرت إلى براغ لعقد لقاء مع رئيس مخابرات تشيكوسلوفاكيا ، الذي تسلّم منصبه قبل فترة قصيرة من ذلك . و كانت هذه أيضاً حتى الماضي القريب دولة شيوعية . لكن الأجواء و الأشخاص الذين التقيتهم هناك كانوا مختلفين نوعاً ما عما وجدته في رومانيا ، كان نظيري التشيكي شاب قضى سنوات طويلة في السجن الشيوعي . كان ينتعل خفاً ، تحدّث عن الشعر و أبدى ذوقاً رفيعاً في فن الطبخ ، و رغم ذلك لم يكن لديه أي مفهوم عن عمل المخابرات . تحدّثت معه و مع مساعديه عن المبادىء الأساسية للمخابرات ، و استمعوا لي بانتباه كبير ، مثل طلاب في درسهم الأول . كان هناك غناء جماعي في الحفل الذي أجروه على شرفي في منزل رئيس المخابرات و الذي سكبت فيه خمور كثيرة . و إذا حاولنا الحكم بناء على حجم الحراسة في المكان سنجد بأنه لم يفكّر أحد بأن حياتي قد تكون معرضة لأخطار .

اجتزت تجربة سارة في زيارة رسمية قمت بها للأرجنتين في آذار 1992 ، قبل عدة أسابيع من العملية الفتاكة بالسفارة (الإسرائيلية) في بوينس آريس . توجّهت لإجراء مباحثات مع رئيس المخابرات ، انتظرتني في مطار بوينس آيرس سيارتان فخمتان ، دعاني الذين استقبلوني للدخول في إحداهما و انطلقت السيارة . اعتقدت بأننا سنسافر إلى فندقي أو إلى مقر المخابرات ، لكنني أخطأت . توقّفت القافلة الصغيرة في مدخل ملعب خارج المدينة . اقتادوني محاطاً بحراس إلى إحدى الشرفات و هناك في غرفة الشرف عرفوني برئيس مخابرات الأرجنتين ، الذي بشّرني بصورة احتفالية بهيجة بأنني على وشك مشاهدة لعبة بولو هامة جداً . فوجئت و أوضح لي مضيفي الذي شعر بذلك بأنه يتسلّم أيضاً رئاسة اتحاد البولو في بلاده . و عرفت الأهمية الخاصة لتلك المباراة بعد كشفه النقاب لي بأن ابنه أحد اللاعبين ، جلست هناك متعباً بعد سفر طويل . سادت درجة حرارة عالية الملعب و خرج مضيفي عن طوره من شدة الحماس ، صرخ و شجّع فريقه . أما أنا فبحلقت باللاعبين الذين يمتطون الأحصنة و يضربون كرة صلبة بقضبان طويلة ، و لم أفهم شيئاً مما يدور في الملعب .