|
رابين تردّد و بيرس مارس ضغوطاً
في ربيع عام 1992 و في ذروة
المعركة الانتخابية للكنيست طالبني إيتان هابر المقرّب من إسحاق رابين بعقد لقاء
غير رسمي معي . استجبت لطلبه . و قال لي : "سمعنا بأن لديك مخططات للاستقالة من
الخدمة . لا يجب حتى أن تفكّر بذلك !" و رغم عدم قوله ذلك بصورة جلية كان من الواضح
لي بأنه يتحدّث باسم رابين المرشّح عن حزب العمل لرئاسة الحكومة .
عقد لقائي الأول مع رابين
كرئيس حكومة بعد فترة قصيرة من الانتخابات في مكتب وزير الدفاع ، المنصب الثاني
الذي احتله . عرضت عليه آرائي بخصوص الفصل بيننا و بين الفلسطينيين و تحدّثنا عن
ضرورة الصلح بين الشعبين . توطّدت العلاقات بيننا و تحوّلت لصداقة حقيقية ، شملت
أبناء عائلتينا . كان بالإمكان الحديث مع رابين حول كلّ شيء بدءاً من الشؤون
السياسية و الشؤون الخاصة "بالشاباك" و حتى القضايا الشخصية جداً . و بصورة متناقضة
كلياً عن طابعه المتردّد بدا لي كشخصٍ حازمٍ لدى اتخاذ قرارات في القضايا الأمنية ،
لكن عندما كان يكلّف بحسم قضايا شخصية حساسة – مثل إقالة أشخاص غير مناسبين لمهامهم
– كانت تصرّفاته تختلف كلياً . و كانت تبدو عليه مشاعر الإحساس بسوء حقيقي عندما
يتوجّب عليه اتخاذ قرار بإرسال هذا الشخص أو ذاك إلى منزله ، خصوصاً إذا كان هذا
الشخص قد ساهم كثيراً بالماضي . و لكوني المسؤول عن "الشاباك" ، أجريت معه عشرات
الأحاديث عن موظّفين لم يعودوا مناسبين للخدمة في الجهاز ، لكنه لم يساعدني بنقلهم
إلى مكانٍ آخر أو بإخراجهم على التقاعد قبل حلول الوقت المقرّر لذلك .
كانت لدى رابين لحظات دمثة
اعتاد الحديث فيها عن نوادر من تاريخ الدولة الذي كان و لدرجة كبيرة جداً تاريخه
الشخصي . امتاز بذاكرة مذهلة . لا أعرف شخصاً ما اكتشف أخطاء بأيّ واقعة كانت في
رواياته . تنقش بذاكرتي اجتماعات كثيرة معه في مكتبه بمناسبات خاصة على اختلاف
أنواعها بمشاركة الجنرال إيهود براك رئيس هيئة الأركان و الجنرال أمنون ليفكين شاحك
. كان رابين يطلب أرغفة و يأكل فقط ما يوجد عليها خوفاً من مهاجمة زوجته ليئا له
بسبب زيادة وزنه . جلسنا معه ساعات طويلة و سمعنا منه الكثير من القضايا الممتعة .
كان يتوجّه دائماً لهؤلاء الذين عملوا معه و كان بإمكاني الاتصال الهاتفي به طوال
ساعات اليوم دون المرور عبر مدراء المكتب و المساعدين الشخصيين و السكرتيرات . و
عقدنا أكثر من مرة اجتماعات في ساعات غير عادية . و كان من السهل حسم أمور معه في
قضايا هامة .
بدأت مسيرة أوسلو بعد فترة
قصيرة من تسلّم رابين لمهامه و تطوّرت الأمور بسرعة مذهلة . لكن رغم المسيرة لم
يقلّ عدد العمليات . تمزّق الجمهور بين التفاؤل الذي زرعته مسيرةأ و بين الاستياء
من العمليات (الإرهابية) ، و كان من الواضح لنا أنه و في جميع الأحوال ، سيحدث ذلك
أيضاً بعد التوقيع على اتفاقية السلام أو بعد أي تسوية أخرى . كانت المشكلة تكمن
بكيفية إيضاح ذلك للشعب و خصوصاً لكثيري الشكوك و لهؤلاء الذين عارضوا المسيرة و
تآمروا عليها ، و ضاعفت كل عملية جديدة من هذه المشكلة .
كان إسحق رابين و شمعون بيرس
الذي كان وزيراً للخارجية ، على قناعة راسخة بأن السلام قيمة عليا و حيوية
لمستقبلنا ، لكن استوجبت التطوّرات قرارات سريعة ، و وجد رابين هذه المرة صعوبة
باتخاذ قرارات ، أما بيرس فكان و رغم ذلك بسرعة الشبح ، و لم يعرِ دائماً أهمية
للتفاصيل الدقيقة ، و لم يكن دائماً على استعداد للتوقّف قبل كلّ عقبة و دراسة
قدرته على القفز عنها ، كان يركض للأمام و يلتفّ حول جميع الحواجز . اندفاع بيرس
خلق مشكلة لرابين حتى قبل بدء المسيرة ، لكنه أصبح الآن أكثر خطورة بنظره ، و لهذا
السبب قرّر تشكيل نوعٍ من "المطبخ المصغر" من أشخاصٍ يستطيع الاعتماد على قدراتهم
الثقافية ، و المهنية و على تقديراتهم المستقبلية . عقد اجتماعاً شارك فيه الجنرال
إيهود براك رئيس هيئة الأركان و نائبه الجنرال أمنون ليفكين شاحك و أنا . و كان
يدعو أحياناً الجنرال أوري ساغي رئيس الاستخبارات العسكرية ، و شبتاي شبيط رئيس
الموساد . لم يكن هذا مجلساً رسمياً يعقد اجتماعات في أيام و ساعات محدّدة . كان
هؤلاء مجموعة من الأشخاص يستدعون لرئيس الحكومة عندما يعتقد بأنه من المهم لديه
سماع آرائهم ، سواء أكان الوقت صباح السبت أو ساعة متأخرة من الليل ، و في أيّ وقتٍ
كان .
قدّمت لنا مصادرنا في المناطق
تقارير عن الأجواء في الشارع الفلسطيني و عن ردود فعل شخصيات عربية عن الاتصالات مع
(إسرائيل) و عن مخطّطات عملهم . و عما هو متوقّع مع استمرار المداولات معهم .
حلّلنا هذه المعلومات و قدّمنا لرئيس الحكومة معلومات استخبارية نوعية جداً ، هذه
إضافة إلى مصادر أخرى أعطته صورة دقيقة جداً عن الأوضاع . و جراء ذلك وفّرنا عليه
غير قليل من المفاجآت خلال المسيرة .
تقدّم رابين بتردّد نحو اتفاق
أوسلو . كانت التطوّرات أسرع بكثير مما تعوّد عليه و تخوّف أن تكون العجلة في هذا
الحال من الشيطان . و بلور بناءً على ذلك نظرية المراحل ، إعادات الانتشار قاصداً
من وراء ذلك تقدّم الاتفاق بحذرٍ شديد . نتنازل للفلسطينيين عن شيء ما و يتنازلوا
هم لنا عن شيء ما . نتوقّف و نراقب كيفية مسار الأمور ، و إذا سار كلّ شيء بصورة
جيّدة – نستمر للمرحلة اللاحقة . هذا ما اعتقده رابين ، إذ بالإمكان و في حال
وصولنا إلى وضعٍ سيّء جداً التوقّف أو حتى التراجع عن المسيرة دون إلحاق أضرارٍ
كبيرة جداً . مارس بيرس ضغوطاً من أجل إحراز تقدّم أسرع . كان يتوجّه إلى رابين و
يقول على سبيل المثال إنه يجب حسم مسألة معينة حتى صباح اليوم التالي . كان رابين
يهمِس قليلاً و تستمر المسألة ثلاثة – أربعة أشهر ، و أحياناً أكثر من ذلك ، لم
يسارع إلى أيّ مكان .
بعد التوقيع على اتفاق أوسلو ،
و لدى حلول اتفاق الترتيبات الأمنية مع الفلسطينيين ، استدعاني رابين و الجنرال
أمنون ليفكين شاحك نائب رئيس هيئة الأركان للاستماع لاقتراحاتنا . أراد اتفاقاً
عملياً موثوقاً ، اتفاقاً يستطيع الطرفان الالتزام بتعهّداته الشاملة . قلت إنني
أعتقد بأنه يجب بلورة هذه القضايا بصورة رئيسة مع فلسطينيين في تونس ، جبريل الرجوب
و محمد دحلان . أراد رابين معرفة من هما . لم أعرفهما شخصياً لكننا كنا نعرف عنهما
كلّ شيء .
جبريل الرجوب هو ابن إحدى
العشائر الكبيرة في قرية دورا جنوب جبل الخليل ، اعتقل عام 1968 عندما كان عمره ستة
عشر عاماً للمرة الأولى بتهمة مساعدة خلية تابعة لفتح . قربه الاعتقال من المنظمة
(التخريبية) . انضم لخلية (إرهابية) ، و شارك بعشرات العمليات . اعتقل بعد حوالي
العام تقريباً و حكِم عليه بالسجن المؤبّد ، بعد إلقائه قنبلة يدوية على شاحنة
تابعة للجيش (الإسرائيلي) . و رغم سنه الصغيرة و انعدام التعليم العالي لديه تحوّل
إلى أحد الزعماء البارزين في السجن . و انتخب خلال فترة قصيرة إلى لجنة السجناء و
كان من رؤساء المحاربين ضد العملاء في السجن و خارجه . و قاد أيضاً إضراباتٍ و
نضالات لتحسين الظروف الاعتقالية في السجن و استغل فترة سجنه الطويلة لتوسيع تعليمه
و خصوصاً تعلّم العبرية . خلال الفترات الطويلة التي قضاها في الزنزانة بسبب
نشاطاته التمردية في السجن درس تاريخ الصراع العربي ضد البريطانيين و ترجم للعربية
كتاب مناحيم بيغن "التمرّد" و ألّف كتاباً عن الحياة في السجن تحت عنوان "غرفة رقم
704" .
أطلق سراح جبريل الرجوب في
إطار الصفقة مع منظمة أحمد جبريل ، لكن أُعيد اعتقاله بعد فترة قصيرة بسبب تورّطه
بنشاطات معادية . اجتاز تحقيقات طويلة ، لكنه لم يتعاون مع المحقّقين و بدأ إضراباً
عن الطعام استمر ثلاثة أيام ، و في النهاية أطلق سراحه جراء عدم وجود إثباتات .
و بعد حوالي العام أصدر ضده
قرار اعتقال إداري لمدة ستة أشهر . و فور خروجه للحرية بدأ بالعمل في جمعية
الدراسات الفلسطينية برئاسة فيصل الحسيني و التقى هناك زوجة المستقبل التي كانت
تعمل في الأرشيف . لم يصمد طويلاً في الجمعية ، إذ رأى فيه الحسيني منافساً . و
عيّن مديراً للمجلة النسائية "عبير" ، لكن كان واضحاً لنا بأن هذا مجرد ستار
لنشاطاته التنظيمية و السياسية .
أبعد عام 1988 إلى لبنان ، وصل
إلى تونس و أصبح أحد المستشارين المقرّبين لعرفات . من المعروف أن الرجوب كان من
قادة الانتفاضة ، و وصفه أعضاء فتح في الضفة الغربية بـ "دينمو الانتفاضة" . قاد من
خلال الاتصالات الهاتفية و الفاكسات و المبعوثين و اللقاءات مع سكان المناطق قادة
سرايا و وحدات الانتفاضة ، و يعتبر معظم هؤلاء اليوم أعضاء جهاز "الشاباك"
الفلسطيني . وصل إليه في كانون الأول عام 1992 إلى تونس مواطن (إسرائيلي) هو رفائيل
أبراهام ، الذي يبلغ الأربعين من عمره و من سكان ريشون لتسيون ، و أعرب عن استعداده
اغتيال إسحاق شامير و آريئيل شارون و إسحاق رابين و رفائيل إيتان و غيئولا كوهين
مقابل أموال ، وافق الرجوب على الاقتراح و سلّمه مبلغ 31 ألف دولار . و فور نزوله
من الطائرة بتاريخ 21 كانون الأول في مطار بن غوريون اعتقل إبراهام . و اتضح من
التحقيق معه أنه طرق في البداية أبواب سفارتي العراق و الأردن في لندن ، و بعد
عودته خاليَ الوفاض اتصل مع عضوٍ في منظمة التحرير الفلسطينية و عرض عليه اقتراح
قتل شخصيات (إسرائيلية) و أرسل إلى تونس . أدانته المحكمة المركزية في تل أبيب
بتاريخ 6 أيار 1993 بتهمة إجراء اتصال مع عميلٍ أجنبي و حكمت عليه بالسجن الفعلي
لمدة 52 شهراً و بالسجن لمدة عامين مع وقف التنفيذ .
اشتهر الرجوب باستحواذ قراءة
الصحف (الإسرائيلية) على تفكيره . "ابتلع" مقالات و تعليقات و حتى صفحات الشائعات
في مجلة "لإشاه" (للمرأة) . تحدّث أشخاص مقرّبون منه عن شهوته للشهرة و حبه لقاء
وسائل الإعلام و ميله الخاص للاحتفالات . نموذج متميّز على ذلك الطرفة التالية :
أثناء إشرافه و بعد تشكيل السلطة الفلسطينية ، على طقوس افتتاح مكاتب جهاز الأمن
الوقائي في أريحا بادر بمسيرة كشفية على شرفه و جنّد سيارتين لاستخدامه الشخصي و
عندما أيقن أن حفل الاستقبال الذي أعدّه لن يصل إليه أكثر من دزينة من الأشخاص ،
انفجر بوابلٍ من الشتائم على المسؤول عنهم .
قصة حياة محمد دحلان أقل إثارة
، لكن سجّل لصالحه عشرات عمليات (إرهابية) ضد (إسرائيليين) . كان من رؤساء فتح في
قطاع غزة ، ترأس "الشبيبة" حركة شبيبة فتح في القطاع و بادر بعددٍ كبير من عمليات
الإخلال بالنظام العام ، طرد من قطاع غزة عام 1987 عندما كان عمره خمسة و عشرون
عاماً و وصل إلى تونس و انضم للقيادة العليا في منظمة التحرير الفلسطينية ، قاد من
تونس "صقور فتح" في القطاع و العمليات التي نفّذوها ضد (إسرائيليين) و عملاء عرب .
أعجب اقتراحي الخاص بالرجوب و
دحلان رئيس الحكومة و اقترح سفري برفقة الجنرال ليفكين شاحك إلى تونس بهدف إجراء
مداولات سرية مع الإثنين . تردّدت بقبول الاقتراح . من وجهة نظري الشخصية كان هذا
مبكّراً جداً إذ حاربت سنوات طويلة أشخاصاً من نوع الرجوب و دحلان و ما زلت أرى
فيهم بنفسي و قلبي أعداء يجب مطاردتهم دون هوادة . و بدا لي الانتقال لمرحلة وجوب
جلوسي مقابلهم على طاولة المداولات و إجراء مفاوضات معهم حسب إعراب الأدب العام ،
سريع أكثر من اللازم . سافر أمنون وحده إلى تونس و قال لي بعد عودته إنه في لقائه
عرفات هناك قال له إنه كان من المفروض انضمام رئيس "الشاباك" إليه . ظهرت بسمة
عريضة على وجه عرفات و قال : "هل تقصد يعقوب بيري ؟" لا ريب لديّ بأنه كان يعرف
الكثير عني .
صادق عرفات على الاتصالات مع
الرجوب و دحلان بخصوص الترتيبات الأمنية . أيقنت بأن منصبي و تجربتي تستوجبان
مشاركتي في المباحثات رغم ارتداعي عن ذلك . بعد إبلاغي رابين بهذا ، حدّد لقاءاً
سرياً مع الممثلين الفلسطينيين في فندق "نوغه هيلتون" في جنيف و حجز لنا جناحاً من
أجل استخدامه أيضاً مكان لقاء . توجّهنا إلى سويسرا في تشرين الثاني 1993 بهويتنا
الحقيقية ، بدون حراسة . أردنا إدراك الفلسطينيين بأننا نثق بهم . ارتدينا بدلات
مدنية و حملنا حقائب يدوية ، و ظهرنا كرجال أعمال بكلّ ما تحمله هذه الصفة من معنى
. كان من المفروض تسليم موظف الاستقبال رقم الجناح للفلسطينيين . جلسنا في القاعة و
انتظرناهم . شاهدنا دحلان و رجوب يصلان . شاهدانا و هزا برأسيهما . كانت هذه حركة
رشيقة صغيرة لكنها كانت كافية لتحطيم الجليد .
صعدنا إلى الجناح و بعد دقائق
طرق الاإثنان الباب فتحنا لهما و تبادلنا التحيات و تصافحنا . بدا دحلان متردّداً
قليلاً ، و حتى متحفّظاً . كان الرجوب منفتِحاً و أكثر انطلاقاً و قال لي مبتسِماً
: "أهلاً بيري ، كيف حال عيدنه ؟" ، و عندما شاهد نظرتي المستغربة ، أضاف : "قرأت
جميع التقارير عن الزواج" . كان على دراية بجميع الروايات الشخصية و السياسية في
(إسرائيل) اكثر من (إسرائيليين) كثيرين .
استمرت المباحثات منذ يوم
الجمعة و حتى خروج السبت . يفهم أمنون قليلاً العربية و لهذا تحدّثنا معهما
بالإنجليزية ، و بالعربية . إحدى المشاكل الأكثر تعقيداً التي بحثناها كانت مسألة
المعابر على نهر الأردن . حجم الوجود الفلسطيني هناك و فحوى إجراءات العبور .. فهمت
من المباحثات أنه بعد انسحابنا من قطاع غزة سيعيّن دحلان رئيساً لمخابرات الأمن
الوقائي الفلسطيني هناك ، و الرجوب سيكون رئيس مخابرات الأمن الوقائي في الضفة
الغربية .
التقينا مرتين في جنيف و مرة
في روما ، و أخرى في باريس . اتخذت اللقاءات طابعاً شخصياً أكثر ، من لقاء لآخر .
طلبنا وجبات للغرفة و تناولناها معاً و تحدّثنا عن عائلاتنا . بدا دحلان بنظري
كسياسيّ محنّك أكثر من الرجوب كما كان مقرّباً من الدائرة المغلقة لعرفات ، و لهذا
كان له تأثير سياسيّ أكبر بكثير . نلمس هذا الفرق بين الإثنين حتى يومِنا هذا :
تعبر نشاطات دحلان كرئيسٍ للأمن الوقائي في قطاع غزة عن ارتفاع و انخفاض المفاوضات
السياسية ، أكثر بكثير من تعبير نشاطات الرجوب ، نظيره في الضفة الغربية ، و ذلك
بسبب اقترابه من رئيس السلطة الفلسطينية .
منذ ذاك الحين تطوّرت بيننا
علاقات أوثق ، حين كان الرجوب يتصل بي هاتفياً من أريحا بعد كلّ عمليّة تقع في
(إسرائيل) و يقول : "آمل أن تكون بخير ، هل الأطفال بخير ؟ و عيدنه ؟" كان يخرج عن
طوره من أجل حلّ كلّ مشكلة صغيرة كانت أم كبيرة أعرضها عليه ، و تصرّفت أنا بنفس
الأسلوب . ما زلت أسافر كلّ عدة أشهر لزيارة عرفات . و عندما يعقد اللقاء في رام
الله أو أريحا يكون الرجوب بانتظاري في مشارف المدينة . و عندما نلتقي في غزة
يستقبلني دحلان على حاجز أيرز . و يقولون إن (الإسرائيليين) الوحيدين الذين فهموهم
و الذين بالإمكان عقد صفقة معهم حول ما اتفق عليه هم أمنون ليفكين شاحك و يوسي
غينوسار و أنا ، و هذا و لا ريب مبالغة كبيرة ، إذ ليس قليلون هم (الإسرائيليون)
الذين أجروا مفاوضات مع الفلسطينيين و التزموا بما اتفق عليه . كان الذين كسبوا ثقة
عرفات و رجاله هؤلاء الذين تحدّثوا معهم بنفس المستوى و ليس بتعالي . أعرف رجال أمن
(إسرائيليين) كثيرين منهم ضباط مخابرات تحدّثوا مع شركائهم في المفاوضات و كأنهم
يتحدّثون مع عملاء ميدانيين لهم . تذكّرنا طوال الوقت بأن الذين يجلسون مقابلنا
أشخاص يتمتّعون بكبرياءٍ ذاتي و تطلعات ، إذ من يعرف ، فقد يعيّن أحدهم و خلال فترة
غير طويلة ، رئيساً لهيئة الأركان أو رئيساً "للشاباك" أو يصبح زعيماً سياسياً .
توجّهوا إلى طاولة المفاوضات كزعماء منظمات (إرهابية) ذوو تطلّعات وطنية و وصلوا
إلى نهاية دربهم كـ (إرهابيين) . لقد حضروا كممثلين عن كيانٍ سياسي مستقل سيقوم في
المستقبل و يجب التعامل معهم بمستوى مكانتهم الجديدة .
أجرينا مفاوضات سرية ، قلائل
فقط عرفوا عنها ، و حافظنا على سريتها قدر الإمكان و هربنا من الصحافيين و حافظنا
قدر الإمكان على الصمت التام . في أحد أيام عيد الأنوار و في الوقت الذي كنا فيه
غارقين بمداولات مع الفلسطينيين بفندق بباريس ، كان يجري في منزل ليئا و إسحاق
رابين احتفال تقليدي إشعال الشموع ، و كان من بين المدعوين زوجتينا طالي و عيدنه و
اتصلنا في ذروة هذا الحفل مع رابين لبحث موضوع حساسٍ برز خلال المباحثات و لا
يحتمّل التأجيل . و فور سماعه صوت أمنون صرخ رابين في الغرفة الغاصة بالضيوف نحو
طالي و عيدنه : "أمنون و يعقوب يبلغانكما تحياتهما من باريس ..." و لم يكن تقريباً
أحدٌ من الحاضرين يعرف بأننا في الخارج ، و بالتأكيد لم يعرِف أحد بأننا سافرنا
بهدف إجراء مباحثات سرية مع ممثلين فلسطينيين ، و رغم تجربته الغنية كان لدى رابين
قدر من البراءة ، و نوع من القدرة على الانفعال مثل طفل صغير .
برز في لقاءاتنا مع الرجوب و
دحلان أسلوب "فرّق تسد" الذي استخدمه عرفات بكفاءة عالية ، إذ كنّا نشعر أحياناً
بأنه يعامل الرجوب معاملة خاصة ، و تنقلب الأمور بعد يومٍ أو يومين ، و يحصل دحلان
على معاملة خاصة من "الرئيس" . كانا يسرعان و بعد كلّ حديثٍ معنا لتقديم تقرير
هاتفي له عن التطوّرات محافظين على تقاسم عملٍ واضح ، إذ كان الرجوب يقدم تقريراً
في أحد الأيام و يقدّم دحلان التقرير في اليوم التالي و هكذا دواليك . بعد إقامة
السلطة الفلسطينية و استقرار الرجوب في أريحا ، قال لي مقرّبون منه إنه في كلّ مرة
كان يبعده عرفات عنه كان ينغلق على ذاته و يتجاهل دعوات رئيس السلطة و يعلن عن نيته
تقديم استقالته .
مع اقتراب انتهاء مباحثاتنا مع
دحلان و الرجوب حول معابر جسور نهر الأردن ظلّت عدة قضايا لم أوافق على إبداء
تنازلات عنها ، منها حجم الوجود الفلسطيني في المعابر و المراقبة (الإسرائيلية) و
الفلسطينية و تسليح الشرطة الفلسطينية هناك . كان شمعون بيرس وزير الخارجية في ذاك
الوقت في دافوس بسويسرا و حاول الاتفاق مع ممثلين فلسطينيين كبار حول مسألة المعابر
في جسور نهر الأردن و في رفح ، و اتصل بي الساعة الثالثة صباحاً من فندقه بهدف
إقناعي بإضفاء مرونة على موقفي بكلّ ما له علاقة بالترتيبات الأمنية المطلوبة على
المعابر و قلت له : "شمعون هذا لن يحدث ، من المحظور عمل ذلك بهذه الصورة !" .
دعاني "عنيداً" و قال إنني أعيق المفاوضات و عقدنا عدداً لامتناهياً من الجلسات لدى
رابين بحثنا فيها هذا الموضوع ، شارك فيها بيرس . كان رابين يتناول بنهمٍ كلّ
معلومة استخبارية ، أما بيرس فأيقن أن المخابرات – "الشاباك" و الموساد – يقومان
بعملهما بأمانة ، لكن حسب قناعاته لم يتمتّعا ببعد نظر كافٍ و لهذا يشكّلان عنصراً
معيقاً . و لم أتمكّن من التحرّر من الانطباع بأنه يريد نقل رأيٍ واضحٍ لنا : لا
تشغلوني بصغائر الأمور ، دعوني أتقدّم ! و بعد مداولات منهكة تم الأخذ برأي
المخابرات .
قضى أمنون فترات طويلة في
القاهرة حيث كان يجري مفاوضات مع ممثلي منظمة التحرير الفلسطينية ، و انضممت إليه
بتاريخ 3 أيار 1994 للقاء الختامي مع الرجوب و دحلان ، في فندق "سميرا ميس" . و
بالمناسبة كانت هذه زيارتي الأولى لمصر . وقّعت اتفاقية السلام بين الدولتين عام
1979 ، لكنني منعت نفسي من السفر إلى مصر بسبب المهام الحساسة التي كنت أتسلّمها و
العلاقات الفاترة بين أجهزة أمن الطرفين ، و رغم ذلك كنت أتشوّق و منذ سنوات لزيارة
المواقع الأثرية لبلاد النيل ، و كنت أحلم بذلك منذ صباي و خلال دراستي الاستشراق
في الجامعة ، لكن هذه المرة أيضاً لم يكن ليشكّل ذلك زيارة حقيقية ، إذ بعد حلّنا
المشاكل الأمنية التي ظلّت خلافات تكتنفها عدت مسرعاً إلى (إسرائيل) و لم يحاول
البعض إخفاء استغرابهم عدم بقائي لحضور احتفالات التوقيع على اتفاق غزة – أريحا
بمشاركة رابين و عرفات ، لكن هذا كان اأسلوبي ، و هكذا تصرّفت في مؤتمر مدريد أيضاً
عام 1991 ، إذ سافرت إلى هناك قبل الافتتاح بهدف دراسة الترتيبات الأمنية ، و فور
وصول الوفد (الإسرائيلي) عقدت لقاء قصيراً مع إسحاق شامير رئيس الحكومة ، و انطلقت
بعد اختتامه نحو المطار و بسبب عدم وجود رحلة جوية مباشرة إلى (إسرائيل) عدت إلى
البلاد عبر لندن .
رأيت و مثل كثيرين آخرين
بمسيرة السلام و بانسحاب الجيش (الإسرائيلي) من القطاع و دخول السلطة الفلسطينية
الى غزة حدثاً تاريخياً من الطراز الأول ، و مع ذلك لم أحاول التستّر على مخاوفي و
عبّرت عنها في المجالس الملائمة ، توقّعت مسيرة مؤلمة جداً تتوالى فيها الأزمات و
يرافقها سفك دماءٍ غير قليل ، لكنني آمنت بأن علينا تحقيق السلام كما علينا التصرّف
بعقلانية مع الطرف الثاني .
كان الأمريكيون و طوال الوقت
يوفّرون الدعم من وراء الكواليس إذ أجروا اتصالات مع عرفات و معنا و شجّعوا الطرفين
على استمرار المداولات حتى في الأزمات . اتصل بي و أثناء قيامي بزيارة رسمية
لواشنطن موظّف أمريكي رفيع المستوى هو فرانك هرينغتون و طلب عقد لقاء عاجلٍ معي ،
قال لي إنه عاد على الفور من زيارته لعرفات في تونس ، حيث بحث معه استئناف العلاقات
بين منظمة التحرير الفلسطينية و الولايات المتحدة . حدّدنا لقاءاً لتناول وجبة عشاء
في مطعم خارج المدينة ، و وصل إليه مباشرة من المطار . سمعت منه بين اللقمة و
الأخرى روايات جذابة عن اتصالاته مع منظمة التحرير الفلسطينية منذ سنوات الستينيات
الأولى، و كشف النقاب لي عن إجرائه اتصالات مع علي حسن سلامة الذي كان ضابط عمليات
"أيلول الأسود" في أوروبا الغربية و قائد "القوة 17" التابعة لفتح ، انضم سلامة بن
حسن سلامة – الذي كان من رؤساء العصابات في البلاد في أحداث سنوات الثلاثينيات و
الجزء الأول من حرب الاستقلال (قتِل في الحرب نفسها) - لجهاز فتح عام 1967 و عيّن
بعد ذلك مسؤولاً عن الذراع الاستخباري للمنظمة ، و أشرف على الأجهزة المالية ، و
كما يبدو أصبح غنياً بفضل هذا الإشراف . عمل منذ عام 1971 فصاعداً في مجال العمليات
و اتخذ من ألمانيا الشرقية مقراً له و خطّط من هناك و أشرف على قتل الرياضيين
(الإسرائيليين) في الألعاب الأولمبية في ميونيخ بتاريخ 5 أيلول 1972 . و إضافة إلى
ذلك خطّط لعملية في معسكر المهاجرين من الاتحاد السوفييتي في النمسا ، و ربما أيضاً
اغتيال وصفي التل رئيس الحكومة الأردنية في القاهرة في شهر تشرين الثاني عام 1971 .
و ذكرت وسائل إعلام مختلفة أن عملية رجال الموساد في ليلهامر في تموز 1973 ،
استهدفت تصفيته بسبب مسؤوليته عن القتل في ميونيخ . و انفجرت عبوة ناسفة تحت سيارته
في بيروت في كانون الثاني عام 1979 و كان هرينغتون على قناعة بأن الموساد هو الذي
فعل ذلك ، و أعرب عن أسفه لوفاة هذا الشخص الذي قال إنه أحبه جداً .
حدّثني هرينغتون عن مشاعر
عرفات حيال المفاوضات مع (إسرائيل) و عن مخاوفه و عن التعيينات التي يخطّط لها ، و
بعد انتهائه من تقديم تقريره وصل إلى الأمر الجوهري ، إلى السبب الحقيقيّ لرغبته
بلقائي بهذه السرعة ، و حسب أقواله يرغب عرفات كثيراً بعقدي لقاءاً مع أمين الهندي
.
و كتبت في مذكراتي اليومية حول
ما حدث بعد ذلك :
لم ألتقِ الهندي في حياتي ،
لكنني كنت أعرف عنه غير قليل . ولد في غزة و أبعِد عنها بسبب تورّطه في عمليات
(تخريبية) و عين رئيساً لقسم العمليات في فتح . تتوفّر لنا معلومات عن علاقة محتملة
بينه و بين التخطيط لقتل الرياضيين (الإسرائيليين) في الألعاب الأولمبية في ميونيخ
. و إطلاق صواريخ على طائرة (إل - عال) في مطار روما . أعرف أن عرفات يقدّره جداً ،
و في ضوء الحثّ اللجوج لهرينغتون لعقد لقاء معه ، أيقنت تنسيق هذه الخطوة مسبقاً مع
وورن كريستوفر وزير الخارجية و مع دنيس روس اللذان كانا ناشطان في قضية مسيرة
السلام .
سافرت بسرعة بعد وجبة العشاء
مع هرينغتون إلى سفارتنا في واشنطن و طلبت فتح غرفة الاتصال و استدعوا كاتبة
الشيفرة و أرسلت برقية لرابين تتضمّن التفاصيل الدقيقة لحديثي مع هرينغتون ، و
اقترحت تنظيم الأمريكيين عقد هذا اللقاء . و بعث رابين على الفور رداً إيجابياً ،
رغم عدم الارتياح الذي أبداه الموساد حيال هذه المسألة .
كان من المفروض عقد اللقاء مع
الهندي في قاعدة عسكرية في إحدى الدول الأوروبية . انتظرتني في المطار سيارةأ
نقلتني إلى القاعدة العسكرية ، و وصل فرانك هرينغتون إلى هناك من واشنطن ، و مثل
باقي الأمريكيين الذين أشرفوا على تنظيم اللقاء لم يحاول إخفاء انفعالاته .
دخلت غرفة الضيوف التي تحتوي
على مقاعد و صوفات مريحة و كان على الطاولة مشروبات خفيفة و جلس الهندي على أحد
المقاعد ، عمره يقارب الأربعين يرتدي بأناقة مثل دبلوماسي محترف ، يضع نظارة شمسية
غامقة على أحدث طراز . بدت حركاته متردّدة و حتى مذعورة لدرجة ما . ساد لديّ اعتقاد
بأنه ليس فقط لا يشعر بارتياح ، بل يعتريه خوفٌ داخلي ، لا سيما و أن
(الإسرائيليين) أرادوا قتله منذ سنوات و حاولوا متابعة تحرّكاته في كلّ مكان و
أجبروه على الاختباء كحيوانٍ مطارد ، و فجأة يلتقي وجهاً لوجه مع أحد كبار مطارديه
. فور اقترابي منه قام من مكانه و صافح يدي بصورة رسمية ، دون أن ينبس تقريباً ببنت
شفة .
جلست بارتياح على أحد المقاعد
و عاد الهندي للجلوس متجمّد الملامح و انضم الأمريكيون و على رأسهم هرينغتون إلينا
، لكنهم ظلّوا سلبيين أكثر من اللازم . عرّف كلّ منا نفسه رغم عدم وجود حاجة لذلك ،
إذ يعرف كلّ منا الآخر من ملفات المخابرات . تحطّم الجليد بالتدريج و بدأ حديث
بيننا بالعربية و بالإنجليزية ، على التوالي ، كان بإمكان هرينغتون الذي يعرف
العربية متابعة تبادلنا الحديث . لفت انتباهه إلى نشر أنباء في (إسرائيل) تربطه
بقتل الرياضيين (الإسرائيليين) في ميونيخ ، لكنه لم يعقّب و انتقلنا لتناول موضوعات
عامة فقط . و تحدّثنا بصورة رئيسية عن مستقبل المنطقة و دخلنا قليلاً بالمجال
الشخصي ، إذ حدّثني عن تفكيره بالحضور إلى غزة مع زوجته و ابنته التي تدرس في
الجامعة و حدّثته عن عائلتي .
و كان معروفاً بأنه عندما يصل
الهندي إلى غزة مع رجال السلطة الفلسطينية من المفروض حصوله على منصبٍ مماثل لمنصب
رئيس الموساد ، و أعرف جيداً أنه تحت إشراف الأمريكيين ، و لهذا كان مهماً بالنسبة
لي التوصل معه لاتفاقات موضوعية ، أياً كانت ، و لهذا حرفت الحديث بهذا الاتجاه ، و
اتفقنا في النهاية على اتصاله بي فور وصوله إلى غزة لعقد لقاءات أخرى .
و فى الهندي بوعده ، و منذ
عودته إلى غزة التقينا مرات كثيرة ، تقريباً مرة أسبوعياً . التقينا في أماكن
مختلفة - في حاجز أيرز و في أريحا و القدس و تل أبيب . تبادلنا معلومات استخبارية ،
و سارت الأمور إلى حين قطعها في أعقاب أزمة مباحثات السلام ، التي أدّت إلى تقليص
نوعي للتعاون الأمني مع السلطة .
لم يؤكّد الهندي كما لم ينفِ
في مقابلة صحافية أجرتها معه سمدار بيري مشاركته بالتخطيط لقتل الرياضيين في ميونيخ
. و قال فقط : "فتحنا صفحة جديدة ، و مثلما آمنت في حينه بالحرب أؤمن الآن
بالسلام" .
|