الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page
 

 

 

عودة

 

حرب 1982:[149]

هدف الكيان الإسرائيلي من حرب 1982 إلى ضرب المقاومة الفلسطينية في لبنان وتدمير بنيتها العسكرية، والقضاء على مشروع الثورة الفلسطينية بتحرير فلسطين من خلال الكفاح المسلح، وجرّها إلى مشاريع التسوية وفق الشروط والمعايير "الإسرائيلية"، خصوصاً وأن الأنظمة العربية هجرت الخيار العسكري أو لم تعد تراهن عليه. واستفاد الكيان الإسرائيلي من ظروف خروج مصر من الصراع العربي - الإسرائيلي بعد توقيعها اتفاقيات كامب ديفيد في سبتمبر 1978، ومن انشغال العرب بالحرب العراقية ـ الإيرانية، فضلا عن الدعم الأمريكي للكيان الإسرائيلي الذي ازداد قوة في ولاية الرئيس ريغان.

 

وقد ادعى الكيان الإسرائيلي أن هدف الحرب هو تحقيق "سلامة الجليل" أي حماية المستوطنات اليهودية في شمال فلسطين المحتلة من الصواريخ والعمليات الفلسطينية. مع العلم أنه لم تحدث عمليات من هذا النوع منذ 24 يوليو 1981 وحتى 4 يونيو 1982. بينما قام الكيان الإسرائيلي في الفترة نفسها بخرق المجال الجوي اللبناني 2125 مرة، وخرق المياه الإقليمية اللبنانية 652 مرة، فضلاً عن بعض حوادث الانتهاك براً.

 

بدأ الاجتياح "الإسرائيلي" للبنان في 4 يونيو 1982 واشترك فيه 125-150 ألف جندي (من أصل 170 ألفاً هم قوام الجيش "الإسرائيلي" العامل) تساندهم 1600 دبابة، و1600 ناقلة جنود مدرعة، و600 مدفع وراجمة صواريخ، والقوات الجوية والبحرية، أي أنها كانت حرب اقتلاع للوجود العسكري الفلسطيني، في جو من الاطمئنان إلى عدم وجود أي تحرك عربي جاد، فتركت الحدود شبه فارغة مع البلاد العربية الأخرى.

 

وقد تمكنت القوات "الإسرائيلية" من اجتياح جنوب لبنان ووسطه بسرعة كبيرة تساندها القوى الكتائبية، وفي يوم 9 يونيو كانت قد وصلت إلى مشارف بيروت. وقد حاولت القوات السورية المتمركزة في البقاع والشوف التصدي لها، لكن القوات "الإسرائيلية" تمكنت من تدمير شبكة الصواريخ السورية، وأسقطت في معارك جوية مائة طائرة عسكرية سورية فانكشفت القوات السورية البرية أمام الطيران الإسرائيلي، واضطرت القوات السورية للانسحاب بعيداً عن محاور القتال منذ 11 يونيو.

 

وقد استمرت معركة بيروت 65 يوماً (9 يونيو - 12 أغسطس 1982). ووصلت القوات "الإسرائيلية" إلى طريق بيروت دمشق، ودخلت بيروت الشرقية في 11 يونيو حيث قصر الرئاسة في بعبدا، وحيث وجدت ترحيباً من تحالف القوات اللبنانية الكتائبية. وقد أكملت حلقة حصارها على بيروت الغربية في 14 يونيو حيث تجمع فيها نحو 12- 13 ألف مقاتل فلسطيني واللواء السوري الـ85. وقد قررت المقاومة الفلسطينية الصمود، وقدمت نموذجاً لملحمة بطولية، فشل العدو خلالها وعلى مدى شهرين من احتلال رقعة صغيرة هي منطقة بيروت الغربية، رغم شراسة القصف والحصار ومحاولات الاقتحام والهجمات براً وبحراً وجواً، واستخدام أحدث وأشد وسائل الدمار. وفي 30 يونيو كان قد استشهد نحو 15 ألف مدني من جراء الغزو الإسرائيلي.

 

وقد اضطرت القوات "الإسرائيلية" للموافقة على وقف إطلاق النار في 12 أغسطس 1982، بعد أن فشلت في احتلال بيروت الغربية. غير أن القوات "الإسرائيلية" حققت أهدافها بشكل عام. إذ اقتضت الترتيبات خروج المقاومة الفلسطينية وقيادة م.ت.ف من لبنان بعد أن تجمعت في بيروت، مما أدى إلى خروج حوالي 11 ألف فلسطيني مقاتل (نحو 8300 من المنظمات الفدائية 2600 من جيش التحرير الفلسطيني و175 جريحاً) وذلك وفق ترتيبات تضمن سلامتها، وقد تم ذلك في الفترة 21 ـ 31 أغسطس 1982، حيث توجه المقاتلون الفلسطينيون إلى معسكرات في سوريا والعراق وتونس واليمن (الشمالي والجنوبي) والجزائر والسودان. ولم تحترم القوات "الإسرائيلية" تعهداتها، فقد اقتحمت بيروت الغربية بعد أسبوعين من خروج المقاومة الفلسطينية، وأشرفت بنفسها على تنفيذ قوات الكتائب والوطنين الأحرار وغيرهم من القوى المسيحية المتعصبة لمذابح صبرا وشاتيلا في 16- 18 سبتمبر 1982 والتي أدت إلى استشهاد نحو 3500 فلسطيني ولبناني من المدنيين الأطفال والنساء والشيوخ ...

 

أَدّت حرب 1982 إلى استشهاد وجرح نحو 55 ألف فلسطيني ولبناني، وإلى تدمير معظم البنية التحتية للمقاومة الفلسطينية في لبنان بحيث لم تعد تشكل خطراً جاداً على الكيان الصهيوني، ووجدت م.ت.ف نفسها بعيدة عن فلسطين، محرومة من العمل العسكري في دول الطوق.[150] وكسب تيار "الواقعية" في م.ت.ف دفعات جديدة باتجاه تبني الحلول السلمية، وأخذ تركيز م.ت.ف ينصب بعد ذلك على النضال السياسي. وعانت من محاولات فرض الهيمنة عليها أو تجاوزها، كما عانت من الاختلافات الداخلية، ووقع انشقاق في حركة فتح بزعامة أبو موسى. ورغم البطولات التي أبداها المقاتلون الفلسطينيون، فإن حرب 1982 كشفت عن اختراقات وترهلات ونقاط ضعف في جسد الثورة، كما دفعت إلى مراجعة الايديولوجية التي يجب أن ينبني عليها الصراع مع العدو.

 

ولم تدم سعادة الكيان الصهيوني بتحقيق أهدافه، إذ سرعان ما ظهرت المقاومة اللبنانية ممثلة خصوصا بحزب الله، حيث حولت الجنوب اللبناني إلى ساحة حرب توالت فيها العمليات اليومية وسقوط القتلى "الإسرائيليين". فقد جرى اغتيال الزعيم الكتائبي بشير الجميل الذي نصبته "إسرائيل" رئيساً على لبنان بعد أيام من انتخابه. وتم تدمير مقر القيادة العامة للقوات "الإسرائيلية" في صور في 12 نوفمبر 1982 حيث قتل 75 عسكرياً "إسرائيلياً"، وهوجم مقر الحاكم العسكري الإسرائيلي في صور في 4 نوفمبر 1983 وقتل 19 إسرائيلياً. وأفشلت القوى الوطنية الإسلامية الوجود المشبوه للقوات متعددة الجنسيات في لبنان، فدمرت السفارة الأمريكية في بيروت في 18 أبريل 1983 وقتلت 80 شخصاً، ودمرت مقر قيادة القوات الأمريكية في 23 أكتوبر 1983 وقتلت 239 جندياً. كما ضربت مقر قيادة القوة الفرنسية في 23 أكتوبر و21 ديسمبر 1983 مما أدى إلى مقتل 71 جندياً. وتمكنت المقاومة من إفشال الاتفاق بين الحكومة اللبنانية والكيان الإسرائيلي الذي وُقِّع في 13 مايو 1983، حيث تم إسقاطه في 5 مارس 1984، لأنه اتفاق ينتقص من الحقوق اللبنانية الكاملة في السيادة والاستقلال. كما أخذت المقاومة الفلسطينية تعود شيئاً فشيئاً إلى لبنان - وإن بدرجة أقل مما سبق - وتتولى القيام ببعض العمليات والدفاع عن المخيمات الفلسطينية.[151]

وقد اضطرت القوات الإسرائيلية للانسحاب في 4 سبتمبر 1983 إلى خط نهر الأولي، ثم قررت في 14 يناير 1985 تحت الضربات القاسية للمقاومة إلى الانسحاب من كثير من المناطق على ثلاث مراحل أتمتها في يونيو 1985، وأبقت قواتها فقط في الشريط الحدودي، الذي عهدت بإدارته إلى عميلها إنطوان لحد. وهو شريط في جنوبي لبنان يتاخم الحدود مع فلسطين وبعمق 5 ـ 20كم داخل لبنان.[152] وقد توالت ضربات المقاومة للقوات الإسرائيلية وعملائها في هذا الشريط حتى تم تحريره في 24 مايو 2000.

 

ثالثاً: مرحلة 1987-2001:

كانت أبرز مظاهر المقاومة المسلحة للمشروع الصهيوني في هذه المرحلة الانتفاضة المباركة، وانتفاضة الأقصى، وهزيمة الكيان الإسرائيلي في جنوب لبنان وانسحابه. وتميزت هذه المرحلة بأن القوى الفلسطينية الأساسية التي تبنت المقاومة المسلحة طوال العشرين سنة السابقة ممثلة في قيادة م.ت.ف وحركة فتح قد جنحت إلى خط التسوية السلمية. بينما ظهرت فصائل فلسطينية جديدة تبنت العمل العسكري وفق منظور إسلامي جهادي، وبرعت في تنفيذ العمليات العسكرية في الداخل. فتولت حماس قيادة الفعاليات الجهادية وإلى جانبها - وإن بدرجة أقل - حركة الجهاد الإسلامي.

وكان من مظاهر هذه المرحلة أن مركز الثقل في المقاومة المسلحة انتقل إلى الداخل الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة بعد أن كان متركزاً في الخارج. وفيما يلي أبرز مظاهر المقاومة المسلحة.

 

الانتفاضة المباركة:

حدثت شرارة الانتفاضة المباركة في يوم 9 ديسمبر / كانون أول 1987 إثر استشهاد أربعة عمال فلسطينيين في حادث دهس متعمد في اليوم الذي سبقه. وقد قررت حركة الإخوان المسلمين منذ تلك الليلة المشاركة في الانتفاضة وتوجيهها، فبدأت -بترتيبها - المظاهرات العارمة بعد صلاة الفجر 9 ديسمبر من مسجد مخيم جباليا، وسقط الشهيد حاتم أبو سيس، ثم سقط الشهيد رائد شحادة في مظاهرة أخرى قرب مستشفى الشفاء. (وأصدر الإخوان المسلمون بيانهم الأول باسم حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في 13 ديسمبر 1987 التي عدّوها امتداداً لهم وجناحهم الضارب). وتوالى سقوط الشهداء واتسعت المظاهرات لتعم أرجاء الضفة والقطاع وليشارك فيها كافة أبناء الشعب.[153] وتميزت هذه الانتفاضة بأربعة مظاهر:

 

الأول: أن أهل "الداخل" المحتل (الضفة والقطاع) أخذوا زمام المبادرة النضالية الجهادية، بعد أن كانت بيد العمل من "الخارج".

الثاني: أن التيار الإسلامي شارك بقوة وعنف وفاعلية، وبرز على ساحة المواجهة بحجم منظم مؤثر.

الثالث: أنها شملت كافة قطاعات الشعب الفلسطيني واتجاهاته وفئاته العمرية.

الرابع: أنها اتسمت بالجرأة والتضحية، والمشاركة الواسعة للأطفال والفتيان والنساء، وبالمظاهر النبيلة من إيثار وتعاون وشهامة، وبالقضاء على مظاهر العمالة والفساد من خمور ودور لهو ...

 

وتميزت المرحلة الأولى من الانتفاضة بالمواجهات الشعبية الواسعة والإضرابات، والمظاهرات، ومقاطعة الإدارة المدنية الصهيونية، وتنظيف المجتمع من العملاء ومروجي الفساد والمخدرات. وبعد نحو أربع سنوات أخذت تبرز المرحلة الثانية التي شهدت تنامي العمليات المسلحة ضد الصهاينة مع تراجع الأنشطة الجماهيرية الواسعة. وقد عدّت حركة فتح وحلفاؤها في م.ت.ف اتفاقية أوسلو (سبتمبر 1993) نهاية للانتفاضة فأوقفت فاعلياتها، أما الجهات الأخرى وخصوصا حماس والجهاد الإسلامي فقد استمرتا في فاعلياتهما، بل وصعّدتا من عملياتهما الجهادية. غير أن تشكيل السلطة الفلسطينية في الأرض المحتلة في مايو 1994 أفقد الانتفاضة كثيراً من وهجها، كما أفقدها المشاركة الشعبية الجماهيرية اليومية، فاقتصر الأمر بشكل أكبر على أعضاء الحركات والتنظيمات.

 

ومن جهة أخرى، عدّت م.ت.ف الانتفاضة رافعة لها من محاولات العزل والتهميش والتجاوز، فسعت لتوظيف الانتفاضة في تحقيق إستراتيجيتها للوصول إلى تسوية سلمية مع الكيان الصهيوني تؤدي إلى انسحابه من الضفة الغربية وقطاع غزة، وإقامة الدولة الفلسطينية على أراضيها. فبعد أسبوعين من بدء الانتفاضة دعت م.ت.ف إلى إضراب عام يوم 21 ديسمبر 1987، وبدأت صور ياسر عرفات وشعارات المنظمة بالظهور. وشكلت م.ت.ف "القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة" التي شاركت فيها فتح والجبهة الشعبية والجبهة الديموقراطية، وصدر بيانها الأول في 8 يناير 1988.[154] وهكذا بدأ يتنازع قيادة الانتفاضة تياران هما التيار الإسلامي وتيار م.ت.ف باستراتيجيات مختلفة وأهداف متباينة، ولكن بفعاليات جهادية نضالية متشابهة تقريبا ضد العدو، تمثلت في المظاهرات والإضرابات وقذف الصهاينة بالحجارة وقنابل المولوتوف الحارقة ... وغيرها. وكانت الجماهير تستجيب لكلا التيارين، وتلتزم بالإضرابات التي يدعوان إليها.

 

وقد قام الكيان الإسرائيلي بإجراءات لا مثيل لها لقمع الانتفاضة، فاستخدم الرصاص الحي، ورصاص الدمدم المحرم دولياً، وأساليب تكسير عظام المتظاهرين، ومختلف أشكال تعذيب الأسرى، ومنع السفر، وقطع المواصلات والاتصالات الهاتفية، ومصادرة الهويات، وهدم المنازل، وقام بمصادرة الأراضي في الضفة والقطاع بوتيرة عالية، حيث بلغت المصادرة خلال سنوات الانتفاضة 457834 دونماً (وهي مساحة تزيد عن مساحة كل قطاع غزة بنحو 94كم مربع). وشملت الإجراءات الإسرائيلية الحصار التمويني وإغلاق الأسواق وإتلاف المحاصيل الزراعية، ومحاولات كسر الإضرابات التجارية. وتعرضت المؤسسات التعليمية والصحية الفلسطينية لعمليات الإغلاق والمداهمة، فضلا عن انتهاك حرمة المساجد.[155]

وحسب إحصائية أعدتها م.ت.ف فإن السنوات الست الأولى للانتفاضة (ديسمبر 1987 - ديسمبر 1993) قد شهدت استشهاد 1540 فلسطينياً، وبلغ عدد الجرحى 130 ألفاً، كما اعتقل حوالي 116 ألفاً لمدة مختلفة.[156] وكان من بين شهداء الانتفاضة 353 طفلاً دون السادسة عشر من العمر.[157]

 

وتعد الانتفاضة المباركة من أروع وأنبل ما شهده تاريخ فلسطين، بل والتاريخ الإنساني، عندما واجه شعب أعزل بأطفاله ونسائه وشيوخه إحدى أعتى وأقسى القوى في العالم، والمدججة بأحدث أسلحة البطش والدمار. وانشَدَّ العالم إليه مُعجباً ومبهوراً بـ"العين التي تحدَّت المخرز" وبالحجر الذي واجه الرصاصة والدبابة. وكان من أبرز إنجازات الانتفاضة:

-  أثبتت للكيان الإسرائيلي فشل كافة أساليبه في تركيع وإذلال الشعب الفلسطيني . وأثبتت للعالم أن هناك شعباً مظلوماً، أرضه محتلة، ويريد أن يعيش حراً مستقلاً.

-  فضحت الوجه القبيح للكيان الإسرائيلي، وكشفت زيف ادعاءاته المتعلقة بالمدنية والديموقراطية، وأظهرته قوة اغتصاب وإجرام وقهر للآخرين.

-  وجهت الانتفاضة ضربة قوية لمظاهر الاحتلال ومؤسساته، وخصوصا الجواسيس والعملاء المتعاونين مع جهاز المخابرات، وتمت تصفية نحو 900 منهم.

-  عالجت الانتفاضة بكثير من النجاح مظاهر الفساد الخُلقي والاجتماعي، وتضاعفت مظاهر التدين، وتحقق قدر عال من التكافل والتراحم والإيثار، وظهر جيل جديد من الشباب والفتيان، يمتاز بالشجاعة والثقة بالنفس والاستعداد للتضحية والاستشهاد.

-  عادت القضية الفلسطينية لتتصدر قائمة الاهتمامات الدولية، ولتثبت أنها تستعصي على الضياع أو الذوبان.

-  أظهرت الانتفاضة قوى جديدة، أصبحت ذات تأثير فاعل في الساحة الفلسطينية ممثلة بحماس والجهاد الإسلامي.

وقد كان من نتائج الانتفاضة أن عاد الوهج والألق لـ م.ت.ف وقيادتها مرة أخرى، وفرضت نفسها على الساحة من جديد.

 

انتهت الانتفاضة المباركة بتوقيع م.ت.ف لاتفاقية أوسلو (سبتمبر 1993)، وبدء مرحلة الحكم الذاتي في أجزاء من الضفة والقطاع (مايو 1944). غير أن حماس والجهاد الإسلامي استمرتا في فعالياتهما الجهادية وعملياتهما العسكرية النوعية، وخصوصاً الاستشهادية. فقد ردَّت حماس على مذبحة الحرم الإبراهيمي (فبراير 1994) بخمس عمليات عنيفة، وردت على استشهاد يحيى عياش (الذي كان مهندساً لعمليات أدت لمقتل 70 صهيونياً وجرح 340 آخرين) بعدة عمليات في 25 فبراير ـ 4 مارس 1996، هزت الكيان الصهيوني وأفقدته صوابه، واستدعت عقد مؤتمر دولي بمشاركة الدول الكبرى بهدف ما أسموه "محاربة الإرهاب".[158] ورغم محاربة السلطة الفلسطينية والكيان الإسرائيلي (بالتعاون مع المخابرات الأمريكية) بكل شراسة وعنف للقوى المجاهدة، فقد تمتعت حماس بثقل جماهيري واسع، وكان لها الدور الأكبر في الاستمرار في العمليات العسكرية، وإلى جانبها حركة الجهاد الإسلامي التي قامت بالعديد من العمليات النوعية المتميزة التي أفقدت العدو صوابه.

 

هبّة الدفاع عن الأقصى:

 يقوم المسلمون في فلسطين بالسهر على حماية المسجد الأقصى ورعايته، إذ إن الاحتلال اليهودي - الصهيوني يستهدف تدمير المسجد الأقصى وبناء الهيكل مكانه. وهناك 25 منظمة يهودية متطرفة تسعى لتحقيق هذا الغرض. وعادة ما يجتمع المسلمون بالآلاف للدفاع عن حرمة الأقصى (وهم لا يملكون إلاّ حجارتهم ولحوم أجسادهم) كلما حاول اليهود انتهاك حرمته.

 

ففي 8 أكتوبر 1990 حاولت جماعة "أبناء الهيكل" اليهودية وضع حجر الأساس لبناء الهيكل اليهودي في ساحة المسجد الأقصى، فقام المسلمون يدافعون عن حرمته، مما أدى لاستشهاد 34 وجرح 115 آخرين، بعد أن تمكنوا من إفشال المخطط اليهودي.[159]

 

وفي 24 سبتمبر 1996 قامت السلطات اليهودية بافتتاح نفق أسفل المسجد الأقصى، مما أدى إلى انتفاضة غضب عارمة شملت مدن وقرى فلسطين، ووقعت اشتباكات واسعة مع الشرطة والجيش الإسرائيلي، الذي استخدم الأسلحة المختلفة وطائرات الهيلوكبتر لقمع الانتفاضة. وتدخلت الشرطة الفلسطينية للدفاع عن الفلسطينيين ضد الهجمات الإسرائيلية، واستمرت الأحداث ثلاثة أيام 25 - 27 سبتمبر 1996، مما أدى لاستشهاد 62 فلسطينياً وجرح 1600 آخرين، وقتل 14 جندياً إسرائيلياً وجرح 50 آخرين.[160]

 

تحرير جنوب لبنان: 24 مايو 2000

نجح الكيان الإسرائيلي في احتلال شريط حدودي في جنوب لبنان في مارس 1978 (أكثر من 10%من مساحة لبنان) سعيا لإقامة منطقة أمنية عازلة تمنع ضرب الأهداف الصهيونية في شمال فلسطين المحتلة. ورغم صدور قرار مجلس الأمن رقم 425 بتاريخ 19 مارس 1978 القاضي بانسحاب الكيان الإسرائيلي من جنوب لبنان، إلا أن الكيان أصر على استمرار الاحتلال، ودعم إقامة جيش لبنان الجنوبي العميل ... وقد توسع الصهاينة في الاحتلال عندما اجتاحوا جنوب ووسط لبنان سنة 1982، لكن سرعان ما اضطروا للتراجع إلى منطقة "الحزام الأمني" سنة 1985 بسبب ضربات المقاومة اللبنانية.

 

وقد برز "حزب الله" في عمليات المقاومة بشكل رئيسي، وإلى جانبه قوى المقاومة الإسلامية والوطنية. وحولوا حياة الجنود الإسرائيليين وجيش العملاء إلى جحيم لا يطاق. وتمكن حزب الله من تحقيق نظام أمني واستخباراتي راقٍ أعانه على توجيه ضربات عنيفة ومفاجئة لقوى الاحتلال. واعترف جدعون عزرا أحد الخبراء الصهاينة أن "حزب الله أصبح أول قوة عربية تتغلب على "إسرائيل" في مجال الاستخبارات".[161] وقد استفاد حزب الله من دعم إيران له في مجالات التدريب والتمويل والتسليح. وتكون ذراعه العسكري من ستة آلاف مقاتل، وتتبعه وحدات هندسية، واستخبارات ميدانية، ومدفعية، وطبية. كما استطاع حزب الله العمل في بيئة شعبية مؤيدة، خصوصاً وسط القاعدة الشيعية حيث بنى شبكة خدمات تعليمية واجتماعية ودينية واسعة، كما تكفل بعائلات الشهداء والجرحى والمعتقلين، فضلاً عن امتلاكه لمحطة راديو وتلفزيون ومجلات أسبوعية ومواقع إنترنت، تخدم كلها بشكل منهجي فكر الحزب، وتبث روح المقاومة.[162]

 

وقد قام الكيان الصهيوني بمئات الهجمات على مواقع حزب الله وقوى المقاومة لكنه فشل من اقتلاع جذوة المقاومة التي كانت ترد من جهتها بقصف المستعمرات اليهودية في شمال فلسطين. وفي سنة 1993 قامت القوات الإسرائيلية بهجوم شامل تحت اسم "عملية تقديم الحساب" توغلت فيه في الجنوب اللبناني، وهاجمت مواقع حزب الله براً وبحراً وجواً، لكنها لاقت مقاومة عنيفة، واضطرت للانسحاب تحت ضربات حرب العصابات، وبناء على اتفاق شفوي على أساس ألا يطلق حزب الله أو القوات الإسرائيلية النار على المدنيين. واستمر حزب الله في عملياته ضد المواقع العسكرية الإسرائيلية وجيش العملاء، وعادة ما كانت القوات "الإسرائيلية" تقوم بالرد فإذا ما أصابت قذائفها المدنيين كان حزب الله يضرب الأهداف المدنية الإسرائيلية. وعندما ضاق الكيان "الإسرائيلي" ذرعاً قام بحملة قصف كبيرة تحت اسم "عناقيد الغضب" 11-27 إبريل 1996 استخدم فيها الطائرات والمدافع والبحرية ولكن دون زحف برِّي، ووجهت ضرباتها للمدنيين والمنشآت العامة فضلاً عن حزب الله، وارتكبت مجزرة قانا عندما أطلقت صواريخها على ملجأ للمدنيين فقتلت أكثر من مائة من الأبرياء. وقد فشلت "عناقيد الغضب" في تحقيق أهدافها، واضطر الكيان الإسرائيلي للموافقة على عدم ضرب المدنيين، بينما خرج حزب الله أكثر قوة، واستمر في عملياته ضد الأهداف العسكرية.

 

وتحول بذلك جنوب لبنان إلى عبء أمني كبير على الكيان الإسرائيلي، وتحول الجنود الصهاينة إلى أهداف متحركة لعمليات المقاومة. ولم ينفع جيش العملاء المكون من ثلاثة آلاف عنصر والذين تزيد ميزانيته عن مائة مليون دولار في حماية الأمن الإسرائيلي فضلاً عن حماية نفسه. ولذلك قرر الكيان "الإسرائيلي" الانسحاب، حيث خرجت آخر فلوله من الجنوب اللبناني في 24 مايو 2000. وكان ذلك أبلغ درس على قيمة العمل العسكري والروح الجهادية في إجبار الكيان الإسرائيلي على الرضوخ والانسحاب، ولولا ذلك لظل هناك لما له من أطماع تاريخية توسعية في المنطقة. غير أن منطقة صغيرة هي مزارع شبعا ظلت محتلة ولا تزال ضربات المقاومة توجه إلى العدو هناك.

 

انتفاضة الأقصى: 28 سبتمبر 2000 – يناير 2003

لقد كانت زيارة الإرهابي أرييل شارون زعيم حزب الليكود الاستفزازية إلى حرم المسجد الأقصى في 28 سبتمبر 2000 هي الشرارة التي فجرت الانتفاضة، وكان واضحاً أن ثمة مباركة وتأييداً من رئيس الحكومة الصهيونية باراك للزيارة حيث زوده بستمائة جندي لمرافقته، واستنفر 3000 جندي وشرطي في القدس وأحيائها. وصمم المسلمون على الدفاع عن الأقصى، حيث سقط في المواجهات الأولى خمسة شهداء، وجرح أكثر من مائة.

 

وكانت عناصر اشتعال الوضع وأسباب تفجيره جاهزة، فقد وصلت مفاوضات التسوية السلمية إلى طريق مسدود، وتأكدت الأطماع الصهيونية اليهودية في القدس والمسجد الأقصى، وظهر التعنت الإسرائيلي في قضايا اللاجئين والمستوطنات، واستمر الصهاينة في مصادرة الأراضي وتوسيع المستوطنات. ولم يكونوا مستعدين للتنازل، ولا لتنفيذ القرارات الدولية، عندما يتعلق الأمر بالقضايا الجوهرية الحاسمة.

 

وبدا لباراك أن "الحل الوحيد الذي لاح في الأفق كان دفع الوضع إلى الإنفجار"، كما قال بنفسه في اجتماع سري في 25 أكتوبر 2000[163]. ولعله أراد إظهار مزيد من التصلب، وتحقيق مزيد من الشعبية وسط المجتمع الصهيوني، واستثمار ذلك في وقف عملية التسوية أو إدخالها في أزمات متتالية، في الوقت الذي تزداد فيه عمليات الهجرة اليهودية ومصادرة الأراضي والاستيطان، ليتسنى تحقيق مزيد من الضغط على السلطة الفلسطينية، التي أثبتت السنوات الماضية قابليتها للتنازل والتراجع، وتخفيض سقف مطالبها.

 

لكن الصهاينة وُوجهوا ببركان غضب عارم ليس في فلسطين وحدها، وإنما في العالم الإسلامي أجمع، وحيثما وجدت الجاليات الإسلامية، وأبطل الله سبحانه وتعالى حسابات الصهاينة ومكرهم، وبرز الأقصى عصياً على الخضوع والاغتصاب عندما استعدّت الملايين أن تفديه ـ والأرض المباركة ـ بأرواحها، وأفرزت الانتفاضة عدداً من الحقائق والمؤشرات أهمها:

 

الأولى: أن الأمة الإسلامية لا تزال حية، رغم الجراح التي أثخنتها، وأن روح المقاومة والصمود والاستعداد للبذل والتضحية لم تخمد. فقد خرجت المظاهرات بعشرات الآلاف بل بمئات الآلاف في بلدان العالم الإسلامي، من الرباط في أقصى المغرب وحتى جاكرتا في أقصى المشرق الإسلامي،كلها تهتف للأقصى والقدس وفلسطين، وتطالب بالجهاد، وتقدم ما لديها من تبرعات ودعم. فكانت لحظات رائعة من أخوة الإسلام ووحدة الأمة. وظهرت تجليات الإمكانات الكبرى لهذه الأمة لتحقيق النصر لو سلكت طريق الجهاد.

 

الثانية: أن قضية فلسطين ـ بأرضها المباركة وبقدسها وأقصاها ـ قضية تجمع المسلمين وتوحدهم، بل وتكون سبباً في تجاوز خلافاتهم والتركيز على العدو الصهيوني المشترك. وأن هذه القضية غدت القضية المركزية للعالم الإسلامي، فلا قضية تجمعهم كهذه القضية، ولا عدو يجتمعون ضده كهذا العدو.

 

الثالثة :وجهت الانتفاضة ضربة قاسية لمشروع التسوية السلمية والتطبيع مع العدو، وبرز الخيار الجهادي كخيار أمثل.

الرابعة: أن هذه الانتفاضة انعكست على طريقة تفكير الناس وأسلوب حياتهم اليومي، فاشتد العداء للمشروع الصهيوني، واشتد العداء ضد أمريكا، وتكرست الروح الجهادية وروح التكافل، وتجاوبت الجماهير مع دعوات مقاطعة البضائع الأمريكية والإسرائيلية، حتى غيّر الملايين من أسلوب طعامهم وشرابهم اليومي، ومن لباسهم ووسائل تنقلهم واتصالاتهم وترفيههم، فكانت مدرسة تربوية اجتماعية شعبية، ربما احتاجت حركات الإصلاح سنوات للوصول إلى مثل نتائجها. فانخفضت مثلاً مبيعات مطاعم الوجبات السريعة ( مكدونالدز، و K.F.C ) بنحو 80% في السعودية، وانخفضت مبيعات مشروبات البيبسي كولا بنسبة 46% في مصر (وذلك حسب بعض التقديرات التي نشرت في نوفمبر 2000)، واتجه الناس للمأكولات والمشروبات الشعبية، بل واضطرت الشركات الأجنبية الأمريكية لإنزال إعلانات عدم العلاقة بالكيان الصهيوني، بل والتبرع لضحايا الانتفاضة، كما حدث مع مطاعم مكدونالدز التي تبرعت بريال سعودي لكل وجبة طعام، لعلاج جرحى الانتفاضة[164]. وتحولت مطاعم الوجبات السريعة الأمريكية إلى محلات مهجورة في كثير من الأماكن، وذلك بعد أن كانت تشهد إقبالاً متزايداً قبل الانتفاضة[165]. واعترف السفير الأمريكي في السعودية بخسارة بلاده لمئات الملايين من الدولارات في النصف الأول من سنة 2002 نتيجة حملات المقاطعة في السعودية. وتردد في شهر فبراير 2003 أن شركة كوكاكولا تدرس الانسحاب من السوق المصرية نتيجة خسارتها أكثر من نصف رأسمالها بسبب حملات المقاطعة[166].

 

الخامسة: أن التسوية السلمية قائمة على الظلم والغصب، وأن جماهير الفلسطينيين والعرب والمسلمين ترفض التنازل عن حقوقها في الأرض المقدسة، وأنها لا تأمل من الغاصب الصهيوني سلاماً ولا خيراً، وأنها ترى في الجهاد الوسيلة الأنجع لاسترداد الحقوق.

 

السادسة: برزت أهمية الإعلام ودوره في التعبئة، إذ تمكن المسلمون من كسر الطوق الإعلامي الغربي المتصهين، من خلال الفضائيات العربية، وخدمات الانترنت والبريد الإلكتروني، وخصوصاً في المراحل الأولى من الانتفاضة.

 

 ومن جهة أخرى، فقد تميزت هذه الانتفاضة بالمشاركة الشعبية الواسعة في كل أرجاء فلسطين المحتلة، وبمشاركة كافة التيارات الفلسطينية. كما تميزت في الوقت نفسه، بشدة القمع الصهيوني الذي تمادى في قتل الأطفال والأبرياء واستخدام الأسلحة المحرمة دولياً، وانكشفت سوءات أدعياء السلام "الصهاينة" الذين تباروا في سحق الانتفاضة المباركة.

 

وقد ثبت أبناء فلسطين ثباتاً بطولياً طوال الانتفاضة، ولا يزالون. وعلى الرغم من اختلاف المصادر في التحديد الدقيق لخسائر الانتفاضة وأعداد الضحايا، إلا أننا نختار هنا أرقام مركز المعلومات الوطني الفلسطيني التابع للسلطة الفلسطينية، وهي تميل إلى التوسط والاعتدال. وتشير إحصاءات هذا المركز إلى أن عدد شهداء الانتفاضة منذ اندلاعها في 29 سبتمبر 2000 وحتى 31 يناير 2003 كان 2271 شهيداً، بينهم 401 تحت سن الثامنة عشر. أما عدد الجرحى فبلغ خلال الفترة نفسها 33637 جريحاً. انظر الجدول المرفق المستخلص من إحصاءات مركز المعلومات الوطني الفلسطيني[167]:

 

 

الشهداء

الجرحى

 

الضفة الغربية

قطاع عزة

المجموع

الضفة الغربية

قطاع غزة

المجموع

29/9 - 31/12/2000

193

126

319

6575

4798

11373

سنة 2001

342

253

595

7927

3660

11587

سنة 2002

803

479

1282

8010

1895

9905

شهر يناير 2003

34

41

75

602

170

772

المجموع

1372

899

2271

23114

10523

33637

 

أما تقديرات وزارة الصحة الفلسطينية للفترة نفسها (29 سبتمبر 2000 - 31 يناير 2003) فتزيد عن 2800 شهيد، بينهم أكثر من 530 شهيداً دون سن الثامنة عشر. وتضيف إحصاءات وزارة الصحة إلى قائمتها الشهداء الذين لم يُسجّلوا رسمياً، والمرضى الذين تُوفُّوا نتيجة منع الصهاينة سيارات الإسعاف من نقلهم للمستشفيات[168].

 

وقد تعمد الصهاينة إطلاق النار بقصد القتل وليس لتفريق المظاهرات، أو مجرد مواجهة حجارة المنتفضين، فذكرت التقارير أن 65% من الإصابات كانت في الجزء العلوي من الجسد، أي في الرأس والرقبة والصدر والبطن، وأن 40% من الإصابات كانت باستخدام أسلحة محرمة دولياً مثل رصاص الدمدم الذي يتفجر في الجسد، ورصاص 500، و 800 الذي يستخدم عادة ضد الدبابات!!، وكانت نسبة 40% من الإصابات ليافعين وأطفال تحت سن 18 سنة[169]. كما تبنى الصهاينة سياسة الاغتيال السياسي لنشطاء الانتفاضة، حيث استشهد من جراء ذلك حتى نهاية ديسمبر 2002 نحو 180 فلسطينياً من مختلف الفصائل الفلسطينية[170] مثل جمال منصور وجمال سليم من قيادات حماس، ومثل أبو علي مصطفى الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

 

وتشير التقديرات إلى أن الاقتصاد الفلسطيني (الناشئ المنهك) قد خسر في السنتين الأوليين للانتفاضة نحو 11.7 مليار دولار، أي بمعدل خسارة يزيد عن 16 مليون دولار يومياً. وأن الناتج المحلي انخفض بنسبة 70%، وارتفعت نسبة البطالة من 11% قبل الانتفاضة إلى 65% وتصل إلى 85% في حالات الإغلاق والحصار. كما تشير التقديرات ذاتها إلى أن معدلات الفقر وصلت إلى 70%[171]. وفضلاً عن ذلك فقد قام الصهاينة بتدمير - أو إلحاق أضرار كبيرة - بأكثر من 11 ألف منـزل، واجتثوا مئات الآلاف من الأشجار المثمرة.

 

غير أن كافة الأساليب القمعية لم تفلح في قمع الانتفاضة التي أخذت طابعاً عسكرياً زاد قوة مع تطور الأحداث، وتعمد الكيان الصهيوني أسلوب التعتيم الإعلامي، وإخفاء خسائره الحقيقية، وعدم الإعلان إلا عما لا يمكن إخفاؤه، وإعطاء أرقام أقل للحفاظ على معنويات المجتمع الصهيوني وجنوده، وعلى الثقة بالقيادة الصهيونية، وإشعار المجاهدين أن فعالياتهم وعملياتهم غير مؤثرة، فضلاً عن إضعاف روح التفاعل العربي والإسلامي مع القضية.

 

وقد شاركت الفصائل الفلسطينية كافة في العمليات العسكرية. وتميزت حركة حماس بدورها البارز وبعملياتها الاستشهادية التي أحدثت دوياً هائلاً، وزعزعت الأمن في الكيان الإسرائيلي حيث نفذ معظمها في فلسطين المحتلة سنة 1948. وحتى نهاية يناير 2003 حدثت نحو 90 عملية استشهادية نفذت حماس أغلبها وأكثرها أثراً. كما نفذت كل من كتائب شهداء الأقصى التابعة لفتح وسرايا القدس التابعة لحركة الجهاد الإسلامي مجموعة من هذه العمليات. وقد بلغ عدد قتلى الكيان الإسرائيلي من العمليات الاستشهادية 297 قتيلاً من أصل 724 قتلوا في الفترة 29 سبتمبر 2000 وحتى 31 يناير 2003[172]، أي بنسبة 41% من مجموع القتلى. وقدمت كتائب شهداء الأقصى عدداً من الاستشهاديات اللاتي نفذن عمليات استشهادية أمثال وفاء إدريس وآيات الأخرس. وركزت كتائب شهداء الأقصى على عمليات إطلاق الرصاص ضد المستوطنين وقوات الاحتلال في الضفة والقطاع. وكان لحركة الجهاد الإسلامي دورها المتميز من خلال مجموعة من العمليات القوية المؤثرة، كما نفذت الجبهتان الشعبية والديموقراطية عدداً من العمليات. ومن العمليات التي تستحق الإشارة عملية اغتيال وزير السياحة الإسرائيلي "رحبعام زئيفي" وهو جنرال سابق في الجيش، ومن أشد الصهاينة تطرفاً. وقد نُفذت هذه العملية بجرأة وبراعة منتقمة لاغتيال أمينها العام أبو علي مصطفى.

ويوضح الجدول التالي الخسائر البشرية الإسرائيلية خلال الفترة 29 سبتمبر 2000 وحتى 31 يناير 2003[173]:

 

 

جنود

مدنيين

المجموع

القتلى

218

506

724

الجرحى

1469

3593

5062

 

وقد بلغت عدد عمليات المقاومة الفلسطينية في سنة 2001 نحو 10400 وفي سنة 2002 نحو 5400 عملية، لكن العمليات الاستشهادية على قلتها النسبية كانت الأكثر أثراً. وينبغي الإشارة إلى أن كثيراً من الإصابات في صفوف "المدنيين" الإسرائيليين هي في الحقيقة إصابات في جنود احتياط، إذ إن كل اليهود تقريباً في فلسطين المحتلة فوق سن الـ 18 يخضعون للتدريب العسكري الإجباري، سواء كانوا من الرجال أم النساء. أما الأغلبية الكبرى للشهداء الفلسطينيين فهي من المدنيين.

 

وعلى الرغم من أسلوب الردع العنيف الذي تبنّاه الصهاينة، فإن هذه الانتفاضة قد أدت إلى سقوط حكومة حزب العمل الإسرائيلي بزعامة باراك، وهزيمة باراك الساحقة في انتخابات رئاسة الوزراء الإسرائيلية 6 فبراير 2001، حيث اختار الصهاينة رجلاً أكثر دموية وتطرفاً، ومشهوراً بمذابحه ضد الفلسطينيين، هو أرييل شارون زعيم الليكود. ثم إنهم أعادوا اختيار شارون وحزبه في انتخابات 28 يناير 2003 ليستمر في سياسته القمعية الدموية، في محاولة يائسة لسحق الانتفاضة.

 

وفقد المجتمع الصهيوني شعوره بالأمن، وأصبح الصهاينة يتجنبون ركوب الحافلات، ويخففون من التسوق قدر الإمكان، لئلا يحدث انفجار في أي لحظة وفي أي مكان. وتبخرت أحلامه في فرض شروطه المهينة على العرب والمسلمين، وارتفعت جدران العداء والدماء من جديد لتوقف مد التسوية والتطبيع وتركيع المنطقة للمشروع الصهيوني. كما أعاد الكيان الصهيوني إلى أذهان العالم صورة وجهه البشع من جديد، وتحول نموذج استشهاد الطفل محمد الدرة -الذي رآه العالم- إلى كابوس يفضح الحقد والوحشية الصهيونية.

 

وقد عاني الكيان الصهيوني من تدهور وضعه الاقتصادي، والذي كان يشهد ازدهاراً كبيراً قبل بدء الانتفاضة. فقد تعطّلت السياحة تقريباً وهي التي تمثل ثاني أكثر مصدر للدخل. وحسب تقرير رسمي صادر عن دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية فإن سنة 2002 كانت الأسوأ من الناحية الاقتصادية في تاريخ الكيان الصهيوني منذ خمسين عاماً (سنة 1953). وذكر التقرير أن الناتج المحلي الإجمالي تراجع بنسبة 1% سنة 2002، استمراراً لانخفاض بنسبة 0.9% سنة 2001 مقارنة بارتفاع 7.4% سنة 2000[174]، وارتفعت نسبة البطالة إلى 10.5% سنة 2002 ويتوقع أن ترتفع إلى 12% سنة 2003. وارتفع عدد الإسرائيليين تحت خط الفقر إلى 20% أي نحو مليون و 200 ألف. وانخفض المعدل السنوي لإنتاج الفرد بنحو ثلاثة آلاف دولار (من 18600 سنة 2000 إلى 15600 سنة 2002). وحسب تقرير القسم الاقتصادي في اتحاد المستقلين "لاهاف" فقد أغلق في سنة 2002 نحو خمسين ألف متجر كما يتوقع إغلاق عشرات الآلاف من المشاريع التجارية والمتوسطة سنة 2003[175]. وحسب بعض التقديرات فإن مجموع الخسائر الاقتصادية الإسرائيلية خلال السنتين الأوليين للانتفاضة بلغت نحو 8 مليارات دولار أي نحو 11 مليون دولار يومياً.

 

وهكذا فإن الفرق الجوهري الذي أحدثته الانتفاضة هو أن الشعب الفلسطيني لم يعد الجهة الوحيدة التي تدفع ثمن الاحتلال والغطرسة الصهيونية من شهداء وجرحى ودمار، وإنما أصبح الكيان الإسرائيلي يدفع غالياً ثمن احتلاله وظلمه، وهو ما يذكرنا بقوله تعالى: "إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون"[176].

 

لقد أحدثت هذه الانتفاضة هزة عميقة في الكيان الصهيوني، وأصابته في صميم القاعدتين اللتين بنى عليهما وجوده المادي، وهما الأمن والازدهار الاقتصادي. وأخذ عشرات الآلاف من اليهود يحزمون حقائبهم ويغادرون الكيان الصهيوني إلى أوربا وأمريكا وأستراليا، وأظهرت استطلاعات الرأي العام أن أكثر من 25% من اليهود في فلسطين يفكرون جدياً في المغادرة وترك البلاد. وأظهر استطلاع أجرته صحيفة الجيروزالم بوست الإسرائيلية يوم 29 نوفمبر 2002 أن 69% من الإسرائيليين يعيشون حالة الخوف من التعرض لإصابات أو الموت بسبب العمليات الاستشهادية[177]. وفي المقابل، فإنه على الرغم من قسوة المعاناة الفلسطينية فقد أظهر استطلاع للرأي نشر في 18 ديسمبر 2002 أن   80% من الفلسطينيين يؤيدون استمرار الانتفاضة، وأن 63% يؤيدون العمليات الاستشهادية[178].

 

ولا زال الكيان الصهيوني بقيادة الإرهابي شارون مصرّاً على قمع الانتفاضة، وإلغاء مكاسبها. وقد استفاد مؤخراً من أجواء انشغال العالم بأحداث تدمير مبنى التجارة العالمي في نيويورك في 11 سبتمبر 2001، وما تلاه من هجوم أمريكا وحلفائها على أفغانستان، ومحاولة القضاء على حركة طالبان وبن لادن... استفاد من ذلك ليستخدم أشرس ما في جعبته من قتل وتدمير وتخريب. لكن الخشية الحقيقية على هذه الانتفاضة تأتي من وسط الشعب الفلسطيني، وبشكل أكثر تحديداً من احتمالات تعاون السلطة الفلسطينية مع الكيان الصهيوني في وأد الانتفاضة بحجة العودة إلى طاولة المفاوضات، وإمكانية تحقيق مكاسب سياسية.

 

المقاومة الشعبية العربية والإسلامية للمشروع الصهيوني

الإخوان المسلمون في حرب 1948 نموذجاً

كان هناك تعاطف شامل وواسع لدى شعوب العالم العربي والإسلامي مع محنة إخوانهم في فلسطين. وطوال تاريخ القضية في القرن العشرين شكلت الشعوب أدوات ضغط على حكوماتها للسعي لتحرير فلسطين ومواجهة المشروع الصهيوني. وأسهمت كثير من المؤسسات الشعبية في العديد من المظاهرات، وإصدار البيانات، وإقامة مؤتمرات التضامن والتوعية، وفي جمع التبرعات. لكن الإطار الشعبي كان عادة ما يَتْرك (أو يجبر على تَرْك) الفعل العسكري لجيوش الأنظمة العربية. وكانت عادة ما تحدث مبادرات فردية تشارك مُتطوعةً ضمن فصائل العمل الفلسطيني.

 

وقد اخترنا الحديث عن نموذج الإخوان المسلمين في مشروع المقاومة لأن الإخوان استطاعوا منذ مرحلة مبكرة في أوائل الأربعينيات الانتشار التنظيمي في عدد من الأقطار العربية، بحيث امتلكوا القاعدة الأساسية لمشاركة عربية ـ إسلامية متعددة الجنسيات، مما لم يتوفر لغيرهم من معظم الاتجاهات والأحزاب. ولأن قضية فلسطين كانت قضية جوهرية محورية في فكر واهتمامات الإخوان في تلك الفترة وحتى الآن. ولأنهم أسهموا بشكل مباشر، وعلى نحو جادّ وفعال، ليس في العمل الدعائي والتعبوي وجمع التبرعات فقط، وإنما في المقاومة المسلحة والعمل العسكري. وربما كان أكثر ما يلفت النظر، أن مركز قيادة العمل والتحرك الجهادي وروحه الدافعة أتت أساساً من مصر وليس من فلسطين. أي لم تكن مشاركتهم رمزية ضمن إطار فلسطيني، وإنما كانت مشاركة واسعة في إطار عربي إسلامي، كان الإخوان الفلسطينيون جزءاً منه، بل وتابعاً لقيادات من جماعتهم من جنسيات أخرى، في إطار روح وحدوية متماسكة. كما أن النموذج الإخواني ظل نموذجاً شعبياً لم يصل إلى سدّة الحكم، ولم يستفد مباشرة من أدوات السلطة لإنشاء أحزاب أو حركات محسوبة على نظام حكمه.

 

وتكمن أهمية التجربة الإخوانية في إثبات روح الأمة الواحدة، وإمكان توسيع دائرة الصراع ضد العدو الصهيوني، وتعبئة طاقات الجماهير العربية والإسلامية باتجاه التحرير. ولعل الحزب القومي السوري وحزب البعث قد سعيا للمشاركة في حرب 1948، ولكن مشاركتهما كانت محدودة قياساً إلى حجم مشاركة الإخوان وأثرهم، ولذلك أيضاً مِلْنا للتركيز على نموذجهم.[179]

نشأة حركة الإخوان المسلمين وطبيعتها:

أسس الشيخ حسن البنا حركة (الإخوان المسلمين) في مارس عام 1928 في مدينة الإسماعيلية في مصر.[180]

وقد أراد الشيخ حسن البنا من تأسيس هذه الحركة إحياء معاني الإسلام الصحيحة في النفوس، والالتزام بتعاليمه عقيدة وسلوكاً ومنهج حياة، وبناء الفرد المسلم والأسرة المسلمة والمجتمع المسلم والدولة المسلمة، وتخليص البلاد الإسلامية من الاستعمار بكافة أشكاله، وإقامة الخلافة الإسلامية الواحدة على بلاد المسلمين، وسيادة العالم.[181]

وقد اكتسبت جماعة الإخوان المسلمين من خلال هذا الطرح فهماً متكاملاً وشاملاً للطرح الإسلامي، بحيث شمل جوانب الحياة المختلفة، حيث أبدى الإخوان اهتماماً بالجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والجهادية، بالإضافة إلى الجوانب العبادية والعقدية، فهي حسب تعبير مؤسسها الشيخ البنا "دعوة سلفية .. وطريقة سنية .. وحقيقة صوفية .. وهيئة سياسية .. وجماعة رياضية .. ورابطة علمية ثقافية .. وشركة اقتصادية .. وفكرة اجتماعية"،[182] كما عبر عن هذا الفهم الشعار الذي يردده الإخوان دائماً في لقاءاتهم وأنشطتهم: الله غايتنا، الرسول قدوتنا، القرآن دستورنا، الجهاد سبيلنا، الموت في سبيل الله أسمى أمانينا.[183]

وكان من الطبيعي بناءً على هذا الفهم أن يهتم الإخوان المسلمون بقضايا المسلمين المختلفة فيذكر الشيخ حسن البنا "إن كل أرض يقال فيها لا إله إلا الله محمد رسول الله هي جزء من وطننا، له حرمته وقداسته، والإخلاص له والجهاد في سبيل خيره"، ولأن فلسطين كانت أسخن القضايا الإسلامية الحساسة في ذلك الوقت ـ وما تزال ـ فقد أولاها الإخوان المسلمون دائماً "المقام الأوفى في عنايتهم واهتمامهم".[184]

الإخوان المسلمون وقضية فلسطين:

وقد بدأ اهتمام حركة الإخوان بقضية فلسطين يبرز بشكل واضح أمام عامة الناس مع انفجار الثورة الكبرى في فلسطين (1936 ـ 1939). فلقد نشط الإخوان المسلمون في الدعاية الإعلامية لقضية فلسطين في مصر نشاطاً كبيراً فشكلوا لجنة لمساعدة فلسطين، ودعوا إلى مشروع "قرش فلسطين" لدعم أهل فلسطين وثورتهم، وطبعوا المنشورات التي تهاجم الإنجليز وسياستهم في فلسطين، وركزوا في مجلتهم (النذير) على خدمة قضية فلسطين وإبرازها إعلامياً، واستفادوا من منابر المساجد للدعوة للقضية، وأرسلوا الطلاب في الصيف إلى أنحاء القطر المصري للدعوة للفكر الإسلامي وإلى مساعدة فلسطين، كما دعوا إلى مقاطعة المحلات اليهودية في مصر، ووزعوا كتاب "النار والدمار في فلسطين" (الذي أصدرته اللجنة العربية العليا) بشكل واسع في مصر فكان له أثر إعلامي عظيم، كما دعوا إلى القنوت في الصلاة من أجل فلسطين، كما أرسلوا الرسائل والبرقيات إلى المسئولين في الدولة وأصحاب النفوذ للتدخل لمساعدة فلسطين، والعمل الجاد على حل قضيتها.[185]

وعندما انعقد المؤتمر العربي لنصرة قضية فلسطين في "بلودان" في 10 سبتمبر 1937 أبرق حسن البنا باسم الإخوان المسلمين في مصر إلى المؤتمر برقية يعلن فيها استعداد جماعة الإخوان المسلمين للدفاع عن فلسطين بدمائهم وأموالهم.[186]

ونظم "الإخوان" وجمعية الشبان المسلمين مظاهرة كبرى في مصر في يونيو 1938 لنصرة فلسطين، وقد اصطدمت بالشرطة مما أدى إلى اعتقال 34 من المتظاهرين،[187] كما نظموا مظاهرة كبرى بمناسبة وعد بلفور في نوفمبر 1938، شملت جميع أرجاء مصر، فكانت تنبيهاً قوياً للشعب المصري على أهمية قضية فلسطين.[188]

ويبدو أن الإخوان المسلمين المصريين قد شاركوا بشكل محدود في الثورة الكبرى في فلسطين (1936 ـ 1939)، فيذكر كامل الشريف أن عدداً من شباب الإخوان قد استطاعوا التسلل إلى فلسطين والاشتراك مع المجاهدين في جهادهم خاصة في مناطق الشمال.[189] (حيث جماعة القسام)، كما يبدو أن المفتي (الحاج أمين) قد شهد بصحة هذا الكلام،[190] وفي مقابلة للباحث مع الدكتور عصام الشربيني يذكر أن الدكتور إبراهيم أبو النجا (عضو مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان سابقاً) أخبره أن الإخوان في مصر قد احتفلوا بذهاب بعض الإخوان إلى فلسطين للجهاد في الثورة الفلسطينية الكبرى (1936 ـ 1939)،[191] كما أن في حديث محمود عبد الحليم عن قضية أحمد رفعت ما يشير إلى اتصال الإخوان بمجاهدي فلسطين والتنسيق معهم،[192] وعلى هذا فنحن لا نستبعد مشاركة الإخوان بشكل فردي في الثورة الكبرى.

 

ويذكر الإخوان المسلمون عادة أن أهم أسباب إنشاء النظام الخاص داخل جماعة الإخوان هو مشاركة أعضائه في الجهاد لتحرير فلسطين من الانتداب البريطاني، وإفشال المخطط اليهودي في بناء الوطن القومي على أرضها، وقد كان أعضاء هذا النظام ـ الذي أُنشئ في مطلع الأربعينيات ـ يُختارون من خلاصة الإخوان، وينظمون في عضويته في سرية تامة، ويتم تربيتهم على معاني الجهاد، ويخضعون لتدريبات بدنية شاقة والتدريب على السلاح.[193]

نشأة حركة الإخوان في فلسطين:

كانت أولى الإشارات عندما بدأ الإخوان نشر دعوتهم في فلسطين في أغسطس 1935 عندما زارها عبد الرحمن الساعاتي ومحمد أسعد الحكيم، ولقيا ترحيباً هناك من الحاج أمين، حيث قاما بنشر دعوتهم.[194] وخلال الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945) زادت زيارات الإخوان لفلسطين، وأخذ عدد من أبناء فلسطين ينضمون للإخوان، غير أن تشكيل فروع للإخوان لم يتم ـ على ما يظهر ـ إلا بعد انتهاء الحرب، حيث خفّت ظروف القهر والتشديد البريطاني، ونشطت الحركة السياسية الفلسطينية. ويبدو أن أول فروع الإخوان إنشاءً كان فرع غزة برئاسة الحاج ظافر الشوا، ثم تأسس فرع يافا برئاسة ظافر الدجاني، أما فرع القدس فقد أنشئ سنة 1945، ثم جرى حفل افتتاح مميز له في 5 مايو 1946 وحضره الزعيم الفلسطيني جمال الحسيني، وأنشئ فرع حيفا برئاسة الشيخ عبد الرحمن مراد، وتتابع إنشاء الفروع في قلقيلية، واللد، ونابلس، وطولكرم، والمجدل، وسلواد، والخليل، حتى زادت الفروع عن عشرين فرعاً.[195]

وقد نشطت جماعة الإخوان في فلسطين في مجالات الدعوة والتربية والتوعية الإسلامية، والتعريف بالخطر الصهيوني، والمؤامرة على فلسطين، والتعبئة للجهاد.

 

وقد عقد الإخوان الفلسطينيون مؤتمراً عاماً في حيفا في 18 أكتوبر 1946 حضره ممثلون عن لبنان والأردن. وقد حملت القرارات أبعاداً تنظيمية داخلية وسياسية محلية وخارجية تؤكد الوعي والتفاعل السياسي مع الأحداث. وقد جاءت في القرارات:

  1. اعتبار حكومة فلسطين مسؤولة عن الوضع السياسي المضطرب.

  2. تأييد الجامعة العربية.

  3. تأييد مطالب مصر بالجلاء ووحدة النيل.

  4. عرض قضية فلسطين على مجلس الأمن.

  5. تأييد المشاريع التي ترمي إلى إنقاذ الأراضي.

  6. عدم الاعتراف باليهود الطارئين على البلاد.

  7. تعميم شعب "الإخوان المسلمين" في فلسطين.[196]

وبعد عام من انعقاد المؤتمر السابق عقد الإخوان المسلمون مؤتمراً آخر كبيراً في حيفا في 27 أكتوبر 1947 ومن بين القرارات التي اتخذها المؤتمر:

  1. يعلن الإخوان المسلمون تصميمهم على الدفاع عن بلادهم بجميع الوسائل. واستعدادهم للتعاون مع جميع الهيئات الوطنية في هذا السبيل.

  2. يعلن المؤتمرون باسم هيئة الإخوان المسلمين في سائر الأقطار الممثلة، استنكارهم لكل محاولة تعلل العرب والمسلمين بتحقيق الأهداف الوطنية عن طريق مجلس الأمن أو هيئة الأمم المتحدة، بعد أن أسفرت المحاولات الكثيرة عن حقيقة هذه المنظمات الدولية، وأنها ليست إلا ثوباً خالصاً لمطامع الدول الكبرى المستعمرة.

  3. يعلن المؤتمرون أن هيئة الإخوان المسلمين ستحمل نصيبها كاملاً من تكاليف النضال.

  4. يعلن مندوبو الإخوان المسلمين في شرق الأردن أنهم على استعداد كامل لحمل نصيبهم في تحرير فلسطين.

  5. يجدد المؤتمر البيعة على أن يكونوا الجند البررة الصادقين لدعوة الإخوان المسلمين حتى يتم الله نوره، ويجمع شمل المسلمين والعرب على كلمة الخير في ظل العزة والكرامة.

  6. تأليف مجالس المناطق حسب النظام الذي وضعه المكتب الإداري للإخوان المسلمين.

  7. يبتهل المؤتمرون إلى الله تعالى أن ينجي مصر من وباء الكوليرا، وأن يحقق [النصر] لجميع الشعوب الإسلامية والعربية الشقيقة.

  8. الاتصال بالهيئة العربية العليا للبحث في بعض الشئون الوطنية العامة.[197]

ونلاحظ في هذه القرارات مدى جديتها وقوتها ومتابعتها للأحداث السياسية والواقعية، حيث كان للقرارات السياسية نصيب الأسد فيها، كما نلاحظ المضمون الجهادي الذي تمخضت عنه هذه القرارات، والتي كانت متفوقة في مضمونها وطبيعتها عن الاتجاهات السياسية السائدة في تلك الفترة.

 

وقد نشط الإخوان الفلسطينيون في تعبئة الجماهير للجهاد ضد الإنجليز واليهود، واعترفت الرواية الإسرائيلية الرسمية لحرب فلسطين 1947 ـ 1948 بذلك، حتى إن المؤسسات القومية اليهودية احتجت واشتكت عليهم للسلطات البريطانية.[198] ولكن لا ينبغي المبالغة في قدرة الإخوان الفلسطينيين وإمكاناتهم. إذ كانوا جديدين إلى حد ما على الساحة، ولم يبلغ انتشارهم حجماً سياسياً كبيراً يؤهلهم للتأثير في القرار السياسي الفلسطيني المحليّ. وكانوا بشكل عام أنصاراً للحاج أمين الحسيني الذي كان صديقاً شخصياً للشيخ حسن البنا. كما أن إمكاناتهم كانت محدودة جداً مقارنة بما لدى اليهود أو بما تحتاجه فلسطين في عملية الدفاع عنها. غير أن هذا لم يمنع أن يمثلوا في تلك الفترة حالة جهادية مضحية واعية، ذات روح وطنية قوية منفتحة.

 

دور الإخوان المسلمين في حرب فلسطين 1947 ـ 1948:

شارك الإخوان المسلمون الفلسطينيون في الجهاد عندما اندلعت حرب 1947 ـ 1948، إلا أن حداثة تنظيمهم وعدم نموه واستقراره بشكل مناسب وقوي جعلت مشاركتهم محصورة ضمن قدراتهم المحدودة وإمكاناتهم المتواضعة.

 

ومع ذلك فقد شكلت شُعب الإخوان في فلسطين قوات غير نظامية منذ بداية الحرب، عملت في أماكن استقرارها في الشمال والوسط تحت القيادات العربية المحلية هناك (التي تتبع جيش الإنقاذ أو جيش الجهاد المقدس). وقد قامت بغارات ناجحة على مستعمرات اليهود وطرق مواصلاتهم، على الرغم من الضعف الشديد الذي كانت تعانيه سواء في التسليح أو التدريب، ولذلك لا نجد ذكراً رسمياً لدور الإخوان في هذه المناطق بشكل عام. أما في المناطق الجنوبية وخصوصاً غزة وبئر السبع فقد انضم العديد من إخوان فلسطين إلى قوات الإخوان (المصرية) الحرة بقيادة كامل الشريف، وشاركوا بقوة وفاعلية في معارك فلسطين هناك. ويذكر كامل الشريف أن قوات الإخوان المصرية الحرة كان معدل عددها 200 مجاهد في مناطق جنوب فلسطين، وأنها كان يشاركها الجهاد حوالي 800 مجاهد آخر من أبناء فلسطين، تحت قيادتها، حيث إن كثيراً منهم تأثروا بفكر الإخوان المسلمين وأصبحوا منهم.[199]

وكانت أنشط شعب الإخوان مشاركة في الجهاد شعبة الإخوان المسلمين في يافا، وقد كان هناك (تنظيم عسكري سري خاص) ضمن أعضاء الإخوان في يافا، شارك فيه عدد محدود من الإخوان ممن يصلحون لهذا العمل، ولم يكن باقي الإخوان أعضاء فيه أو يعلمون شيئاً عنه، وقد ظهر نشاطه الجهادي مع بداية الحرب.[200]

وعندما تشكلت لجنة قومية في يافا مع بدء الحرب شارك ضمن قيادتها ممثل عن الإخوان المسلمين وهو رئيس الفرع هناك (ظافر راغب الدجاني)، وقد ألفت هذه اللجنة لجاناً عديدة لتعنى بمختلف الشؤون في المدينة، وقد أُسندت مهمة إدارة اللجنة الاقتصادية لظافر الدجاني، الذي كان يشغل أيضاً رئاسة الغرفة التجارية في المدينة.[201]

وعندما جاء كامل الشريف إلى منطقة يافا مع سرية من شباب الجامعات، تولى هو قيادة مجاهدي الإخوان حيث تجمع تحت قيادته حوالي 100 مجاهد،[202] وتولى كامل الشريف قيادة منطقة في يافا اسمها (كرم التوت) وتقع بين يافا وتل أبيب، حيث تقع معارك يومية بين المجاهدين واليهود. كما شارك الإخوان المجاهدون في الهجوم على مستعمرة بتاح تكفا، ثم ما لبث كامل الشريف أن انتقل إلى منطقة النقب.[203]

ويذكر عارف العارف أنه كان للإخوان المسلمين في يافا قوات متحركة يبلغ عددها 30 مجاهداً بقيادة حسن عبد الفتاح والحاج أحمد دولة، وكان عندهم 30 بندقية ورشاش و2 ستن، وقد كانوا يهبون لنجدة المواقع كلما دعت الحاجة.[204]

ويقول يوسف عميرة إن الإخوان تولوا في أثناء الحرب الدفاع عن مناطق البصة وتل الريش والعجمي والنـزهة في يافا، فضلاً عن المحافظة على الأمن داخل المدينة، كما يؤكد على الدور المشرف الذي قام به الإخوان في يافا، حيث كان الالتزام بالإسلام من سماتهم، وكان الدفاع والقتال عن إيمان بالله.[205]

وفي منطقة القدس شارك إخوان فلسطين في القتال مع إخوانهم القادمين من البلاد العربية أو مع قوات الجهاد المقدس.

 

دور الإخوان المسلمين المصريين:

تذكر بيان نويهض أن اهتمام الإخوان المسلمين بتحرير فلسطين كان اهتماماً صادقاً ومرتكزاً على الإيمان الديني العميق.[206] ولأن الإخوان في مصر قد أصبحوا في تلك الفترة من أنشط وأقوى الاتجاهات فيها فقد كان لهم الدور الأكثر قوة من بين إخوان الدول العربية المشاركين في حرب فلسطين.

 

فقبل إعلان الحرب، قام الإخوان في مصر بمهمة تهيئة الشعب لفكرة الجهاد، وانطلقوا في أرجاء القطر المصري داعين للجهاد في سبيل الله لإنقاذ الأرض المباركة،[207] كما قاموا بالعديد من المظاهرات القوية والتي كان لها أثرها في زيادة وعي الجماهير بقضية فلسطين،[208] وقاموا بحملة لجمع التبرعات لفلسطين،[209] كما أخذوا يجوبون صحراء مصر الغربية لتوفير السلاح من بقايا الحرب العالمية الثانية للجهاد في فلسطين.[210]

وفي 9 أكتوبر 1947 أبرق الشيخ حسن البنا إلى مجلس الجامعة العربية يقول إنه على استعداد لأن يبعث كدفعة أولى عشرة آلاف مجاهد من الإخوان إلى فلسطين، وتقدم فوراً إلى حكومة النقراشي طالباً السماح لفوج من هؤلاء المجاهدين باجتياز الحدود ولكنها رفضت.[211] وفي 15 ديسمبر 1947م قام الإخوان بمظاهرة كبرى، وممن خطب في هذه المظاهرة رياض الصالح، والأمير فيصل بن عبد العزيز، وجميل مردم بك، وإسماعيل الأزهري، وقد خطب أيضاً حسن البنا الذي أكد "أن الإخوان المسلمين قد تبرعوا بدماء عشرة آلاف متطوع للاستشهاد في فلسطين ... وهم على أتم استعداد لتلبية ندائكم".[212]

بدأ الإخوان المسلمون المصريون بالتوجه فعلاً للجهاد في فلسطين منذ أكتوبر 1947م، أي قبل بدء الحرب في فلسطين بأكثر من شهر، وقد سافرت أول كتيبة من الإخوان بإمارة محمد فرغلي وقيادة محمود لبيب،[213] لكن التضييق الشديد من الحكومة المصرية على سفر الإخوان قد جعل مشاركتهم محدودة، وقد اضطر الإخوان للتحايل فاستأذنوا بعمل رحلة علمية إلى سيناء، فأذنت لهم الحكومة بعد إلحاح شديد ومن هناك انطلقوا إلى فلسطين. وأخذ الإخوان يتسللون سراً حيث تجمعوا في معسكر النصيرات، وأخذوا يقومون بالعمليات الجهادية. وبهذا بدأت العمليات الجهادية العسكرية في صحراء النقب وانضم للإخوان الكثير من المجاهدين من عرب فلسطين، حتى صاروا أضعاف عدد الإخوان أنفسهم فيما بعد. وبدأت حرب عصابات تُبشر بنجاح رائع، إلا أن الحكومة المصرية طلبت من المركز العام للإخوان سحب قواته من النقب، فرفض فقطعت عنهم الحكومة الإمدادات والتموين، وراقبت الحدود، إلاّ أنهم وجدوا من عرب فلسطين كل مساعدة وعون.[214]

ومن طريف ما يرويه عباس السيسي أنه زار مع أحد الضباط معسكر مجاهدي الإخوان المسلمين في البريج، وكان الحارس على بوابة المعسكر فتى لا يتجاوز الثالثة عشر من عمره ومعه بندقية، فسلما عليه وسأله الضابط عن اسمه:

فقال الفتى: قيس

فقال الضابط: وأين ليلاك يا قيس؟

فقال الفتى بكل ثقة: إن ليلاي في الجنة.

 

فذهلا من هذا الرد الذي خشعت له قلوبهما، وكان في هذا الكفاية للتعرف على المعنويات العالية الموجودة داخل المعسكر قبل دخولهما!![215]

ولما اشتد الضغط على الحكومة المصرية سمحت للمتطوعين بالمشاركة في الجهاد تحت راية الجامعة العربية، حيث تدربوا في معسكر (هاكستب)، وكان يشرف على حركة التطوع محمود لبيب وكيل الإخوان للشئون العسكرية، وتألفت ثلاث كتائب من المتطوعين يقدر عددها بـ600 مقاتل، نصفهم تقريباً من الإخوان المسلمين، وقد طبعوا هذه الكتائب بطابعهم الخاص، وكان أبرز قادة هذه الكتائب أحمد عبد العزيز وعبد الجواد طبالة.[216]

ولم يكْفِ معسكر هاكستب لاستيعاب المتطوعين، إذ إن المتطوعين كانوا عشرات الأضعاف بالنسبة للمشاركين، فأرسل الإخوان 100 من أفرادهم ليتدربوا في معسكر (قطنا) في سوريا، وهم كل ما استطاع المركز العام للإخوان أن يقنع الحكومة المصرية بقبوله.[217]

وقد سافرت هذه الكتيبة عن طريق ميناء بورسعيد في 10 مارس 1948، وقبل مغادرتها خرجت بورسعيد عن بكرة أبيها لتحيَّتهم وتوديعهم، وخطب البنا في الجميع ومما قاله "هذه كتيبة الإخوان المسلمين المجاهدة بكل عددها وأسلحتها تتقدم للجهاد في سبيل الله ومقاتلة اليهود أعداء الإسلام والوطن. ستذهب إلى سوريا حتى تنضم إلى باقي المجاهدين، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، وفي هذا فليتنافس المتنافسون".[218]

وقد استقبلت هذه الكتيبة في سوريا استقبالاً شعبياً كبيراً، وكان في مقدمة المستقبلين المراقب العام للإخوان في سوريا مصطفى السباعي، وعمر بهاء الدين الأميري، والشيخ محمد الحامد وغيرهم، وفي ظهر يوم الثلاثاء 23 مارس سافر حسن البنا إلى دمشق على متن طائرة لتفقد أحوال المتطوعين هناك.[219]

قام الإخوان المسلمون بدور مشرف في حرب فلسطين اعترف لهم به كل من كتب عن هذه الحرب،[220] وكان لهم دور مشهود في جنوب فلسطين في مناطق غزة ورفح وبئر السبع، حيث كانوا يهاجمون المستعمرات ويقطعون مواصلات اليهود. ومن أبرز المعارك التي شاركوا فيها هناك معركة التبة 86 التي يذكر العسكريون أنها هي التي حفظت قطاع غزة عربياً، ومعركة كفار ديروم، واحتلال مستعمرة ياد مردخاي وغيرها، كما أسهموا بدور هام في تخفيف الحصار عن القوات المصرية المحاصَرَة في الفالوجا. كما كان للإخوان المصريين مشاركتهم الفعالة في معارك القدس وبيت لحم والخليل وخصوصاً صور باهر. وكان من أبرز المعارك التي شاركوا فيها في تلك المناطق معركة رامات راحيل، واسترجاع مار الياس، وتدمير برج مستعمرة تل بيوت قرب بيت لحم، والدفاع عن "تبة اليمن" التي سميت تبة الإخوان المسلمين نظراً للبطولة التي أبدوها ... وغيرها.[221]

وقد استشهد من إخوان مصر في معارك فلسطين حوالي مائة، وجرح نحو ذلك وأسر بعضهم.[222] وكانت وطأة الإخوان شديدة على اليهود، وقد سئل موشي ديان بعد الحرب بقليل عن السبب الذي من أجله تجنب اليهود محاربة المتطوعين في بيت لحم والخليل والقدس فأجاب "إن الفدائيين يحاربون بعقيدة أقوى من عقيدتنا .. إنهم يريدون أن يستشهدوا ونحن نريد أن نبني أمة، وقد جربنا قتالهم فكبدونا خسائر فادحة .. ولذا فنحن نحاول قدر الإمكان أن نتجنب الاشتباك بهم"،[223] وكتبت مجلة حائطية في الجامعة العبرية تعليقاً تحت صورة للشيخ حسن البنا ذكرت فيه "إن صاحب الصورة كان من أشد أعداء إسرائيل، لدرجة أنه أرسل أتباعه عام 1948، من مصر ومن بعض البلدان العربية لمحاربتنا، وكان دخولهم الحرب مزعجاً لإسرائيل لدرجة مخيفة ..."،[224] ولذلك كان انتقام اليهود من الإخوان رهيباً إذا وقعوا أسرى في أيديهم، فقد كانوا يقتلونهم، ويشوهون أجسامهم.[255]

لقد كان من أشد المناظر التاريخية إيلاما أن مئات الإخوان المصريين الذين تمكنوا من المشاركة في المعارك وقاموا بأدوار بطولية، كان مصيرهم الاعتقال والسجون حتى قبل عودتهم إلى مصر، حيث تم حل جماعة الإخوان في مصر في ديسمبر قبل أن تنتهي المعارك، وقامت المخابرات المصرية باغتيال حسن البنا نفسه في 11 فبراير 1949 قبل قليل من توقيعها اتفاقية الهدنة مع الكيان الصهيوني لإنهاء الحرب.

 

دور الإخوان المسلمين السوريين:

قام الإخوان السوريون بدور مشهود خصوصاً في معارك منطقة القدس وقد تدربت كتيبة الإخوان السوريين في (قطنا) ثم سافرت إلى منطقة القدس وقد شارك من الإخوان السوريين حوالي 100 أخ، بقيادة المراقب العام للإخوان المسلمين في سوريا مصطفى السباعي، وقد اشتركوا ببسالة في معارك القدس مثل معركة باب الخليل التي أصيب فيها 35 منهم بجراح، وكان النصر معقوداً فيها للمجاهدين، ومعركة القسطل حيث شارك فيها فوجٌ، منهم عبدَ القادر الحسيني، ومعركة الحي القديم في القدس، ومعركة القطمون، ونسف الكنيس اليهودي الذي اتخذه اليهود مقراً حربياً وغيرها.[226]

وكان الدفاع عن مناطق القدس التالية: الشيخ جراح، المصرارة، سعيد وسعيد، من مسئولية الأخ عدنان الدبس، وكان الأخوان زهير الشاويش وكامل حتاحت مسئولين عن الدفاع عن القطمون. كما تألف من الإخوان السوريين فريق لحفظ الأمن والانضباط في المدينة بقيادة الشيخ ضيف الله مراد، ثم انضم إليه بعد انتهاء معارك القطمون الأخ زهير الشاويش، الذي طارد اللصوص والفجار وأغلق الخمارات وأندية القمار، وشعر السكان في المدينة بالأمن والطمأنينة إثر ذلك، وجاء وفد منهم يشكرون الإخوان على جهودهم. أما الإشراف على الاتصال بين المراكز وأمور السلاح والذخيرة فكان يشرف عليه الأخ لطفي السيروان،[227] وقد استشهد العديد من الإخوان السوريين في أثناء المعارك كما جُرح الكثيرون. وذكر السباعي أسماء عشرة منهم في نهاية حديثه عن دور الإخوان السوريين في حرب فلسطين.[228]

دور الإخوان المسلمين الأردنيين:

تفاعل سكان شرق الأردن مع حرب فلسطين، وشكل الإخوان المسلمون هناك لجنة لجمع التبرعات والمساعدات، كما فتحوا باب التطوع للمشاركة في الجهاد، وكان تجاوب الناس رائعاً، فيذكر محمد عبد الرحمن خليفة أنه عندما فتح باب التطوع في شعبة السلط سجل أكثر من ثلاثة آلاف شخص أنفسهم.[229]

وتكونت من إخوان منطقة عمان وما حولها سرية متطوعين تضم نحو 120 مجاهداً من الإخوان المسلمين، وسميت باسم سرية أبي عبيدة وقد تولى قيادتها الإخوانية الحاج عبد اللطيف أبو قورة المراقب العام للإخوان المسلمين في الأردن في تلك الفترة، أما قيادتها العسكرية فقد تولاها الملازم المتقاعد ممدوح الصرايرة، وقد دخلت فلسطين في 14 إبريل 1948 وتمركزت في عين كارم وصور باهر.[230]

وقد خاضت هذه السرية عدة معارك واستشهد عدد من أفرادها مثل سالم المسلم وبشير سلطان.[231]

وفي إربد تولى مسئول شعبة الإخوان هناك السيد أحمد محمد الخطيب قيادة الإخوان فيها في حرب فلسطين، وبلغ مجموع من شارك معه في الجهاد من إخوان إربد وأهلها المتطوعين حوالي مائة مجاهد، بحيث كان يشترك في المعركة الواحدة من 20 ـ 25 مجاهداً.[232]

وكان إخوان إربد يقومون بمهاجمة المستعمرات القريبة من الحدود، ويرجعون إلى إربد ثانية بعد القيام بعملياتهم، وقد استشهد من إخوان إربد شهيدٌ واحد، كما أصيب أحمد الخطيب بجراح خطيرة حيث تماثل للشفاء بعد فترة طويلة.[233]

دور الإخوان المسلمين العراقيين:

بعد أسبوع واحد من قرار التقسيم أسهم الإخوان المسلمون في العراق بقيادة الشيخ محمد محمود الصواف بشكل فعال في تأليف (جمعية إنقاذ فلسطين) في بغداد، ولقد لبى نداء التطوع 15 ألفاً معظمهم ممن تدرب في الجندية أو الشرطة. وكان للإخوان المسلمين في تلك الفترة دور أساسي في تعبئة الجماهير للجهاد، وكانوا على رأس المظاهرات التي خرجت للتنديد بقرار تقسيم فلسطين، والتي اشترك فيها 200 ألف عراقي في بغداد.[234]

وتألف من المتطوعين للجهاد فوجا الحسين والقادسية وسرية المغاوير وغيرها، وكلما تدرب فريق منهم كانت الجمعية ترسله إلى اللجنة العسكرية في دمشق، وفي السابع من يناير 1948 وصلت أول سرية مغاوير إلى دمشق، وبعد أسبوع وصل فوجان آخران مع السلاح والعتاد. وبينما كانت الجمعية تستعد لإرسال فوج جديد تلقت إنذاراً من اللجنة العسكرية، بأن تكف عن إرسال المتطوعين حتى إشعار آخر!! كما أشار صالح جبر (بعد أن وقع معاهدة بورتسموث) بعدم إرسال أكثر من 500 متطوع، كما أن طه الهاشمي قال لرئيس الجمعية "إذا أرسلتم مدداً آخر من المتطوعين أعدتهم إلى بغداد على نفقة الجمعية!!" فاكتفت الجمعية بعد ذلك بإرسال التبرعات،[235] وقد كان الإخوان من أبرز وأنشط عناصر هذه الجمعية،[236] وقد وصلت كتيبتا الحسين والقادسية من متطوعي العراق (كل واحدة تتكون من 360 مقاتلاً) إلى فلسطين في مارس 1948.[237]

كما اشترك ضمن الأفواج التي ذهبت للجهاد الكثير من إخوان العراق الذين قاتلوا ضمن قوات جيش الإنقاذ، ورأوا الكثير من تخاذل وضعف وسوء إدارة قيادته وعلى رأسه فوزي القاوقجي، إلا أنهم بذلوا ما استطاعوا في المعارك التي شاركوا فيها خصوصاً في شمال فلسطين.[238]

 

 

هوامش الكتاب


[149] حول حرب 1982، انظر: المرجع نفسه، ص 491-507، وانظر: Herzog, op. cit., pp. 339-359.

[150] حسب المصادر "الإسرائيلية" فإن خسائر م.ت.ف حتى منتصف يوليو 1982 كانت ألف شهيد وستة آلاف أسير، وخسرت سوريا 370 شهيداً وألف جريح و250 أسيراً، كما خسرت سوريا 350-400 دبابة، و86 طائرة مقاتلة، وخمس طائرات هليوكبتر، و19 منصة إطلاق صواريخ، وخسر الكيان الإسرائيلي 35-40 دبابة، وطائرة حربية واحدة، وطائرتي هليوكبتر، و300 قتيل، و1600 جريح. انظر: Herzog, op. cit., p. 353.

[151] حول هذه العمليات، انظر: الكيلاني، مرجع سابق، ص 498، وص 506.

[152] المرجع نفسه، ص 506-507.

[153] غسان حمدان، الانتفاضة المباركة: وقائع وأبعاد (الكويت: مكتبة الفلاح، 1989)، ص 36-38.

[154] انظر: البيان الأول في: أسعد عبد الرحمن ونواف الزرو، الانتفاضة: مقدمات ونتائج، تفاعلات وآفاق (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1989)، ص 194-195.

[155] انظر مثلاً: جواد الحمد، "الانتفاضة الكبرى وتطور القضية الفلسطينية"، في المدخل إلى القضية الفلسطينية، ص 407-413.

[156] جريدة صوت الشعب، الأردن، 8 ديسمبر 1993.

[157] جواد الحمد، "الانتفاضة الكبرى وتطور القضية الفلسطينية"، في المدخل إلى القضية الفلسطينية، ص 410.

[158] انظر: الرأي 7 يناير 1996، والأعداد الصادرة في 26 فبراير - 5 مارس 1996، وفلسطين المسلمة، إبريل 1996، وقد نفذت حماس أربع عمليات انتقاماً لاستشهاد يحيى عياش أدت إلى مقتل 47 صهيونياً وجرح 105 آخرين (حسب المصادر "الإسرائيلية")، ونفذت الجهاد الإسلامي العملية الخامسة - بالتنسيق مع حماس - مما أدى إلى مقتل 14 صهيونياً وجرح 125 آخرين (حسب المصادر "الإسرائيلية").

[159] انظر: أخبار الصحف العربية، مثلاً: الرأي والدستور ليومي 9-10 أكتوبر 1990.

[160] غطت الصحف العربية اليومية هذه الانتفاضة، مثلاً: الرأي والدستور 25-29 سبتمبر 1996.

[161] الخليج، 23 فبراير 2000.

[162] انظر مثلاً: جريدة الأيام، فلسطين، 16 فبراير 2000، نقلاً عن يديعوت أحرونوت، 15 فبراير 2000.

[163] جريدة الخليج، 10 نوفمبر 2000.

[164] يمكن مراجعة التقارير المنشورة في الإنترنت في أشهر أكتوبر وديسمبر 2000 في Islamonline.com، Palistine-info.org، لقراءة العديد من النماذج والتقارير.

[165] انظر مثلاً حول الآثار القوية للمقاطعة في مصر في: الخليج، 27 ديسمبر 2002.

[166] انظر مجلة المجتمع، الكويت، 22 فبراير 2003.

[167]  www.pnic.gov.ps

[168]  حسب تصريح وزير الصحة الفلسطيني لقناة فلسطين الفضائية فإن عدد الشهداء حتى منتصف فبراير 2003 هو 2836 شهيداً، انظر الخليج، 16 فبراير 2003.

[169] الخليج، 11 ديسمبر 2000.

[170] www.pnic.gov.ps

[171] الخليج، 19 ديسمبر 2002.

[172]  www.pnic.gov.ps

[173]  Ibid، ذكرت جريدة معاريف الإسرائيلية في 8 يناير 2003 أن عدد القتلى الإسرائيليين بلغ 718 قتيلاً و 4049 جريحاً قُتل منهم 297 في العمليات الاستشهادية، وأن 213 قتيلاً و 1447 جريحاً كانوا من الجيش والشرطة. انظر:

 www.palestine-info.info/arabic/palest-day/dailynews/2003/jam03/9-1/details.htm#2.

[174]  انظر: www.cbs.gov.il، وانظر: قدس برس، نشرة بانوراما، 2 يناير 2003.

[175]  قدس برس، نشرة بانوراما، 3 يناير 2003.

[176]  سورة النساء: 104.

[177] نقلاً عن: http://news.bbc.co.uk, 30/11/02

[178]  جريدة الخليج، 18 فبراير 2003.

[179] تعتمد المعلومات التي نضعها بين يدي القارئ هنا أساساً على جزء من فصل سبق وأن كتبناه، ونُشر ضمن كتاب: التيار الإسلامي في فلسطين، والذي سبقت الإشارة إليه.

[180] حسن البنا، مذكرات الدعوة والداعية، ط5 (بيروت ـ دمشق: المكتب الإسلامي، 1983)، ص 28.

[181] حسن البنا، مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا (القاهرة: دار الشهاب، لا تاريخ)، ص 271 ـ 273.

[182] المرجع نفسه، ص 156 ـ 157.

[183] نفس المرجع، ص 271، 273 ـ 274.

[184] كامل الشريف، الإخوان المسلمون في حرب فلسطين، ط3 (الزرقاء، (الأردن): مكتبة المنار، 1984)، ص 31.

[185] محمود عبد الحليم، الإخوان المسلمون: أحداث صنعت التاريخ ـ رؤية من الداخل 1928 ـ 1948، (الإسكندرية: دار الدعوة، 1983)، ج1، ص 173 ـ 177، وحسن البنا، مذكرات الدعوة والداعية، ص 207 ـ 215، 224 ـ 226، 226.

[186] أكرم زعيتر، الحركة الوطنية الفلسطينية 1935 ـ 1939 (من أوراق أكرم زعيتر)، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، سلسلة الدراسات، رقم 55 (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1980)، ص 322.

[187] المرجع نفسه، ص 403.

[188] محمود عبد الحليم، مرجع سابق، ص 177.

[189] كامل الشريف، مرجع سابق، ص 31.

[190] ريتشارد ميتشل، الإخوان المسلمون، ترجمة محمود أبو السعود، تعليق صالح أبو رقيق (انديانا بوليس، (الولايات المتحدة)، دار النشر الأمريكية، 1980)، ص 142.

[191] عصام الشربيني، مقابلة، الكويت: 16 أكتوبر 1985. (الدكتور عصام الشربيني أحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين منذ عام 1943).

[192] محمود عبد الحليم، مرجع سابق، ص 200 ـ 201. (أحمد رفعت: أحد أفراد "الإخوان" في مصر، وقد خرج من جماعتهم إثر فتنة وقعت كان هو من أسبابها، فأراد بعد ذلك الذهاب لفلسطين للجهاد فأشار عليه الإخوان بأن يأخذ بنصيحتهم فيلتحق بمن لهم به علاقة هناك فيزكونه لهم فرفض، وذهب باجتهاده فقتله المجاهدون الفلسطينيون ظناً منهم أنه جاسوس).

[193] المرجع نفسه، ص 258 ـ 260، وميتشل، مرجع سابق، هامش ص 108.

[194] حسن البنا، مذكرات الدعوة والداعية، ص 198 ـ 199.

[195] انظر: محسن صالح، التيار الإسلامي في فلسطين، ص 438 ـ 445.

[196] بيان الحوت، مرجع سابق، ص 503.

[197] المرجع نفسه، ص 794.

[198] حرب فلسطين 1947 ـ 1948 (الرواية الإسرائيلية الرسمية)، ص 14.

[199] كامل الشريف، مرجع سابق، ص 64.

[200] كامل الشريف، مقابلة، عمّان، الأردن: 28 أكتوبر 1985.

[201] يوسف عميرة، مقابلة، الكويت: 6 نوفمبر 1985.

[202] عارف العارف، مرجع سابق، ج1، ص 227 ـ 229.

[203] يوسف عميرة، مقابلة، الكويت: 6 نوفمبر 1985.

[204] عارف العارف، مرجع سابق، ج1، ص 234.

[205] يوسف عميرة، مقابلة، الكويت: 6 نوفمبر 1985.

[206] بيان نويهض، مرجع سابق، ص 504.

[207] كامل الشريف، مرجع سابق، ص 34، وعبد العزيز علي، مقابلة، الكويت: 27 سبتمبر 1985. (عبد العزيز علي: أحد مجاهدي الإخوان المسلمين المصريين في حرب 1948)، ومحمد علي الطاهر، معتقل هاكستب: مذكرات ومفكرات (مصر: المطبعة العالمية، 1950)، ص 61.

[208] انظر مثلاً: محمود عبد الحليم، مرجع سابق، ص 412، وعصام الشربيني، مقابلة، الكويت: 16 أكتوبر 1985.

[209] عصام الشربيني، مقابلة، الكويت: 16 أكتوبر 1985.

[210] ريتشارد ميتشل، مرجع سابق، ص 151 ـ 152.

[211] عارف العارف، مرجع سابق، ج2، ص 398.

[212] محمود عبد الحليم، مرجع سابق، ص 412.

[213] صلاح شادي، صفحات من التاريخ: حصاد العمر (الكويت: دار الشعاع، 1980)، ص 56.

[214] كامل الشريف، مرجع سابق، ص 40 ـ 41، 71 ـ 74، 126، وصلاح شادي، مرجع سابق، ص 63.

[215] عباس السيسي، في قافلة الإخوان المسلمين (دون مكان: دون ناشر، 1986)، ص 166.

[216] عارف العارف، مرجع سابق، ج2، ص 399، وكامل الشريف، مرجع سابق، ص 45، 78، وعبد العزيز علي، مقابلة، الكويت: 27 سبتمبر 1985.

[217] صلاح شادي، مرجع سابق، ص 63.

[218] عباس السيسي، مرجع سابق، ص 152 ـ 153.

[219] نفس المرجع، ص 153.

[220] زكريا سليمان بيومي، الإخوان المسلمون والجماعات الإسلامية في الحياة السياسية المصرية 1928 ـ 1948 (القاهرة: مكتبة وهبة، 1979)، ص 131.

[221] عن العمليات العسكرية للإخوان بالتفصيل انظر: كامل الشريف، مرجع سابق.

[222] صلاح شادي، مرجع سابق، ص 63.

[223] حلمي سلام، "كان الفدائيون قوة فأضعناها"، مجلة المصور، عدد 1351، 1 سبتمبر 1950، ص 19.

[224] زياد محمود علي، عداء اليهود للحركة الإسلامية (عمّان، الأردن: دار الفرقان، 1982)، ص 19 ـ 20.

[225] كامل الشريف، مرجع سابق، ص 39 ـ 40.

[226] انظر: مصطفى السباعي، الإخوان المسلمون في حرب فلسطين، دار النذير، (دون مكان، دار النذير، 1985)، وعارف العارف، مرجع سابق، ج1، ص 326، 329، 435 ـ 437.

[227] مصطفى السباعي، مرجع سابق، ص 27.

[228] المرجع نفسه، ص 28 ـ 57.

[229] محمد عبد الرحمن خليفة، مقابلة، عمّان (الأردن): 30 أكتوبر 1985.

[230] سليمان موسى، أيام لا تنسى: الأردن في حرب 1948 (الأردن: مطبعة القوات المسلحة الأردنية، 1982)، ص 44 ـ 45، ومحمد عبد الرحمن خليفة، مقابلة، عمان (الأردن): 30 أكتوبر 1985.

[231] سليمان موسى، مرجع سابق، ص 45.

[232] أحمد محمد الخطيب، مقابلة، عمّان (الأردن): 29 أكتوبر 1985.

[233] أحمد محمد الخطيب، مقابلة، عمّان (الأردن): 29 أكتوبر 1985.

[234] محمد محمود الصواف، مقابلة، الكويت: 2 ديسمبر 1985، وبيان الحوت، مرجع سابق، ص 612.

[235] بيان الحوت، مرجع سابق، ص 612 ـ 613.

[236] محمد محمود الصواف، مقابلة، الكويت: 2 ديسمبر 1985.

[237] حرب فلسطين 1947 ـ 1948 (الرواية الإسرائيلية الرسمية)، ص 221.

[238] انظر لمزيد من المعلومات: محمد محمود الصواف، معركة الإسلام أو وقائعنا في فلسطين بين الأمس واليوم (لبنان، دون ناشر، 1969)، ص 158 ـ 175.