|
الفصل الثاني
منظمات وحركات التحرير الفلسطينية
أولاً - المؤسسات الناطقة باسم الشعب
الفلسطيني:
شعب فلسطين جزء
من الأمة العربية والإسلامية. وقبل ظهور الدول القُطرية في عالمنا
العربي والإسلامي، كان شعب فلسطين ممثلاً بشكل طبيعي في بنية الدول
الإسلامية التي تتابعت على حكم المنطقة من راشدين وأمويين وعباسيين
ومماليك وعثمانيين ... ولم تكن هناك مشكلة هوية أو انتماء وذلك لشعور
الجميع بالانتماء والولاء لأمة الإسلام، بغض النظر عن نظام الحكم.
غير أن ظهور الأيديولوجيات القومية والوطنية، وسقوط الدولة
العثمانية، ووقوع فلسطين ـ وغيرها من بلدان العالم الإسلامي ـ تحت
الاستعمار، وقيام الاستعمار بتقطيع بلدان العالم الإسلامي إلى وحدات
مختلفة، لها حدودها الخاصة التي تعزلها عن غيرها. كل ذلك جعل شعب كل
منطقة يقوم بنفسه بأعباء مواجهة الاستعمار، فتشكلت لذلك حركات وطنية
وإسلامية، قادت شعوبها نحو التحرر والاستقلال.
وعندما سقط
الحكم العثماني في فلسطين نهائياً في سبتمبر 1918، اعتبر الفلسطينيون
أنفسهم تابعين للحكومة العربية التي تشكلت في دمشق في مطلع أكتوبر
1918 بزعامة فيصل بن الشريف حسين. فقد كان الفلسطينيون ممثلين في
المؤتمر السوري العام، وكان الكثير من رجالاتهم في دمشق، وكان منهم
نواب في المؤتمر السوري الذي أعلن استقلال سوريا في 8 مارس 1920.
وظلت فلسطين تُعدُّ "سوريا الجنوبية" طوال عهد الحكومة العربية في
دمشق، إلى أن سقطت هذه الحكومة إثر معركة ميسلون في 24 يوليو 1920،
وبِدْء الاستعمار الفرنسي على سوريا.[239]
وكان أول شكل
تمثيلي لأبناء فلسطين هو "المؤتمر العربي الفلسطيني" الذي عَقَد باسم
عرب فلسطين سبع دورات خلال 1919 ـ 1928. ولأن الفلسطينيين كانوا تحت
الاستعمار البريطاني ومحرومين من ممارسة حقوقهم السياسية، فقد كان
هذا المؤتمر مؤسسة وطنية تشبه المجلس النيابي، تنبثق عنها قيادة هي
"اللجنة التنفيذية" والتي كانت تمثل الفلسطينيين سياسياً. وفي
المؤتمرين الأول (القدس 27 يناير ـ 9 فبراير 1919) والثاني (دمشق 27
فبراير 1920) جرى التأكيد على أن فلسطين جزء من سوريا، فضلاً عن رفض
الهجرة اليهودية، والمطالبة باستقلال العرب ووحدتهم. ومنذ المؤتمر
الثالث (حيفا 13 ـ 19 ديسمبر 1920) صار على الفلسطينيين لزاماً أن
ينظموا أمورهم بالاعتماد على أنفسهم، بعد أن أحكم الاستعمارين
البريطاني والفرنسي قبضتهما على المنطقة. فطالبوا بإنشاء حكومة وطنية
في فلسطين، مسئولة أمام مجلس نيابي ينتخبه الشعب العربي. ومنذ ذلك
المؤتمر، تولى رئاسة اللجنة التنفيذية موسى كاظم الحسيني الذي أصبح
رسمياً زعيم الحركة الوطنية الفلسطينية إلى حين وفاته سنة 1934.[240]
وبسبب عوامل
الضعف والتفكك التي أصابت الحركة الوطنية الفلسطينية خلال 1923 ـ
1928 فقد ضعفت فعالية المؤتمر العربي ولجنته التنفيذية. وفي الوقت
نفسه، أخذت تبرز شخصية الحاج أمين الحسيني مفتي القدس ورئيس المجلس
الإسلامي الأعلى، الذي قاد الحركة الوطنية من وراء ستار. ومنذ 1932
أخذت تظهر الأحزاب الفلسطينية، وكان أولها حزب الاستقلال ثم ظهرت
أحزاب الدفاع (النشاشيبية)، والعربي (حزب المفتي ـ الحسينية)،
وغيرها.[241]
غير أن الحزب العربي الذي حظي بدعم المفتي كان أقواها وأكثرها شعبية.
ومع وفاة موسى كاظم تلاشى عملياً المؤتمر العربي، وحلت مكانه الأحزاب
السياسية.
وعندما اندلعت
الثورة الكبرى في إبريل 1936 شكَّلت الأحزاب العربية "اللجنة العربية
العليا" برئاسة الحاج أمين الحسيني (في 25 إبريل 1936) الذي نزل إلى
الميدان، وأخذ يتولى قيادة الحركة الوطنية مباشرة، وليس من وراء ستار
كما كان يحدث من قبل. وأصبحت "اللجنة العربية العليا" هي الجهة التي
تمثل الفلسطينيين وتطلعاتهم.[242]
وبعد أن انتهت
الحرب العالمية الثانية أعاد الفلسطينيون ترتيب أنفسهم، وشكّلوا
"الهيئة العربية العليا"[243]
برئاسة الحاج أمين الحسيني في 11 يونيو 1946. وحظيت هذه الهيئة بدعم
الهيئات والأحزاب والفئات الفلسطينية، وبالتفاف الشعب الفلسطيني
حولها، واعترفت الدول العربية بها ممثلة للفلسطينيين. غير أن الهيئة
العربية العليا عانت من عدم قدرتها على العمل المتناسب مع خطورة
المرحلة في داخل فلسطين، بسبب وجود الاستعمار البريطاني فيها، والذي
منع عدداً من قياداتها من دخول فلسطين، وبالذات الحاج أمين الحسيني.
كما عانت اللجنة من مشاكلها (ومشاكل رئيسها) مع عدد من الأنظمة
العربية وخصوصاً الأردن والعراق، وقامت الأنظمة العربية بفرض
قراراتها وتوجهاتها على الهيئة وتجاهل قيادتها وتجاوزها، بحجة أن
قضية فلسطين قضية عربية، وأن الأنظمة العربية تتولى عملية التحرير.
بينما كان عدد من الأنظمة العربية لا يزال تحت النفوذ الاستعماري
القوي لبريطانيا والنفوذ المتصاعد لأمريكا، واللتان تدخلتا بفعالية
لتحديد سياسات هذه الدول، والخطوط الحمراء لتحركها تجاه فلسطين. وحتى
عندما دخلت الجيوش العربية فلسطين في مايو 1948 فإنها منعت الحاج
أمين الحسيني من دخول فلسطين أو الوجود في الأماكن التي سيطرت عليها،
ولم تمكِّن الأنظمة العربية الحاج أمين ورفاقه من تولي تنظيم وقيادة
الشعب الفلسطيني في المناطق المحررة، بل باشرت بنفسها نزع أسلحة
الفلسطينيين، وخصوصاً جيش الجهاد المقدس الذي نظمته الهيئة العربية
العليا.
وكانت الهيئة
العربية العليا قد قررت إنشاء حكومة فلسطينية لملء الفراغ الناتج عن
انسحاب بريطانيا من فلسطين، وسعت خلال أشهر مارس وإبريل والنصف الأول
من مايو 1948 لإقناع الحكومات العربية بذلك، ولكن دون جدوى. وفي 23
سبتمبر 1948 قامت الهيئة بإعلان "حكومة عموم فلسطين" في غزة برئاسة
أحمد حلمي عبد الباقي. وقد أقرَّت الحكومات العربية ذلك، واعترفت
بحكومة عموم فلسطين، ما عدا حكومة الأردن. وتأكيداً لشرعيتها، قامت
حكومة عموم فلسطين والهيئة العربية العليا بالدعوة إلى مجلس وطني
فلسطيني في غزة في الأول من أكتوبر 1948 برئاسة الحاج أمين. وقد
انعقد المؤتمر بحضور جمهرة كبيرة من الشخصيات الفلسطينية، حيث تم
الإعلان عن شرعية الحكومة الجديدة، وتقرر إعلان استقلال فلسطين،
وإقامة دولة حرة ديموقراطية ذات سيادة، بحدودها الدولية المتعارف
عليها في أثناء الاحتلال البريطاني.
وقام ملك الأردن
الملك عبد الله من جانبه بالسعي لتمثيل الفلسطينيين، فانعقد بدعمه في
عمان في الأول من أكتوبر 1948 مؤتمر في عمان برئاسة الشيخ سليمان
التاجي الفاروقي أنكر على مؤتمر غزة تمثيله للفلسطينيين. وانعقد في
أريحا مؤتمر في الأول من ديسمبر 1948 برئاسة محمد علي الجعبري رئيس
بلدية الخليل، تم الإعلان فيه عن وحدة الأرضي الأردنية والفلسطينية،
ومبايعة الملك عبد الله ملكاً على فلسطين. وفي آخر ديسمبر من العام
نفسه، انعقد مؤتمرٌ ثالثٌ في رام الله ورابعٌ في نابلس، وقد أيدا
قرارات مؤتمر أريحا. وقد أثار موقف الأردن معارضة شديدة في الأوساط
العربية والفلسطينية الرسمية والشعبية، غير أن سيطرة القوات الأردنية
على معظم ما تبقى من فلسطين (الضفة الغربية) مكّنها من منع حكومة
عموم فلسطين من ممارسة صلاحياتها، وتم في النهاية توحيد الضفة
الغربية مع شرق الأردن في إبريل 1950.[244]
وعندما حاولت
حكومة عموم فلسطين ممارسة صلاحياتها في قطاع غزة، تدخلت السلطات
المصرية، فنقلت الحاج أمين الحسيني بالقوة إلى القاهرة، وأجبرت عدداً
من أعضاء المجلس الوطني على مغادرة غزة إلى القاهرة. ثم ما لبثت أن
أكرهت رئيس وأعضاء حكومة عموم فلسطين على الانتقال إلى مصر. وبقيت
حكومة عموم فلسطين قائمة في مصر دون أن تستطيع القيام بأي من الأعمال
المنوطة بها، لا سيما في الحقل السياسي. وفرضت السلطات المصرية
حصاراً على دار الهيئة العربية العليا في القاهرة، ووضعت الحاج أمين
تحت رقابة مُشدَّدة، حرمته من حرية العمل والتنقل. ومع الزمن، لم تعد
حكومة عموم فلسطين غير هيئة شكلية ظلَّت تبعث بممثلين عنها لحضور
اجتماعات الجامعة العربية. أما الحاج أمين والهيئة العربية العليا
فقد عانيا من استمرار الحصار والتجاهل، واضطر الحاج أمين لمغادرة
القاهرة سنة 1958 إلى لبنان، بسبب الضغط والتضييق من عبد الناصر
عليه، وخصوصاً لخلفيته الإسلامية وعلاقاته المتميزة بالإخوان
المسلمين الذين كان عبد الناصر يلاحقهم ويسجنهم. وعملياً، فقد انتهى
أي تأثير للهيئة العربية العليا بإنشاء منظمة التحرير الفلسطينية سنة
1964، وظهور العمل الفدائي الفلسطيني، وبوفاة الحاج أمين الحسيني
نفسه في 4 يوليو 1974، ولا يزال لهذه الهيئة مكتب صغير في عمان.[245]
منظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف):[246]
كانت فلسطين
ممثلة لدى جامعة الدول العربية منذ إنشائها سنة 1945. فقد مثَّلها في
البداية موسى العلمي، ثم تولى ذلك أحمد حلمي عبد الباقي إلى حين
وفاته سنة 1963. وفي أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن
العشرين أخذت الساحة الفلسطينية تموج بالحركات والمنظمات الفدائية
والسياسية التي تسعى لتحرير فلسطين. وكان نجاح الثورة الجزائرية سنة
1962 عاملاً مُحفِّزاً ونموذجاً دفع الكثير من الفلسطينيين للاعتقاد
بإمكان أن يتولى أبناء القُطر الواحد عملية المقاومة والتحرير في
الوقت الذي يتلقون الدعم والإسناد من أشقائهم العرب. كما كان فشل
تجربة الوحدة المصرية ـ السورية 1958 ـ 1961 عاملاً آخر في دفع
الفلسطينيين إلى عدم انتظار تحقق الوحدة العربية، وعدم التعويل
عليها، بالنظر إلى واقع الأنظمة العربية وخلافاتها. وقد خشيت الأنظمة
العربية ـ وخصوصاً مصر ـ أن يفلت زمام القضية الفلسطينية من يدها،
فبادرت إلى محاولة إيجاد شكل مؤسسي تمثيلي للفلسطينيين، يستوعب
الساحة الفلسطينية، ويُبقي الأمور تحت السيطرة قدر الإمكان.
ولم تعبأ
الجامعة العربية - في دورتها الأربعين سنة 1963 - برأي الهيئة
العربية العليا ولا حكومة عموم فلسطين في تعيين مندوب فلسطين لدى
الجامعة. وعينت بنفسها أحمد الشقيري الذي حظي بدعم عبد الناصر، وقد
أُرفق بقرار اختياره تكليفه ببحث القضية الفلسطينية في جميع جوانبها،
والوسائل التي تؤدي إلى دفعها في ميدان الحركة والنشاط. وعندما انعقد
مؤتمر القمة العربي الأول في القاهرة في 13 يناير 1964 أصدر قراراً
بإنشاء كيانٍ فلسطيني يُعبِّر عن إرادة شعب فلسطين، ويقيم هيئة تطالب
بحقوقه، لتمكينه من تحرير أرضه وتقرير مصيره. ومن الجدير بالذكر أن
الجامعة العربية كانت قد أقرَّت سنة 1959 فكرة إنشاء كيان فلسطيني،
لكنه ظلَّ عرضة للتسويف والتأجيل، إلى أن أعيد إحياء الفكرة سنة
1963.
وقام أحمد
الشقيري، مستفيداً من الدعم المصري، ومن حماسة الفلسطينيين لإنشاء
كيان خاص بهم، بعمل ثلاثين جولة في مناطق التجمعات الفلسطينية. وقام
خلال الجولة بوضع "الميثاق الوطني الفلسطيني" والنظام الأساسي
"لمنظمة التحرير الفلسطينية"، وأجرى ترتيبات عقد مؤتمر فلسطيني عام
في القدس، والذي انعقد في 28 مايو ـ 2 يونيو 1964، وقام الملك حسين
بافتتاحه. وسمُّي هذا المجلس "المجلس الوطني الأول" وهو الذي أعلن
إنشاء "منظمة التحرير الفلسطينية"، وانتخب أحمد الشقيري رئيساً لها،
وأقر الميثاق القومي الفلسطيني، كما قرر إعداد الشعب الفلسطيني
عسكرياً للقيام بدوره في تحرير وطنه، كما وافق على إنشاء الصندوق
القومي الفلسطيني.
وقد أكد الميثاق
القومي الفلسطيني[247]
على عروبة فلسطين، وحق أبناء فلسطين في أرضهم، ورفض المشروع
الصهيوني، ورفض الاعتراف بالدولة اليهودية الصهيونية، ورفض قرار
تقسيم فلسطين. وأكد تصميم الشعب الفلسطيني على المضي قدماً على طريق
الجهاد المقدَّس حتى يتحقق له النصر النهائي، واعتبر أن تحرير فلسطين
وتحقيق الوحدة العربية هدفان متكاملان يؤدي أحدهما إلى تحقيق الآخر،
ويجب أن يسيرا جنباً إلى جنب. وقد اتسم هذا الميثاق بروح قومية
علمانية عكست الواقع السياسي والأيديولوجي العربي والفلسطيني في ذلك
الوقت.
لم يكن مطلوباً
من الشقيري أن ينشئ "الكيان" الفلسطيني، إذ كان مكلفاً فقط بتقديم
دراسته وتوصياته عن الموضوع إلى مؤتمر القمة العربي الثاني. لكن
الشقيري "تجاوز صلاحياته" ـ بدعم مصري ـ وأنشأ م.ت.ف على أرض الواقع،
خشية أن تعود القضية إلى أدراج الجامعة العربية ومداولات لجانها
و"يموت" المشروع مرة أخرى.
وقد عادت
"إشكالية" حق تمثيل الفلسطينيين لتبرز مرة أخرى بإنشاء م.ت.ف. وتميز
الأمر بحساسية شديدة خصوصاً بالنسبة إلى الأردن التي يحمل غالبية
الفلسطينيين جنسيتها، ويُشكِّلون غالبية سكانها. وقد اضطر الشقيري
لطمأنة الملك حسين مراراً مؤكداً أن تركيز عمل م.ت.ف سيكون على تحرير
الأرض "غرب" الضفة الغربية (أي فلسطين المحتلة 1948). ومع ذلك فإن
محاولات م.ت.ف إنشاء قوات فلسطينية وتجنيد الفلسطينيين في الضفة
الغربية قد لقي معارضة الأردن. ودخلت العلاقة بين م.ت.ف والأردن
مرحلة من التوتر والاتهامات المتبادلة منذ 1966، مما أعاق عمليات
تنظيم وتعبئة الفلسطينيين غربي الأردن وشرقيه.
وفي الوقت نفسه
نظرت المنظمات الفدائية الفلسطينية (فتح وغيرها) إلى م.ت.ف نظرة شكٍّ
وتوجُّس، وعدّتها نتاج الواقع العربي بضعفه وتمزقه وخشيت أن تكون
أداة لهيمنة الأنظمة العربية على الساحة الفلسطينية. ولذلك لم تندمج
هذه المنظمات أو تشارك في م.ت.ف، واكتفت "فتح" بتمثيل فردي رمزي في
المجلس الوطني كموطئ قدم، ولتكون على اطلاع بما يجري.[248]
وعلى الرغم من
الصعوبات الكثيرة إلا أن م.ت.ف نجحت في تثبيت مؤسساتها، وأصبحت الجهة
الأوسع تمثيلاً للشعب الفلسطيني.
وعندما حدثت
كارثة حرب 1967 وضاع ما تبقى من فلسطين (الضفة الغربية وقطاع غزة)،
وانكشف الضعف العربي، وتبخرت الآمال في قيادة عبد الناصر، وفي
الشعارات القومية لتحرير فلسطين، شَعَرَ الفلسطينيون بوجوب أخذ زمام
المبادرة والتخلص من حالة الهيمنة والوصاية العربية. واضطرت الأنظمة
العربية على أن توافق على فتح المجال أمام العمل الفدائي الفلسطيني،
تنفيساً عن مشاعر الجماهير، وتوجيهاً لغضبها وثورتها ضد العدو
الصهيوني. ولذلك تمَّ إعادة النظر في م.ت.ف ودورها وقيادتها، واضطر
أحمد الشقيري للاستقالة في 24 ديسمبر 1967 لإفساح المجال أمام تحقيق
الوحدة الوطنية، ودخول المنظمات الفدائية في المنظمة. وقد تولى يحيى
حمودة رئاسة اللجنة التنفيذية لـ م.ت.ف بالوكالة خلفاً للشقيري، وبدأ
جهوداً حثيثة لإعادة صياغة م.ت.ف والعلاقات الداخلية الفلسطينية.
ونجحت هذه الجهود بدخول معظم المنظمات الفدائية م.ت.ف وخصوصاً حركة
فتح، وبإعادة صياغة الميثاق القومي الفلسطيني ليحل مكانه "الميثاق
الوطني الفلسطيني"، كما تم إعادة ترتيب عضوية المجلس الوطني
الفلسطيني ليتكون من مائة عضو فقط. وبناء على ذلك عقد المجلس الوطني
الرابع في القاهرة 7 ـ 17 يوليو 1968 حيث أقرّت هذه التغييرات، وتحقق
للمنظمات الفدائية السيطرة على م.ت.ف. وفي المجلس الوطني الخامس في
القاهرة 1 ـ 4 فبراير 1969 تمت للمنظمات الفدائية السيطرة على قيادة
اللجنة التنفيذية لـ م.ت.ف، وتولى ياسر عرفات زعيم حركة فتح رئاسة
المنظمة منذ ذلك الحين.[249]
وقد تمكنت م.ت.ف
من انتزاع صفة الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني في مؤتمر القمة
العربي في الرباط في أكتوبر 1974. وفي الشهر التالي استطاعت الحصول
على صفة عضو مراقب في الأمم المتحدة. وعندما أعلنت م.ت.ف استقلال
فلسطين في نوفمبر 1988 اعترفت بها أكثر من 120 دولة في العالم،
وحوَّلت كثير منها مكاتب م.ت.ف فيها إلى سفارات لدولة فلسطين رغم أن
هذه الدولة لم تقم بعدُ على الأرض. وفي أعين الأنظمة العربية والأمم
المتحدة لا تزال م.ت.ف تمثل الفلسطينيين. غير أن قدرتها على تمثيل
الفلسطينيين كافة ظلَّت أمراً نسبياً، وتواجهه مشكلات عملية وميدانية
في كثير من الأحيان، ومن ذلك:
-
عدم قدرة
م.ت.ف على تشكيل مجلس وطني فلسطيني منتخب شعبياً، ويمثل بدقة
الشرائح المختلفة للفلسطينيين، لاستحالة ذلك عملياً في البلاد
العربية التي يمنع معظمها مثل تلك الممارسة.
-
دخول وخروج
عدد من المنظمات الفدائية الفلسطينية مثل الجبهة الشعبية لتحرير
فلسطين التي انضمت متأخرة، ثم ما لبثت أن خرجت سنة 1974 مُشكِّلة
"جبهة الرفض" مع عدد من الفصائل الأخرى. ثم تكررت عودتها أو
مقاطعتها للمجلس الوطني أو للجنة التنفيذية بحسب التطورات
السياسية.
-
وجود عدد من
المنظمات الفدائية الفلسطينية التي تمثل أنظمة عربية معينة وتلتزم
بسياساتها، وتتأرجح علاقاتها بـ م.ت.ف وفق علاقات النظام العربي
نفسه مع م.ت.ف، مثل "الصاعقة" التي تتبع "البعث" السوري، ومثل جبهة
التحرير العربية التي تتبع "البعث" العراقي ...
-
ظهور قوى
إسلامية فلسطينية تتمتع بحضور شعبي واسع (حماس والجهاد الإسلامي)
ورفضها الانضمام إلى م.ت.ف.
-
خسارة م.ت.ف
لقاعدة وجودها في الأردن إثر أحداث 1970 ـ 1971، ولقاعدتها في
لبنان إثر الاجتياح "الإسرائيلي" سنة 1982، وتراجع قدرتها على
التفاعل مع الحياة اليومية للفلسطينيين في الخارج.
-
دخول م.ت.ف في
مسار التسوية السلمية، وتوقيعها اتفاقات أوسلو سنة 1993، أوجد
انقساماً شديداً في الشارع الفلسطيني، الذي وجدت قطاعات كبيرة منه
أن م.ت.ف لم تعد تمثل طموحاته ولا همومه، بعد أن تنازلت رسمياً عن
77% من أرض فلسطين للكيان الإسرائيلي، ونبذت الكفاح المسلح.
-
تشكيل السلطة
الفلسطينية في مناطق الضفة والقطاع، نقل مركز الثقل في قيادة م.ت.ف
إلى سلطة الحكم الذاتي، وهمَّش دور م.ت.ف السياسي، كما أضعف بشكل
كبير فعالية مؤسساتها المختلفة.
-
إن طريقة
قيادة رئيس المنظمة لـ م.ت.ف، وتركز السلطات في يديه، وعدم تشجيع
استقرار ونمو مؤسسات م.ت.ف وقيامها بدورها بفعالية وممارسة
صلاحياتها ... أفرغ كثيراً من مؤسسات م.ت.ف من محتواها ورسالتها.
هيكلية م.ت.ف:
أ. المجلس الوطني الفلسطيني:[250]
هو أعلى سلطة في
م.ت.ف، وهو يمثل المجلس النيابي التشريعي في الدول، وهو الجهة التي
تضع السياسات العامة، وتضع الخطط، وتتابع أداء قيادة م.ت.ف وتحاسبها.
ويتكون من مندوبي الفصائل الفدائية الفلسطينية، وممثلي الاتحادات
النقابية والطلابية والمستقلين ... وكان يفترض في هذا المجلس أن
ينعقد مرة كل سنة، لكن عدم وجود جهات مضيفة تسمح له بحرية القرار
ولقيادته بحرية الحركة، وعدم سهولة تجميع الممثلين المشتتين على
مواطن الشتات الفلسطيني، أَضْعَف من فرص اجتماعاته. ومنذ السبعينيات
أخذ ينعقد مرة كل 3 ـ 5 سنوات، ولم تعد قيادة م.ت.ف تدعو هذا المجلس
إلا لتمرير قرارات سياسية تم إعدادها سابقاً. كما تأثرت مصداقية
المجلس التمثيلية للشعب الفلسطيني بشكل كبير عندما أخذت قيادة م.ت.ف
تُدخل عناصر كثيرة موالية تحت بند المستقلين. وتضخمت أعداد أعضاء
المجلس من مائة سنة 1968 إلى أكثر من خمسمائة في الثمانينيات، ووصل
في المؤتمر الـ21 المنعقد في غزة في مايو 1996 إلى 604 أعضاء. وفي
كثير من الأحيان كانت القرارات تؤخذ "بالتصفيق"!! وفقد المجلس مع
الزمن قدرته على الرقابة والمحاسبة والمتابعة، وتحولت اجتماعاته إلى
مظاهر احتفالية أكثر منها ممارسات تشريعية. وتتحمل قيادة م.ت.ف
مسئولية تحويل المجلس إلى هذه الحالة "المريحة لها" التي جعلت منه
أداة بيدها وليس العكس. وهذا من أسباب استنكاف التيار الإسلامي عن
المشاركة في المجلس.
وكان من أهم
محطات هذا المجلس مجلسه الوطني الـ12 (القاهرة 1 ـ 9 يوليو 1974)
الذي أقر البرنامج السياسي المرحلي (برنامج النقاط العشر) الذي أقر
لأول مرة أن يكون الكفاح المسلح وسيلة رئيسية للتحرير وليس الوسيلة
الوحيدة. والمجلس الوطني الـ19 (الجزائر 12 ـ 15 نوفمبر 1988) الذي
أعلن دولة فلسطين، واعترف لأول مرة بقرارات الأمم المتحدة 242 و338.
والمجلس الوطني الـ21 الذي انعقد في غزة في مايو 1996 وقرر حذف جميع
البنود المعادية للكيان الصهيوني من الميثاق الوطني الفلسطيني!!
ب. المجلس المركزي:[251]
في الدورة
الحادية عشر للمجلس الوطني (6 ـ 12 يناير 1973) تقرر تشكيل مجلس
مركزي بحيث يكون هيئة وسيطة بين المجلس الوطني واللجنة التنفيذية.
وذلك لسدِّ الفراغ التشريعي والتوجيهي بسبب تباعد المدى الزمني
للقاءات المجلس، ويتولى اتخاذ القرارات في القضايا التي تطرحها عليه
اللجنة التنفيذية، ويُقرّ خُططها التنفيذية، ويتابع تنفيذها لقرارات
المجلس.
وقد تشكل المجلس
المركزي الأول من 32 عضواً مناصفة بين المنظمات الفدائية والكفاءات
الفلسطينية غير المنتمية والاتحادات الشعبية. وكان يفترض أن يجلس مرة
كل شهرين على الأقل، وأن يكون أداة ديناميكية فعّالة في مراقبة أداء
م.ت.ف. وتطويره. ولكن مصير هذا المجلس لم يختلف كثيراً عن المجلس
الوطني، إذ تمت مضاعفة أعداد أعضائه (وصل سنة 1990 عدد أعضائه إلى
108)، و"ترهّل" جسمه، وعانى بالتالي من مصاعب الاجتماع واتخاذ القرار
...، فبقيت القدرة على المبادرة، واتخاذ القرار بيد اللجنة
التنفيذية، أو بالأحرى شخص رئيسها.
ج. اللجنة التنفيذية:[252]
تشبه اللجنة
التنفيذية الحكومة أو السلطة التنفيذية في الأنظمة السياسية، وهي
أعلى سلطة تنفيذية في م.ت.ف. وتكون دائمة الانعقاد وأعضاؤها متفرغون
للعمل. وتتولى تنفيذ السياسات والخطط والبرامج التي يُقرُّها المجلس
الوطني. وتتولى مهام تمثل الشعب الفلسطيني، والإشراف على مؤسسات
م.ت.ف، وإصدار اللوائح والتعليمات والقرارات التي تنظم أعمال م.ت.ف،
وتُنفذ السياسة المالية لـ م.ت.ف، وتُعِدُّ ميزانيتها.
وفي المجالس
الوطنية الثلاث الأولى كان النظام يقتضي أن يقوم المجلس بانتخاب رئيس
اللجنة التنفيذية، ثم يقوم هو باختيار باقي أعضاء اللجنة. ومنذ
المؤتمر الرابع أصبح النظام يقتضي أن ينتخب المجلس الوطني اللجنة
التنفيذية، وتقوم هي باختيار الرئيس من بين أعضائها. وعادة ما كان
عدد أعضاء اللجنة التنفيذية 15 عضواً (ثمانية من الفصائل الفلسطينية
وسبعة من المستقلين)، لكن العدد زاد في المجالس الأخيرة إلى 18
عضواً.
ومن الناحية
العملية، فإن اللجنة التنفيذية تقوم بدورٍ محوريٍ في عمل م.ت.ف، وهي
تتولى السلطات الفعلية في المنظمة، وعادة ما تفرض سياسة "الأمر
الواقع" على المجلس المركزي والمجلس الوطني، إذ تفعل ما تشاء ثم تعود
لأخذ الموافقة و"البركة" من هذين المجلسين. ويمسك رئيس اللجنة
التنفيذية بزمام الأمور، وعادة ما يفرض على "التنفيذية" توجهاته
وقراراته.
د. دوائر م.ت.ف:[253]
للمنظمة عدد من
الدوائر تشبه الوزارات في الأنظمة السياسية، وتقوم اللجنة التنفيذية
بإنشاء هذه الدوائر، وعادة ما يتولى أحد أعضاء اللجنة التنفيذية
مسئولية دائرة من الدوائر، وقد تتعرض هذه الدوائر للتغيير والحذف
والزيادة. أما أهم هذه الدوائر فهي:
1. أمانة
السر.
2. الدائرة السياسية.
3. الدائرة
العسكرية 4. الصندوق
القومي.
5. دائرة شئون
الوطن المحتل. 6. دائرة التربية والتعليم العالي.
7. دائرة
العلاقات القومية. 8. دائرة الإعلام والثقافة.
9. دائرة
التنظيم الشعبي.
10. دائرة الشئون الاجتماعية.
11. دائرة
الشؤون الإدارية.
السلطة الوطنية الفلسطينية:
تشكلت السلطة
الوطنية الفلسطينية بناء على اتفاق أوسلو (سبتمبر 1993) مع الكيان
الإسرائيلي. وهي تتولى السلطة في أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة.
وقد أخذت هذه السلطة بُعداً تمثيلياً للفلسطينيين في الضفة والقطاع،
إذ تم شعبياً في يناير 1996 انتخاب مجلس تشريعي من 88 عضواً، كما تم
انتخاب رئيس السلطة (ياسر عرفات) مباشرة من فلسطيني الضفة والقطاع.
ورغم أن المعارضة الفلسطينية (حماس والجهاد والشعبية والديموقراطية
وغيرها) قاطعت الانتخابات، إلا أنها المرة الأولى التي يمارس فيها
جزء كبير من الفلسطينيين حقوقاً انتخابية سياسية. ومع ذلك فإن تمثيل
السلطة للفلسطينيين ظلَّ محصوراً بأبناء الضفة والقطاع، دون أن يشمل
فلسطينيي الأرض المحتلة عام 1948، ولا فلسطينيي الخارج.
ثانياً - حركات المقاومة الفلسطينية
حتى سنة 1956
جماعة القسام "الجهادية":[254]
الشيخ عز الدين
عبد القادر مصطفى القسام، من مواليد بلدة جبلة قضاء اللاذقية في
سوريا سنة 1882، درس في الأزهر، وعاد ليكون أحد دعاة الإسلام النشطين
في بلدته في سوريا. كان من قادة الثورة السورية ضد الفرنسيين خلال
الفترة 1918 ـ 1920، وقد انتقل إلى فلسطين بعد توقفها، واستقر في
حيفا.
عُرف الشيخ
القسام بتقواه وورعه، وذكائه، وسعة علمه، وكان سلفي العقيدة محارباً
للانحرافات والبدع، وكان قدوة في سلوكه وما يدعو إليه. وكان القسام
شجاعاً جريئاً ومن أكثر العلماء تطرقاً للجهاد، قال يوماً وهو على
المنبر يخطب "رأيت شباناً يحملون المكانس لكنس الشوارع، هؤلاء مدعوون
لحمل البنادق، ورأيت شباناً يحملون الفرشاة لمسح أحذية الأجانب،
هؤلاء مدعوون لحمل المسدسات لقتل هؤلاء الأجانب".
ولقد كان القسام
متفاعلاً مع الواقع، ذا شخصية اجتماعية منفتحة محببة، تحمل هموم
الناس وتشاركهم أفراحهم وأتراحهم، ولأنه كان حسن السيرة والعشرة،
ومحدثاً لبقاً وخطيباً بارعاً، قوي الحجة، ومتواضعاً بعيداً عن
الغرور، فقد كان لذلك أثره في أن يكون ذا شعبية كبيرة.
وقد جعلته هذه
الصفات، فضلاً عن رصيد تجربته الجهادية، مؤهلاً لأن يكون مؤسساً
لتنظيم جهادي قوي له دوره المهم في تاريخ فلسطين الحديث المعاصر.[255]
ترجع نشأة جماعة
القسام إلى سنة 1925 عندما ابتدأ الشيخ عز الدين القسام في إنشاء
تنظيم جهادي سري، يستمدُّ فهمه ومنهجه من الإسلام، ويَعدُّ الجهاد
طريقاً وحيداً لإنقاذ فلسطين.[256]
وقد عدّ أميل الغوري هذا التنظيم "أخطر منظمة سرية وأعظم حركة فدائية
عرفها تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية بل تاريخ الجهاد العربي
الحديث".[257]
وقد أطلق على هذا التنظيم اسم "المنظمة الجهادية"،[258]
ولكن غلب عليه بعد استشهاد القسام اسم جماعة القسام أو القساميون،[259]
وكان شعار التنظيم "هذا جهاد نصر أو استشهاد".[260]
وكانت جماعة
القسام لا تقبل أي عضو إلا بعد انتقاء وتمحيص، ولا تدخل في عضويتها
إلا من كان "مؤمناً مستعداً أن يموت في سبيل بلاده" ومن أهل الدين
والعقيدة الصحيحة،[261]
وقد استفاد القسام من وظيفته إماماً وخطيباً لمسجد الاستقلال في حيفا
منذ سنة 1925، وكمأذون شرعي منذ سنة 1930، في الاتصال بالناس وانتقاء
العناصر المناسبة لجماعته. كما استفاد من رئاسته لفرع جمعية الشبان
المسلمين في حيفا كغطاء مقبول لحركته ونشاطه وزياراته للقرى، وإنشاء
فروع لهذه الجمعية في اللواء الشمالي، والتي أصبحت غطاءً مناسباً
لإخوانه المجاهدين المحليين.[262]
وتشكلت القيادة الأولى للتنظيم القسامي سنة 1928، وضمت فضلاً عن
رئيسها القسام كلاًّ من العبد قاسم ومحمود زعرورة ومحمد الصالح الحمد
وخليل محمد عيسى. وكان مركزها حيفا، وكانت القيادة جماعية ومسؤولة عن
اتخاذ كافة القرارات المهمة.[263]
وبلغ عدد أفراد الجماعة سنة 1935 حوالي مائتي منتظم أكثرهم يشرف على
حلقات توجيهية من الأنصار، الذين يصل عددهم إلى ثمانمائة.[264]
وقد أنشأ تنظيم
القسام خمس وحدات متخصصة تضمنت وحدة لشراء السلاح، ووحدة للتدريب،
ووحدة للتجسس على اليهود والإنجليز، وكان أفرادها بشكل عام ممن يشتغل
في دوائر الحكومة وخصوصاً الشرطة، ورابعة للدعاية للثورة، وخامسة
للاتصالات السياسية.[265]
أما ماليتها فقد اعتمدت على اشتراكات الأعضاء وتبرعات الموثوقين.[266]
وكان من منهج التنظيم أن يتدرب جميع أفراده على حمل السلاح، بحيث
يكونون مستعدين لخوض معارك الجهاد عند إعلانها، وكان على كل عضو أن
يدبر أمر تجهيز نفسه بالسلاح.[267]
ولم يكن حال أغلب الأعضاء ميسورة، إذ كانوا يكدون من أجل لقمة العيش
ومع هذا "فقد منعوا أنفسهم الخبز من أجل ابتياع السلاح" ومن أجل أن
يعتمدوا على أنفسهم في العمل والإعداد.[268]
ويبدو أن انتقال
جماعة القسام إلى مرحلة التسليح والتدريب كان في أواخر سنة 1928،[269]
وجاءت ثورة البراق في أغسطس 1929 لتعزز الاتجاه العسكري لدى الجماعة،
فأخذ القسام يسهم في عملية التدريب بنفسه، والتي شملت رحلات ليلية
وحركات استطلاعية وتمارين على إصابة الهدف.[270]
وعندما أرادت الجماعة أن تعلن عن نفسها في نوفمبر 1935 كانت تملك
حسبما ذكر صبحي ياسين ـ وهو أحد أعضائها ـ ألف قطعة سلاح وقاعدة
تسليح في منطقة اللاذقية.[271]
ورغم أن جماعة
القسام لم تعلن عن نفسها إلا في وقت متأخر، فإنها قامت بعدد من
العمليات العسكرية خصوصاً في الفترة 1930 ـ 1932 وقد بدت وكأنها
عمليات فردية. ويبدو أن هذه العمليات كانت من باب كسر حاجز الخوف لدى
أفراد الجماعة، وجس النبض وردود الفعل لدى العرب والإنجليز واليهود،
وربما كانت تعبيراً عن الحماس والتفاعل مع القضايا الوطنية ومحاولة
تصعيدها بما يتناسب وخطة الإعداد والتعبئة.
وفي نوفمبر 1935
أعلنت جماعة القسام "الجهادية" الجهاد، وقد اختفى القسام وعدد من
إخوانه في أواخر أكتوبر، بعد أن باع بيته الوحيد في حيفا، وباع
أصحابه حلي زوجاتهم وبعض أثاث بيوتهم ليوفروا الرصاص والبنادق.[272]
وبعد فجر يوم 20
نوفمبر 1935 طوقت قوات كبيرة من الشرطة تقدر بأربعمائة رجل ـ معظمهم
من الإنجليز ـ القسام وعشرة من إخوانه في أحراش (يعبد) عند قرية
الشيخ زيد. وقد بدأت المعركة في الخامسة والنصف صباحاً واستمرت أربع
ساعات ونصف الساعة. وقد استشهد في هذه المعركة الشيخ عز الدين القسام
ويوسف الزيباوي ومحمد حنفي المصري، وقبض على نمر السعدي وأسعد المفلح
اللذين أصيبا بجراح، كما قبض على عربي بدوي ومحمد يوسف وأحمد جابر
وحسن الباير.[273]
وكان لجماعة
القسام شرف تفجير الثورة الكبرى 1936 ـ 1939[274]
في عملية عنبتا ـ نور الشمس في 15 إبريل 1936، والتي قادها القائد
الجديد للجماعة الشيخ فرحان السعدي. كما كان لها شرف تفجير المرحلة
الثانية من الثورة عندما قامت في 26 سبتمبر 1937 باغتيال أندروز
الحاكم البريطاني لمنطقة الجليل. وأسهم القساميون في تنظيم وقيادة
الثورة فشارك ثلاثة منهم (من أصل ستة) في عضوية القيادة العسكرية
والتي اختارت في 2 سبتمبر 1936 فوزي القاوقجي قائداً عاماً للثورة
الذي استمر في القيادة حتى نهاية المرحلة الأولى من الثورة في 12
أكتوبر 1936.
وقد تولى قيادة
الثورة في شمال فلسطين القائد القسامي أبو إبراهيم الكبير وكان معظم
قيادته من الحركة القسامية (أبو محمود الصفوري، وسليمان عبد الجبار،
وعبد الله الأصبح، وتوفيق الإبراهيم، وعبد الله الشاعر، ... وغيرهم).
وفي منطقة لواء نابلس المقسمة إلى أربعة أقسام، كان هناك قائدان
قساميان بارزان هما الشيخ عطية أحمد عوض والذي خلفه في منطقته الشيخ
القسامي يوسف أبو درة، والشيخ محمد الصالح الحمد (أبو خالد) والذي
خلفه في منطقته الشيخ القسامي عبد الفتاح محمد الحاج مصطفى. هذا
بالإضافة إلى منطقة يقودها عبد الرحيم الحاج محمد، وأخرى يقودها عارف
عبد الرازق.
وبشكل عام فقد
كان لجماعة القسام دورٌ أساسي في الثورة الكبرى قيادةً وتوجيهاً
وأفراداً وتضحيات.
وعندما أعلنت
الحرب عامي 1947 ـ 1948 عاد القساميون للمشاركة في ميادين الجهاد من
جديد، وقد عمل معظمهم تحت توجيه الحاج أمين الحسيني ضمن جيش الجهاد
المقدس، أو مع جيش الإنقاذ بقيادة فوزي القاوقجي. وقد ظل القساميون
يعملون بالذات في مناطق الشمال كأبي إبراهيم الكبير وأبي إبراهيم
الصغير، وأبي محمود الصفوري، وسرور برهم، ولكن هذه المرة لم يكونوا
هم القيادات الموجهة المسيطرة المحركة للوضع، وإنما كانوا تابعين
لقيادات أعلى ـ كثيراً ما وضعتهم في ظروف صعبة ـ بحيث لم يتمكنوا من
أداء واجبهم كما يشاؤون. شارك أبو إبراهيم الكبير ضمن قيادة فوج
اليرموك الثاني التابع لجيش الإنقاذ، والذي كان يتولى قيادته أديب
الشيشكلي. وتولى أبو إبراهيم الصغير العمل في منطقة الناصرة تابعاً
لجيش الجهاد المقدس. وتولى أبو محمود الصفوري الدفاع عن شفا عمرو تحت
إمرة الجهاد المقدس أيضاً.[275]
منظمة الجهاد المقدس:
كان لعبد القادر
الحسيني (ابن زعيم الحركة الوطنية في فلسطين موسى كاظم الحسيني) دورٌ
أساسيٌ في إنشاء هذه المنظمة وقيادتها. وعبد القادر من الشخصيات
الفلسطينية المشهورة بوطنيتها الصادقة والتزامها الإسلامي. وكان قد
درس في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وفي حفلة تخرجه سنة 1932 - قام
بتمزيق شهادة التخرج بعد أن استلمها من رئيس الجامعة - على مرأى من
الحشد الكبير الذي حضر الحفل من رجال السياسة والعلم والمكانة في
مصر. وصرخ في وجه رئيس الجامعة قائلاً: إني لست في حاجة إلى شهادة
معهدكم الذي هو معهد استعماري تبشيري .. وألقى في الحاضرين كلمة عن
الاستعمار والتبشير وهتف لفلسطين، وما لبث الجمهور المذهول أن قابله
بعاصفة من التصفيق الحاد. ويعكس هذا الموقف غيرته على الإسلام
ووطنيته وجرأته. وقد قامت الجامعة بسحب شهادته، كما قامت السلطات
المصرية ـ تحت ضغط بريطاني أمريكي ـ بطرده من مصر.[276]
وبعد أن عاد عبد
القادر الحسيني من مصر في يوليو 1932، أخذ يشكل مع مجموعة من الشباب
الوطني المتحمس تنظيماً سرياً عسكرياً، يهدف إلى مقاومة السلطات
البريطانية، وتحطيم المشروع اليهودي الصهيوني، حيث تم ترتيب أمور هذا
التنظيم في مارس 1934، برئاسة عبد القادر الحسيني، وأطلق عليه بعد
ذلك اسم "منظمة المقاومة والجهاد"، واتسع ليشمل مناطق مختلفة من
فلسطين، غطّت 17 فرعاً في مدن فلسطين، ووصل عدد أعضائه إلى نحو 400
شخص، كما أوجد التنظيم سبعة مراكز سرية للتدريب.[277]
وقد اصطبغ هذا التنظيم بالصبغة الوطنية، وشارك في عضويته العديد من
النصارى، كان من أبرزهم أميل الغوري، وحنا خلف.[278]
ويذكر أميل
الغوري، أن الحاج أمين الحسيني، كان يتابع هذا النشاط السري، دون أن
يلاحظ أعضاء التنظيم ذلك، وفي صيف 1935 دعا الحاج أمين عبد القادر
الحسيني وزملاءه المسئولين، وطلب منهم توحيد جهودهم مع جهوده
التنظيمية السرية التي كان يعدها هو أيضاً، ويضيف أنه نتيجة هذا
التوحيد، تشكلت "منظمة الجهاد المقدس" برعاية الحاج أمين وتحت
إشرافه.[279]
ويضيف الغوري
قائلاً: أنه لما تشكلت اللجنة العربية العليا لفلسطين في إبريل 1936
برئاسة الحاج أمين، تبنت اللجنة "منظمة الجهاد المقدس"، فأصبحت
بمثابة جهازها العسكري، حيث أسند الحاج أمين قيادتها لعبد القادر
الحسيني.[280]
وقد تولى عبد
القادر الحسيني فعلياً قيادة منطقة القدس في أثناء الثورة الكبرى
(1936 ـ 1939). وفي بداية الثورة، اجتمع عبد القادر ونفر من إخوانه
المجاهدين في منطقة القدس، حيث أدى الجميع الصلاة متضرعين إلى الله
تعالى أن يأخذ بأيديهم وينصرهم على أعدائهم، مؤكدين أن هجرتهم خالصة
لله سبحانه وتعالى، وعزمهم على ترك مدينة القدس والاعتصام بجبالها
"لا تشرداً ولا بطراً، ولكن حباً لله وجهاداً في سبيله، ونصرة للدين
وذوداً عن الوطن، ودفاعاً عن الحرمات. والأعراض والحريات والمقدسات".[281]
وأخذت فصائل
المجاهدين بقيادة عبد القادر الحسيني تهاجم القوات الإنجليزية
وتجمعات اليهود، وتقطع طرق المواصلات في البلاد، وكان من أشد المعارك
التي خاضها عبد القادر الحسيني معركة "حوسان ـ الخضر"، في 4 أكتوبر
1936، التي انتهت باستشهاد البطل السوري سعيد العاص، وأصيب فيها عبد
القادر الحسيني نفسه، بجراح ثم أُسر بعد ذلك. وقد وقعت بالقوات
البريطانية خسائر كبيرة، وقبل أن تحاكم السلطة البريطانية عبد القادر
بيوم واحد استطاع الهرب في 11 ديسمبر 1936 إلى العراق.[282]
ثم ما لبث عبد
القادر الحسيني أن عاد للقدس في خريف 1937، بعد أن تدرب تدريباً
عسكرياً في ألمانيا، وهناك رتب الفصائل وقاد أعمال الجهاد من جديد،
وكان من أهم المعارك التي خاضتها فصائله، "معركة عرتوف الكبرى" في 14
أكتوبر 1937، ومعركة "بني نعيم الكبرى"، في 4 أكتوبر 1938، والتي
أصيب فيها عبد القادر بجراح. ومع تغير ظروف الثورة، وزيادة البطش
البريطاني، ونشوب الحرب العالمية الثانية، توقفت الثورة في منطقة
القدس، وغادر عبد القادر الحسيني فلسطين إلى العراق.[283]
وفي ديسمبر 1947
أعادت الهيئة العليا لفلسطين تشكيل الجهاد المقدس باسم "جيش الجهاد
المقدس" وبقيادة عبد القادر الحسيني نفسه. وكان هذا الجيش يمثل
"الجيش الفلسطيني" الذي وضعت القيادة الوطنية الفلسطينية ثقلها فيه.
وكان يتكون من 5 ـ 7 آلاف مقاتل، تساندهم فئة أخرى من المقاتلين
المقيمين في قراهم والذين يستدعون عند الحاجة، ويبلغ مجموعهم نحو
عشرة آلاف.[284]
وعلى الرغم من
حماسة أفراد الجهاد المقدس وتضحياتهم، لكن هذا الجيش كان ضعيف
التسليح والتدريب قياساً بإمكانات القوات اليهودية الصهيونية. وأسهمت
خلافات الأنظمة العربية مع "الهيئة العربية العليا" في عدم تحويل
الكثير من الأسلحة والأموال التي كان يتم التبرع بها إلى هذا الجيش،
والذي كان بأمس الحاجة إليها.
توزعت قوات
الجهاد المقدس على مختلف مناطق فلسطين، وخاضت معارك كثيرة ناجحة مثل
معارك جوليس، والنبي داود، وأبو شريتح، ومجد الكروم، والكابري،
والبروة، وبيت سوريك، والماصيون، وميكور حاييم. وقامت فرقة التدمير
في الجهاد المقدس بنسف شارع هاسوليل في القدس الجديدة مما أدى إلى
قتل وجرح المئات، كما فجرت شارع بن يهودا في القدس حيث أصيب أكثر من
ألفي يهودي بين قتيل وجريح.[285]
وكان استشهاد
عبد القادر الحسيني في معركة القسطل في 9 إبريل 1948، أحد النماذج
المشرفة للتضحية والجهاد في فلسطين، وكان له أثر بالغ على جيش الجهاد
المقدس.
وعندما حدثت
الهدنة الأولى بين الجيوش العربية والكيان الصهيوني في يونيو 1948،
وضعفت الإمكانات العسكرية للهيئة العربية العليا، اضطرت الكثير من
عناصر الجهاد المقدس إلى الانضمام للجيش الأردني (1438 مجاهداً)،
وللجيش العراقي (276 مجاهداً)، والجيش المصري (150 مجاهداً)، وجيش
الإنقاذ (600 مجاهد). وظلت قوات الجهاد المقدس قائمة إلى أن أصدرت
الحكومة الأردنية قراراً بحلها في 18 ديسمبر 1948، لكنها ظلّت ترابط
في أماكنها إلى أن أتاها أمر الحل من الهيئة العربية العليا في 15
مايو 1949.[286]
حركة التحرير الوطني الفلسطيني
"فتح":
تشير الدلائل
إلى أن حركة فتح قد نشأت في البداية في أحضان حركة الإخوان المسلمين،
وخصوصاً بين أفرادها من أبناء قطاع غزة. ويظهر أن عامة الإخوان كانوا
يعدُّونها جزءاً منهم أو على الأقل رصيداً لهم. غير أن الطرفين اتخذا
خط الانفصال والتمايز عن بعضهما منذ صيف 1963. واتخذت حركة فتح
لنفسها خطاً وطنياً علمانياً ميَّزها عن كافة الأطراف والأيديولوجيات
المتواجدة على الساحة.
ولكن المبادرة
لإنشاء هذه الحركة لم تكن بقرار من قيادة الإخوان الفلسطينيين، وإنما
بين عدد من القيادات الوسطى التي كانت تملك قدراً كبيراً من النشاط
والتأثير في الأفراد، الذين كانوا ينظرون إليها باحترام ويفترضون (في
جو العمل السري) أن ما يصدر عن هذه القيادات هو توجه الإخوان، خصوصاً
أولئك الذين يصعب عليهم الاتصال المباشر بالقيادة كأفراد الإخوان في
الكويت وقطر والسعودية ... ويذكر عبد الله أبو عزة الذي كان في موقع
قيادي بارز في الإخوان في تلك الفترة أن أبا جهاد "خليل الوزير"
قدَّم تصوراً إلى زعيم الإخوان في القطاع هاني بسيسو يقضي بإنشاء
تنظيم لا يحمل لوناً إسلامياً في مظهره، وإنما يركز على تحرير فلسطين
من خلال الكفاح المسلح، ونوَّه أبو جهاد في مذكرته أن هذا سيفتح
الأبواب المغلقة بين الإخوان والجماهير بسبب حصار جمال عبد الناصر
للحركة، وسوف يُبقي قضية فلسطين حية، ويجبر الدول العربية على خوض
الحرب. ولم تستجب قيادة الإخوان لهذا التصور، ولعلها أهملته فلم تردّ
عليه. إذ إن التوجه العام للقيادة كان يميل نحو التريث، والسلوك
الأمني الحذر، والتركيز على التربية سعياً للمحافظة على الجماعة في
أجواء ملاحقة عبد الناصر لها.[287]
وقام عدد من الإخوان ـ من ذوي المكانة والاحترام ـ ممن اقتنع بهذا
التصور بدعوة إخوانهم للانضمام للحركة، وكان من بين هؤلاء الدعاة
سعيد المزيّن (أبو هشام) وغالب الوزير، وانضم إليهم عدد من الإخوان
البارزين أمثال سليم الزعنون، وصلاح خلف، وأسعد الصفطاوي، ومحمد يوسف
النجار، وكمال عدوان، ورفيق النتشة.
وتشير أحد
المصادر الإخوانية إلى أن القيادة الأولى لفتح كانت من خمسة هم أبو
جهاد خليل الوزير وعبد الفتاح حمود ويوسف عميرة وسليمان حمد وياسر
عرفات. والأربعة الأوائل كلهم من الإخوان، أما ياسر عرفات فكان
يُعدُّ مؤيداً ومحسوباً على التيار العام للإخوان، إذ شارك مع
أفرادهم في حرب 1948، وتدرب في معسكراتهم في مصر أيام المقاومة
المصرية للإنجليز لإجبارهم على الخروج من قناة السويس 52 ـ 1954، كما
دعمه الإخوان لرئاسة رابطة طلبة فلسطين في مصر في منتصف الخمسينيات.[288]
ولكن كيف ينشأ
تنظيم داخل تنظيم، وكيف يتبنى كثير من هؤلاء من أصحاب الخلفيات
الإخوانية أطروحات علمانية ..؟! ربما نستطيع توضيح الأمر باختصار في
النقاط التالية:
-
إن الانضمام
للإخوان المسلمين حتى منتصف الخمسينيات كان أمراً سهلاً، وكان أشبه
بالاشتراك في أحد الأندية أو الجمعيات العامة. وكانت حركة الإخوان
حركة شعبية مفتوحة اجتذبت قطاعات واسعة من المجتمع وخصوصاً الشباب،
بسبب دعوتها الأقرب إلى فطرة الناس، وبسبب مواقفها الوطنية ومشاركة
أفرادها البطولية في حرب 1948، فضلاً عن نشاط أفرادها في الجوانب
الاجتماعية والخيرية، ولذلك كانت الحركة الشعبية الأولى في قطاع
غزة.
-
كان أفراد
الإخوان يتفقون على الأطر العامة للفكرة الإسلامية، ولكن لم يكن
هناك تركيز على التربية الإيمانية والسلوكية ولا معاني الانضباط
والطاعة لجميع الأفراد. وقد أسهم ذلك في انفضاض الكثيرين عن هذه
الجماعة عندما تعرضت لضغط وملاحقة عبد الناصر لها منذ عام 1954.
وقد ظل هؤلاء يحملون في تاريخهم أنهم يوماً ما كانوا في جماعة
الإخوان، دون أن يعني ذلك الكثير بالنسبة إليهم. خصوصاً وأن كثيراً
من هؤلاء كانوا من طلبة المدارس الذين لم تنضج أو تتشكّل شخصياتهم
بعد.
-
انضم كثير من
الأفراد إلى الإخوان باعتبارها حركة تمثل طموحهم الوطني ورغبتهم
الملحّة في الجهاد لاسترداد فلسطين. وعندما لم تستطع هذه الحركة
التعبير عن هذا المشروع ـ بسبب ظروفها الخاصة ـ فإنهم سعوا إلى
إيجاد مشروع وطني يتجاوز هذه الظروف، ويلبي رغبتهم الملحّة في
العمل الجهادي النضالي.
-
يبدو أن ظروف
حركة الإخوان في أواخر الخمسينيات لم تمكنها من تحقيق قدر من
التماسك والانضباط التنظيمي خصوصاً مع أفرادها في الخليج، مما
سهَّل على الشخصيات التي انتمت لمشروع فتح أن تجند الكثير من
هؤلاء.
-
حافظ الكثير
من الإخوان الذين انضموا إلى فتح على تدينهم الشخصي، وعلى العديد
من المراكز القيادية، لكنهم أعطوا الأولوية لتحويل الحركة إلى حالة
شعبية وجبهة وطنية تضم كل من يرغب في المشاركة بغض النظر عن
خلفياته العقدية والأيديولوجية.
وحسب خالد الحسن
ـ أحد أبرز قادة فتح ـ فإن أبا جهاد خليل الوزير هو الذي بدأ حركة
فتح.[289]
وأبو جهاد هو الذي قدم هذا المشروع لقيادة الإخوان، وكان من قادة
التنظيم الإخواني السري العسكري الذي نظم عدداً من العمليات الفدائية
في النصف الأول من الخمسينيات وكان يتولى مسئولية منطقة غزة وشمال
القطاع، وكان يعمل تحت إشراف وتوجيه الأستاذ محمد أبو سيدو الذي كان
صلة الوصل مع قيادة هذا العمل في العريش (الأستاذ كامل الشريف...).[290]
ومنذ تأسيسها ظل أبو جهاد الرجل الثاني في فتح حتى استشهاده في إبريل
1988.
وعلى أي حال،
فلا ينبغي للإخوان أن يبالغوا في نسبة حركة فتح إليهم، كما لا ينبغي
لحركة فتح أن تتنكر لجذورها وبداياتها الأولى، فإذا كان الإخوان هم
المحضن الذي خرجت منه الفكرة وبداياتها الأولى، فإن فتح لم تنشأ
بقرار من قيادة الإخوان ولا وفق خططهم، كما أن مشروعها لم يحمل
أيديولوجية الإخوان ولا الضوابط التي تضمن سيره كمشروع يخدم أهدافهم.
وعندما طالبت قيادة الإخوان في غزة بالإشراف المباشر على فتح وأن
تعيِّن بنفسها ثلاثة من بين قادتها الخمسة، في صيف 1962، رفضت قيادة
فتح ذلك، ونظرت بعين الشك إلى قدرة قيادة الإخوان في ظل ظروفها
الصعبة على القيادة والتوجيه وتحقيق الطموحات. وهذا، وإن كان يدل على
وجود صلة قوية بين الإخوان وفتح، إلا أنه يدل على أن قيادة فتح كانت
تملك من الجرأة والثقة ما جعلها ترفض التوجيه، كما يدل أن فتح كانت
قد اختطت منذ أمدٍ خطاً مستقلاً في التعبئة والتنظيم والعمل. وأمرت
كلاً من فتح والإخوان أفرادهما منذ صيف 1963 بالتمايز إما لفتح أو
الإخوان، وخسر كلا التنظيمين العديد من أفرادهما.
ومن الناحية
التاريخية فيظهر أن فكرة فتح نشأت مع أبي جهاد ووسط رابطة طلبة
فلسطين الدارسين في مصر سنة 1956، وعندما تخرَّج هؤلاء عملوا في
أماكن عملهم الجديدة وعبر اتصالاتهم على إنشاء أنوية للحركة. ويبدو
أن أول وأنشط هذه الأنوية كان في الكويت حيث ترجع بداية نشأته إلى
أكتوبر 1957 وتحديداً في منطقة الصليبيخات، وكان من أوائل مؤسسي هذه
النواة أبو جهاد وياسر عرفات ويوسف عميرة وسليمان حمد وعادل عبد
الكريم وغيرهم. وقد أصدرت مجموعة الكويت مجلة "فلسطيننا" في لبنان في
نوفمبر 1959 (واستمرت في الصدور حتى نوفمبر 1964)، وقد كان ذلك وسيلة
جيدة للتعرّف والتواصل مع أولئك الذين يحملون الأفكار نفسها في
البلدان الأخرى ودعوتهم للانضمام للحركة. وحسب أبو إياد صلاح خلف فإن
أول اجتماع تأسيسي لممثلي الحركة كان في الكويت في 10 أكتوبر 1959.
أما خالد الحسن فيذكر أنه قد تشكلت مجموعات مشابهة في السعودية (عبد
الفتاح حمود)، وفي قطر (محمد يوسف النجار ومحمود عباس)، وفي العراق
وغزة ودمشق وألمانيا وإسبانيا والنمسا، وأن ممثلي هذه المجموعات قد
اجتمعوا في الكويت في سنة 1962 وتوحَّد الجميع في إطار حركة فتح.
وربما يتحدث خالد الحسن عن مرحلة ثانية من التوسع والانطلاق لفتح.[291]
ويشير أبو إياد
إلى أن اسم الحركة "فتح" والبرنامج السياسي للحركة قد تمت الموافقة
عليه في عام 1958. وأنه كان في الكويت أكثر من 35 مجموعة أو منظمة
فلسطينية، تم توحيد معظمها في فتح حوالي سنة 1961.[292]
الرؤية الفكرية والسياسية:
أتمت حركة فتح
في مؤتمرها الثاني سنة 1968 صياغة وثيقة "مبادئ وأهداف وأساليب حركة
فتح" وقد أُقرت في المؤتمر الثالث سنة 1971، والرابع 1980 مع بعض
التعديلات. غير أن حركة فتح منذ إنشائها ركزت على فكرة تحرير فلسطين،
وتميزت بالتأكيد على الهوية الوطنية، واستقلالية القرار الفلسطيني،
واستبعاد الأيديولوجيات من هوية الحركة، ليتوحد الجميع في معركة
التحرير. ومن خلال استقراء مجمل أدبيات الحركة على مدى سنوات عديدة،
يمكن اختصار مبادئها واستراتيجياتها ورؤيتها في النقاط التالية:[293]
-
لا يمكن
استرداد فلسطين إلا عن طريق الحرب الشعبية طويلة الأمد والنضال
العسكري.
-
لمعركة
التحرير الأولوية على أية تناقضات فكرية أو سياسية أو اجتماعية،
ولا بد من استقطاب كل القوى الثائرة وتوحيدها في المعركة ضد الكيان
الصهيوني، ولذلك لا بد من استبعاد الأيديولوجيات والمبادئ، حتى
ينشغل الجميع بمعركة المصير. فلا أيديولوجيات إسلامية أو يسارية أو
قومية، وإنما الهوية التي تجمع الجميع هي البندقية "هويتي
بندقيتي".
-
تحرير فلسطين
هو الطريق إلى توحيد الوطن العربي، (وليس الوحدة العربية هي الطريق
إلى تحرير فلسطين).
-
ضرورة تحرير
الإرادة الفلسطينية، والمحافظة على استقلاليتها في القرار وفي
القتال، أي تحقيق "القرار الوطني الفلسطيني المستقل".
-
فتح حركة
وطنية ثورية مستقلة.
-
معركة تحرير
فلسطين واجب عربي وديني وإنساني.
-
الكيان
الصهيوني مؤسسة عنصرية عسكرية متكاملة دخيلة وغازية، وإن قيام دولة
فلسطينية عربية ديموقراطية ـ يعيش فيها المسلمون والمسيحيون
واليهود بحقوق متساوية ـ على أنقاضه أمر حتمي.
وقد أضاف المجلس
الثوري لحركة فتح بعد حرب 1973 مبدءاً يقول إن للشعب الفلسطيني وحده
حق ممارسة السيادة الوطنية على أي جزء من أرض فلسطين يتم تحريره.
وبشكل عام رفضت
فتح أن يكون لها أيديولوجية أو عقيدة سياسية محددة، وفتحت المجال
أمام مختلف الأفراد من كافة الأطياف الفكرية والسياسية (إسلامية ـ
قومية ـ وطنية ـ يسارية ..) للانضمام إليها، ولهؤلاء أن يحتفظوا
بفكرهم، ولكن عليهم ترك انتماءاتهم التنظيمية والحزبية السابقة. أي
أن فتح أرادت أن تكون إطاراً جبهوياً يستوعب تناقضات المجتمع
الفلسطيني، ويوجهه نحو الحرب مع العدو الصهيوني.
ولذلك نجد في
قيادات فتح ورموزها شخصيات ذات خلفيات إخوانية "إخوان مسلمين" كما
أشرنا سابقاً، أو من حزب التحرير مثال خالد الحسن، ونمر صالح "أبو
صالح"، ومحمود مسودة "أبو عبيدة"، أو من حزب البعث مثل فاروق قدومي،
وسميح أبو كويك "قدري"، وخالد اليشرطي، ومحمد أبو ميزر "أبو حاتم"،
أو ذوي خلفيات يسارية مثل ماجد أبو شرار ... وبدا واضحاً أن ذوي
الخلفيات الإخوانية كانوا لفترة طويلة المجموعة القيادية الأكبر
عدداً، وشكلوا قطباً استأثر بمعظم المناصب الهامة خاصة في الشؤون
العسكرية والمالية والتنظيمية. وإن خفَّ أثرهم مع الزمن باستشهاد
أعداد منهم (عبد الفتاح حمود (أول شهيد من أعضاء اللجنة المركزية)،
ومحمد يوسف النجار، وكمال عدوان، وأبو جهاد...) أو بخروج واعتزال
ووفاة آخرين.[294]
وقد حافظ الصف
القيادي الأول على قدر عالٍ من التماسك التنظيمي والولاء لفتح.
واستطاع توظيف الخلفيات الفكرية المختلفة لأفراده في تطوير العلاقات
والاستفادة من اتجاهات وأنظمة متناقضة. بل إن هناك من يرى أن قيادة
فتح تقوم بتنفيذ لعبة "تبادل الأدوار" عندما يجنح البعض للتنازل أو
التساهل فيقوم آخرون بالتشدد وتعلو صرخاتهم بالنقد، ثم ما يلبث
الجميع أن يتعاون بشكل أو بآخر لتنفيذ التوجه الجديد. فمثلاً عندما
قامت المجموعة المتنفذة في م.ت.ف بتوقيع اتفاق أوسلو في سبتمبر 1993
وجه أعضاء آخرون في قيادة فتح وم.ت.ف انتقادات عنيفة وقاسية للاتفاق
(فاروق قدومي، هاني الحسن، خالد الحسن، عباس زكي، صخر حبش، محمد
غنيم، ومحمد جهاد ... وغيرهم) ففاروق قدومي الذي اعتبر مسيرة اتفاق
أوسلو مسيرة عابثة،[295]
شارك في اجتماعات اللجنة التنفيذية لـ م.ت.ف، وفي أحد هذه الاجتماعات
لو انسحب لما اكتمل النصاب الذي أعطى الشرعية لبعض اتفاقات أوسلو.
وهاني الحسن الذي عدَّ التسوية وفق أوسلو ضرورة إسرائيلية وضرورة
أمريكية وطالب "بإسقاط الخط السياسي لمدرسة العجز الذاتي"،[296]
ما لبث أن تولى بنفسه بعض أخطر الملفات التي أوكلها إليه عرفات في
إطار التسوية. وقد أسهم هذا النهج في استيعاب قيادة فتح التناقضات
داخلها وامتصاص الغضب في قواعدها وفي أوساط الشعب الفلسطيني عامة،
وإشعار الجميع بالاطمئنان بأن هناك من يُعبّر عن آرائهم في الصف
القيادي الأول. وبالتالي لا داعي لاتخاذ أية إجراءات أو تصرفات حادة.
غير أن هناك من يرى أن الأمر مرتبط بالسلوك الفردي للرئيس، وأن باقي
قيادة فتح مضطرة بعد أن يستبد بها الغضب، إما إلى مسايرة الواقع
الجديد الذي يفرضه عرفات، "رعاية للتماسك والمصلحة العامة"، وإما إلى
الحَرَد والانكفاء حتى يتم الوصول إلى صيغة استرضاء معينة، وإما إلى
الاستقالة والانعزال، وإما إلى الانشقاق. وغالباً ما يلجأ الصف الأول
إلى الصيغتين الأولى والثانية.
غير أن التنظيم
الذي يفتقد إلى هوية عقدية محددة سيجد نفسه عرضة لعدد من المشاكل
والتحديات:
-
في غياب
الهوية العقدية كثيراً ما تلعب "المصلحة" و"ضغط الأمر الواقع"
أدواراً أكبر، وتحلُّ الاعتبارات التكتيكية مكان الرؤى
الاستراتيجية. وبالتالي تفقد المسيرة بوصلتها، وتحيد عن دربها،
وتتحجم طموحاتها وأهدافها.
-
إن وجود رؤى
فكرية مختلفة يوجد تعارضات جدية في مفاهيم وأساليب التربية
والتعبئة والتوجيه، وفي الطرح السياسي والإعلامي، وفي تحديد
الأصدقاء والأعداء، وعقد التحالفات، وفي استيعاب الأحداث والتعامل
معها، وفي اتخاذ القرارات.
-
إن الجذور
الأيديولوجية والحزبية السابقة للأعضاء أوجدت مناخاً ملائماً
للخلافات، ولنمو الكتل الداخلية والمجموعات المحسوبة على شخصيات
قيادية، مما يهدد بالانشقاقات والصراعات الداخلية.
-
وقد حدثت
النقاط الثلاث السابقة بشكل أو بآخر في "فتح"، وأصبح الزعيم أو
"الختيار" ياسر عرفات في النهاية هو النقطة التي تلتقي حولها عناصر
فتح، مما أضعف البناء المؤسسي للحركة، وسمح لعرفات بهامش واسع في
القيادة واتخاذ القرار السياسي والعسكري والمالي للحركة ولـ م.ت.ف.
وقد تعرضت فتح
إلى عدد من الانشقاقات والأزمات طوال الأربعين سنة الماضية، لكن ذلك
لم يؤثر على سيطرتها على منظمة التحرير الفلسطينية، وعلى كونها
العمود الفقري لها. كما ظلت الحركة الأكثر حضوراً على الساحة
الفلسطينية مستفيدة من تجربتها النضالية ومن الدعم المالي الذي توفره
لها م.ت.ف (ومن بعد ذلك السلطة الفلسطينية). ولا ينافسها في الشعبية
الجماهيرية إلا تيار الإخوان المسلمين الذي تمثل بعد سنة 1987 في
حركة حماس. وعادة ما تتبادل مع حماس السيطرة على الجامعات والنقابات
المهنية والبلديات. وفي انتخابات المجلس التشريعي للحكم الذاتي في
يناير 1996 (التي قاطعتها حماس والمعارضة الفلسطينية) فاز ممثلو فتح
بنحو 60 مقعداً من أصل 87 مقعداً.
ومن أبرز
الأزمات والانشقاقات التي تعرضت لها فتح:[297]
-
أزمة تنظيم
الكويت 1965 ـ 1966 عندما أصدرت اللجنة المركزية العليا للحركة
بتاريخ 29 إبريل و2 مايو 1966 قراراً بسحب الثقة من "عضو الحركة
السابق محمد ياسر عرفات القدوة الملقب بجرير رؤوف ـ الدكتور أبو
عمار ـ وإحالته للتحقيق فوراً" حيث اتهمته بإعداد تقارير كاذبة،
والتمرد على القرارات الجماعية، وتحريض بعض القواعد على قيادة
الحركة، واتباعه سياسة الاستزلام ومحاولة شراء ضمائر المناضلين،
وإفشاؤه أسرار الحركة لعناصر من خارجها ... وغير ذلك. وقد تم تطويق
هذه الأزمة في نهاية 1966 على حساب خروج عضوين قياديين هما عادل
عبد الكريم وعبد الله الدنان.
-
تمرد أبو
عبيدة 1967 ـ 1968: امتد الوجود المعارض لعرفات بامتداد كتلة
الكويت إلى الأردن بعد حرب 1967، واتخذ شكلاً عسكرياً يقوده أبو
عبيدة. وقامت قيادة الحركة بفصل تنظيم الكويت بمجمله، ثم حدثت
مفاوضات أدت إلى اتفاق في إبريل 1968 بإلغاء قرار فصل أبي عبيدة،
وأن تتم دعوة المجلس الثوري للنظر في مواضيع الخلاف ومحاسبة
القيادة، وأن تتم دعوة مؤتمر الحركة في يوليو 1968 بحيث تنبثق عنه
القيادة العليا للحركة عن طريق الانتخاب. وقد نقل أبو عبيدة إلى
السودان، ثم توجه إلى القاهرة، واعتقل في ظروف غامضة، وعّذب بشدة
حتى أصيب بانهيار عصبي.
-
أزمة التنظيم
في لبنان 1972: عندما انتقل عرفات إلى لبنان، وحاول إمساك زمام
الأمور مباشرة بيده، حدثت أزمة تنظيمية خصوصاً مع معتمد إقليم
لبنان يحيى عاشور (أبو حمدان) ، اتخذت شكل تمرد مباشر واعتصام في
تل الزعتر وعمليات اعتقال وخطف وتصفية، حتى أحكم عرفات سيطرته.
-
حركة فتح
"المجلس الثوري": انشق عدد من قياديي فتح بقيادة صبري البنا (أبو
نضال) وناجي علوش، وأبو داود (محمد عودة) متهمين القيادة بالانحراف
عن خط التحرير الذي تمثله فتح. وأنشأوا حركة فتح "المجلس الثوري"،
وأعلنوا التزامهم بمبادئ الحركة وأهدافها وبرامجها ونظامها
الداخلي، ودعوا إلى "خوض الصراع لإنقاذ الحركة". ومارس هذا التنظيم
أحياناً أساليب الاغتيال والتصفية لعدد من عناصر فتح الذين يرون
أنهم يخرجون عن الخط الوطني، فاغتالوا عصام السرطاوي وأبو إياد
صلاح خلف. ولقي هذا التنظيم دعماً من العراق وليبيا.
-
فتح
"الانتفاضة": وهو أبرز الانشقاقات عن فتح، وقاده أبو موسى ونمر
صالح (أبو صالح) في مايو 1983، ولعبت التداعيات التي نتجت عن
الاجتياح الصهيوني للبنان سنة 1982، واعتراض العديدين على التوجهات
السياسية لقيادة فتح وخصوصاً نحو التسوية، وعلى العديد من
المسلكيات التنظيمية والمالية والعسكرية ... وقد أدى هذا الانشقاق
إلى حدوث صدامات عنيفة بين الطرفين في النصف الثاني من عام 1983،
ولقي هذا الانشقاق دعم ورعاية سوريا.
-
وقد مثلَّت
المفاوضات السرية التي أدت إلى توقيع اتفاق أوسلو في سبتمبر 1993
أزمة جديدة لفتح، حيث جرت دون علم واستشارة معظم قيادات فتح
وم.ت.ف. ولقيت الاتفاقات وتشكيل سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني
معارضة شديدة من العديد من قيادات فتح. وتعرضت فتح جماهيرياً لأزمة
التعامل مع إفرازات أوسلو وانعكاساتها، ففضلاً عن ظهور الكثير من
المعارضة والتذمر داخل صفوفها، فقد انحسرت شعبيتها الجماهيرية
خصوصاً في خارج فلسطين، وبالذات في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين.
فتح والكفاح المسلح:
كان لفتح شرف
تفجير الثورة الفلسطينية المعاصرة في ليلة الأول من يناير 1965، وصدر
البيان الأول معبِّراً عن روح وطنية إسلامية، ومما جاء فيه "اتكالاً
منا على الله، وإيماناً منا بحق شعبنا في الكفاح لاسترداد وطنه
المغتصب، وإيماناً منا بواجب الجهاد المقدس، وإيماناً منا بموقف
العربي الثائر من المحيط إلى الخليج، وإيماناً منا بمؤازرة شرفاء
العالم، فقد تحركت أجنحة من قواتنا الضاربة ...".[298]
وقد عملت فتح في
ظروف صعبة ووسط أجواء الإيمان بالخيار الرسمي العربي، وانتظار جمال
عبد الناصر لتوجيه ضربته المرتقبة إلى الكيان الصهيوني. وقد اتهمتها
الأنظمة العربية بمحاولة جرِّها إلى المعركة مع الكيان الصهيوني قبل
موعدها، وقبل استكمال الاستعدادات اللازمة لها. وقام ناطق مصري -
بتوجيه من الحكومة - باتهامهم بأنهم متطرفو ومتعصبو الإخوان المسلمين
الذين تلقوا تمويلهم من الإمبريالية والمخابرات الأمريكية CIA،
واتهمهم أحد الأنظمة الخليجية بأنهم شيوعيون، كما اعتبرهم أحمد
الشقيري ـ رئيس منظمة التحرير الفلسطينية في ذلك الوقت ـ بأنهم أعداء
حركة التحرر الفلسطيني!! وقد أمرت "القيادة العربية الموحدة" التي
شكلتها الأنظمة العربية للتجهيز لتحرير فلسطين، في مارس 1965 بإيقاف
أنشطة حركة فتح، وحاولت دول الطوق القبض عليهم ومنعهم من العمل، فسقط
أو شهيد لفتح "أحمد موسى" برصاص قوات أحد الدول العربية بينما كان
عائداً مع رفاقه من عملية فدائية نفذها ضد الكيان الصهيوني. واعتقل
عرفات في سوريا في أواخر 1965 ثم أفرج عنه بعد أيام للاشتباه به في
قضية تفجير خط النفط "التابلاين"، ثم اعتقل هو وأبي جهاد وأبو علي
إياد وأبو صبري في فبراير 1966 مع سبعة أعضاء آخرين بتهمة الضلوع في
مقتل اثنين من رجال العاصفة (الجناح العسكري لفتح) من ذوي الخلفيات
البعثية. ثم أفرج عنهم إلا واحداً بعد التدخل لدى وزير الدفاع الجديد
حافظ الأسد. وكان عرفات قد سُجن لأيام في لبنان سنة 1965. كما جرت
اعتقالات أخرى لرجال فتح في الأردن (بما فيها الضفة الغربية) ولبنان
وسوريا ومصر، وعذب بعض المعتقلين وماتوا في السجون العربية.[299]
وعلى أي حال،
فقد استطاعت فتح تنفيذ حوالي 200 عملية عسكرية قبل حرب حزيران/ يونيو
1967.[300]
ومثَّلت مرحلة
ما بعد حرب 1967 مرحلة ازدهار حقيقي ونمو متسارع لحركة فتح، إذ إن
هزيمة الأنظمة العربية وضياع ما تبقى من فلسطين، أفقد الشارع
الفلسطيني والعربي الثقة بهذه الأنظمة التي اضطرت لفتح المجال للعمل
الفدائي الفلسطيني الذي اكتسب شعبية كبرى فلسطينياً وعربياً. ومنذ
ذلك الوقت، مثّلت فتح العمود الفقري للثورة الفلسطينية. واخترق ياسر
عرفات الحدود إلى الضفة الغربية المحتلة، ونظم خلايا المقاومة هناك
حيث مكث أربعة أشهر، ويُعدُّ يوم 29 أغسطس 1967 الانطلاقة الثانية
لفتح من خلال تفجير المقاومة المسلحة في الداخل.
وتُعد معركة
الكرامة 21 مارس 1968 حدثاً فاصلاً في تاريخ فتح، إذ فتحت الباب أمام
تدفق جماهيري هائل للانضمام إليها بعدما أبداه مقاتلوها من بطولة
وصمود، وما أوقعوه من خسائر جسيمة في القوات الصهيونية الغازية،
فخلال 48 ساعة تقدم لعضويتها خمسة آلاف قبلت منهم 900. وفي الشهر
التالي أُعلن ياسر عرفات متحدثاً رسمياً باسم فتح. وأخذت الحركة
موقعها كأوسع الحركات جماهيرية في الشارع الفلسطيني.[301]
وفي الوقت نفسه
تواصلت المفاوضات مع منظمة التحرير الفلسطينية وحركات المقاومة
الفدائية وعلى رأسها فتح. وكانت فتح تنظر بعين الشك والريبة لطبيعة
القائمين على م.ت.ف والراعين لها، ولطبيعة تركيبتها وحقيقة أهدافها.
لكنها كانت لا ترى مانعاً من الاستفادة منها كواجهة لأنشطتها.
وقد وافقت فتح
على دخول منظمة التحرير الفلسطينية بقصد "تثويرها"، وتمكنت في المجلس
الوطني الرابع في يوليو 1968 من فرض شروطها بتغيير الميثاق القومي
الفلسطيني ـ الذي يُعدّ دستور م.ت.ف ـ إلى الميثاق الوطني الفلسطيني،
حيث اتخذ طابعاً أكثر وطنية وثورية. كما غيَّرت بُنية المجلس الوطني
الفلسطيني ليقتصر عدد أعضائه على مائة فقط بعد أن كان في حدود 450.
وفي المجلس الوطني الخامس في فبراير 1969 سيطرت قيادة فتح على قيادة
م.ت.ف وأصبح ياسر عرفات رئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية.
ويبقى الجدال
قائماً حول ما إذا تمكنت فتح من "تثوير" المنظمة، أم أن المنظمة
تمكنت من "تسييس" فتح. إذ إن أعباء تكريس الهوية الوطنية الفلسطينية،
وإيجاد مكانة لائقة لـ م.ت.ف كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني عربياً
ودولياً، والاضطرار للدخول في تشابكات وتناقضات الأوضاع السياسية
العربية والدولية، والانجرار نحو تقديم مشاريع وحلول "واقعية" تحت
الضغوط المختلفة، والسعي للحفاظ على "المكاسب" السياسية ... كل ذلك
أسهم في تفريغ المخزون الثوري للحركة. وجعل عملها العسكري محكوماً
بالعديد من المعايير والضوابط و"المحرمات" السياسية.
وعلى أي حال،
فقد تحملت فتح عبء الكفاح المسلح الفلسطيني لفترة طويلة ومثلت الفترة
1968 ـ 1970 في الأردن مرحلته الذهبية، إذ نفذت حوالي 2000 عملية سنة
1969. كما مثلت الفترة 1970 ـ 1982 درجة لا بأس بها وخصوصاً في 1970
ـ 1975 قبل الانشغال بمستنقع الحرب الأهلية اللبنانية. وانخفضت وتيرة
العمليات إلى نحو 360 عملية سنة 1978.[302]
ويبدو أن حركة
فتح تمكنت من استيعاب العديد من عناصرها المتشددة من خلال منظمة
"أيلول الأسود" التي نفذت عدداً من العمليات العنيفة والتي استهدفت
شخصيات أردنية كاغتيال وصفي التل في 28 نوفمبر 1971، ونفذت عدداً من
العمليات الخارجية خصوصاً ضد الصهاينة والمصالح الإسرائيلية في
الخارج، وكان أبرزها عملية ميونخ في 5 سبتمبر 1972 حيث احتجزت 11
رياضياً ومدرباً "إسرائيلياً" كانوا يشاركون في دورة الألعاب
الأولمبية، وأدت العملية في النهاية إلى مقتل كل "الإسرائيليين"
المحتجزين ورجل شرطة ألماني، واستشهاد خمسة فدائيين واعتقال ثلاث
فدائيين آخرين. وقد رفضت فتح رسمياً الاعتراف بعلاقتها مع أيلول
الأسود لكنها اعترفت أن أغلب أعضائها "كانوا" من فتح. ويظهر أن صلاح
خلف "أبو إياد" كان على صلة وطيدة بهذه المنظمة.[303]
ونفذت فتح عدداً
من العمليات الفدائية القوية في السبعينيات مثل عملية سافوي في 6
مارس 1975 في تل أبيب، وأدت إلى مقتل نحو خمسين جندياً وخمسين مدنياً
صهيونياً،[304]
وعملية كمال عدوان في 11 مارس 1978 التي أدت إلى مقتل 37 وجرح 82
صهيونياً.[305]
وتشير إحصاءات
مؤسسة الشؤون الاجتماعية ورعاية أسر الشهداء في م.ت.ف في مطلع
الثمانينيات إلى أن عدد شهداء فتح يبلغ 56% من مجموع شهداء الثورة
الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، وإلى أن نسبة الأسرى من فتح
في الأرض المحتلة هي بين 70 ـ 80% من مجموع الأسرى.[306]
ولعلَّ هذه النسبة بقيت كما هي حتى اندلاع الانتفاضة المباركة في
ديسمبر 1987، عندما أخذت "حماس" تبرز كقوة كبرى موازية لفتح، بل
واندفعت حماس أكثر في العمل الفدائي في التسعينيات في الوقت الذي أخذ
العمل الفدائي "الفتحاوي" بالانحسار لصالح مشروع التسوية السلمية
الذي تبنته قيادتها. ويظهر أن حركة فتح أخذت تتبنى من جديد العمل
الفدائي ضد الأهداف الصهيونية منذ اندلاع انتفاضة الأقصى في 28
سبتمبر 2000 وأعلنت كتائب شهداء الأقصى التابعة لفتح عن العديد من
العمليات الفدائية.
البنية التنظيمية وقيادتها:
تتكون البنية
التنظيمية لفتح[307]
من:
-
المؤتمر
العام: وهو السلطة العليا داخل الحركة، ويجب أن يعقد (من الناحية
النظرية) مرة كل ثلاث أعوام، وقد سبق له الانعقاد بضعة مرات
(الثاني 1968، الثالث 1971، الرابع 1980 ...) ولا يجتمع بانتظام
لأسباب داخلية وخارجية.
-
المجلس
الثوري: ويتكون من مسئولي وقادة الأجهزة والأقاليم والقوات إلى
جانب 25 عضواً منتخباً من المؤتمر العام وعشرة أعضاء من ذوي
الكفايات تضمهم اللجنة المركزية، ومجموع أعضائه 120 عضواً.
-
اللجنة
المركزية: وهي القيادة المركزية للحركة، ويقوم المؤتمر العام
بانتخاب أكثر من ثلثي أعضائها، وتتكون من 18 عضواً.
وتعرف القوات
العسكرية لفتح باسم "قوات العاصفة" وتتولى اللجنة المركزية تعيين
قيادتها العامة.
وقد استشهد معظم
الأعضاء التاريخيين للجنة المركزية لحركة فتح أمثال عبد الفتاح حمود،
ومحمد يوسف النجار، وكمال عدوان، وخليل الوزير، وصلاح خلف، وأبو
الهول.
ومن الأعضاء
التاريخيين في مركزية فتح ممن لا يزالون يشغلون مناصب فيها ياسر
عرفات، وفاروق القدومي، ومحمود عباس (أبو مازن)، وسليم الزعنون.
وانضم محمد غنيم (أبو ماهر) للجنة المركزية في أغسطس 1968، وهاني
الحسن في مايو 1980، وفي أغسطس 1989 انضم إليها صقر حبش، وحكم
بلعاوي، وانتصار الوزير، والطيب عبد الرحيم، وأحمد قريع، والعقيد
يوسف، ومحمد جهاد، وعباس زكي. وحلَّ نبيل شعث وعبد الله الإفرنجي سنة
1991 مكان صلاح خلف وأبي الهول إثر حادث اغتيالهما. وفي 1994 انضم
زكريا الأغا رئيس اللجنة العليا لفتح في قطاع غزة، وفيصل الحسيني
رئيس اللجنة نفسها في الضفة الغربية إلى اللجنة المركزية (توفي
الحسيني في الكويت في مايو 2001).
وقد انتقد عدد
من أعضاء اللجنة المركزية اتفاقات الحكم الذاتي (أوسلو 1993 وما
تلاها)، ورفض محمد غنيم وفاروق قدومي ومحمد جهاد دخول أراضي الحكم
الذاتي، وقام محمد غنيم في سنة 1997 بتقديم استقالته من قيادة دائرة
التعبئة والتنظيم في الحركة واكتفى بعضويته في المركزية.[308]
فتح والتسوية السلمية:
منذ أن سيطرت
فتح على م.ت.ف حدث بينهما نوعٌ من التماهي والتداخل بحيث أن سياسات
ومواقف كل منهما أصبحت عملياً شيئاً واحداً. وعلى ذلك فموقف فتح من
التسوية هو عملياً موقف م.ت.ف نفسها. غير أن قيادة فتح وخصوصاً
الميدانية حاولت الاحتفاظ بنوعٍ من المسافة الفاصلة بين الطرفين، حتى
لا تتحمل فتح الأوزار والمساوئ والسلبيات الناتجة عن عملية التسوية
وتشكيل السلطة الفلسطينية. وتَعَاملَ ياسر عرفات وقيادة السلطة
الفلسطينية بشيء من المرونة مع قيادات فتح الرافضة لاتفاقيات أوسلو،
أو الناقدة لممارسات سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني، مع ملاحظة أن معظم
عناصر فتح في الداخل مستوعبة في مؤسسات السلطة الفلسطينية وأجهزتها
الأمنية. وقد سعت فتح إلى التناغم مع الموقف التفاوضي الفلسطيني،
ومحاولة تصليبه لتحقيق مكاسب أفضل، وليس إسقاطه. وقد ازداد هامش
المرونة اتساعاً مع اندلاع انتفاضة الأقصى حيث قامت قيادات فتح
الميدانية (أمثال مروان البرغوثي) بالمشاركة بالانتفاضة، وقامت
بالتنسيق مع حماس وغيرها، لتفعيل الانتفاضة وتطويرها. كما قامت
عناصرها بالعديد من العمليات الفدائية، رغم أن الموقف الرسمي لقيادة
السلطة (التي هي قيادة فتح) يرفض هذه العمليات بل وعادة ما يُدينها.
|

|
|

|
|
ياسر عرفات
رئيس حركة فتح ورئيس منظمة التحرير
الفلسطينية، ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية |
|
جورج حبش
الأمين العام
السابق للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين |
|

|
|

|
|
الشيخ أحمد
ياسين
مؤسس حماس |
|
خالد مشعل
رئيس المكتب
السياسي لحركة حماس |
|

|
|
رمضان عبد
الله شلح
الأمين العام
لحركة الجهاد الإسلامي |
هوامش الكتاب
[239] انظر: عجاج نويهض،
مرجع سابق، ص 314 ـ 315.
[240]
انظر: الكيالي، تاريخ فلسطين الحديث، ص 104 ـ 107، 115 ـ 116،
138 ـ 139، 150 ـ 151، 166 ـ 167، 173 ـ 174، 197 ـ 198.
[241]
كان للعائلات نفوذ كبير في العمل الوطني الفلسطيني في مرحلة
الاحتلال البريطاني، وقد جرت عملية فرز واستقطاب شديد حول
عائلتين مقدسيتين كبيرتين هما عائلتا الحسيني والنشاشيبي.
وقد أضر
ذلك بالعمل الوطني والوحدة الوطنية الفلسطينية، إذ قدّم البعض
مصالح عائلته ـ وفق معايير التنافس والحسد ـ على المصالح العامة
وعلى مواجهة الاستعمار البريطاني والمشروع الصهيوني.
[242]
انظر: بيان الحوت، مرجع سابق، ص 335 ـ 337، ويوميات أكرم زعيتر،
ص 76 ـ 78، والموسوعة الفلسطينية، ج4، ص 27 ـ 30.
|