|
الخليل- ترجمة خاصة :
في كتابهما "عصر حماس- من العنف إلى التكيّف" من إصدار جريدة يديعوت أحرونوت عام
1999م ، يتناول المؤلفان "شاؤول مشعل" و "أبراهام سيلع" جوانب مختلفة تتعلّق بنشأة
حركة حماس ، و أهدافها و أولوياتها و قدرتها على استقطاب الجمهور و التكيّف مع
الواقع و مواجهاتها لمختلف التطوّرات العالمية .
و في سلسلة حلقات مترجمة سننشر على صفحات موقعنا (المركز الفلسطيني للإعلام) ترجمة
كاملة للكتاب المكوّن من 335 صفحة ، و نبدأ بالمقدمة و جزءٍ من الفصل الأول فيه .
و يتناول هذا الجزء تقديماً عاماً و تعريفاً بحركة حماس ، ثم في الفصل الأول يتحدّث
الكاتبان عن أيدولوجية و سياسة حماس و أنها مثال مميّز لظاهرة الإسلام السياسي و
ترفع راية تحرير فلسطين التاريخية .
و لمزيد من التوضيح و التسهيل على القراء أضفنا بعض العناوين الفرعية .
الترجمة :
المقدمة
تصنّف حركة حماس على أنها من التنظيمات الإسلامية المتعصّبة و صاحبة الأهداف
القاطعة و الواضحة نحو تحرير فلسطين و إصلاح المجتمع الفلسطيني بروح القيم
الإسلامية ، و أصبحت العمليات ضد التجمّعات السكانية (الإسرائيلية) من خلال استخدام
السيارات المفخّخة و (الانتحاريين) و طاعني السكاكين المشبّعين بنشوة دينية علامة و
سمة تعرف من خلاله حركة حماس ، و رغم ذلك فإن الأعمال (الإرهابية) لحركة حماس ليست
الهدف الأساسي و لكن من وجهة نظر الحركة فإنها تعتبرها على هامش العمل بالمقابل
للعمل الجماهيري العلني المتشعّب و المتواصل بكثافة و نشاط , و هذا العمل يتمركز في
أوساط السكان الفلسطينيين في منطقة الضفة الغربية و قطاع غزة .
و هذه الحركة الدينية الشاملة التي تعمل في مجال العمل الاجتماعي المتعدّد فإنها
منغرسة عميقاً داخل المجتمع الفلسطيني ، و هذا يعكس شكلها الشعبي و تتعامل بحساسية
اتجاه زعاماتها المحليين و احتوائها الجماعي . و هي شريكة في النظرة الدينية و
تنطلق من خلال القيم و التقاليد الاجتماعية ، كما و تلبّي الحاجات اليومية
لاحتياجات الناس من أجل استمرارية الحياة اليومية .
و على الرغم من أنها تنتشر بصورة أكبر داخل الطبقات الأكثر شعبية ، فإنها أيضاً
نجحت في التغلغل داخل جميع أطياف المجتمع الفلسطيني مثل المثقّفين الذين يتمتعون
بثقافة عالية أو من هم أقل من ذلك مثل التجار و المزارعين و العمال البسطاء و
موظفين و مدراء و مهندسين و أطباء و محامين ، و محاضرين يعملون في مؤسسات علمية
عالية و شباب و كبار في السن على حدّ سواء ذكوراً و إناثاً ، و باعتبار هذه الحركة
على أنها حركة معارضة سياسية و اجتماعية أمام منظمة التحرير الفلسطينية فقد نالت
حركة حماس على مساندة الفلسطينيين المسيحيين .
و باعتبار هذه الحركة الدينية صاحبة وجدان و إحساس اجتماعي فهي تتميّز بنشاطاتها
الجماهيرية المتنوّعة و الواسعة و التي تشمل عدة مجالات إضافة إلى إنشائها مجموعة
من الأنظمة و المؤسسات الخدماتية كبديل عن المؤسسات الرسمية التي عجزت عن تقديمها
للدولة .
كما و قد أنشأت حركة حماس العديد من المؤسسات التعليمية التي تتركّز حول المساجد و
التي تشمل رياض الأطفال و المدارس و المكتبات و نوادي الرياضة للشباب ، كما و أدخلت
الدورات المهنية للنساء .
و هذا يشبه عمل جماعة الإخوان المسلمين في الدول العربية المجاورة ، و هي تدير
أيضاً إلى جانب ذلك العيادات الطبية و المستشفيات و جمعيات الصدقات و الرفاه
الاجتماعي لخدمة المحتاجين ، و منذ انخراط هذه الحركة في دائرة العمل الوطني
(الإرهابي) فقد خصّصت جزءاً من مساعداتها في تأييد و مساعدة عائلات الجرحى و القتلى
و الأسرى في السجون (الاسرائيلية) .
و مع ذلك فإن حركة حماس بعيدة من أن تكون حركة ذات طابع و مسار واحد و ترفض أن تكون
ذات شكلٍ واحد مثلما يعتقد ، فهي حركة إحياء متطوّرة على أرض الواقع و تتطوّر طبقاً
للإمكانيات المحيطة الإنسانية و الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية و تستجيب
لرغبات و حاجات المجتمع المتغيّرة ، و هي مدركة للتغيّرات التي نتجت مع مرور الوقت
إضافة إلى يقظتها في علاقتها مع القوى نتيجة اكتسابها مجموعة من الخبرات و الفرص .
و في خلاصة الأمر و إلى جانب ازدياد التطرّف الديني و تميّزه بـ (العنف المتطرّف)
فإن حماس تعيش داخل العالم بعلاقات اجتماعية و احتياجات أولية و تسابق نحو العلاقات
من زاوية الفائدة العليا فهذا عالم المساومات المتصاعدة بسبب الخوف من ظهور قوة
جديدة تؤدّي إلى ضياع الإنجازات و الفرص .
و من بين الأسباب الخاصة التي تعمل من خلالها حركة حماس و التي تتركّز أساساً في
المواجهة العسكرية مع العدو الخارجي المتمثّل في (إسرائيل) فهناك خصومة و منافسة
عميقة و متواصلة للتعايش المتوتر مع السلطة الفلسطينية ، و السؤال هنا إلى أيّ مدى
تحافظ حماس من خلال نشاطها و معارضتها على ثوابتها ، و إلى أيّ مدى نجحت في تسويغ
الخطوات التي لا تصطدم مع ثوابتها و أيضاً الظروف التي ساعدتها في تخفيف الأضرار
التنظيمية بثمن معقولٍ بسبب تعاليمها الدينية .
و في هذا الكتاب سيتم التعرّض إلى تحليل التطوّرات و التغيّرات و الانتقال و
الترجيح الذي مرّت عليه الحركة الإسلامية في مناطق الضفة الغربية و قطاع غزة ، و
بدأت هذه الأمور بتبنّي طابع الحركة الوطنية المقاتلة – إضافة إلى منهاج ديني
اجتماعي – بالتزامن مع اندلاع الانتفاضة حيث كان الجهاد لباساً استراتيجياً و في
مركز الصراع المسلح ضد (إسرائيل) ، و وصلت الأمور إلى ذروة المآزق و الأزمات التي
كان من بينها حماس و على ضوء تثبيت و تأسيس مكانة السلطة الفلسطينية و مواصلة مسيرة
أوسلو .
و بصورة أكثر دقة نحن نطلب التحرّي و البحث عن خلاصة التسويغ للتعليل و التعليق
للتفسير الديني الذي جنّدته حماس بهدف التقليل من الفجوة بين المراسيم الرسمية و
بين القرارات و خطواتها حول مسائل ذات أهمية استراتيجية ، و منها إعلان عرفات عن
إقامة دولة فلسطينية على أساس قرار التقسيم للأمم المتحدة سنة 1947 خلال اجتماع
المجلس الوطني الفلسطيني في شهر نوفمبر 1988 و الاستعداد لشجب الإرهاب و الموافقة
على قرار مجلس الأمن 242 و بعد وقت قصير كان قرار منظمة التحرير الفلسطينية التأييد
و الاشتراك لوفد من الفلسطينيين من الضفة الغربية و قطاع غزة لمؤتمر السلام في
مدريد أكتوبر 1991 و إعلان المبادئ بين (إسرائيل) و بين منظمة التحرير الفلسطينية –
اتفاق أوسلو – في شهر سبتمبر 1993 و التي تشمل الاعتراف المتبادل و نقل الصلاحيات
على مناطق الضفة الغربية للسلطة الفلسطينية بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية و
التوجّه بعدها نحو الحلّ النهائي ، و قد قامت السلطة على أرض الواقع في منطقة قطاع
غزة و أريحا في يونيو 1994 و إنشاء الأجهزة الأمنية و المدنية التابعة للسلطة و
تسليم المدن الكبيرة في الضفة الغربية للسلطة و إجراء انتخابات عامة للمجلس الوطني
و لمنصب رئيس السلطة الفلسطينية .
كلّ هذا إلى جانب التحليل الهيكلي الداخلي للحركة و مصادر التأثير الخارجي و
العلاقات التي أنشأتها على المستوى الدولي من حيث اختيار أعضائها و زعامتها على
المستوى التسلسلي ، سواء أكانوا محليّين أو خارجيين من حيث الفروق في الطرح و تأثير
القوى فيها و تأهلها السياسي و قدرتها التنظيمية لتهييء نفسها في الواقع ، و هذه
الأمور مجتمعة ستكون من صلب هذا النقاش .
و على الرغم من أن حماس هي حركة شابة و قد دخلت في العقد الثاني من تأسيسها لتصبح
حقيقة واقعة و بارزة في المشهد (الإسرائيلي) – الفلسطيني .
و تتمتّع حماس بتأييد اجتماعي قوي و حضور مؤسساتي مؤثّر ، و تأثير سياسي غير متناهٍ
داخل الرأي العام الفلسطيني و بتأييد من قبل الدول العربية و الإسلامية ، و اعتراف
جماهيري كبير و مهادنة سياسية ، و برعاية نموذجية و جاذبية قائمة على أساس و خبرة ،
تنظيمية ، و قدرة على التكيّف و الصمود في الظروف الصعبة و خاصية مميزة بصفتها حركة
جماهيرية تربطها المؤسسات بترابط متين لحاجات المجتمع ، مما جعل منها قوة سياسية من
الصعب تجاهلها من حيث حضورها و نشاطها المدني في المستقبل الواضح للعيان .
و كلما توقّفت المفاوضات حول السلام للحلّ النهائي بين (إسرائيل) و السلطة
الفلسطينية في ظلّ العداء و الاختلاف في الآراء و عدم الثقة و تبادل الاتهامات
تستطيع حماس الظهور بمظهر المحافظ على الحلم الوطني الفلسطيني بصورته العامة ,
طالما أن عرفات و السلطة الفلسطينية لم ينجحوا في الارتقاء نحو الحلّ النهائي
للصراع (الإسرائيلي) - الفلسطيني و الظهور بالحصول على إنجازات إقليمية على أرض
الواقع إضافة إلى تغييرات اقتصادية جوهرية ، فكلّ هذه الأمور ستسهّل على حركة حماس
في الحفاظ على شكلها و صورتها العامة على أنها المدافعة عن مبادئ الإسلام و ثوابتها
الوطنية الفلسطينية أمام التنازلات و الخنوع للإملائات على الجانب (الإسرائيلي) .
و مع ذلك فإن حركة شعبية و دينية مثل حماس و التي تتميّز بعدم الانتظام بين الأهداف
و بين السلوكيات المليئة بالتوترات و المتعارضات و التناقضات في العلاقة الداخلية
التنظيمية و بين المنظمات الأخرى القابلة للمساومة و المفاوضات و المكتظة بالروابط
من الصلاحيات الرسمية و هيكلها التدرجي إلى جانب مراتبها المحلية و التي تستند على
أجهزة من العلاقات غير الرسمية و هياكل تنظيمية مليئة بالقدرة على التفسير الديني و
المؤهلة للتكيّف السياسي ، و كلّ هذا يكون سبباً لأن تكون التطورات في علاقات حماس
و (إسرائيل) و علاقات حماس بالسلطة الفلسطينية غير مقبولة لدى الرأي و لضرورة
الأسباب التي لا يمكن تفاديها ، و في ظروف مثل هذه فإن هناك شكّ في أن تقوم حماس
بتغيير منهجها اتجاه علاقتها بـ (إسرائيل) ، و لكن هناك احتمال أن يصبح في حالة
تفضّل فيها حماس التعايش المعقول مع (إسرائيل) على خيار السيف المشرع .
و هذه الدراسة تستند على مصادر أولية و وثائق لم يتم الكشف عنها و معظمها نشرات ، و
بيانات و وثائق داخلية لحماس و مصادر من الصحف الفلسطينية و الإسلامية و
(الإسرائيلية) .
|