|
عصر
حماس
الحلقة التاسعة
الفصل الثالث
(الجزء الثامن - من صفحة 103
الى113)
اتفاق غزة
وأريحا
وبعد إنشاء السلطة الفلسطينية
أبرزت حركة حماس فشل عرفات وسلطته وعرضت إلى التعامل المذل الذي يتعرض له عرفات
وسلطته من قبل (إسرائيل) ومطالبتها للسلطة بتلبية متطلباتها الأمنية، فهذا الوضع
يعزز من حرية عمل حركة حماس نحو تعميق الفجوة في اتفاق غزة أريحا بواسطة عمليات
الاحتجاج الجماعية والمقاومة العنيفة بالمحتل (الإسرائيلي)
بكل مكان يتواجد به (24).
وهكذا فإن حماس قد سرعت من
عملياتها ضد القوات (الإسرائيلية)
المنسحبة من قطاع غزة, وقد اتخذت لنفسها موقفا حذرا خلال الشهرين الأولين من إنشاء
السلطة الفلسطينية يتمثل في "ننتظر ونرى" من اجل وضوح مدى حرية العمل لها في ظل
السلطة الجديدة.
إن مواصلة عمليات العنف من قبل
حماس عن طريق السيارات المفخخة داخل التجمعات (الإسرائيلية)
بهدف إصابة اكبر عدد ممكن من المدنيين قد شجع على تنفيذ المذبحة التي قام بها
"باروخ جولدشتاين" ضد المصلين المسلمين في الحرم الإبراهيمي (مغارة المكفيلا ) في
الخليل خلال شهر فبراير 1994 والتي دعت حماس على إثرها الانتقام باسم الشعب
الفلسطيني.
إن توقيت المذبحة من قبل
المتطرف اليهودي جاء في ذروة المفاوضات (الإسرائيلية)
الفلسطينية نحو تطبيق مرحلة " غزة – أريحا " وهذا ما منح حركة حماس الفرصة في زيادة
قوتها في أوساط الجماهير وتوطيد مكانتها أمام توقعات إنشاء السلطة الفلسطينية.
علاوة على ذلك فقد عرضت حماس
عملياتها ضد (إسرائيل) على أنه عمل عادل على المذبحة التي جرت في الحرم الإبراهيمي
(مغارة المكفيلا ) وهذا ما ساعد حماس بحصولها من خلال ذلك على التأييد الجماهيري
الفلسطيني وعلى ضوء احتمالية الرد الشديد من جانب السلطة الفلسطينية أو اتخاذ عمل
عقابي جماعي ضد السكان الفلسطينيين من جانب (إسرائيل) .
وجاءت مطالبة حماس بمواصلة
الكفاح المسلح ضد (إسرائيل) بالمساعدة الواضحة من تصريحات مختلفة دلت على ذلك وهو
أن ياسر عرفات لا يسعى للمواجهة مع منافسيه في الحركة الإسلامية ، والدليل على ذلك
كان الإطلاق السريع لسراح نشطاء حماس والجهاد الإسلامي الذين تم أسرهم من قبل
السلطة الفلسطينية ،إضافة إلى مناورة عرفات من خلال العمليات التي جرت داخل
(إسرائيل),
فهذا العمل ابعد عن السلطة أي اتهام وهذا ما جعله يدعي أن هذه العمليات قد خرجت من
المناطق التي تحت السيطرة (الإسرائيلية)
(25) ويعتقد زعماء فتح أن هذا الأمر ربما يمنع من المواجهة المباشرة بين حماس
والسلطة الفلسطينية وكانوا متقبلين بصمت نهج مواصلة الجهاد لحركة حماس ضد (إسرائيل)
(26) .
محاولة منع
العمليات
إن سياسة الرد الفوري من قبل
(إسرائيل) ردا على العمليات المسلحة لحركة حماس من خلال فرض الطوق الأمني الجماعي
على السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة حث السلطة الفلسطينية على
الحديث مع حركة حماس بمسألة الكفاح المسلح ضد (إسرائيل)،
لكن المحادثات التي تمت في القاهرة بين السلطة الفلسطينية وبين حماس في صيف وخريف
1995 في هذا الأمر حيث بذلت السلطة الفلسطينية جهودا من أجل السلام مع حماس ، على
حساب الالتزام الذي اتخذته السلطة على نفسها اتجاه (إسرائيل) في اتفاق القاهرة
(مايو 1994 ) فيما يتعلق بمنع العمليات (الإرهابية)
انطلاقا من المناطق التي تقع تحت سيطرة السلطة الفلسطينية .
ويعتقد أن موقف السلطة وحماس
قد تأثرت بالتأييد الواسع نسبيا في الشارع الفلسطيني لمواصلة عمليات العنف ضد
(إسرائيل) (27).
إن الخلاف بين السلطة
الفلسطينية وبين حماس تمثل من خلال الحديث لوزير التخطيط في السلطة الفلسطينية نبيل
شعث واحد مسئولي حماس في قطاع غزة، محمود الزهار ، ففي حين دعا
شعث إلى تجميد الكفاح المسلح من اجل إعطاء الفرصة لمسيرة المفاوضات السياسية
الدبلوماسية ، ادعى الزهار وبإصرار أن استخدام السلاح هو شرعي ، وان العمليات
العسكرية والاشتراك في مسيرة السلام بالإمكان التعامل معهم سويا (28) وعلى كل حال
فان حماس مستعدة لوقف عملياتها العسكرية في قطاع غزة وانطلاقا منها.
وفي شهر أكتوبر 1995 وقبل بدء
المفاوضات حيث تميزت المسودة لاتفاق الطرفين من جانب السلطة الفلسطينية موقفا
ضبابيا والذي ينص على أن حماس ملتزمة بوضع حد للعمليات العسكرية في مناطق السلطة
الفلسطينية وانطلاقا منها وعدم الخروج عنها بأي شكل من الأشكال (29) .
وعلى الرغم من المحادثات
المتواصلة رفضت حماس التوقف عن الكفاح المسلح وبسبب ذلك امتنع الطرفان التوقيع على
الاتفاق لنهاية المحادثات في القاهرة من شهر ديسمبر 1995 واكتفوا بالتوقيع على
إعلان مشترك من قبل مسئولي كلا الوفدين وتبين من هذا الإعلان أن حركة حماس ستوقف
أعمالها العسكرية ضد (إسرائيل) في المناطق التي تقع تحت السيطرة الفلسطينية وتمتنع
من الإعلان عنها بصورة علنية أو تتحمل المسؤولية عنها (30).
حل وسط
إن تعامل الأطراف مع مسألة
مواصلة عمليات العنف لحركة حماس أظهرت أنه مقبول لكليهما، أي أن السلطة الفلسطينية
تتحمل المسؤولية في الدفاع عن (إسرائيل)،
ويمكن الكفاح المسلح ضد (إسرائيل) طالما أنه غير موجه من المناطق التي تقع تحت
السلطة الفلسطينية وهذا من أجل عدم إرباك الأخيرة في علاقتها مع (إسرائيل)
والامتناع عن الأضرار بمواصلة مسيرة أوسلو (31).
وقد اعتبر الكفاح المسلح من
قبل حماس على انه وسيلة وليس هدفا بحد ذاته الأمر الذي احتاج توضيح علني من قبل
شخصيات مركزية في غزة، وقد أعلن محمود الزهار أنه: علينا دراسة الجدوى من استمرار
العمليات العسكرية، وإذا ما استطعنا الوصول إلى أهدافنا دون استخدام العنف, فذلك
خير فالعنف هو وسيلة وليس هدفا، وأن قرارات حماس بالتصرف من خلال سياسة ضبط النفس
لا تتناقض مع أهدافنا بما في ذلك إقامة دولة إسلامية مكان دولة (إسرائيل) ... ولن
نعترف أبدا (بإسرائيل) ولكن
من المتوقع ان يكون بيننا (هدنة ) لعدة أيام أو شهور أو سنين (32) .
ومنذ البداية كانت حماس يقظة
للتأثيرات الممكنة لمواصلة الكفاح المسلح على علاقتها مع السلطة الفلسطينية، وقد
اتضح الأمر من خلال الرفض المطلق للسلطة الفلسطينية لأي محاولة لوجود معارضة شرعية
وإسلامية أو غيرها.
وعمليا فقد استغلت السلطة
الفلسطينية عمليات حماس العسكرية ضد (إسرائيل) كذريعة وحجة لعمليات القمع من قبل
(إسرائيل)، ولكن وبعد فترة من
إنشاء السلطة الفلسطينية في سنة 1994 ازداد الخلاف بين التيارين الأساسيين في حماس
حول موضوع استخدام العنف: فمن جانب التيار صاحب الميل السياسي والذي يمثله شخصيات
مثل محمد الزهار وجميل حمامة واحمد شمعة فهذا التيار كان مستعدا للتأقلم والتكليف
مع الواقع السياسي الجديد وسعى للوصول إلى اتفاق مع السلطة من أجل منحه صفة قانونية
من أجل الاشتراك بالنظام السياسي بواسطة حزب إسلامي مستقبلي، أما من الجانب المغاير
وقف التيار العسكري والذي أتى أعضاؤه المحليين من " كتائب عز الدين القسام " فأساس
هذا التيار موجود في قيادة الحركة خارج البلاد فهم يسيطرون على المصادر المالية
والسياسات الدولية، وهؤلاء عارضوا وقف الكفاح المسلح والاتفاق مع السلطة
الفلسطينية وهذا ربما يؤدي إلى إضعاف مكانتهم وتأثيرهم داخل حماس.
اعتقال قيادات
حماس
ومع ذلك فإن اعتقال شخصيات
بارزة في الحركة مثل احمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي أضعف مكانة الحركة في قطاع
غزة والضفة الغربية أعطى التفوق للزعامات الخارجية"، وحسب إحدى المصادر فقد أدى
الخلاف في الآراء بين كلا التيارين إلى حد التهديد على حياة شخصيات مثل الزهار في
غزة والشيخ جمال سليم في نابلس من قبل نشطاء بالجناح العسكري لحركة حماس(33).
وعلى ضوء هذه الخلفية وبسبب
الخوف من المواجهة مع السلطة الفلسطينية نتيجة الضغوطات
(الإسرائيلية)
على عرفات لتصفية (إرهاب)
حركة حماس وقاعدته الاجتماعية والدينية تراجع زعماء حماس السياسيين واقترحوا منذ
1995 وقف إطلاق النار المشروط مع إسرائيل، فمعظم زعماء حماس السياسيين صرحوا
بمشروعية وقف إطلاق النار لكن هناك شك حول وجود اتفاق لشروطها، فهذه مسألة غير
واقعية من الناحية السياسية، فزعماء حماس في الضفة الغربية وقطاع غزة عرضوا الشروط
التالية لوقف إطلاق النار وهي: إطلاق سراح الأسرى وإلغاء الطوق الأمني المفروض على
المناطق المحتلة، وإزالة المستوطنات (وقد شملت أيضا إخلاء السكان اليهود من شرقي
القدس وإنهاء ملاحقة الفلسطينيين، وقد طلب التوقيع على هذه الأفكار من قبل السلطة
الفلسطينية و(إسرائيل).
اقتراح الهدنة
وفي عدة حالات تم الحديث على
أنه وفي أعقاب وقف إطلاق النار المقترح تأتي المحادثات الغير مباشرة مع (إسرائيل)
حول موضوع (الهدنة ) المحددة وستكون مشترطة بانسحاب (إسرائيلي) كامل إلى حدود ما
قبل 1967 بما فيها القدس وتفكيك المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة (34) .
وفي سبتمبر 1997 وقبل يومين من
محاولة رجال المخابرات (الإسرائيلية)
(الموساد ) في عمان اغتيال خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس نقل الملك
حسين ملك الأردن إلى رئيس حكومة (إسرائيل) اقتراح باسم قيادة الحركة للبدء بحوار
غير مباشر مع حكومة (إسرائيل) على أن يكون الملك حسين في بمثابة الوسيط بهدف
التوصل إلى وقف دائرة العنف ومطالبة (إسرائيل) " بمناقشة كل الأمور".
ولكن وبسبب غير واضح فقد تجاهل
مكتب رئيس الوزراء إضافة إلى تفجر قضية فشل عملية اغتيال خالد مشعل فقد أزيح اقتراح
ملك الأردن من جدول الأعمال اليومي (35).
عنف موجه في
واقع متغير
هناك شك فيما إذا كانت سياسة
العنف الموجه لحركة حماس تستطيع بأن تكون وصفة ومخطط للاستقرار، فقد رأت حماس
باتفاق (إسرائيل) – منظمة التحرير منذ سبتمبر 1993 واتفاق القاهرة بإقامة سلطة
فلسطينية في غزة وأريحا (مايو 1994 ) تهديدا استراتيجيا على وجودها، وكلما أصبح
الأمر اقرب إلى واقع التحقيق والظهور على ضوء التقدم في مسيرة السلام بين (إسرائيل)
والسلطة الفلسطينية ، فقد عززت حماس من تصميمها في البحث عن طريق الكفاح حتى لو
كان الأمر متعلقا بوقف الحوار مع السلطة الفلسطينية وزيادة التوتر معها.
وفي 6 و 13 أبريل سنة 1994
وقبل فترة قصيرة من توقيع اتفاق القاهرة وإنشاء السلطة الفلسطينية في غزة وأريحا
نفذت " كتائب عز الدين القسام " عمليتين (انتحاريتين)
في العفولة والخضيرة وقد أعلن أن هاتين العمليتين هما انتقام على المذبحة التي قتل
خلالها ثلاثون فلسطينيا على يد مستوطن يهودي في الخليل قبل عدة أسابيع من تنفيذ
العمليتين ، فهذا التبرير الذي أعلنت عنه حماس كان له صدى
قويا داخل الجماهير الفلسطينية وما عدى الانتقام فقد أصبحت العمليات
(الانتحارية)
إحدى عناصر القوة في مكانة حماس للمساومة أمام إنشاء السلطة الفلسطينية والضغط على
عرفات للنظر باعتبار حركة حماس والتوصل معها إلى قواعد للتعايش (36) .
تساؤلات
فإلى أي مدى يمكن تشخيص القوة
المحركة لعمليات حماس العسكرية على افتراض أن معظم القرارات عكست المستوى الرفيع في
الحركة وليس مجرد مبادرة محلية؟ وهل كان لهذا اعتبارات سياسية أو تنفيذية حددت
توقيت العمليات؟ أو إنها ربما انتقام على أعمال جماعية ضد الفلسطينيين أو انتقام
على أعمال اغتيال نشطاء عسكريين كبار في حماس كانت قد نفذتها الجهات الأمنية السرية
(الإسرائيلية)؟ ومع غياب
معلومات داخلية فإن هناك شك حول إمكانية الإجابة على هذه التساؤلات بإجابات لا لبس
فيها أو جلية .
وليس هناك شك أن حماس تستطيع
تنفيذ عمليات عنف على مستوى أكبر مما هو عليه، لولا بذل الجهود غير المتوقفة من أجل
إحباط وكشف المجموعات من جانب سلطات الأمن (الإسرائيلية)
وبالمساعدة المتباينة للتعاون من جانب عناصر الأمن للسلطة الفلسطينية.
ويتوقع أن يكون قلق حركة حماس
نابع من التقدم في مسيرة السلام مما يؤدي إلى تعرض مكانتها للخطر بصفتها حركة
جماهيرية ، إضافة إلى أن قلقلها نابع من الدعوات التي أطلقتها (إسرائيل) لاجتثاث
الحركة من الجذور وهذا ما حفز قيادة الحركة بمواصلة وتصعيد العمليات
(الانتحارية)
ضد (إسرائيل) والتي كان ثمنها ضياع الكثير من الأرواح خاصة بين المدنيين, وعلى نفس
المستوى يمكن الربط بين العمليات (الإرهابية)
لحركة حماس وبين عمليات التصفية للنشطاء العسكريين الكبار في الحركة.
عمليات كبيرة
وعلى كل حال فإن العمليات
(الانتحارية) التي نفذت في تل
أبيب (أكتوبر 1994) من قبل حماس في مفترق – هشارون (يناير 1995 ) ومن قبل " الجهاد
الإسلامي " ربما يكونوا ردا على مقتل كل من عماد عقل في غزة (أكتوبر 1994) ومقتل
هاني عابد (نوفمبر 1994). وفي يوليو أغسطس 1995 فجر (انتحاريي)"
عز الدين القسام " انقسم في عمليتين بنفس التوقيت في رمات جان والقدس ، وقد نفذت
هذه الهجمات في ذروة المحادثات التي جرت بين (إسرائيل) والسلطة الفلسطينية حول
موضوع انسحاب (إسرائيل) من مدن الضفة الغربية وفي ختامها على "اتفاق طابا " (أوسلو
2) في 28 سبتمبر 1995 من اجل الانتخابات العامة للمجلس التشريعي للسلطة الفلسطينية
المتوقعة بعد تطبيق الاتفاق الجديد .
ومن الممكن القول أنه كلما نضج
الوعي في صفوف حماس لضرورة التكيف للواقع السياسي الجديد، ولتصبح العمليات
(الانتحارية)
أداة لإجبار السلطة الفلسطينية للاعتراف بحماس كمعارضة شرعية ، ولكن من المتوقع أن
هذه العمليات هي رد على الانفجار الذي حصل داخل شقة في غزة وأدى إلى مقتل ثلاثة من
نشطاء حماس وكان من أبرزهم كمال كحيل (أبريل 1995) ومع توقيع اتفاق طابا في سبتمبر
1995 وانسجاما من مسؤولي حماس في المناطق فقد توصلوا إلى اتفاق لوقف عمليات ضد
(إسرائيل) بهدف عدم التشويش على انسحاب (إسرائيل) من المدن الفلسطينية أو
الانتخابات لمجلس السلطة الفلسطينية وهذا ما حاز على تأييد فلسطيني واسع ، وكل ذلك
أتى على ضوء الضغوطات (الإسرائيلية)
المتزايدة على السلطة الفلسطينية لقمع (الإرهاب)
الإسلامي وضغوط السلطة على حماس للتوقف عن أعمال العنف ضد (إسرائيل) انطلاقا من
المناطق التي تقع تحت سيطرتها ، وقد طلبت جهات من حماس استغلال الهدنة التي فرضوها
على أنفسهم وبرغبة منهم كورقة مساومة مع السلطة الفلسطينية وبصورة غير مباشرة مع
(إسرائيل) .
شروط وقف
العمليات
وفي إحدى المحاولات التي أبدت
فيها حماس استعدادها لوقف النشاطات العسكرية ضد (إسرائيل) كان مقابل توقف السلطة
الفلسطينية عن ملاحقة رجال " عز الدين القسام " .
وقد جرت هذه المباحثات بواسطة
محمد ضيف كبير نشطاء العمل العسكري لحركة حماس في الضفة الغربية وقطاع غزة وأبرز
المطلوبين لقوات الأمن (الإسرائيلية)
والذي أبدى استعدادا للاتفاق حسب الخطوط التالية:
أ-
حماس تتوقف بصورة تامة عن النشاط العسكري ضد أهداف
(إسرائيلية) من اجل المصلحة
الفلسطينية .
ب-
تقوم حماس بمساندة السلطة على توطيد سيطرتها التامة على
الوضع وقطع الطريق على (إسرائيل) من أخذ الذرائع من اجل خرق الاتفاق (37) .
وحسب مصادر
(إسرائيلية) فقط طلب زعماء حماس في
مناطق السلطة الفلسطينية التوصل إلى اتفاق مع (إسرائيل) بوساطة السلطة من اجل
التوصل إلى اتفاق متبادل للعمليات.
إن التزام حماس كان بحاجة إلى
أن يشمل اتفاق رسمي مع السلطة الفلسطينية وليس مع (إسرائيل) ، فمقابل وقف إطلاق
النار من جانب حماس تتوقف السلطة الفلسطينية عن ملاحقة نشطاء الحركة ويطلق سراح
الشيخ ياسين من سجنه وأعلنت المصادر (الإسرائيلية)
أن رئيس الوزراء شمعون بيرس ورئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات كانوا يشتركون في
مبادرة التوصل إلى اتفاق والذي مثله من الجانب (الإسرائيلي) الحاخام مناحم فورمان
(38).
إن استعداد السلطة الفلسطينية
للاستجابة لقيادة حماس في الضفة الغربية عززت من الخلاف مع القيادة الخارجية للحركة
والذين تميز موقفهم المتصلب بصورة أكبر من القيادة الداخلية بعلاقتهم مع السلطة
الفلسطينية و(إسرائيل) ، ففي
حين أن نشطاء حماس في الداخل أيدوا الاتفاق مع السلطة الفلسطينية وحماس والتي أجريت
في القاهرة في شهر ديسمبر 1995 والتي اشترك فيها من جانب حركة حماس " الخارج " حيث
كانوا مستعدين بالالتزام الضبابي على وقف إطلاق النار بصورة مؤقتة والعمل العسكري
ضد (إسرائيل) من مناطق السلطة وأيضا عدم الإعلان عن القيام بعمليات كهذه وعدم اخذ
المسؤولية عليها من اجل عدم إحراج السلطة الفلسطينية .
ومن المناسب الإشارة إلى أنه
في بداية إنشاء السلطة الفلسطينية كانت مستعدة لتقبل حتى التزام بسيط من قبل حماس .
وعلى ما يبدو فان عرفات يعتقد
أن هذا أقل سوءا إذا ما تم إجراء الانتخابات العامة لمجلس السلطة في 20 يناير 1996
(39).
الانطلاق من
خارج أراضي السلطة
إن التزام حماس أمام السلطة
الفلسطينية بعدم تنفيذ عمليات عسكرية ضد (إسرائيل) من المناطق التي تقع تحت سيطرة
السلطة الفلسطينية، احتفظت لنفسها بإمكانية تنفيذ أعمال
(إرهابية)
ضد (إسرائيل) من داخل أراضيها (إسرائيل) أو من مناطق فلسطينية تحت سيطرتها، وفي
المقابل استمرت سياسة محاربة (الإرهاب)
وملاحقة المسؤولين عنه من جانب (إسرائيل) وفي نفس الوقت اتخاذ سياسة العقاب الجماعي
خاصة من خلال الطوق الأمني المتواصل على السكان الفلسطينيين سواء أكانوا تحت
السيطرة (الإسرائيلية) أو
الفلسطينية.
وفي خلاصة الحديث فإن هناك
القدرة لدى مجموعات عز الدين القسام ، لمواصلة تنفيذ الأعمال
(الإرهابية)
وتبريرهن داخل الجماهير الفلسطينية وادعائها أن هذا نابع من سياسة (إسرائيل) فسياسة
الحصار على السكان الفلسطينيين وتصفية شخصيتين فلسطينيتين مركزيتين كانوا وراء
العمليات (الانتحارية)
الاسلامية " زعيم الجهاد الإسلامي " فتحي الشقاقي الذي قتل في مالطا (26 أكتوبر )
والمهندس يحيى عياش أحد رجال "عز الدين القسام" (5 نوفمبر 1996) والذي قتل في غزة
وهذا ما أعطى لهذين التنظيمين الذريعة للانتقام من (إسرائيل) وهذه الذريعة كانت
تستخدمها السلطة الفلسطينية بصورة علنية.
الاغتيالات
إن مقتل فتحي الشقاقي في مالطا
قد أدى بالسلطة الفلسطينية إلى تغيير تصرفها مع (الإرهاب)
الإسلامي ، فالمتحدثون في السلطة الفلسطينية ادعوا أن اغتيال الشقاقي قد نسف جهودهم
للوصول إلى اتفاق مع حماس والجهاد الإسلامي لوقف الهجمات ضد (إسرائيل) (40) وأعلنت
حماس أن هذا الحادث بمثابة إعلان الحرب من جانب (إسرائيل) وأكدت أن الشعب الفلسطيني
سينتقم لعملية القتل ولكن من الناحية العملية فقد توقفت عن الأعمال العسكرية ضد
(إسرائيل) وقبل أسبوعين من موعد الانتخابات للمجلس التشريعي الفلسطيني تم تصفية
المهندس يحيى عياش والذي دفع بالناطقين باسم حماس إلى القسم بالانتقام لدمه ودفع
الحركة إلى تجديد عمليات (الانتحار)
بعد وقت قصير من الانتخابات لمجلس السلطة الفلسطينية .
إن مقتل عياش قد عزز الضرورة
للرد على نفس الصورة لمقتل أحد أبطال حماس وأيضا من اجل الحفاظ على هيبة الحركة
وهذا ما أدى إلى مجموعة من عمليات (الانتحار)
بمبادرة نشطاء حماس العسكريين في غزة .
وصدرت الأوامر ونقلت المتفجرات
عن طريق محمد ضيف من قطاع غزة إلى أحد نشطاء " عز الدين القسام " في الضفة الغربية
حسن سلامة الذي أشرف على تنفيذ الأمر.
ولكن من المتوقع أن يكون
الالتزام بالانتقام لمقتل عياش لم يكن إلا ذريعة سهلة أمام التيار الأكثر تطرفا في
قيادة حماس والذي مثله مقر قيادة الحركة في الأردن وكبار "كتائب عز الدين القسام"
من أجل التشويش على الحوار بين كبار السياسيين في قيادة حماس في المناطق وبين
السلطة الفلسطينية (41) .
وفي فبراير ومارس سنة 1996
وبعد التوقف عن العمل لمدة ستة شهور نفذ (انتحاريون)
تم تجنيدهم لهذه المهمة قبل وقت قصير من تنفيذ عملهم بواسطة معارفهم الناشطين في
حماس وبإشراف حسن سلامة,حيث نفذوا مجموعة من العمليات (الانتحارية)
في القدس واشكلون وتل ابيب تحت اسم تلاميذ " الشهيد يحيى عياش " .
وعلى ضوء عمليات
(الانتحار) هذه فقد ارتفع عدد
الضحايا في (إسرائيل) من المدنيين ورجال الجيش نتيجة عمليات
(الإرهاب)
الإسلامي منذ التوقيع على اتفاق أوسلو في شهر سبتمبر 1993 إلى أكثر من مائة ، وهذه
العمليات كشفت عن غياب السيطرة للقيادة السياسية المحلية لحركة حماس على المجموعات
المسلحة للحركة، وأيضا كشفت عن عدم الإشراف والتوجيه العملي التنفيذي للأعمال
(الانتحارية)
، فعدم الإشراف الذي ميز ردود مقر الحركة في عمان أو أنها تميزت بالرغبة في إخفاء
صلتهم مع حماس .
فبعد وقوع الأحداث تبين أن
مبادرات القيام بهذا العمل جاءت من خلال مجموعة صغيرة سرية داخل " كتائب عز الدين
القسام " مكونة من عدد من كبار المطلوبين ومنهم محمد ضيف وإبراهيم المقادمة (42).
ومع مرور الأيام وعندما القي
القبض على حسن سلامة وتم التحقيق معه بصفته من يقف وراء
(الانتحاريين)
لشهر فبراير – مارس 1996 تبين أن ادعاء رئيس قسم الاستخبارات التابعة للجيش
(الإسرائيلي) بان عمليات (الانتحار)
نفذت بإيحاء من إيران وأن الدافع لها هو الرغبة إلى إفشال حزب العمل في الانتخابات
العامة فهذا حديث يثير التساؤل ، فقد تبين أن هذه العمليات كانت ردا مباشرا على
تصفية يحيى عياش ولم يكن موقفا يقف خلفه هدف سياسي مثل الذي الصق بإيران وحماس .
وأيضاً كاعتقاد كان ادعاء
مشكلا ففي هذه اللحظة تم تقديم موعد الانتخابات إلى أواخر شهر مايو 1996 وكان
بالإمكان الاعتقاد أن محاولة الانتقال بحزب الحكومة برئاسة بيرس ستكون قدر الإمكان
قريبة ليوم الانتخابات وليست مرحلة مبكرة من الاستعداد لها (43).
إن الهلع الذي تسببت به عمليات
(الانتحار)
المتكررة والثمن الدموي الذي تكبده المواطن (الإسرائيلي) قد تم التعبير عنه من خلال
ردود الفعل المتعاطفة مع (إسرائيل) في جميع أنحاء العالم وأيضا الإدانة الشديدة
(للإرهاب)
خلال مؤتمر شرم الشيخ في منتصف شهر مارس إضافة إلى الضغط الشديد من قبل (إسرائيل)
على السلطة الفلسطينية للعمل دون هوادة ضد (الإرهاب)
الإسلامي فكل هذه الأمور دفعت السلطة الفلسطينية بالرد من خلال موجة الاعتقالات
الواسعة وعمليات التفتيش ومصادرة السلاح داخل مجموعات الجناح العسكري لحماس
وبالتنسيق مع مصالح الأمن (الإسرائيلية).
وقد ظهرت ردود فعل شديدة من
قبل السلطة الفلسطينية ضد حماس على ضوء نقض التفاهم الذي تم بينهم في شهر ديسمبر
1995 وحسب هذا الاتفاق سوف لن يتم تنفيذ عمليات انطلاقا من المناطق التي تقع تحت
سيطرة السلطة بهدف عدم إحراج السلطة في علاقتها مع (إسرائيل) ، حيث تبين أن
الانفجار الذي نفذ في شارع " الديزنجوف " في تل أبيب في شهر مارس قد تم التخطيط له
من داخل قطاع غزة بمساعدة عميل من عرب (إسرائيل) .
وقد تطلعت السلطة إلى تأييد
من خلال التحفظات العلنية التي أعرب عنها الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة
على ضوء تصاعد العمليات (الانتحارية)
والثمن الدموي الكبير في أعداد الضحايا خلال وقت قصير ، فالطابع العلني الجديد
لأسلوب التحفظ كان سببه توقع الرد (الإسرائيلي) من الطوق المتواصل وخطورة خطوط
المراقبة على العلاقات المشتركة بين الضفة الغربية وغزة وبين (إسرائيل) ، مما يؤثر
على الناحية الاقتصادية الصعبة أصلا وعلى روابط الدم بين الأقارب .
الانتقاد العلني على عمليات
(الانتحار)
والضرر الكبير بالمواطنين الأبرياء كل هذا أثار نقاشا علنيا في ما يتعلق بالشرعية
الدينية لهذا العمل من خلال بروز النزعة السياسية للمشتركين به (44) وهذا الانتقاد
احتوى على فتاوى رجال دين مقربين من السلطة الفلسطينية فيما يخص أعمال
(الانتحار) وحسب ادعائهم فإن
(المنتحرين) في عمليات الجهاد لا
يعتبرون شهداء (شهداء الحرب المقدسة ) هذا الانتقاد يوضح مدى الحاجة بالنسبة لحركة
حماس وجهات إسلامية أخرى مقربة لها إلى نشر كتاب ذو طابع دفاعي بعد شهرين من عمليات
(الانتحار) في شهر فبراير
ومارس 1996 يخصص لهذه المسألة.
وكان الهدف من الكتاب هو دحض
الانتقادات التي أثيرت حول الأضرار التي تعرض لها المواطنون
(الإسرائيليون),
ومنح الإسناد والدعم الشرعي لعمليات (الانتحار)
لحركة حماس والجهاد الإسلامي ضد (إسرائيل) واعتبار من ينفذونها بأنهم " شهداء الحرب
المقدسة " (45) وهذا الكتاب الذي نشر في دمشق يدحض ويلغي بصورة تامة الفتاوى التي
صدرت ضد أعمال (الانتحار)
من خلال الاستخفاف بالمرجعية التقليدية لأصحاب هذه الفتاوى .
فالجزء الأساسي في هذا الكتاب
يحتوي على مجموعة طويلة من الفتاوى لرجال الدين المسلمين البارزين والذين يشيرون
إلى الأساس الشرعي والتاريخي لعمليات (الانتحار)
والتي نفذت كجزء لا يتجزأ عن الحرب المقدسة (الجهاد ) ولذلك فهي تشكل قمة التضحية
والإيمان (الاستشهاد ) ويفرق هذا الكتاب بين بصوره
24. الرسالة 13 أكتوبر 1993 ،
حماس التحليل السياسي رقم 25.31 يونيو 1994 .
25. Y.M. Ibrahim , (Palestine Religious
Militants :Why Their Ranks are growing ),The New York Times , November 8, 1884
;Y . Melman , (War and Peace Process ), The Washington Post , January 29,1995.
26. صوت الحق والحرية 13 مايو
1994 ، المحرر (الأردن ) 4 ديسمبر 1994 .
27. حسب استطلاع " مركز البحوث
والاستطلاعات الفلسطينية " في نابلس والذي اجري في بداية 1995 ،46% من سكان المناطق
يساندون مواصلة عمليات العنف ضد أهداف (إسرائيلية)
وان 81% أعربوا معارضتهم لمواصلة المفاوضات مع (إسرائيل) إذا ما استمر توسيع
الاستيطان هآرتس 12 فبراير 1995 .
28. السلطة الفلسطينية – وزارة
الإعلام " العلاقات بين السلطة الوطنية الفلسطينية وعناصر المعارضة 12 أبريل 1995 .
29. الحياة الجديدة (رام الله
) 11 أكتوبر 1995 .
30. القدس 22 ديسمبر 1995 ،
النهار (القدس ) 23 ديسمبر 1995.
31. القدس 24 ديسمبر 1995 ،
الوسط يناير 1996 ص 30 .
32. القدس 12 أكتوبر 1995 .
33. الوطن العربي 4 نوفمبر
1994 ص 27.
34. محمد صبحي السويركي "
الحركة الإسلامية وتحديات المستقبل " الوطن 30 مارس 1995 .
35. انظر على سبيل المثال
هآرتس 9 أكتوبر 1997 .
36. خالد الحروب " حركة حماس
بين السلطة الوطنية (وإسرائيل)
: من مثلث القوة الى مطرقة السنديان " مجلة الدراسات الفلسطينية 18 (1994 ) ص28-29
.
37. الوسط 4 مارس 1996 ص 21
هآرتس 8 يناير 1996 .
38. تصوير مسودة الاتفاق
بتاريخ فبراير 1996 ، هليل كوهن " الاتفاق مع حماس " كل هعير (القدس ) 19 أبريل
1996 .
39. الحياة الجديدة 11 أكتوبر
1995 .
40. News from Within ,November 1997,p.18
41. الحياة الجديدة (القدس )
وأيضا النهار 7 يناير 1996
42. رونين برجمان –" لماذا
توقفت العمليات " ملحق هآرتس 5 يونيو 1998 ص32 .
43. بناءا على مقابلة مع موظف
حكومي كبير كانت له علاقة في التحقيق مع حسن سلامة.
44. الفتاوي الأولى التي صدرت
بإجازة العمليات على أنها حرب مقدسة شرعية نشرت في مجلة السبيل (الأردن ) 12 مارس
1996 .
|