|
عصر
حماس
الحلقة الحادية عشر
(الفصل
الرابع
- من صفحة
من ص121-ص130)
تعايش ضمن
نزاع مستمر
إن ظهور حركة حماس كمعارضة
سياسية وأيدلوجية أمام منظمة التحرير خلق توترا متصاعدا بين التنظيمين نتيجة
التنافس بينهم على التأييد الجماهيري الفلسطيني في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة.
وخلال الانتفاضة تنافس
التنظيمان على تحديد البرنامج الجماهيري العام للانتفاضة وخاصة تحديد أيام الاحتجاج
والإضرابات، ومنذ انعقاد مؤتمر السلام في مدريد بنهاية شهر أكتوبر 1991 أصبح الخلاف
حول مسيرة السلام المحور الرئيسي في الصراع بين الحركتين، فهناك من ادعى أنه على
الرغم من الخلافات في الرأي بين حماس وفتح حول الأهداف النهائية ووسائلها فإن
حقيقة وجود الاحتلال وغياب وجود هيكل حكومي قد عزز من التقارب الفكري والسياسي بين
الوطنيين والإسلاميين الفلسطينيين بصورة تؤكد على وحدة القضية الفلسطينية (1).
ولكن ومن خلال الفحص الدقيق
لمجموعة العلاقات بين حماس ومنظمة التحرير خلال الانتفاضة وتحت السيطرة الفلسطينية
التي نشأت في شهر يونيو 1994 تبين أن مبادرات الحوار وصور التعايش قد تطورت من خلال
الأسباب التي وجدت من خلال الصراع الداخلي الفلسطيني ووجود عدو مشترك خارجي.
فمنذ البداية أظهرت حماس
ثنائية التوجه أمام منظمة التحرير، فهي لم تخفي رغبتها في التعايش وفي نفس الوقت
حرصت على إبراز الحدود الفاصلة بينها وبين منظمة التحرير فأظهرت عن تميزها الفكري
واستقلالها السياسي.
إن جهود حركة حماس نحو الحوار
والتأكيد على إيجاد سبل للتعايش مع منظمة التحرير وبعدها مع السلطة الفلسطينية
استشف منه اعترافها بضعفها السياسي على ضوء التأييد الدولي والمنطقة والمستوى
المحلي الفلسطيني في المفاوضات بين إسرائيل ومنظمة التحرير، وبسبب قناعتها بأن
موقفها السياسي غير القابل للتنازل يؤدي إلى فقدان التأييد والدعم الجماهيري، سعت
حركة حماس إلى إنشاء علاقات تعايش مع منظمة التحرير وهذا النظام مكنها من توسيع
خدماتها وتأمين مكانتها الجماهيرية، وان الضرورة للحفاظ على الإنجازات التنظيمية
والجماهيرية للحركة هي التي تقف وراء جهودها لتأمين الدفاع عن نفسها بصورة دائمة,
ضد محاولات السيطرة أو الرضوخ أمام الخطر من جانب منظمة التحرير.
التكيف في ظل
الالتزام الرسمي
لقد أظهرت حماس خلال سنوات
الانتفاضة الأولى مرونة تصالحيه تجاه منظمة التحرير من خلال تمجيدها للمساهمة
التاريخية للشعب الفلسطيني من خلال الكفاح المسلح وإنجازاتها السياسية وأهمها وضع
القضية الفلسطينية في مركز اهتمامات البرنامج الدولي وجعلها من قضية لاجئين الى
مسألة تحرير وطني (2)، فهذا النهج عبر عن اعتراف الحركة بالمكانة المركزية للتنظيم
في أوساط الجماهير السياسية الفلسطينية، ولكن في نفس الوقت فقد سعت حركة حماس
للحصول على انطباع وصورة حركة تسعى إلى الوحدة الوطنية الفلسطينية المتمركزة على
البرنامج الإسلامي المقاتل، وإن هذا الانطباع عن الحركة كان فيه الإجابة على
اتهامات منظمة التحرير فإن تعنت حماس بالحفاظ على استقلاليتها ورفضها الانضمام
للقيادة الوطنية الموحدة, الأمر الذي يزعزع الوحدة الوطنية ويخدم المصلحة
الإسرائيلية.
ومع ذلك فإن "الميثاق الوطني
الفلسطيني" في نفس المحتوى للمبادئ الوطنية للحركة وادعت حماس أنها لا تستطيع
الانضمام لمنظمة التحرير لأن ميثاقها لا يحتوي على المبادئ والقيم الإسلامية والتي
تعتبر شرطا لا يمكن تجاوزه للعمل السياسي المشترك (3).
وفي أعقاب القرارات التي
اتخذتها في جلستها التاسعة عشر 19 للمجلس الوطني في الجزائر في شهر نوفمبر 1988 (4)
انتقلت حماس من الانتقادات والاحتجاج على علمانية منظمة التحرير إلى التشهير الواضح
لما وصف على أنه تنازل من جانب منظمة التحرير من الكفاح المسلح والانجراف عن خطه
الوطني، وفي بيان صحفي أعلنت حركة حماس أن منظمة التحرير لا تمثل الشرعية للشعب
الفلسطيني بسبب استعداده للاعتراف بالعدو اليهودي والتنازل عن معظم الأراضي
الفلسطينية, وكل ذلك من خلال وقوف حماس في الجهة المقابلة لانجراف منظمة التحرير
حيث عرضت حماس نفسها على أنها الممثل الحقيقي للشعب الفلسطيني ولتعلطاته الوطنية
واحتياجاته الجماعية.
ونسبت حماس إلى نفسها اندلاع
الانتفاضة وأعربت عن قرارها والتزامها بتوجيه الجهاد الشامل حتى تحرير فلسطين
بأجمعها (5).
فعلى الرغم من إعلان حماس
"التي لا تعتبر بديلا لأي أحد" فإن شعاراتها مثل "أن القرآن هو الدستور الشرعي
والوحيد للشعب الفلسطيني " (6) وهذه دعوة إلى تحدي مكانة منظمة التحرير الممثل
الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وذلك باسم الإسلام.
ومن هذا الموقف المتمسك في
عالم القيم الإسلامية فلم تتصعب حماس من عرض نفسها على أنها الساعية للتعاون مع
منظمة التحرير في حال تبني ثلاث مبادئ، وأن يكون الهدف النهائي للكفاح المشترك هو
إنشاء دولة إسلامية على جميع أرض فلسطين من النهر حتى البحر دون أي وجود للكيان
اليهودي على أي جزء من ارض فلسطين وان يكون الجهاد الطريق الوحيد لتحقيق هذا الهدف.
وبما أن هناك اعترافا بوجود
فجوة فكرية عميقة بين حماس وبين التيار المركزي للحركة الوطنية الفلسطينية فقد قلل
المتحدثون باسم حماس إمكانية حدوث اتفاق أو تعاون مع السلطة الفلسطينية وحسب
الأغلبية فقد قللوا حدوث أي تعاون من شأنه أن يكون مانعا للاقتتال (7).
إن الخلافات العميقة بين كلا
الحركتين لم يمنع حركة حماس من استعدادها للتعاون مع منظمة التحرير على أساس مشترك
يتم من خلاله تحرير فلسطين جميعها، وتبرر حماس استعدادها هذا بأنه يجب منح الأفضلية
للمصالح الوطنية المشتركة والضرورة للوحدة الداخلية ضد العدو الإسرائيلي المشترك.
ولكن موقف حماس نابع من
التقديرات الذكية للواقع السياسي الذي ساد مع الانتفاضة وبعد إنشاء السلطة
الفلسطينية واعتبار حركة حماس بالدرجة الثانية من حيث القوة المسلحة واعتبارها حركة
شعبية مقابل حركة فتح التيار المركزي في منظمة التحرير، وإن هذا النهج هو الذي أدى
إلى تبني مبدأ "حرمة الاقتتال الداخلي" والإعلانات المتكررة نحو الاستعداد للتعاون
مع منظمة التحرير ومع مرور الأيام التسليم مع سيادة السلطة الفلسطينية من أجل
الامتناع عن النزاع الداخلي الفلسطيني (8) علاوة على ذلك اعتراف حركة حماس بحدود
قدرتها لتحرير فلسطين والتأقلم مع منظمة التحرير، الأمر الذي دفعها الى تبني طرحا
حذرا حول التسوية السياسية مع إسرائيل، فهذا يرتبط بانحراف ممنهج عن تعاليمها
المعلنة، ومن أجل تأكيد الأمر والمنطق الذي وجه حركة حماس لتجسيد صورة العنف الموجه
ضد إسرائيل وتحقيق منظومة علاقات تعايش مع منظمة التحرير دون اعتبارها شريكة في
مسيرة السلام ودون أخذ الانطباع وكأنها انصرفت عن الهدف الأساسي لإنشاء دولة
إسلامية على جميع فلسطين.
مواجهة أوسلو
وجاء هذا أيضا خلال الانتفاضة
من خلال التصريحات المتكررة من زعماء حماس والشيخ أحمد ياسين.
أولا:
ادعت حماس أنها لا تنكر إمكانية إنشاء دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة،
وبشرط ان تكون مرحلة أولى على طريق إنشاء دولة فلسطين الكاملة.
ثانيا:
تعتبر حماس مستعدة لوجود مراقبين دوليين في المناطق بعد الانسحاب الإسرائيلي وأن
تكون المراقبة الدولية محددة بزمن معين وأن لا يرافقه تنازلات واضحة ومباشرة
لإسرائيل.
ثالثا:
ترفض حماس كل محاولات الدخول في مفاوضات سياسية مع إسرائيل على اتفاق السلام، طالما
استمر الاحتلال الإسرائيلي ومع ذلك فلم تنكر حماس أي مبادرة من هذا النوع بعد
الانسحاب الإسرائيلي الكامل (9).
إن تصريحات الشيخ ياسين عبرت
عن توجه متزايد قد تعزز في معسكر حماس قبل اتفاق أوسلو من أجل إيجاد طرق تمكن سد
الفجوة بين الواقع اليومي الممل وبين رغبات النفس المتمسكة بتعاليم الإسلام، وبذلك
تكون الحركة قد تبنت استراتيجية لا تقبل بصورة كاملة برنامج منظمة التحرير نحو
تسوية سياسية ولكنها أيضا لا ترفضها بصورة أكيدة، فقد استطاعت الحركة تسويغ موقفها
بمصطلحات مألوفة.
وهنا يوجد التفسير لنهج حماس
المتلو والمليء بالتناقضات الظاهرية للحركة حول ما يتعلق بالتسوية السياسية مع
إسرائيل.
وهكذا فقد أدانت حركة حماس
موافقة منظمة التحرير لاشتراكها من خلال مندوبين فلسطينيين من المناطق في مؤتمر
مدريد في أكتوبر 1991 والتي اعتبرتها بمثابة "مؤتمر بيع فلسطين والقدس" وفي نفس
الوقت أعلنت شخصيات مركزية في حركة حماس أنه من الناحية الشرعية من الممكن الاتفاق
على وقف إطلاق النار (الهدنة) مع اليهود على أساس زمني مؤقت إذا ما انسحبت إسرائيل
إلى حدود يونيو 1967.
وأكد المتحدثون باسم الحركة أن
اتفاق سلام دائم مع إسرائيل غير ممكن في توجه الحركة وإذا ما وقع فسيكون لاغيا من
أساسه وأبقت حماس المجال مفتوح مع إسرائيل إذا ما كان على صورة مؤقتة ولا يعتبر
تصنيفه على أنه سلام أو حل نهائي صلح، وحسب بيان حماس فإن اتفاق وقف إطلاق النار
المحدد بزمن معين مع إسرائيل يتمشى مع نفس المستوى للمصلحة الإسلامية، وليس له أي
علاقة بإعطاء الموافقة لوجود العدو على أرض المسلمين المحتلة، وإن موقف حماس الذي
تم التعبير عنه بصورة متناقضة والتي ترفض حق منظمة التحرير بأن تكون الممثل الوحيد
للشعب الفلسطيني وبين استعدادها المشير إلى انضمامها لائتلاف سياسي مع منظمة
التحرير " على أساس برنامج متفق عليه ويتركز على الجهاد (10).
إن قابلية التكيف لدى حركة
حماس قد مكنها من التمييز الذي سلكته في اختيار الهدف العملي للمدى القريب لإنشاء
دولة إسلامية فلسطينية مكان إسرائيل على جميع مساحة فلسطين.
وإن حماس بتبنيها هذا الهدف
ربما تستطيع على ما يبدو تسويغ تبنيها الهدف المحدد التكتيكي من أجل الوصول إلى
الهدف الكامل الاستراتيجي من خلال إظهارها طابع المرحلة الوسطى ومكانة الزمن لأية
تسوية سياسية مع إسرائيل.
كفاح من أجل
السيطرة
ان إنشاء حماس ومكانتها
الفاعلة في الانتفاضة قد أعرب عن اعتراف بالإمكانية الكامنة بالثورة لنمو الحركة
على حساب منظمة التحرير والسيطرة على الجماهير الفلسطينية في المناطق المحتلة، وإن
تحقيق هذا الهدف بحاجة إلى نهج تدريجي من خلال الاستيلاء على مراكز حساسة ورئيسية
من خلال الإقناع واستغلال الأنماط والإجراءات الديمقراطية القائمة والامتناع عن
المواجهة للتيار الوطني، ومن خلال جهودها نحو تأمين مواصلة نشاطها الاجتماعي
والتربوي وبالتساوي مع سعيها للسيطرة السياسية في أوساط الجماهير الفلسطينية في
الضفة الغربية وقطاع غزة.
وقد أكدت حركة حماس من خلال
ادعائها أن من حق الشعب الفلسطيني اتخاذ القرار لتبني أي تصور ونمط حياة يفضلها من
خلال عرضها لبرنامج البديل لمنظمة التحرير.
إن المواجهة اليومية مع
إسرائيل خلال الانتفاضة وزيادة تردي الوضع الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع الفلسطيني،
قد خلق جوا سهل على حركة حماس الى الدعوة للتحدي والسيطرة الفكرية السياسية لمنظمة
بالتحرير.
وحسب ما ذكر سابقا فقد بذل
نشطاء المجمع الإسلامي قبل الانتفاضة جهدا منظما للتوغل في النقابات المهنية
والهيئات العامة كجزء من جهدها الشامل في التأثير العام، واستمر هذا الجهد بوتيرة
أكبر خلال الانتفاضة عندما بذلت حماس جهدا تنظيميا واضحا للحصول على تمثيل رسمي في
جميع الهيئات والمؤسسات المحلية والرئيسية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وقد شمل هذا
التمثيل السيطرة على الغرف التجارية والنقابات المهنية والتنظيمات الأكاديمية ولجان
العمال والكتل الطلابية.
وفي أعقاب ضعف الحركة في
المناطق بسبب حملة الاعتقالات الجماعية التي قامت بها إسرائيل في شهر مايو 1989 في
أوساط حماس وخاصة اعتقال الشيخ أحمد ياسين سعت حماس الى توسيع وتعزيز قاعدتها
الدولية، ولذلك فقد تبنت حركة حماس توجه منظمة التحرير الذي يستند على عوامل القوة
الجماعية " في الداخل " الخاضعين للقيادة المسيطرة على المصادر المادية ومصادر
التأييد السياسي العاملين من "الخارج".
وانفصالا عن الحليف التقليدي
مع الحركة الإسلامية في الأردن, بدأ منذ خريف 1989 فقد عرف ان قيادة حماس تعمل على
إنشاء علاقات مع حرس الثورة الإيراني بهدف التدريبات والحصول على الأسلحة، وأنشأت
القيادة الجديدة للحركة علاقات قوية مع سوريا وحزب الله في لبنان (11).
إن الانتشار الدولي لحركة حماس
استند الى الاعتقاد العملي حول ضرورة التجنيد الكبير والمتعدد للمصادر المختلفة
لضرورة البقاء والنجاة في الصراع مع إسرائيل وفي بعض الأحيان الحلول الوسط مع
الأيديولوجية الإسلامية النقية للحركة، وهكذا فقد عقدت حماس اتفاقية مع سوريا
القومية العلمانية والمعادية لمنظمة التحرير، وبعد انعقاد مؤتمر السلام في شهر
أكتوبر 1991 في مدريد انضمت الحركة لـ" جبهة العشرة " " جبهة الرفض " التي أنشأتها
سوريا.
وفي هذه الجبهة التي شملت على
فصائل فلسطينية معارضة من التيار الوطني الماركسي إضافة إلى التيار الإسلامي والذين
جمعهم القاسم المشترك وهو معارضة الاشتراك لمنظمة التحرير في مسيرة السلام (12).
إن إعادة التنظيم والإصلاح
الهيكلي والسياسي قد مكن حركة حماس من بناء خطة شاملة تجمع الأموال داخل الدول
الصديقة، من خلال هيئات فلسطينية ومؤيدين إسلاميين على المستوى المحلي والمستوى
العالمي، وبذلك تعزز الحركة من قوتها وقدرتها السياسية والعسكرية لمواجهة التيار
الوطني في الضفة الغربية وقطاع غزة.
إن القاعدة التي أنشئت على
مستوى المنظمة وفرت للحركة مصادر وقواعد عسكرية مثل منشآت التدريب خاصة في العراق
وسوريا (13) وخلايا تنفيذية حيوية لتجنيد قوى بشرية، وتهريب السلاح والأموال وإجراء
الاتصالات السرية.
جمع الأموال
من الخارج
وخلافا لمنظمة التحرير فقد سعت
حركة حماس منذ البداية للحصول على الأموال من مصادر فلسطينية في الأساس ومن مؤسسات
إسلامية يتم تمويلها من مصادر عربية وإسلامية خارجية، وحسب التقديرات الاستخباراتية
الإسرائيلية ليست أكيدة فقد وصلت الميزانية السنوية لحركة حماس في سنة 1993 –1994
الى 30 – 50 مليون دولار، وحسب هذه المعلومات فإن نصف هذا المبلغ قد جمع من جمعيات
إسلامية فلسطينية في المنفى وقسم منها من رجال الأعمال، وبصورة غير مباشرة من
مؤسسات الصدقات العربية والإسلامية في الشرق الأوسط ومن غرب أوروبا والقارة
الأفريقية، أما بقية المبلغ فقد جمع على شكل تبرعات من حكومة إيران، السعودية،
الكويت ومتبرعين معينين في الشرق الأوسط.
إن تدفق الأموال من الولايات
المتحدة وغرب أوروبا قد وجهه من قبل جمعيات اجتماعية إسلامية وبأغلبها لها علاقة
بالحركة الإسلامية في إسرائيل والذين حرصوا على التأكيد ان هذه المساعدات تحمل
طابعا إنسانيا ومخصص للصدقات ولعائلات الشهداء (14).
وكلما وسعت حركة حماس نشاطاتها
في مجال الحركة المحلي والدولي فقد اتسم بالضعف كحركة سياسية، إن الاعتماد المتصاعد
على المصادر المالية والعسكرية من الخارج واستنساخها عمليا لمركز اتخاذ القرارات
للحركة من المناطق المحتلة الى الولايات المتحدة، بريطانيا، الأردن، والتي أصبحت
مركز النشاطات للقيادة الجديدة.
وقد تحقق هذا في أعقاب اعتقال
الشيخ ياسين وزعماء آخرون في سنة 1989 على شكل هيئة سياسية جديدة، " المكتب السياسي
" برئاسة موسى أبو مرزوق الذي ترأس أعمال المكتب من مقره في "سفرينجفيلد" في
الولايات المتحدة وكان الأعضاء البارزين فيها من المندوبين للحركة في الدول العربية
و(إيران) !!.
إن الهيئة الجديدة التي تمركزت
سنة 1993 في الأردن قد مثلت الزعامات الخارجية وعززت الشرعية والقوة لهم من خلال
الحركة الإسلامية في الأردن، إيران، سوريا ومن خلال سيطرتها على المصادر المالية،
وهذه القيادة المتواجدة في الأردن قد تواجهت مع الزمن إلى اختلاف في الآراء مع
قيادة حماس المحلية "الداخل" في قطاع غزة والضفة الغربية وخاصة حول مسألة مواصلة
الكفاح المسلح ضد إسرائيل والعلاقة مع السلطة الفلسطينية (15).
إن أزمة الكويت والتي أدت إلى
حرب الخليج في سنة 1991 والتأييد الذي أبداه عرفات للعراق قد عرض مكانة منظمة
التحرير للخطر على الساحة في المنطقة والعالم وزعزع من حالتها الاقتصادية، وكان
التعبير المحسوس لهذا هو قطع المساعدة المالية من دول الخليج العربية وطرد مئات
الفلسطينيين من هذه الدول.
وبسبب الأزمة المالية لمنظمة
التحرير فقد اضطر عرفات الى تقليص الحضور الدبلوماسي لمنظمته في أرجاء العالم وأوقف
الدعم المالي للمؤسسات الاجتماعية الفلسطينية في المناطق المحتلة، وبصورة أشمل فقد
شمل وقف الدعم المخصص لعائلات الشهداء والمعتقلين والمحتاجين، وعلى ضوء ذلك فقد
تزايد الانتقاد بعد حرب الخليج داخل الفلسطينيين وخاصة نشطاء فتح على زعامة عرفات
وسلوكه في اتخاذ القرارات السياسية في منظمة التحرير وعن إدارته الفاشلة لأموال
المنظمة، وهنا لم تتأخر حماس من استغلال الفرص وهاجمت بصورة غير مباشرة الفوضى
المالية في منظمة التحرير وأشادتها إلى عدم تغلغل الفساد في إدارة المؤسسات
الإسلامية (16).
حماس بعد حرب
الخليج
لقد تعزز مجد حماس بعد حرب
الخليج التي اضطرت بالاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، وقلصت كثيرا من
القدرة المالية لحركة فتح لدفع المعونات الاجتماعية أو حتى رواتب موظفيها.
وفي ظل هذه الظروف فقد تمتعت
حركة حماس بنجاح تعاملها؛ فقد وقف الى جانبها الجمعيات الإسلامية مثل لجان الزكاة
وبقية الجمعيات الإسلامية العاملة في المجال الاجتماعي، وفي بعض الأحيان فإن هيئات
حماس الوحيدين الذين استمروا في مساعدة المحتاجين، وبذلك فقد سحبت حماس الى صالحها
الكثير من المؤيدين الذين خيبت آمالهم من منظمة التحرير لصالح الحركة (17).
وقد عززت حماس من قدرتها لكي
تكون المصدر للمساعدات الاجتماعية للسكان المحليين وعززت من علاقاتها مع جهات
خارجية خاصة مع فلسطيني الشتات والجمعيات الإسلامية في إسرائيل والعالم العربي وفي
أوروبا والولايات المتحدة، وهكذا فقد ركزت حماس على البرامج الإسلامية بتعليلها أن
التعليم الصحيح هو شرط مسبق لبناء المجتمع الإسلامي.
إن الجمود المستمر للمسيرة
السياسية جاء بعد البدء في مفاوضات السلام في مدريد فقد أثر على المكانة السياسية
لعرفات على أنه من يعطي الرعاية والحماية للمندوبين الفلسطينيين المحليين الذين
أرسلوا للمفاوضات مع إسرائيل (فيصل الحسيني، حيدر عبد الشافي، وحنان عشراوي
وآخرون).
إن انحسار قوة منظمة التحرير
في الضفة الغربية وقطاع غزة كانت نتيجة خيبة الأمل التي أصابت الفلسطينيين من مسير
السلام، بعد الانجماد الذي سيطر على محادثات السلام، وقد ظهرت منظمة التحرير على
أنها الخاسرة أمام حركة حماس، الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية، فوقف هؤلاء
الرافض لمؤتمر مدريد قد عزز من التوتر في العلاقات بين منظمة التحرير وحماس (18).
وقد وصلت المنافسة بين حماس
وفتح إلى نقطة الغليان في سنة 1992 فقد تنافس كلا التنظيمين على مواقع السيطرة داخل
الجماهير الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، من أجل الوصول إلى الأفضلية
والتفوق فقد بادرت حركة فتح بالعمل ضمن قائمة مشتركة مع التنظيمات المنضمة إلى
"القيادة الوطنية الموحدة" وهم "الجبهة الشعبية" و "الجبهة الديمقراطية" إضافة إلى
الشيوعيين.
الانتخابات
وقد نجحت في غزة الكتلة
الوطنية في الانتخابات لنقابات المهندسين الأطباء والمحامين (حيث حصلوا على نسبة
65%) في حين فازت الحركة الإسلامية في الغرفة التجارية.
وفي الضفة الغربية فقد تفوقت
الكتلة الإسلامية في الغرفة التجارية في الخليل ومجلس الطلبة لجامعة بوليتكنيك
فلسطين في المدينة، وعلى الرغم من الطابع الديني التقليدي لمدينة الخليل فقد نجحت
الكتلة الوطنية بالفوز بمعظم المقاعد "لجمعية الهلال الأحمر".
إن النصر الكبير والمفاجئ الذي
حصلت عليه حركة حماس في انتخابات الغرفة التجارية في رام الله, وهي هيئة تضم عدد من
المسيحيين والتي تعتبر معقل الوطنية الفلسطينية العلمانية (19).
وفازت حماس في انتخابات معهد
المعلمين في رام الله وخريجي مؤسسات الانوروا، وفازت الكتلة الوطنية في انتخابات
الطلبة في مخيم اللاجئين قلنديا (20) وفي نابلس فازت الكتلة الوطنية ضمن اتحاد فتح
الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية والشيوعيين وقد فازوا على حركة حماس في الغرفة
التجارية بأغلبية ضئيلة (48 مقابل 45).
وفاز الوطنيون بكل المقاعد في
نقابة المعلمين في جامعة النجاح وفازت حماس بـ80% من الأصوات في نقابة خريجي مؤسسات
الانوروا في نابلس.
وفي القدس حصل الإسلاميون على
43% من أصوات العاملين في شركة الكهرباء (ضد 47% للوطنيين ) وفي نقابة العاملين
لمستشفى "المطلع" فقد فاز الوطنيون بكل المقاعد وحصلت حماس على أغلبية مستشفى
"المقاصد الخيرية" وفازت حماس أيضا بجميع المقاعد لمجلس الطلبة للمدرسة المتوسطة "
الأمة " في القدس (64.5 للكتلة الإسلامية مقابل 35.49 لقائمة منظمة التحرير )(21).
إن الإنجازات الانتخابية التي
حصلت عليها حركة حماس خاصة بعد مؤتمر السلام لسنة 1991 في مدريد كانت شديدة المفعول
حتى إبريل 1992 عندما اعلن " الوفد الفلسطيني لمحادثات السلام " أنه يعارض المبادرة
الإسرائيلية لإجراء انتخابات لبلديات الضفة الغربية وقطاع غزة.
إن التنافس بين حماس وفتح على
تزعم المؤسسات العامة أدت الى تمويه التشخيص وحتى الارتباط بين واضعي (البرامج
/المشاريع ) الدوليين للرسائل الإسلامية التي ظهرت من خلال بيانات كلتا الحركتين.
وبعد فشل حركة فتح في انتخابات
الغرفة التجارية في رام الله تبنت حركة فتح الشعارات الإسلامية في الانتخابات التي
جرت في نفس السنة للغرفة التجارية في نابلس ومن اجل ذلك فقد أقام عناصر فتح
"التحالف التجاري" الصناعي الإسلامي الوطني" مع اليساريين والتي فازت بصعوبة في
الانتخابات.
إن المنافسة والعداوة بين
التنظيمات أدت إلى ثورة في المصطلحات والتعابير والشعارات, وانضمام حماس إلى
اليسار "الشيوعيون" بعد مؤتمر مدريد مما أثار مؤيدي فتح في جامعة النجاح وهاجموا
الشيوعية في محاولة لتقويض التعاون بين حماس واليسار ضد مسيرة السلام (22)
1. J.F.Legrain
,(Mobilization Islamite et soulevement palestinien 1987-1988 ,in G. Kepel & Y.
Richard (dir), Intellectuels et Militantd de Islam contemporain(Paris Seuil,
1990),p.153.
2. ميثاق حماس بند 27.
3. ميثاق حماس بند 27 وابو
عمر ص31.
4. في هذه الجلسة أعلن عن
إنشاء دولة فلسطينية بناء على قرار مجلس الأمم المتحدة 181 نوفمبر 1947 الذي دعا
إلى تقسيم ارض إسرائيل إلى دولتين يهودية وعربية.
5. بيان حماس 10 نوفمبر 1988
وانظر أيضا بيان حماس 11 نوفمبر 1991.
6. انظر على سبيل المثال
محمود الزهار القدس 28 نوفمبر 1994.
7. محمد الزهار – الوطن غزة
5 مايو 1995
8. " وحدة الصف مطلب اسلامي
ثمين " الأقصى يناير 1990 الشيخ حسن أبو كويك القدس 30 اوجست 1994.
9. يديعوت احرونوت 16 سيبتمبر
1988، مقابلة للصراط (إعلان للحركة الإسلامية في إسرائيل ) 10 ابريل 1989.
10. بيان من قبل مؤتمر علماء
فلسطين " فتوة المشاركة في مؤتمر مدريد والصلح مع إسرائيل " نوفمبر 1991.
11. تفصيل نشاطات حماس في
الولايات المتحدة وأوروبا، انظر شافي وشكيد ص 168 – 172.
12. هآرتس 20 نوفمبر 1989.
13. فتحي الشقاقي الديار
لبنان 30 نوفمبر اوجست 1994 ص 17.
14. الوطن العربي (باريس ) 7
نوفمبر 1994.
15. الوطن العربي، 4 نوفمبر
1994.
16. بيان للتيار الإسلامي في
الجمعيات والمعاهد الفلسطينية في الوطن المحتل مارس 1992.
17. Hisham Ahmad , Hamas ,(Jerusalem
:PASSIA,1994 ),p.66
18. اياد البرغوثي ( الحركة
الاسلامية الفلسطينية والنظام العالمي الجديد ) ( القدس : الجمعية الفلسطينية
الاكاديمية للشؤون الدولية 1992 ) ص30-31.
19. عن بداية التوغل السياسي
لحماس في المؤسسات الشعبية انظر الفصل الثاني محمود الزهار " الحركة الاسلامية
حقيقية وارقام " القدس 10 نوفمبر 1992. هآرتس 27 نوفمبر 1992.
20. القدس 15 ينويو و 5 أوجست
1992.
21. البيان السياسي 30 مايو
1992.
22. حسام عبد الهادي " نحو
حركة وطنية اسلامية " القدس 9 اوجست 1992. انظر ايضا اقوال عرفات عن تعاون حماس
والتكتل الممارس في نطاق " جبهة العشر" تسجيل المحادثات بين فتح وحماس في الخرطوم،
1-4 يناير 1993 والمنار (القدس ) 29 مارس 1993.
|