|
عصر
حماس
الحلقة الثالثة عشر
الفصل الرابع
(الجزء الثالث عشر
- من صفحة
144-152)
الحوار في ظل أوسلو
ما
بين الرفض الحذر والقبول المتحفظ
إن الشعور بالأزمة التي تملكت
زعماء حماس في أعقاب توقيع اتفاق أوسلو في 13 سبتمبر 1993 لم تغير مبدئيا من طابع
الرد للحركة تجاه الخطوات السياسية لمنظمة التحرير والتي أصبحت بين الرفض الحذر
والقبول المتحفظ للواقع الجديد حيث تمثل بإمكانية استغلال جزء من طاقة المعارضة في
الحركة تجاه (إسرائيل) عن طريق (العنف
والإرهاب) وساهم هذا الوضع
أيضا في إبراز قدرة حماس على ضبط النفس خلال علاقتها بسلطات الحكم الذاتي
الفلسطيني، ومن خلال نظرة سياسية عامة (45) من قبل حركة حماس والتي أعلن عنها بعد
وقت قصير من توقيع اتفاق أوسلو أظهرت انه أمام الحركة طريقتان للعمل وكلاهما غير
مشجع، الاشتراك بإقامة الحكم الذاتي الفلسطيني والاندماج في أجهزته أو الامتناع
والوقوف جانبا.
وأشارت الوثيقة إلى وجود خلاف
في الآراء داخل الحركة لكلتا الفرصتين واعترفت الحركة بعدم قدرتها لمنع تنفيذ
الاتفاق أو اقتراح شيء آخر على الفلسطينيين يتفق مع المبادئ الوطنية والإسلامية،
وأشارت الوثيقة أيضا إلى عدم إمكانية المواجهة مع منظمة التحرير من أجل إحباط اتفاق
أوسلو.
"إننا نسلك طريق المقاومة،
ولكن هل سنتواجه مع شعبنا؟ وهل بإمكاننا جعل السيادة لصالحنا؟ وإذا ما نجحنا فهل
بيدنا البديل لاقتراحه للشعب أو أن الأمر سيصعد هجمة الاحتلال؟".
وفي توجيه شخصي من موسى أبو
مرزوق إلى نشطاء الحركة
ومؤيديها بعد شهر من توقيع اتفاق أوسلو عبر أبو مرزوق عن الانعزالية والضعف الذي
يواجه الحركة على ضوء الدعم والمساندة الأمريكية للاتفاق ضمن ظروف النظام العالمي
الجديد الذي تتمتع به الولايات المتحدة بالسيطرة المطلقة على الساحة الدولية أمام
عالم عربي ضعيف في أعقاب حرب الخليج ومنقسم بسياسات تهتم بالمشاكل الداخلية، وأحزاب
إسلامية وعربية غارقة في السياسة المحلية، وشعب فلسطيني تحت الاحتلال "بزعامته
المهزومة" تركت الدين والأرض ونصبت نفسها في خدمة الاحتلال، ودعا أبو مرزوق أيضا
إلى أخذ العبر من التاريخ حيث كان المسلمون سابقا في أوضاع مزرية وعرف المسلمون
الخروج منها بالقوة والأيمان والتمسك بالهدف، ودعا
إلى "الصبر" كوسيلة للفرج.
وحول ما يتعلق بالموضوع دعاء
أبو مرزوق إلى مواصلة دفع لواء الجهاد والاستعداد للتضحية "في كل الظروف والأحوال"
من خلال "الحفاظ على وحدة الصف الفلسطيني وتوحيد قوى المعارضة على أساس المبادئ
الإسلامية والوطنية" والحفاظ على وحدة وتماسك الحركة وإنجازاتها السياسية والشعبية،
وهذا الاستراتيجية عبرت عن الكفاح المسلح ضد الاحتلال والمواجهة السياسية مع "اتفاق
الخزي والعار" والامتناع عن الإرهاب السياسي أو المواجهات والعنف مع منافسي الحركة
في المجتمع الفلسطيني، ومواصلة الانتفاضة بأي صورة ممكنة, والتوغل في مؤسسات السلطة
الفلسطينية منذ بدئها والجهود الكبيرة لتأمين المساندة الجماهيرية الفلسطينية
للحركة (46) .
رفض أوسلو
ولكن في أعقاب نشر إعلان اتفاق
المبادئ بين (إسرائيل) ومنظمة التحرير صرحت أنها ترفض بإصرار .. اتفاق غزة أريحا
أولا "لأنه ينطوي على تنازلات خطيرة ويبتعد نهائيا عن المعايير الوطنية والقانونية
ويتجاوز الخطوط الحمراء التي اتفق عليها في المجلس الوطني الفلسطيني".
وصرحت حماس بأن الاتفاق " ينتج
عنه حكم ذاتي محدود وهزيل في غزة واريحا ويكمن فيه الإهانة لكرامتنا ، والتنكر
للتضحيات وسنين الكفاح والأضرار بالحقائق والحقوق التاريخية المعروفة على ارض
فلسطين".
ومع أن القيادة العليا لحركة
حماس ترفض لقاء عرفات ومحمود عباس (أبو مازن ) بسبب دورهم في توقيع إعلان المبادئ ،
فقد أعلنت حركة حماس عن توجيهات توصياتها الحاسمة للامتناع عن الاقتتال الداخلي
والحفاظ على القنوات المفتوحة مع حركة فتح (47).
لقد قيد اتفاق أوسلو بصورة
خطيرة قدرة المناورة لدى حركة حماس وعرض مكانتها للخطر، حيث سينشأ مكان الاحتلال
(الإسرائيلي) سلطة فلسطينية بزعامة منظمة التحرير والتي أخذت على نفسها الالتزام
بوقف الأعمال المسلحة ضد (إسرائيل) ومن الواضح بالنسبة للحركة أن هذا الوضع الناشئ
من جديد سيكون على الحركة الإسلامية مواجهة (إسرائيل) ومنظمة التحرير على حد سواء
إذا أرادت التمسك بتصورها السياسي وطريق الجهاد.
حتى وإن لم يكن بالإمكان عدم
تجاهل الوضوح لمستقبل مسيرة أوسلو وقدرة منظمة التحرير في تحقيق تطلعات الجماهير
الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة فهذا الاتفاق بعث الأمل على المدى البعيد
لمستقبل جيد وأفضل للجماهير الفلسطينية وخاصة فيما يتعلق بالدولة الفلسطينية
المستقلة ، لذلك وكلما كان اتفاق أوسلو يتمتع بشعبية واضحة في الرأي العام
الفلسطيني فضلت حركة حماس على استمرارية الحوار والتعاون المحدود مع منظمة التحرير
من اجل تامين العمل الجماهيري المعقول بدل أعمال العنف التي ربما تؤدي إلى
المواجهة، وكلما أبرزت السلطة الفلسطينية قوتها العسكرية والسيطرة السياسية استخدمت
حماس سياسة التعايش مع السلطة كمكابح خشية القمع ووضعها على الهامش، وضمن هذه
الأسباب من القدرة على المناورة السياسية لحركة حماس بعد توقيع اتفاق أوسلو وتطلعات
الحفاظ على مكانتها وثروتها في أوساط الجماهير الفلسطينية أصبح طابع العلاقات
المستند على التعايش مع السلطة الفلسطينية الخيار المفضل على الخيار الآخر (48) .
مفترق طرق
إن تفسير حماس نحو نمط حياة
للتعايش مع السلطة الفلسطينية كانت واضحة. وإن سياسية المواجهة مع السلطة في
الحقيقة تعزز الصورة الأيدلوجية المقاتلة للحركة لكن هذا الأمر يضعها أمام خطر على
واقع وجودها وسيكون الخطر اكبر على قدرة حماس بتقديم خدمات اجتماعية واقتصادية
جماهيرية حيث بعدها لن تستطيع الحركة الحفاظ على قوتها الجماهيرية ،
وأن مواصلة الجهاد ضد (إسرائيل) من
اجل وضع حد لمسيرة السلام سيؤدي إلى زيادة الضائقة الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع
الفلسطيني وضعف تأييد الحركة في أوساط الجماهير، وفي مقابل ذلك فإن التعاون مع
منظمة التحرير ربما يدخل الحركة إلى مأزق أيدلوجي وتنظيمي نتيجة دمج كوادر إسلامية
في أجهزة السلطة الأمر الذي يضعف من قدرة الحركة بمعارضتها لمسيرة أوسلو وسياسة
السلام التي تنتهجها السلطة.
ومع إنشاء السلطة الفلسطينية
في شهر يونيو 1994 تفاقمت بصورة اكبر المآزق التي تواجه الحركة؛ فالسلطة
الفلسطينية بقيادتها المركزية المتركزة بياسر عرفات والقائمة استنادا على التأييد
السياسي والمالي الدولي فقد نهضت وتجسدت من خلال القوة الشرطية الكبيرة حيث خدم
معظم رجاله في الماضي في الوحدات العسكرية والأجهزة السرية لمنظمة التحرير من خلال
قواعد لها في الدول العربية من المخلصين لعرفات.
إن التعاون بين السلطة وبين
(إسرائيل) في مجال منع وإحباط الأعمال (الإرهابية)
والأمن المشترك جعل حماس الهدف الأساسي للجهود المشتركة بين (إسرائيل) والسلطة
الفلسطينية، إضافة إلى ذلك فإن عرفات يتمتع بسلطة مطلقة على الإعلام الفلسطيني
وبأموال الدول المتبرعة لتمويل أعمال السلطة وتطويرها .
وسعت السلطة الفلسطينية بشكل
سريع بالعمل على توطيد سيطرتها فقد بذلت جهدا كبيرا لتأمين المساندة الجماهيرية لها
من خلال التضييق على الحركة الإسلامية (49).
إن مسيرة تأسيس السلطة
الفلسطينية عززت الوعي داخل حركة حماس أن عليها النظر من جديد للفجوة بين
الأيدلوجية المعلنة للحركة وبين الواقع المتغير بصورة درامية على ضوء اتفاق أوسلو
وعلى جسر الهوة بين الواقع والأيدلوجية بأقل الضرر للحركة، ومثلما هو في أيام
الانتفاضة فقد اكتشفت حماس الآن حساسية ويقظة لاعتبارات عملية "للزمن الحاضر" على
التمسك بالأهداف النهائية.
سلبيات
الاتفاق
إن التعليلات الأساسية للنهج
الواقعي حول ما يتعلق بالمسيرة السياسية التي أوضح عنها بصورة واضحة وبارعة من قبل
موسى أبو مرزوق، رئيس المكتب السياسي للحركة قبل وقت قصير من توقيع اتفاق القاهرة
الذي نص على إنشاء الحكم الذاتي في قطاع غزة وأريحا من خلال المقال الذي نشر في
الصحيفة الداخلية لحركة حماس وهي الرسالة (50) أعرب أبو مرزوق عن قلقه من الاتفاق
بين (إسرائيل) ومنظمة التحرير وتحدث عن ثلاثة تهديدات أساسية متعلقة بالمعارضة التي
لا تقبل التنازل لحركة حماس للمسيرة السياسية التي وصلت الى الذروة .
أ-
التهديد على وجود حماس في الأردن ، " فهي في ساحة العمل
الثانية بعد فلسطين " في أعقاب الضغوط (الإسرائيلية)
الأمريكية المشتركة .
ب-
إعطاء صورة سلبية متزايدة لحركة حماس على الساحة الدولية
كحركة (إرهابية ومسفكة للدماء
مندسة بين المدنيين) .
ت-
تعرض حركة حماس إلى انتقاد فلسطيني داخلي وكأن ليس لها
استراتيجية بديلة وإيجابية لمسيرة السلام.
وبحسب حديث أبو مرزوق فمن
الصعب على حماس التأقلم بنجاح مع هذه التهديدات بسبب:
أ-
تطابق المصالح بين الولايات المتحدة وإسرائيل والأردن
ومنظمة التحرير علاوة إلى معظم الدول العربية والدول العالمية المساندة لمسيرة
السلام والتي تتفق على أن حماس هي الخطر الأساسي أمام نجاح السلام.
ب-
ضعف القوة العسكرية لحماس مقابل الشرطة وأذرع الأمن
للسلطة الفلسطينية.
ت-
اعتماد قاعدة حماس على مصادر مالية خارجية حيث من السهل
على السلطة الفلسطينية تحجيم وصول هذه الأموال عن طريق التشريعات ووضع قيود إدارية.
إن طرح أبو مرزوق قد تم
التعبير عنه بصورة ملموسة عن طريق جهود حماس نحو الإنشاء الرسمي للسلطة الفلسطينية
وللتوصل إلى تفاهم مع حركة "فتح" على المستوى المحلي من أجل منع المواجهة والعنف
بين كلتا الحركتين.
تعزيز الوحدة
وقبل وقت قصير من توقيع اتفاق
القاهرة في مايو 1994 على إنشاء السلطة الفلسطينية في قطاع غزة وأريحا نشر في قطاع
غزة عن إعلان مشترك من قبل "كتائب عز الدين القسام" وصقور "فتح" أعلن عن اتفاق بين
كلتا القوتين المتنافستين بهدف تعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية ومنع الاقتتال بين
الإخوة.
إن الاتفاق الذي يشمل على ستة
بنود أكد على منع الجدل والعنف والالتزام "بالحوار البناء" وإنشاء لجان تصالح
مشتركة لتهدئة النزاعات ووقف عمليات الإعدام للعملاء لمدة شهر، وتقليص أيام الإضراب
وإلغاء منع التعليم في المدارس. وأصبح الاتفاق مثالا لاتفاق مشابه بين الناشطين
الإسلاميين ونشطاء فتح في منطقة الخليل (51) .
ولقد أصبحت حركة حماس واعية
إلى التأييد الدولي والمحلي لمسيرة أوسلو فجميع المحاولات لتقويض مسيرة السلام ذهبت
أدراج الرياح، وخلافا لتمنيات زعماء حماس فقد أصبحت حقيقة وجود مفكرين إسلاميين من
الصف الأول مثل حسن الترابي السوداني حيث امتنع عن إدانة اتفاق أوسلو ، إضافة إلى
التأثر من استعداد مصر للتأييد بالخط المتصلب لعرفات ضد حماس في حالة المواجهة بين
الحركتين فحماس ينقصها العمق الاستراتيجي داخل الفلسطينيين "النواة الصلبة" لها في
المناطق فهي تشكل أقلية أمام الحركة الإسلامية في (إسرائيل) فكانت أقرب لعرفات مما
هي عليه حركة حماس، أما الحركة الإسلامية في الأردن فإنها خاضعة للمراقبة الصارمة
للنظام (52) .
إن هذا الضعف للحركة أدى بحماس
إلى الوعي لضرورة إقامة حوار والتوصل إلى تفاهم مع السلطة الفلسطينية، وإن نهج
المواجهة مع السلطة الفلسطينية ربما يوفر للسلطة الحجة لتوجيه ضربة قوية للمعارضة
الرئيسية لها وبذلك تمهد الطريق للحل النهائي للنزاع مع (إسرائيل) دون التشويش من
قبل حركة حماس.
إن إنشاء السلطة الفلسطينية في
غزة شكل تهديدا على مكانة حركة حماس بجعلها عنصرا هامشيا في المجتمع الفلسطيني بعد
فترة طويلة من فرضها الخوف والفزع في الشارع خاصة في قطاع غزة وفرضت معايير على
السلوكيات للسكان، ورغم ذلك وقبل إكمال عام على إنشاء السلطة الفلسطينية واتساع
الأجهزة الأمنية للسلطة والتي جلبت الاستقرار والأمن الشخصي والجماعي الذي لم يكن
قائما في فترة الانتفاضة.
أوائل أوسلو
وعلى الرغم من الصعوبات التي
وقفت أمامه فقد حاز مؤتمر أوسلو خاصة خلال الثمانية عشر شهرا الأوائل إلى احترام
وتقدير العوام على ضوء الإنجازات السياسية التي منحها للفلسطينيين والتغيرات التي
حلت في الحياة اليومية والعطايا الوافرة لجماعات معينة.
وتحت سيطرة السلطة الفلسطينية
أصبح بالإمكان تطوير المجتمع بالمقارنة لفترة الانتفاضة والتي جاءت من خلال عروض
الأزياء والتنزه على شاطئ البحر وإزالة القيود الإسلامية على النساء التي فرض عليها
اللباس التقليدي بما فيها الحجاب ، وتوسعت مهمات ووظائف السلطة الفلسطينية
والمبادرات المحلية التي رأت في مسيرة أوسلو اللحظة المناسبة للخروج من السنوات
العجاف للانتفاضة فقد كانوا معنيون بأجواء سياسية تشجع التطور الاقتصادي ويؤمن
الحفاظ على المصالح الاقتصادية المرتبطة باستمرار العلاقات الاقتصادية مع (إسرائيل)
ومع رجال أعمال (إسرائيليين)،
ومن أجل منع أضرار أخرى تشجع الزعماء الدينيون والسياسيون لحماس الامتناع عن إعطاء
السلطة الفلسطينية ذريعة للتصارع العنيف.
كشفت الزعامات المحلية لحركة
حماس عن صورة أكبر للتعايش مع السلطة الفلسطينية على أساس اتفاق زمني ، الاشتراك في
الانتخابات والعمل السياسي المستقل لحماس، ولكن الجهاز السياسي لحركة حماس في
الخارج و " كتائب عز الدين القسام " عارضوا بشدة هذا المسار، والذي ربما يجعل منهم
هامشيين لذلك رفضوا وقدروا ذلك الاتفاق على انه " خضوع " .
وفي آن واحد صعدت الخلايا
المسلحة لحماس الكفاح المسلح من أجل سد الطريق على الاتفاق السياسي بين القيادة
السياسية لحماس في المناطق وبين السلطة الفلسطينية (53).
استراتيجية
الترويض المتبادل
لقد كانت العلاقات مع حركة
حماس على سلم أولويات السلطة الفلسطينية منذ التوقيع على إعلان المبادئ في سبتمبر
1993، وكشاهد على ذلك كانت المحاولة الفاشلة لعرفات بحشد تأييد زعماء "الإخوان
المسلمين" في مصر من اجل حمل "حماس والجهاد الإسلامي" للاعتراف بالسلطة الفلسطينية،
وتمسكت حماس برفضها في إعطاء الشرعية للسلطة بسبب إصرارها على السلام مع (إسرائيل)
وطالبت حماس الاعتراف بها رسميا كمعارضة شرعية والسماح لها مواصلة نشاطها الجماهيري
واستمرار الكفاح المسلح ضد (إسرائيل) دون إزعاج تحت سيطرة السلطة الفلسطينية، ولكن
من خلال تجربة حماس الاستفادة من التوجهين وخاصة استمرار الكفاح المسلح للمجموعات
العسكرية ضد إسرائيل، هدد بحملها على طريق المواجهة مع السلطة الفلسطينية.
ومن المتوقع أيضا أنه حتى بدون
الكفاح المسلح ضد (إسرائيل) فقد كانت العلاقات بين السلطة الفلسطينية وحماس تصل
لتشمل المواجهة العنيفة، ولكن وجود الاحتلال (الإسرائيلي) كعنصر مركزي في مثلث
القوى أصبح عاملا في فقد السيطرة لحماس على جهازها العسكري وهذا بدوره خلق توترا
ومعارضة بين الزعامات السياسية لحماس في المناطق وبين السلطة الفلسطينية في بداية
نوفمبر 1994 تم تفجير سيارة مفخمة كان يستقلها هاني عابد القائد العسكري لحركة
الجهاد الإسلامي، وهذا نسبه النشطاء الإسلاميين في قطاع غزة إلى (إسرائيل) ، وفي
جنازة هاني عابد وجه الجمهور إصبع الاتهام اتجاه عرفات ولقبه العديد منهم بالخائن
لكن في أعقاب اعتذار زعيم الجهاد الإسلامي عبد الله الشامي أمام عرفات وطالب أنصاره
الحذر من الحرب الأهلية, ولكن قبل ذلك أعلن الشامي من خلال رسالة حربية في السابق
"إن بنادقنا لا تعرف الفرق بين الجندي (الإسرائيلي) والشرطة الفلسطينية" (54) إن
التوتر الظاهر بين مؤيدي حماس والجهاد الإسلامي وبين السلطة الفلسطينية وصل ذروته
بعد صلاة يوم الجمعة في مسجد فلسطين في مدينة غزة في 18 نوفمبر 1994 عندما اندلعت
مواجهة عنيفة بين شرطة السلطة الفلسطينية والنشطاء الإسلاميين الذين خططوا لاقامة
مسيرة تأييد بجوار المسجد.
مواجهات
وبسرعة تطورت المواجهات
الشاملة للنشطاء الإسلاميين ضد الممتلكات والبنايات العامة المحسوبة على السلطة
والتي انتهت بموت 15شخص واصابة 200 آخرين ، وباعتقال المئات خلال المواجهات العنيفة
أعطت الشعور بالإحباط لدى رجال الحركات الإسلامية على خلفية معارضتهم لاتفاق أوسلو
وانطباعهم أن الجهود الإسرائيلية للتعرض إلى مسئولي الأجهزة العسكرية لحماس والجهاد
الإسلامي، والذي حظي بتأييد من جانب السلطة الفلسطينية، وإن التوتر بين نشطاء
التنظيمات الإسلامية والسلطة الفلسطينية وصل مرة ثانية إلى مرحلة الأزمة، عندما هدد
رجال الجهاد الإسلامي عناصر الأمن العرفاتية، وتجمعوا في غزة وهم يحملون أسلحتهم،
ويؤكدون على مواصلة العنف، ونتيجة لذلك قررت السلطة منع المظاهرات غير القانونية
واعتقلت مائتين من نشطاء الجهاد الإسلامي (55) .
إن عزم السلطة وخاصة الأجهزة
الأمنية تطبيق سلطتها عن طريق القوة إذا لزم الأمر على جميع الجماعات السياسية
المنافسة، أجبرت المتطرفين الإسلاميين في قطاع غزة للاعتراف بالواقع الجديد.
وفي أعقاب المواجهات الدامية
أعلنت حماس أنها مستعدة للبدء في حوار مع السلطة الفلسطينية، مع الإشارة إلى أن
(إسرائيل) هي سبب المواجهات العنيفة والتعبير عن القلق المشترك مثل "الوطن، القدس،
الأسرى الفلسطينيين, المستوطنات اليهودية" وقد نجح الجانبان في التغلب على الفوضى
التي تسببت بالحادث وابراز الوحدة.
وتطلعت السلطة الفلسطينية إلى
البقاء فوق الخلاف وادعت بإصرار أن الحوار يجب أن يكون بين فتح وحماس ،ولكن حماس
أصرت على أن يكون الحوار مع السلطة الفلسطينية على أساس المساواة لأن المواجهات
اندلعت مع الشرطة الفلسطينية، وأصرت على طلب إجراء الحوار خارج مناطق الحكم الذاتي
الفلسطيني وبحضور زعماء العرب من أجل ضمان أن لا تقوم السلطة بممارسة الضغوط من
الخارج وانتهى الخلاف بقرار ياسر عرفات بقبول مطلب حركة حماس بان يجري الحوار خارج
المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية الأمر الذي أشار إلى اعتراف بمكانة حماس
السياسية كمعارضة شرعية (56) .
وخلال المحادثات التي أجريت في
الخرطوم والقاهرة بين حماس والسلطة الفلسطينية أظهرت من خلالها حركة حماس مسائل
حساسة مثل إطلاق سراح الأسرى ووقف ملاحقة أعضائها، وطلبها بأن لا تتدخل السلطة
الفلسطينية في الأمور الداخلية للحركة، وفي مقابل ذلك من موافقة السلطة على هذه
النقاط أحرزت السلطة الفلسطينية التزاما من جانب حماس أن لا تقوم الحركة بالتشويش
على الانتخابات العامة للمجلس الفلسطيني ووافقت حماس على عدم مقاطعة الانتخابات
واتخاذ موقف محايد (57) .
44. القدس 16 مارس 1993.
45. حماس ، وجهة النظر سياسية
سنوية من أوجست 1992 حتى 20 سبتمبر 1993 مقتبسات من الوسط 18 ديسمبر 1995 ، 18
ديسمبر 1995 ص 17-18 .
46. الرسالة 13 أكتوبر 1993
.
47. القدس 13 سبتمبر 1993 .
48. تعليمات حماس إلى أنصارها
لمنع الاقتتال في أوساط الفلسطينيون باسم الوحدة الوطنية وضرورة التوحد في جبهة
واحدة ضد اليهود انظر على سبيل المثال ، هشام احمد ، حماس ، ص 71 ، وهذا الطريق
يسلكه أيضا الجهاد الإسلامي انظر فتحي الشقاقي الديار لبنان 3 أوجست 1994 ص 17 ،13
سبتمبر 1994 ص 10 .
49. صور المواجهة للمصالح بين
الجهات الفلسطينية المحلية وبين منضمة التحرير هو أمر معروف في تاريخ نشاة المناطق
المحتلة منذ 1997 ، فقد حدث في بداية 1982 بين " لجنة التوجيه الوطني " لمنظمة
التحرير والذي انتهى حل هذه اللجنة .
50. الرسالة رسالة داخلية
لحركة حماس 21 إبريل 1994 .
51. القدس 10 يونيو 1994
بيان مشترك 22 إبريل 1994 .
52. الوسط 14 نوفمبر 1994 ،
27 يونيو 1995 ص 22 .
53. مكرر 12 يونيو 1995 ص
22-23-33-34.
54. 63. P
، 1994 ،21 Time ,November .
55. 1994 ، 28 Ilid
,November .
56. القدس ، 20 نوفمبر ،
17ديسمبر 1994 ، النهار 12 اكتو بر 1995 ، محمود الزهار الوطن ، 8 ديسمبر 1994 ، ص1
، لقاء مع عماد الفالوجي ، صوت الحق والحرية 27 يناير 1995 ص13 .
57. القدس 22 ديسمبر 1995 ،
النهار 23 ديسمبر 1995 .
|