|
الحلقة
الاولى
عالم من التناقضات
ما هي حماس ؟
في الوقت ذاته الذي تحارب فيه حماس في برنامج الواقع و القائم فإنها لا تستثني
إمكانية أن تكون جزءاً منه .
حماس هي حركة المقاومة الإسلامية و التي ولدت بعد وقتٍ قصير من اندلاع الانتفاضة في
الضفة الغربية و قطاع غزة أواخر سنة 1987 و منذ ذلك الحين و هي تتوسّط بين النقيضين
و تبحث عن المكاسب ، و تعتبر رسائلها المشبعة بالشعارات و القيم الإسلامية و السلوك
الذي يشير إلى الواقعية السياسية و اعتبارات عملية واقعية ، فهي توجّه حرباً مقدّسة
ضد (إسرائيل) لكن لم تلغِ من حساباتها إمكانية وقف إطلاق النار المؤقت ، و هي ترفض
الاعتراف بشرعية السلطة الفلسطينية و في نفس الوقت فإنها تسعى إلى توطيد علاقات
التعايش مع السلطة و هي ترفض الاشتراك في مؤسساتها التي تمثّل السلطة لكنها في نفس
الوقت تشجّع رجالها على الاندماج في أجهزتها التنفيذية .
و ترفع حماس راية الكفاح المسلح من أجل إنشاء دولة فلسطين على جميع الأراضي
الفلسطينية الانتدابية ، و في نفس الوقت فإنها تنشئ نظاماً من المؤسسات الاجتماعية
و الثقافية لصالح السكان الفلسطينيين المنغرسة بها ، و ملخص الحديث ، ففي نمط تفكير
و سلوك حماس فإنها تدمج المرونة مع التمسك بالتقاليد ، إسلامية عالمية شاملة و
وطنية خاصة و مصالح جماهيرية ، و نشاطات تعتمد على القيادة المركزية و قنوات قيادة
متعدّدة المراتب و الصلاحيات إلى جانب زعامات محلية تستند إلى الجاذبية و التأثير
الشخصي ، و علاقات شخصية و وسائل اتصال جماهيرية غير رسمية و بلاغة (متعصبة) و
دينية مع تفسير و تعليق مسوّغ للحلول الواقعية .
و بصفتها حركة معارضة ناشطة و صاحبة حضور في الساحة الفلسطينية ، و تناضل على مراكز
القوة الاجتماعية و السياسية ، و لم يبقَ لحركة حماس أي خيار حقيقي إلا تبني سياسات
و طرق عمل تقع في تعارض حول نظرتها للعالم .
و مع ذلك فربما هناك حاجات مشتركة و فائدة فورية دفعت حركة حماس إلى البحث عن طرق
لتجاوز مبادئها و لتغلّف سلوكها بتسويغات و تبريرات قياسية ، و ما زالت هناك أسئلة
ليست بالسهلة تتعلّق بقدرة الحركة على اتخاذ خطوات استراتيجية و سلوكية موسومة و
مسكوكة بالتعارض و التناقضات ، و في نفس الوقت تجنيد مؤهلات و قدرة أيديولوجية من
أجل التقليل من الخطر للصراع الداخلي أو الانقسام التنظيمي .
حماس و ظاهرة الإسلام السياسي
استعراض قصير عن أيدولوجية و سياسة حماس يظهر حقيقة و مدى عظم المشكلة ،
فحماس هي مثال مميز لظاهرة الإسلام السياسي في جيلنا و مع ذلك فإنها تشكّل حدثاً
فريداً ، إضافة إلى مجالات عمل مميّزة للحركة الإسلامية و تبنيها من أجل السيطرة
النموذجية للإسلام على المجتمع فإن حماس ترفع أيضاً راية تحرير فلسطين ، مع ذلك فإن
جدول أعمال حركة حماس يشمل الساحة الداخلية حيث تستخدم المعارضة الأساسية للزخم
الوطني في قيادة منظمة التحرير الفلسطينية و السلطة الفلسطينية أما الساحة الخارجية
التي تشكّل رمز الاعتراف بها هو توجيه الصراع المسلح ضد (إسرائيل) و المعارضة
لمسيرة السلام معها (1) .
و جاءت حماس من داخل رحم حركة الإخوان المسلمين صاحبة التصوّر الجامعي (الكتلة
الإسلامية) في منشئها ، و لذلك تبنّت "حكاية" الوطنية الفلسطينية للاستراتيجية
السياسية و طرق عملها و لكن بارتباط إسلامي (2) و عرضت حماس نصاً خاصاً بها على
غرار النصّ الوطني العلماني لمنظمة التحرير الفلسطينية و هو الميثاق (3) ليكون على
مستوى "الميثاق الوطني الفلسطيني" لمنظمة التحرير الفلسطينية .
برؤيتها الدينية و أهدافها الوطنية و الاجتماعية و نشاطها الجماهيري و ثقتها
المليئة بالمعاني و القيم الدينية ، و صبغتها الجهادية ضد (إسرائيل) عبّرت حماس عن
معارضتها و دون هوادة للسلطة الفلسطينية و لكلّ تسوية سياسية مع (إسرائيل) ، و قد
دعت حماس إلى تحدّي منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها المرجعية الوحيدة و الشرعية
للشعب الفلسطيني و ذلك بهدف تغييرٍ في وجهة النظر و التصوّر الوطني العلماني و
مواقفها السياسية التنازلية .
و قد طوّرت حركة حماس مجموعة من الشعارات البديلة و المستمدة من القيم الاسلامية و
أعربت عن تمسّكها بالأهداف السياسية الإسلامية القصوى لتحرير فلسطين و عدم الاعتراف
بالدولة (الإسرائيلية) .
التدهور السياسي و العسكري الذي لم يسبق له مثيل في مدى خطورته الذي تواجهه منظمة
التحرير الفلسطينية بعد طردها من لبنان في سنة 1982 و فقدان المعقل الجغرافي
المستقلّ جزئياً في تلك البلاد و الأزمة الشرعية للحركة الوطنية الفلسطينية في
قيادة منظمة التحرير الفلسطينية ، كلّ هذا بعث على الإحساس و الشعور بأزمة وطنية و
ظهور حركة حماس التي تدعو إلى تحدّي زعامات منظمة التحرير الفلسطينية ، و قد ساهم
تعاظم الجهود (الإسرائيلية) – الرسمي و العام على حدّ سواء – في الشعور بالأزمة
للتصرّف و السيطرة على المناطق المحتلة في الضفة الغربية و قطاع غزة بواسطة تشجيع
الاستيطان ، و الصراع على قدسية جبل الهيكل في القدس ، و الضيق الناتج عن الخطوات
الاقتصادية و التطوّر الاجتماعي للسكان الفلسطينيين ، و ظهور التيار الإسلامي
الوطني داخل المجتمع الفلسطيني و هذا هو طلب لجماعة كانت على هامش الساحة
الاجتماعية السياسية على تحديد جدول الأعمال الوطني و النظر إليه من جديد من خلال
الأهداف الاستراتيجية و وسائل الوصول إليها .
و باستثناء المحيط الاجتماعي و السياسي الفلسطيني الداخلي كان على حماس أن تتجابه
مع واقع صراع وطني فلسطيني ضد سلطة غير إسلامية مثل (إسرائيل) التي تحتل أرضاً
إسلامية ، و مع واقع لإنشاء حكومة فلسطينية مستقلة على جزء صغير من أرض فلسطين
التاريخية ، و على ما يبدو فقد أبدلت حركة حماس العلم الوطني العلماني بعلم ديني
وطني دون التغيير الجوهري للأهداف السياسية أو طرق الوصول إليها ، لكن حماس عرضت
تغييراً في حقيقة الانضمام للصراع و المقاومة المسلحة ضد (إسرائيل) بهدف تحرير جميع
الأراضي الفلسطينية مثلما طالبت في بداية الصراع حركة فتح و التنظيمات الفلسطينية
الأخرى . و منذ ذلك العهد فقد تركت هذا الطلب لصالح الحلّ السياسي ، و لهذا التغيير
في جدول الأعمال الوطني الفلسطيني نحو تجديد الأيديولوجية الصافية من خلال الدعوة
لأن تكون الدولة الفلسطينية قائمة على الشرع الإسلامي ، و إنكار النظام السياسي و
الاجتماعي القائم في العالم العربي و محاولة إنشاء نظام اسلامي بديل لتكون مثالاً
يحتذى به "الإخوان المسلمين" الذين نشطوا داخل المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة و
الضفة الغربية و هي مشابهة إلى الحركات الإسلامية الأخرى في الوطن العربي .
الإخوان و الانتفاضة
و حتى اندلاع الانتفاضة كان على رأس اهتمام الإخوان المسلمين في المناطق
التي تخضع للسيطرة (الإسرائيلية) نشاطات تربوية و جماهيرية تهدف إلى إصلاح الفرد
المسلم و لم يكن مقاومة السلطات (الإسرائيلية) ، و أن الأبعاد و الغاية النهائية هو
إنشاء دولة إسلامية كهدفٍ بعيد المدى الذي يمرّ من خلال العمل التدريجي من تأليف
القلوب و إعادة المجتمع إلى حاضرة الإسلام .
نشأة حركة حماس في بداية الانتفاضة أبعد نشاطات حركة الإخوان المسلمين عن مسلكها
الإسلامي و الاجتماعي إلى المسلك الوطني ، من حركة استثمرت جهودها في تربية و تثقيف
الفرد و تحسين مستوى العائلة و إصلاح حياة المجتمع ، أصبحت حركة الإخوان حركة
سياسية ناشطة تقود الحرب ضد الاحتلال (الإسرائيلي) و أخذت على عاتقها لأن تكون
سدّاً منيعاً لأي حلّ تاريخي مع (إسرائيل) و ذلك من خلال الطرح البديل و هو إنشاء
دولة إسلامية على جميع الأراضي الفلسطينية الانتدابية .. فقد تمت هذه الحركة بعدما
كانت حركة ذات طابع اجتماعي و انتماء إسلامي عالمي لتصبح ذات طابع و رغبة إسلامية و
وطنية و مصالح خاصة و أهداف إقليمية محدودة و معروفة ، و من حركة ذات حلم و أهداف
ثانوية على المدى الطويل إلى حركة سياسية مقاتلة بأهداف فورية و محلية ، و من
التغيير في جدول الأهميات بالنسبة إلى الحركة الإسلامية لصالح التقدّم نحو المصالح
الوطنية عن طريق القوة و ذلك عن طريق التركيز على الأهداف و غايات الإسلام العامة ،
فكانت هذه عنصراً خارج دائرة المنافسة بين حماس و بين منظمة التحرير الفلسطينية
للسيطرة على أماكن القوة و التأثير داخل المجتمع الفلسطيني في الضفة و القطاع .
لكن التغيير في جدول الأفضليات من قبل حركة حماس اعتبر على أنه خطوة ذات أهمية
هيكلية تكتيكية و لأسباب واقعية تضطرها إلى ذلك ، و إن هدفه هو تهيئة المناخ لإنشاء
نظام سياسي إسلامي في العالم العربي بواسطة تقديم المصالح الفلسطينية الخاصة ، و
يشار هنا إلى أن ادعاءات تبريرية و دفاعية على النمط الإسلامي قد سمعت من الناطقين
باسم التيار المركزي في منظمة التحرير الفلسطينية الذين اضطروا على ضوء الواقع
السياسي إلى تغيير مواقفهم الاستراتيجية ، غير أن حركة حماس تتطلّع إلى تأمين مكانة
لها تسيطر من خلاله على المجتمع للوصول إلى المصالح الخاصة و مواصلة تمسكها بالقيم
و القواعد الإسلامية ، و الذين وضعوا أمام الحركة مأزقاً ساهم في تصاعد الأزمة خاصة
منذ اتفاق المبادئ بين (إسرائيل) و بين منظمة التحرير الفلسطينية في سبتمبر 1993
وإنشاء حكم مستقل في غزة و أريحا في شهر يونيو 1994 .
و هذا المأزق ظهر من خلال التوتّر الذي نشأ من خلال الاعتبارات و الالتزام العلني
للحرب المقدسة ضد (إسرائيل) و بين اعتبارات واقعية – من أجل الحفاظ على الإنجازات
الاجتماعية العامة و مكانتها السياسية من خلال تأمين الحصول على المصادر المادية و
مصادر التأثير و القوة ، فكلما تزايد الاعتراف بحركة حماس فإن عليها التأكيد على
حضورها و تاثيرها في أوساط المجتمع الفلسطيني ، و أيضاً فقد كثرت الصعوبات داخلها
حول ضرورة الليونة في مواقفها و اشتراكها السياسي في المؤسسات التي ظهرت نتيجة
التفاوض مع (إسرائيل) و منظمة التحرير الفلسطينية .
هكذا و بعد أكثر من سنة قبل اتفاق أوسلو و في ذروة الهجوم الإعلامي النشط الذي
وجّهته الحركة ضد منظمة التحرير الفلسطينية – و التي أعطت الدعم للمفاوضات بين
(إسرائيل) و الوفد الفلسطيني من سكان المناطق – فقد عملت قيادة حماس على بلورة موقف
يهدف إلى إمكانية إجراء انتخابات عامة في المؤسسات الفلسطينية تتزامن مع إحراز
تسوية بين منظمة التحرير الفلسطينية و (إسرائيل) (4) .
حماس تحافظ على وجودها في ظلّ السلطة
إن إدراك حركة حماس بضرورة تأمين و تأكيد وجودها و حضورها و تأثيرها داخل
المجتمع الفلسطيني من خلال ضبط النفس و المعارضة السلبية للتسوية السياسية داخل
الساحة الفلسطينية و التي ربما يتم تفسيرها على أنها استعداد من جانب الحركة
لاعتبارها خطوات تصالحية أو الاندماج المعيّن في المفاوضات من أجل إنشاء كيان مستقل
، و لكن الليونة البعيدة المدى حول الاتفاق السياسي فقد تضرّ بالثقة في حركة حماس
باعتبارها تدافع عن الحقوق الوطنية الشرعية للشعب الفلسطيني و تسعى إلى إنشاء نظام
سياسي اجتماعي نابع من القيم الإسلامية ، ربما يضعف من مكانتها في المجتمع
الفلسطيني ، و مثل هذا النهج ربما يضرّ بمكانة و صورة الحركة باعتبارها حركة معارضة
نموذجية لمنظمة التحرير الفلسطينية و تخلق ارتباكاً و عدم وضوح في صفوف مؤيّديها و
بذلك توسّع دائرة الخطر و الاحتكاك داخل الحركة و يزيد من قدرة السلطة الفلسطينية
لمناورة حركة حماس و تقليص مكانتها ، و من جانب آخر فإن هناك ارتباطات بعيدة المدى
من ناحية الثوابت المبدئية و التي ستجعل حماس خارج مسيرة إنشاء و تشكيل السلطة
الذاتية ، فهذا من المحتمل أن يؤدّي إلى إضعاف قدرة الحركة و مواصلة تجنيد السكان
إلى جانبها و تضعف من قدرتها في المواجهة مع منظمة التحرير الفلسطينية.
إن الكفاح المسلح ضد (إسرائيل) قد أعطى في الحقيقة الشرعية الجماهيرية لحركة حماس و
لكن في نفس الوقت فقد وضع الحركة أمام خطرٍ حقيقي نتيجة قيام (إسرائيل) بردّ شديد و
الذي قد يؤدّي إلى إثارة و زعزعة تأييد الجمهور الفلسطيني الواسع الذي يتمنّى
انسحاب (إسرائيل) من مناطق الضفة الغربية و قطاع غزة و النجاة من المعاناة
الاجتماعية و الاقتصادية الناتجة عن استمرار الاحتلال (الإسرائيلي) ، و إن
الاعتبارات الواقعية التي دفعت حماس إلى الحديث مع منظمة التحرير الفلسطينية و
التعاون مع السلطة و عدم تجاهل إمكانية تسوية مؤقتة مع (إسرائيل) ، و في نفس الوقت
رغبتها في أن لا تظهر خطواتها على أنها استعداد من جانبها لتقبّل حلول يفهم منها
على أنها تنازلات عن أهدافها النهائية ، و هذه الأمور المعقّدة و الأيدولوجية إضافة
إلى مشاكل تنظيمية لحركة حماس هي التي ساعدت على وجود المعضلة السلوكية التي واجهت
الحركة منذ نشأتها .
تساؤلات تجيب عليها الدراسة
و كيف تعاملت حركة حماس مع هذه المعضلات و المشاكل ؟ و كيف نجحت الحركة في
توسيع دائرة التأثير بوسائل سياسية دون التضحية بمبادئها الأيدولوجية و وحدتها
التنظيمية ؟ و كيف تأثّرت سلوكيات الحركة في السعي و البحث لها عن مكان في التاريخ
السياسي (العالم السياسي) ؟ و إلى أيّ مدى نجحت حركة حماس في تعليل و إيضاح انتقال
مكانتها العقائدية في النزاع إلى النهج الواقعي المليء بالميول المدورسة لنظريتها
المعلنة ؟
العمل بهذه المسائل يلزمنا نقاشاً و اكتشاف وجهة النظر الدينية لحركة حماس و مدى
التأثير على الاعتبارات السياسية على استراتيجية العمل للحركة و هذا على ضوء
التغيّرات المتتالية في الواقع السياسي الفلسطيني الداخلي و الإقليمي .
و خلال هذا البحث نتوقّف عند استراتيجية العمل التي ميّزت حركة حماس في المفترقات
الحرجة التي وقعت بداخلها الانتفاضة و الصراع مع منظمة التحرير الفلسطينية و اتفاق
و إنشاء السلطة الفلسطينية و الانتخابات العامة لمجلس السلطة الفلسطينية و مسألة
الاشتراك في مؤسساتها ، و علاوة على كلّ ذلك مسألة مواصلة الصراع المسلّح ضد
(إسرائيل) بعد اتفاق أوسلو ، و مع ذلك سنبحث في جذور الأزمات التي واكبت حركة حماس
و التي نسجت مع مجيء الانتفاضة و تميّزت بالانعكاسات المتعلّقة بردود الفعل للحركة
للتسوية أو الاتفاقات التي توصّلت إليها (إسرائيل) و السلطة الفلسطينية.
و الاستنتاجات من هذا الأمر ربما يؤدّي بنا إلى فهم شيء ما عن التطوّر في التوجه
المستقبلي لحركة حماس ، خاصة على سلوك الحركة حول ما يتعلّق بالمفاوضات المرتقبة
بين (إسرائيل) و السلطة الفلسطينية على الحلّ النهائي .
و إن تتبع قرارات الحركة المركزية يكشف إلى أيّ مدى كانت تتعلّق بالأمور الصعبة و
هكذا فقد حرصت الحركة على التوازن من حيث تأمين الاندماج بين الأهداف العليا و بين
المصالح الفورية و الاحتياجات المشتركة ، و أن سلوكيات و تصرّفات حركة حماس تشير
إلى استعدادها إلى تبنّي استراتيجية العمل في مجال (العنف) و (الإرهاب) المحدّد ضد
(إسرائيل) ، و التعايش مع منظمة التحرير و السلطة الفلسطينية و الاشتراك المحدّد في
المؤسسات المتمثّلة بها السلطة ، و قد أنكرت الحركة موضوع الحلّ الدائم مع
(إسرائيل) و لم تفرض الحركة إمكانية تسوية (إسرائيلية) - فلسطينية مؤقتة (5).
كذلك أنكرت حماس حقّ منظمة التحرير بأن تكون الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني و هي لم
تبعد خيار إمكانية الائتلاف السياسي معها المستند على اقتراح متّفق عليه يتمحور حول
الجهاد (6) .
هذا على الرغم من ازدياد و انخفاض مستوى العلاقات بين حماس و منظمة التحرير و
السلطة الفلسطينية ، و تمسّك حماس بمبدأ الامتناع عن أعمال العنف و سفك الدماء داخل
صفوف الشعب الفلسطيني ، و أن الامتناع عن الدخول في نزاع داخلي و دمويّ كان مطلباً
داخلياً و مركزياً داخل الحركة نحو المصالحة في ظلّ الواقع الذي لم ينسجم مع الوضع
القائم .
على كلّ حال فإن حركة حماس قد حرصت على تأكيد أن موافقتها و طروحاتها لن تكون
استعداداً من جانبها على تقبّل حلول يفهم من خلالها تنازلات عن أهدافها النهائية .
و إن استراتيجية العمل هذه عبّرت عنها الحركة بصورة علنية من خلال حديثٍ الناطقين
باسم الحركة من على منابر المساجد و الإعلام و الذي تم إبراز صورة الحركة على أنها
حركة وطنية لكلّ فلسطين مقابل الرسائل السرية المتكررة إلى نشطائها الذين حملوا
الطابع الواقعي و أكّدوا على المصالح التنظيمية للحركة .
التكيّف مع الواقع
و قد أظهرت حركة حماس ليونة و قدرة على التكيّف مع الواقع إلى مدى كبير بفضل
التمييز الذي أجرته بين الهدف العملي على المدى القصير للدولة الفلسطينية في الضفة
الغربية و قطاع غزة و بين الحلم بعيد المدى لإقامة دولة الشريعة الإسلامية على جميع
أرض فلسطين ، و إن التأكيد الزمني المؤقت لطابع التسوية مع (إسرائيل) كمرحلة على
طريق الهدف النهائي مكّن حركة حماس من استغلال المرحلة الوسطى للهدف الاستراتيجي
النهائي الذي يشمل إنشاء دولة إسلامية على كلّ فلسطين .
إن علاقة حركة حماس لأي تسوية سياسية مع (إسرائيل) تعتبر على أنها حالة مؤقتة في
التاريخ الإسلامي المتميّز بالجهاد المتواصل ضد الكفار ، مما ساعدها على تطوير
خطوات أكثر ليونة و قابلة للتكيّف التكتيكي دون التنازل عن ثوابتها السياسية ، و
استعدادها للقبول مؤقتاً لتسوية تمنح الفلسطينيين جزءاً فقط من أرض فلسطين و تقبل
من خلالها الهدنة في الصراع المسلح ضد (إسرائيل) و هنا فقد سارت حماس على درب منظمة
التحرير ، فقد عملت حماس أيدولوجيا في مجال التغيير السياسي في نص "هنا و الآن"
لصالح الحلم النهائي لتحرير كل الأراضي الفلسطينية .
1- الحالة الوحيدة القريبة لما هي عليه حركة حماس هو حزب
الله في لبنان الذي يقاتل الوجود (الإسرائيلي) في جنوب لبنان و إلى جانب ذلك فإنه
مرتبط كحزب سياسي ممثل بالبرلمان .
2- Ernst gelner,nations and nationalism , (new york :cornell university
press ,1983) , p.1 , eric hobsbawm , nations and nationalism 1780 : programme ,
myth , reality (Cambridge university press ,1990) , p.9 .
3- ترجمة ميثاق حماس .
4- نقاش مفصّل في هذه المسألة أنظر الفصل الخامس .
5- أنظر بيان حماس لموجب توصيات مؤتمر علماء فلسطين (فتوة المشاركة في مؤتمر مدرير
و الصلح مع "إسرائيل") القدس 1991 ، ثم انظر عبد الله عزام (الدفاع عن أراضي
المسلين أهم فروض العين (جدة : بريد المجتمع 1987، ص 20-21) .
6- بيان للتاريخ ...... لا لمؤتمر بيع فلسطين و بيت المقدس 23 سيبتمبر 1991 : فتوة
المشاركة في مؤتمر مدريد و الصلح مع (إسرائيل) 1 نوفمبر 1991 .
|