|
عصر
حماس
الحلقة
الخامسة
الاتجاه
للمقاومة
لقد كان الخوف مضاعفاً لضياع
التأييد و التأثير لصالح حركة فتح و الجهاد الإسلامي الأمر الذي أجبر مسؤولي
المجمّع الإسلامي للاستجابة لضغوط القيادات الشابة لحركة الإخوان و الموافقة على
تبنّي المسار النضالي الذي سوف يكون في نفس المستوى مع تطلعات الجماهير في المناطق
.
لقد انبثقت الزعامات الجديدة
من الطلاب و رجال المهن الحرة ، و قد أكسب هؤلاء الخبرة من خلال منافسيهم في
المعسكر الوطني للصراع من أجل السيطرة على الجمعيات المهنية و المؤسسات العامة و
تمثّلت خبرتهم في تجنيد و تنظيم عمليات الاحتجاج و العنف حتى داخل جدران السجون
(الإسرائيلية) حيث تأثّروا من نظرائهم أعضاء التنظيمات المحسوبة على منظمة التحرير
، و مع اندلاع الانتفاضة كان هؤلاء الشبان و معظمهم من نشطاء المجمع الإسلامي على
الاستعداد من الناحية التنظيمية و النفسية للدخول في الصراع المسلح ضد (إسرائيل) ،
فلم يستطع زعماء الحركة الإسلامية الالتقاء خارج نطاق العمل السياسي على ضوء الثورة
التي جرفت جماهير الشباب في الاشتراك بأعمال الاحتجاج و (العنف) ، و هذا ما بعث على
الخوف من ضياع الجماهير إذا لم يتمّ إيجاد نطاق إسلامي يستجيب لتطلّعات المكافحة و
يتم توجيهه ضمن ميول و ارتباط متين مع حركة "الإخوان المسلمين" (41) .
إن القرار بإنشاء "حركة
المقاومة الإسلامية" بعد وقتٍ قصير من اندلاع الانتفاضة و حيازة السلاح لمحاربة
"أعداء الله" عبّر عن ضرورة البقاء و النجاة و الاعتراف الذي تبلوَر في أوساط
مسؤولي المجمّع حول ضرورة مواكبة الواقع الجديد المكافح الذي سيطر على الشارع
الفلسطيني .
و في نفس الوقت ظهرت نزاعات
داخلية بين شخصيات حول مصالح و وجهات نظر أدّت إلى حلّ بين النهج الإصلاحي ذات طابع
عمل تربوي جماهيري ، و بين تيّار صارم و مكافح ينادي بالردّ بالشدة في الشؤون
العسكرية و السياسية .
لقد كان التعبير الأساسي للحلّ
الوسط تنظيماً "حركة المقاومة الإسلامية" حيث أنشئت في البداية كجسمٍ منفرد عن
الحركة الأم "الإخوان المسلمين" و ذلك من أجل قوة و حصانة و مواصلة العمل الذاتي
للمجمّع ، و في فبراير 1988.
و عندما تبيّن دور هذه الحركة
الجديدة في توطيد مكانة الحركة الإسلامية في المجتمع الفلسطيني على ضوء صعود و
اتساع وتيرة الانتفاضة فقد تبنّت "حركة المقاومة الإسلامية" اسم "حماس" ، و في مايو
1988 قامت حماس بخطوة إضافية نحو بلورة صورتها كهيئة و جسم مقاوم و مقاتل و الذي
يشكّل جزءاً لا يتجزّأ من الحركة الإسلامية التي وصفت نفسها بالذراع القويّ للإخوان
المسلمين .
و هذا ما كان معبّراً عنه في
ميثاق حماس الذي أعلن عنه في شهر أوغسطس من نفس السنة و قد اعتبرت به حماس على أنها
"شعبة من شعب لإخوان المسلمين" (42) .
الانطلاقة
إن إقحام "حركة المقاومة
الإسلامية" إلى الساحة السياسية الفلسطينية مع نشر بيانها الأول في 14 ديسمبر 1987
على الرغم من أن البيان لم يحمل أيّ تاريخ ، و ذلك بعد خمسة أيام لاندلاع الإضرابات
حيث عبّرت عن الانضمام الجديد للوطنية الفلسطينية بصبغة إسلامية جديدة أدخلت
الحيوية لفكرة التحرّر الوطني الفلسطيني ، و هذا الظهور على الساحة جعل هذه الهيئة
الجديدة تعرض نفسها على أنها حركة شعبية تستجيب لتطلعات الجماهير الفلسطينية في
المناطق و القادرة على ضم الجماهير في صفوفها ، و مع إنشاء حماس فقد أعطى مسؤولي
المجمّع الشرعية للجهاد كوسيلة للتحرّر و الخلاص الوطني و الإسلامي على حدٍّ سواء و
بذلك فقد تمّت الاستجابة للتغيّرات و للضغوطات الداخلية المتصاعدة مع اندلاع
الانتفاضة من خلال الاعتراف بمكانة الكفاح المسلّح و دوره في تجنيد و تحريك
الجماهير الأمر الذي أجبرهم على أخذ المبادرة و الأخذ بمميزات الثورة الشعبية .
و لقد كان ظهور حركة حماس
عفوياً و تلقائياً و غير مخطّط له سابقاً ، و في حقيقة الأمر ففي شهر يناير 1988
بدأ -بناءاً على الأوامر الشخصية من الشيخ ياسين - بناء القاعدة التنظيمية في
إطارها الجديد في الضفة الغربية و القدس ، و من أجل تنفيذ هذه المهمة و التي بدأت
بنقل بيانات حماس من غزة و توزيعها في الضفة و القدس فقد أوكلت هذه المهمة إلى جميل
حمامة و هو أحد موظفي مكتب الأوقاف في نابلس (43) .
و فيما بعد ادعى المتحدّثون
باسم حماس أن قرار الحركة "بالعمل المسلح" الإسلامي هو الذي أشعل الانتفاضة ، و بعد
العمل الفعلي فقد استعد مسؤول الحركة استغلال الاعتراف و الاحترام للحركة كحركة
جهاد وطني من أجل إعادة كتابة التاريخ للمجمّع حتى الانتفاضة و التي عرِضت حينها
على أنها الحقبة الضرورية للبناء و التحضير لقاعدة الكفاح المسلح ، لذلك فإن ربط
بداية حركة حماس إلى الفترة التي كانت قبل ظهور منظمة التحرير و هي منذ ظهور الشيخ
عز الدين القسام خلال سنوات الثلاثينات و حتى تشبث "الإخوان المسلمين" منذ سنة 1967
بمبدأ الحرب المقدسة (الجهاد) لتحرير فلسطين .
حماس و منظمة
التحرير
إن إعادة كتابة التاريخ لحركة
"الإخوان المسلمين" قبل الانتفاضة و دمجها بالصفة الوطنية ميّزت المنافسة السياسية
المتصاعدة مع منظمة التحرير على تحديد جدول الأعمال و البرنامج الجماهيري , و فوق
كلّ ذلك ظهور الحوار الوطني الفلسطيني في الضفة الغربية و قطاع غزة في وقت
الانتفاضة (44) .
إن الاشتراك العملي و الناشط
لحماس في الانتفاضة شكّل تهديداً على سيادة منظمة التحرير و على سيطرته السياسية
على الساحة الفلسطينية ، و هذا التهديد أصبح على رأس الادعاءات و الأقوال المتكررة
لمنظمة التحرير على أن (إسرائيل) هي التي أتت و مهّدت لإنشاء حماس من أجل انقسام و
إضعاف الانتفاضة و مكانة منظمة التحرير داخل الجماهير الفلسطينية ، و حتى قبل
اندلاع الانتفاضة فقد وجّهت حركة فتح انتقاداً على الحركة الإسلامية لأنها و حسب ما
تدّعي فتح لا تساهم في العمل الوطني ، و قد ازدادت الانتقادات بين حركة حماس و فتح
بصورة واضحة منذ بدأت حماس في المنافسة مع "القيادة الوطنية الموحّدة" و هي قيادة
الانتفاضة في المناطق الفلسطينية التابعة لمنظمة التحرير "على تحديد جدول الأعمال
أو البرنامج الجماهيري الفلسطيني مثل : إعلان عن الإضراب و أعمال الاحتجاج و
(العنف) و استخدام وسائل الإعلام العامة مثل البيانات و خطوات استراتيجية مؤيّدة
للصراع ضد (إسرائيل) و التي تشمل الكفاح المسلح (45) .
و دفعت الانتفاضة المجمّع إلى
استنساخ و ترجمة جزءٍ كبير في سباقه التنظيمي و نشاطه الجماهيري للساحة الوطنية ،
من خلال إنشاء هيكل تنظيمي جديد و هو حماس ، و حينها ركّز المجمّع على البرامج و
المناهج الدينية لحياة الفرد ، أما الآن فإن التركيز على الانتماء الوطني للفرد و
التزامه الجماعي ، مع العلم أنه حرص سابقاً على التربية و تقوية مستوى العائلة و
الجماعة فقد خرجت الآن النواة المكافحة "للإخوان المسلمين" للعمل السياسي و (العنف)
المنظّم ضد (إسرائيل) من أجل الهدف المعلن و هو "إنشاء دولة إسلامية على جميع الأرض
الفلسطينية التاريخية" ، و لم تنشأ حماس لتكون في مكان النشاطات الجماهيرية التي
استمرت إدارتها من قبل المجمّع ، و لكن من أجل إتمامها ، و إن مرحلة الانتقال إلى
أعمال (العنف) ضد السلطات (الإسرائيلية) مع اندلاع الانتفاضة أدّى إلى إنشاء تنظيم
منفصل عن الهيكل الأصلي لحركة "الإخوان المسلمين" و ذلك من أجل الحفاظ على منجزاتها
و الدفاع عن مؤسساتها الجماهيرية أمام ردّ (إسرائيلي) عنيف ، و ذلك من أجل تمكينها
من مواصلة عملها لتوفير أجواء إسلامية .
فالانتفاضة أدّت إلى تغييرٍ في
طابع العلاقات ، فالانفصال بين حماس و المجمّع أدّى إلى تمويه الأمر ، و إن نجاح
الفكر السياسي لحركة حماس مع مرور الانتفاضة أبرز أفضلية العمل الوطني و التركيبة
الجماهيرية المدنية للإخوان المسلمين .
و في الأساس فقد ركّز مؤسس
حركة حماس الشيخ ياسين على العمل المركزي للمجمّع في قطاع غزة ، و من هنا جاءت
أهمية فهم هذه الهيئة لسلوكيات حماس للميل المتبادل الذي نشأ على المستوى المدني و
بين المستوى العسكري و بين الطرح الإصلاحي و بين الذين يؤمِنون بالردّ العملي و
العسكري .
النواة الصلبة
إن "النواة الصلبة" لزعماء كلا
التيارين للإخوان المسلمين – حماس و المجمّع – تكوّنوا في الأساس من شبّان في سنوات
الثلاثين و من سكان مخيّمات اللاجئين معظمهم على مستوى عالٍ من الثقافة و أصحاب
مهنٍ حرة و قد عمل جزءٌ من هؤلاء في الوعظ الديني و من هؤلاء الذين برزوا كان
الأطباء و الصيدلانيون – مثل عبد العزيز الرنتيسي و محمد الزهار و إسماعيل هنية ، و
إبراهيم مقادمة ، و إبراهيم اليازوري ، و موسى أبو مرزوق - و أيضاً برز من بينهم
المحاضرون و المعلّمون و الموظّفون – محمد شمعة ، عبد الفتاح دخان ، و سيّد أبو
مسامح ، صلاح شحادة ، خالد الهندي ، محمد صيام ، و أحمد بحر - أما المهندسون فهم
عماد العلمي ، إسماعيل أبو شنب ، و عيسى النشار ، أما رجال الدين فهم عماد الفالوجي
و محمد الصدر (46) .
من
العروبة إلى الفلسطينية
إن تبنّي مبدأ الكفاح المسلح
لتحرير فلسطين عن طريق الجهاد الإسلامي و حركة حماس و جعله محوراً أيدولوجيا في
عملهم أرشد إلى مسافة معينة قامت بها التنظيمات الإسلامية نحو التصوّر الوطني لفتح
، التي كانت المسؤولة عن وضع نصوص الاستراتيجية الثورية الفلسطينية أواخر الخمسينات
و بداية الستينات ، و جاءت هذه الاستراتيجية كردّ فعل على ضعف و وهن الدول العربية
التي تجاهلت و رفضت بذل أيّ جهد عسكري لحسم الحرب مع (إسرائيل) و تحرير فلسطين ، و
قد عبّر هذا عن بروز جهود لتحديد الأولويات الجديدة للعالم العربي و الدعوة إلى
تحدّي التصوّر المسيطر و الحاكم ، و قد مثّل هذا التوجّه الرئيس المصري جمال عبد
الناصر الذي دعا إلى الوحدة العربية كشرطٍ يسبق تحرير فلسطين ، و مع تأسيس منظمة
التحرير في مايو 1964 فقد خرجت فتح و جماعات فلسطينية أخرى بالانقسام ضد أحمد
الشقيري زعيم و مؤسس منظمة التحرير الذي كان على استعداد وضع فكرة "الكيان
الفلسطيني" لخدمة الزعيم المصري جمال عبد الناصر .
و قد ادعت حركة فتح أن التمسّك
بحلمٍ بعيد المدى للوحدة العربية الشاملة كمثل العلاج المعجِز لـ "مشكلة فلسطين" هو
تأجيل عملي للحرب ضد (إسرائيل) إلى موعد غير محدّد و تشكّل خطراً نحو نجاح و قيام
دولة (إسرائيل) و إنكار الهوية لعرب فلسطين ؛ فهي التي ستؤدّي إلى التضامن و
التكافل بين شعوب البلدان العربية نحو الوحدة و الإحياء العربي و هذا العالم يتطلّع
بأجمعه إلى تحرير فلسطين و دون هذا التحرير – و تصفية الكيان الصهيوني – لن تقوم
للأمة العربية قيامة أو مكانة (47) .
لقد أدّى موقف حركة فتح إلى
المواجهة بين "رؤية الدولة" للصفوة الحاكمة في الدول العربية التي أرادت أن تتجاهل
المواجهة العسكرية مع (إسرائيل) قلقاً على أنفسهم و دفعوا ضريبة الكلام للقضية
الفلسطينية ، و بين الثوريين الفلسطينيين الذين حدّدوا الحاجات و الأهداف الخاصة
لجماهيرهم السياسيين بطلبهم البدء الفوري لحرب العصابات ضد (إسرائيل) دون الانتظار
حتى تتوفّر الشروط الأيديولوجية للحرب الشاملة و الفاصلة حسب ما يدّعيه جمال عبد
الناصر بصفته الرئيس و الكاهن الأكبر للقومية العربية .
و مع تحمّل مسؤولية المنقِذ
أمام العالم العربي بأجمعه من خلال حرب التحرير فقد طلبت فتح فرض رؤيتها على الدول
العربية عن طريق توريط هذه الدول بالحرب ضد (إسرائيل) ، و هذا كان ضد رغبتهم (48) .
و علينا أن لا نفهم من ذلك أن
حركة فتح مختلفة في نظرتها للوحدة العربية , لكنها رأت في ذلك نقطة قوة نحو التجنيد
العربي الشامل و التعاون و التعاطي في الأمور العربية الفلسطينية و سعت إلى إلزام
العرب بالصراع نحو تحرير فلسطين و هي القضية التي تقف على قائمة الأولويات ، و رغم
ذلك فالمؤسّسون القدماء للتنظيمات الفلسطينية رأوا في الصراع المسلح أمراً ليس
ضرورياً نحو تحرير فلسطين و لكن وسيلة نحو بناء الأمة لخلق أفق يستطيع من خلاله
الفلسطينيون التوحّد دون النظر إلى ميولهم السياسية و الخلافات الاجتماعية أو
الجغرافية (49) .
حماس تتبنّى
الجهاد
و قد تبنّت حركة حماس فكرة
الكفاح المسلح من خلال جوهره الديني (الجهاد) و لم تبعد من حساباتها الهدف الإقليمي
الذي صبغته بالأهمية الإسلامية : "من أجل رفع راية الله فوق جميع الأرض الفلسطينية"
.
هذا إضافة إلى أن حماس و كما
كانت عليه حركة فتح لم تعتبر نفسها قادرة على تحرير فلسطين لوحدها لذلك فقد أضافت
إليها القيم الإسلامية الشاملة و العربية و استخدامها كنموذجٍ طلائعي لصحوة العالم
العربي و الإسلامي للعمل ضد الإمبريالية الصهيونية و ذلك من أجل إخراج العالمين
العربي و الإسلامي من حالة الضعف و الهوان و الاستسلام لواقع الانحطاط ، و قد عرضت
حماس قضية تحرير فلسطين و نهضة الأمتين العربية و الإسلامية للحوار الذي من خلاله
وجوب الاعتماد المتبادل كلا الهدفين فنجاح الأولى يكمن بها نجاح الثانية (50) .
إن التحوّل في الاهتمام
السياسي الفلسطيني من الحلم العربي نحو التصوّر الوطني الإقليمي قد حاز على زخمٍ
كبير بعد حرب 1967 و احتلال الضفة الغربية و قطاع غزة من قبل (إسرائيل) لأول مرة
منذ 1948 فقد أصبحت فلسطين الانتدابية بأجمعها تحت سلطة واحدة .
و أدّت نتائج هذه الحرب إلى
عسكرة الحركة الوطنية الفلسطينية بقيادة فتح و أصبح التغيير الهيكلي داخل الحركة
التي حدّدت الهدف الاستراتيجي لها و هو تحرير فلسطين بكاملها عن طريق الكفاح
المسلح .
هذا البرنامج أصبح أساس الفكر
المشترك لجميع الكتل الفلسطينية و هذه التغيّرات عبّرت عن اعتراف متزايد داخل أوساط
الفلسطينيين بخاصة القومية الفلسطينية و ضرورة أن تكون منظمة التحرير الفلسطينية
المسؤولة عن قدرة و أهلية العمل المستقل على اتخاذ القرارات دون التدخّل لأيّ
اعتبارات أو أية ضغوطات عربية أجنبية ، و كلما تعزّز التصوّر الوطني الفلسطيني
الخاص أصبحت أكثر تعمّقاً داخل الجماهير الفلسطينية في الشرق الأوسط ، فإن قدرة
الحركة الوطنية بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية تتأثّر إلى حدٍّ بعيد من الاختلاف
في الآراء للدول العربية فيما بينها و خاصة من الاختلاف بين الضرورات و الأولويات ،
و هذه أملِيَت من خلال الطموح لدول "المواجهة" من أن ترجِع بنفسها المناطق المحتلة
التي فقدتها لصالح (إسرائيل) سنة 1967 و أيضاً بواسطة الدبلوماسية و المفاوضات و
برغبة دول النفط للحفاظ على حالة الغنى التي أصابتهم .
منظمة التحرير
و المفاوضات
إن مسيرة المفاوضات بين
(إسرائيل) و بين جيرانها قد بدأت بعد حرب يوم الغفران التي أدّت إلى إضعاف قوة
العرب نحو الاهتمام و الالتزام بالأمور الفلسطينية ، و من الجانب الآخر تطوّر اتجاه
واقعيّ داخل منظمة التحرير بعد حرب 1973 الذي تبنّى استراتيجية المراحل : إقامة
دولة فلسطينية على كلّ جزءٍ محرّر من أرض فلسطين – الضفة الغربية و قطاع غزة –
كمرحلةٍ و حلّ "مؤقت" و تأجيل تحقيق الهدف النهائي لدولة فلسطين إلى موعد غير محدّد
، و أن التكيّف للواقع المتغيّر المتشابه للتوجّه الذي ميّز الدول العربية أدّى إلى
إبعاد منظمة التحرير تدريجياً عن ميلها لحلم هزيمة (إسرائيل) و القضاء عليها ، لكن
الانتقال من الحلم العام لتحرير فلسطين بحدودها الابتدائية إلى الهدف الإقليمي
تعتبر تصغيراً لها ، و هذه الرؤيا الواقعية نابعة من القيود المحيطة نحو تحقيق
الهدف الاستراتيجي ، و أيضاً الإدراك المتزايد للاحتياجات الفورية للسكان
الفلسطينيون في المناطق (51) .
إن الاستعداد و التسليم بالهدف
المصغّر لقيام دولة فلسطينية على جزءٍ من أرض فلسطين الانتدابية قد تعمّق في أوساط
التيار المركزي داخل منظمة التحرير بمرور السبعينات و مجيء الثمانينات غير أنها
وصلت إلى مرحلة النضوج فقط بعد طرد منظمة التحرير من لبنان من قبل (إسرائيل) أولاً
، و بعد ذلك من قبل سوريا سنة 1982 و في 1983 .
إن فقْد المساحة الجغرافية
الإقليمية ذات الحكم الذاتي المحدود أدّى إلى نقل مركز الاحترام و الأهمية
الفلسطينية من الساحة العربية في المنطقة إلى الضفة الغربية و قطاع غزة ، و جاء هذا
موازياً مع انكماش تطلّعات منظمة التحرير و فقْد قدرتها في إدارة الصراع العسكري ضد
(إسرائيل) من أرضٍ عربية .
و منذ حرب 1973 و بصورة أكبر
منذ 1982 قرّرت بناءاً على ذلك الأولويات و الأهداف لمنظمة التحرير من قبل السعي
للدول العربية للتحرّر من نير الالتزام نحو القضية الفلسطينية ، و إن سعي الدول
العربية لإخضاع القضية الفلسطينية لأهدافهم و الموقف المتصلّب للزعامات الفلسطينية
حول مبدأ "استقلالية القرار الفلسطيني" التي كانت متعلّقة و قريبة من المواجهة
العنيفة أحياناً للإدارات و المصالح الخاصة مع الدول الحدودية لـ (إسرائيل) (52) .
و تشابهاً لحركة فتح لعقد
الستينات فقد قوّضت حماس و الجهاد الإسلامي البرنامج العربيّ لحلّ المشكلة
الفلسطينية و الانتقال من الحلم العربي الإصلاحي الذي مثّله "الإخوان المسلمون" و
عبّر عن نشاطه في المجمّع الإسلامي – إلى البرنامج الوطني الفلسطيني و استراتيجية
للكفاح المسلح و ادعائهم أن الجهاد فرضٌ على كلّ فردٍ ، لذلك فقد سارت حركة حماس و
"الجهاد الإسلامي" بالعمل على خطى حركة فتح التي اعترضت على صلاحية جمال عبد الناصر
في اتخاذ القرارات و التوقيت و طرق العمل ضد (إسرائيل) .
الانتقال
التدريجي للحرب
و في سبيل فكرة الكفاح المسلح
الشعبي الذي لا يحتاج قدرات كبيرة و من الممكن استخدامه دون الرجوع إلى الدولة أو
مساندتها فإن الانتقال من النهج الإسلامي الشامل إلى شكل العمل الوطني المحارب كان
تدريجياً و تأثّر بازدياد قوة الحركة الإسلامية في أوساط الجماهير ، و التحدّي مع
التيارات الأيدلوجية و الجماعات السياسية المتنافسة , و فوق كلّ ذلك ضرورة الحفاظ
على مستوى الانسجام بين برنامج العمل للإخوان المسلمين و بين تطلّعات و احتياجات
الجماهير الفلسطينية .
إن ظهور حركة حماس كحركة صاحبة
قانون (شريعة) منظّم و بعد ثمانية أشهر من اندلاع الانتفاضة و بعد أن أصبحت
الانتفاضة حقيقة واقعة و متواصلة فقد عبّرت عن إرباكٍ تزامن مع التغيير الذي حدث
داخل حركة "الإخوان المسلمين" و قد شُعِر بهذه الارتباكات مثلما ذكرنا سابقاً حتى
قبل اندلاع الانتفاضة ، و قد أعلن عنها ضمن محاولات الدمج للهدف الوطني مع الإسلامي
في نطاق الحركة المجاهدة المقاتلة بهدف تشخيص ردود الفعل للجماهير للانتقال و
الاندماج بالصراع الوطني لتحرير فلسطين .
و تشابهاً لما كانت عليه حركة
فتح حينها فإن قرارات مسؤولي المجمّع الإسلامي بإنشاء حركة جهاد وطنية فلسطينية
لتشجيع المقاومة الشعبية ، لم تعدْ من أجل تحرير فلسطين من قبل (إسرائيل) ، و لكن
من أجل بناء مجتمعٍ على قدرة من الوعي الوطني لنفخ روح القتال و الشعور بالهوية و
الافتخار بها (53) .
و مع إنشاء حركة حماس فقد سعى
مسؤولو المجمّع الإسلامي إلى جسر الهوة بين الوطنيات الفلسطينية و الإسلامية
لادعائهم الذي فُهِم منه أن التقدّم لأيّ واحدة من الاثنتين هو عبارة عن تعزيز و
تجسيد للأخرى .
إن التحوّل عن تصوّر القومية
لدولة إسلامية عربية و قومية إقليمية إلى دولة وطنية فلسطينية بحدود جغرافية محددة
و الذي ميّز منظمات العصابات الفلسطينية في الستينات و "الإخوان المسلمين" في
الثمانينات ، فقد وافق أحدهما الآخر للهدف نحو تعميق الشعور الوطني و الميل و
الارتباط لجغرافيا محدّدة ، و هذا ما سيطر على الحركات ذات الطابع الوحدوي الإقليمي
أو الإسلامي الشامل في الشرق الأوسط العربي بعد 1967 ، و هذا النهج كان ثمرة العمل
نحو التجسيد و البلورة الداخلية للدول في المنطقة و اتساع البيروقراطية (التعقيدات
الإدارية) و مؤسسات السلطة التابعة لها و توطيد أنظمة مركزية بزعامة رجال العسكر ،
و كلّما تمركزت النخب الحاكمة في السلطة فإن قدرتهم على الحصول و التصرّف بالشعارات
و القيم القومية العربية تكبر و تتعزّز نحو التأويل و التفسير الذي يتناسب مع
مصالحهم و تساعد على تقوية أطماعهم لتقوية الولاء للحكم و الدولة على حساب الهويات
الإقليمية .
الجماعات
العربية تدمج في الأنظمة
إن فعالية الجماعات القومية
العربية المتطرّفة – مثل التنظيمات الفلسطينية – قد قمِعت بالقوة و أدمجت في النظام
السياسي من قبل النخب الحاكمة الأمر الذي أدّى إلى اختفاء عددٍ منهم أو دفعها إلى
العمل بسرية ، و مع ذلك فإن قوة التطلّع و الرؤية العالمية خاصة في أوساط الجماهير
المرتبطة بالشعور نحو التعاون و التكافل المستمدّ من الإسلام و العروبة بقيت حجر
عثرة أمام تطوّر الدول العربية كدولٍ وطنية و شكّلت تهديداً دائماً بالقوة على
حقّهم في التصرّف ككيانات مستقلة و ذات سيادة ، و من هذا الاعتقاد فإن وضع إيران و
تركيا – الإسلاميتان – تختلف إلى حدٍّ كبير بسبب هويتها الثقافية و الوطنية
الخاصتين .
و في معظم الدول العربية فقد
عانت المجتمعات الشرقية خلال الثمانينات من القيود المفروضة على التنظيمات و حرية
التعبير فقد بقيت الساحة الداخلية شاغرة أمام الحركات الإسلامية التي ازدهرت بفضل
شبكة المساجد و المؤسسات الدينية ، و بسبب اقتراب وسائل الإعلام من العمل في مجال
الوعظ الديني (54) .
لقد تجذّر النهج خاصة بعد عجز
الأنظمة العربية من إعطاء الإجابة المناسبة إلى المحن و الشدائد الاجتماعية و
الثقافية و الضغوطات الشعبية المتزايدة من جانب الحركات الإسلامية على النخب
الحاكمة و أدّت ببعض الأنظمة العربية مثل (الأردن ، تونس ، الجزائر و اليمن) إلى
الاستعداد لتبنّي النهج المصري الذي مكّن منذ السبعينات للديمقراطية المحدودة و
المراقبة و أساس هذه الديمقراطية هو حرية التنظيم السياسي و مشاركة المؤسسات
التمثيلية بصورة مؤقتة و جزئية حتى في السلطة .
فكلما ازدادت الإمكانية في
العمل السياسي المنظّم في نطاق القانون فإن الميل و التعاطي يزداد داخل التيار
المركزي للحركة الإسلامية في استغلال هذا التوجّه في العمل السياسي لتحقيق القوة و
التأثير ، من خلال الشرعيّة للدولة و حدودها الإقليمية باعتبارها ساحة في الحكم و
حدود طلبهم و توجّههم بصورة أكبر نحو تطبيق شامل لقيم الإسلام في حياة المجتمع و
الدولة (55) .
و هكذا فقد مهّدت الطريق نحو
التعايش بين التوجّهات الوطنية المحدّدة و المستندة على الدولة الإقليمية (القطرية)
بهدف أسلمة المجتمع ، مع ذلك فلم ينصهر التوتّر و العداء بين التوجّهات الوطنية
العلمانية و الدينية الإسلامية و قد واصلوا السباق الفكري و السياسي بين مندوبيهم
السياسيين ، فالصراع بين المجمّع الإسلامي و بين منظمة التحرير جرى في منتصف
الثمانينات و هي فترة بروز الوعي السياسي الفلسطيني في قطاع غزة و الذي شكّل
تحدِّياً لم يسبق له مثيل للزعامات الوطنية لمنظمة التحرير .
هوامش
41.عن أسباب إنشاء حركة حماس ،
انظر عدنان ص 138 - 137 الشراع لبنان 4 يناير 1993 .
42.برغوثي ، الأسلمة ص77 – 79
.
43.Report S atloff
,Islam in the Palestinian Uprising , Policy Focus , the Washington Institute for
Near East Policy ,No .7, 132-131 (October 1988),p.9
44.أنظر على سبيل المثال أحمد
بن يوسف حركة المقاومة الإسلامية حماس ، خلفيات النشأة المسير (حركة المقاومة
الإسلامية حماس خلفية النشأة و توجّهات العمل) (فيرت الينوي .ل.ت) ص34 - 35
البرغوثي ص80 - 81 .
45.ادعاء منظمة التحرير أن
(إسرائيل) معنيّة بإنشاء حركة حماس ، أنظر شيف فيعاري الانتفاضة ص 237 و مقابلة مع
سفير منظمة التحرير في الأردن عمر الخياط النهار , 18 يناير 1995 .
46.مؤسس حماس هم الشيخ ياسين ،
إبراهيم الباروزي ، عبد العزيز الرنتيسي ، محمد شمعة ، صلاح شحادة ، و عيسى نصار
"حماس الحقيقة و الوجدان" الجزء الأول ص 6 عدنان ص139 .
47.أنظر على سبيل المثال بند
14 الميثاق الوطني الفلسطيني (1968) .
48.يهوسباط هركيبي ، فتح
الاستراتيجية العربية (تل أبيب) ص 27 – 47 .
49.Yezid Sayigh , (The
Armed Struggle and Palestinian Nationalism ) , in:Sela and Moz (eds.), The PLO
and Israel pp.23-35 .
50.ميثاق حماس ، بند 6 ، حديث
الناطق باسم حماس ، إبراهيم العويس و الحياة 12 يناير 1993 .
51.وحيد عبد المجيد (محرر)
الانتفاضة الفلسطينية : السياق التاريخي و القوة الفاعلة المسار و المستقبل
(المستقبل العربي مجلد 11 مايو 1988 ص 8 - 10 .
52.عدنان ص 127 - 128 .
53.Bernard Lewis
,(Rethinking the Middle East ),Foreign Affairs ,(Fall,1992),p.115.
|