الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

عصر حماس

 

الحلقة السادسة

 

حماس و منظمة التحرير الفلسطينية

 

إن التعريف الجديد لأهداف منظمة التحرير الفلسطينية السياسية بأفكارٍ إقليمية مقلّصة قد عزّز من الجدل الفلسطيني الذي اجتاز الجماعات الوطنية و الدينية ، و أدّى ضعف الإمكانية للتنظيم في العمل العسكري ضد (إسرائيل) انطلاقاً من الدول المجاورة - نتيجة الواقع الإقليمي و الدولي الذي نشأ على ضوء حرب الغفران [حرب 73 - المترجم] ، و الذي أجبر منظمة التحرير على قبول حل لدولة فلسطينية في الضفة الغربية و قطاع غزة إلى جانب (إسرائيل) - إلى زيادة الاهتمام بالمناطق المحتلة باعتبارها ثروة سياسية من الدرجة الأولى ، خاصة مع اكتشاف التدخّل و الحضور السياسي المتزايد لمنظمة التحرير عن طريق بناء المؤسسات في الضفة الغربية و قطاع غزة و التي بدأت بعد حرب الغفران التي تسارعت بعد حرب لبنان و طرد أفراد منظمة التحرير من لبنان و وصلت إلى ذروتها مع اندلاع الانتفاضة .

 

و على خلفية سيطرة منظمة التحرير على الساحة السياسية الفلسطينية ، و ارتفاع أسهم المجمّع الإسلامي في قطاع غزة و التطوّر العام للتنافس مع التيار الوطني العلماني على قلوب الجماهير لتحديد توجيه المجتمع و السيطرة عليه من خلال المؤسسات و مراكز القوة الجماهيرية ، كانت مفاجأة و سابقة من حيث وضع التحدّي أمام الزعامات الوطنية.

 

خدمات الجماهير

و كان البعد الإقليمي المحلي ذا أهمية خاصة بالنسبة للمجمع الإسلامي و الذي ركّز منذ بدايته على العمل الجماهيري المحليّ من خلال تقديمه خدمات مدنية من خلال شبكة فعّالة انطلاقاً من القاعدة الاجتماعية و المساندة التبادلية و الهوية الأيدلوجية الاجتماعية الدينية ، و عملت هذه الشبكة كنظامٍ لتقديم الخدمات غير المتوفّرة أو التي لم يوفّرها الاحتلال (الإسرائيلي) .

 

إن الحاجة لهذه الخدمات المدنية قد ازداد خاصة منذ السبعينات التي تميّزت بالتدهور الاقتصادي في المناطق المحتلة على خلفية الأزمات الاقتصادية في (إسرائيل) و دول النفط و أيضاً من خلال سياسة الاستيطان المتسارعة في الضفة الغربية و قطاع غزة من قبل الحكومة (الإسرائيلية) و ترك الحكومة لمسؤولياتها اتجاه السكان الفلسطينيين ، فعلى ضوء هذه التطوّرات و نتيجة تدخّل منظمة التحرير , ازداد الشعور نحو التنظيم المدني في أوساط سكان المناطق و التي تجسّدت من خلال إنشاء جمعيات محلية خدماتية اجتماعية (الصدقات و التعليم) و نقابات مثل (العمال ، المعلّمين ، الأطباء ، النساء) بغالبيتها التي كانت محسوبة و مدعومة من قبل منظمة التحرير (56) .

 

و نجاح المجمّع الإسلامي في قطاع غزة كان جزءاً لا يتجزّأ من الظاهرة الاجتماعية الأكثر اتساعاً ، و استثناءاً لوجود تيّار غير فعّالٍ من الناحية السياسية و قد امتنع هذا التيار من الانتماء للتيار الوطني بقيادة منظمة التحرير .

 

و في ظلّ هذه التطوّرات تبيّن أن الازدهار التدريجي للمجمّع كهيئةٍ ذات نشاطٍ ديني تفتقر للبعد لسياسي قد ساعدت على حشد قوة جماهيرية منعت من الشعور بالتهديد و الخوف من قبل المنظمات الوطنية التابعة لمنظمة التحرير بوصفها المسيطرة .

 

و كما ذكر سابقاً فقد أسّس مسؤولو المجمّع الإسلامي للعمل الوطني و العسكريّ تدريجياً و أن الميل نحو تبنّي العمل بمضمونه الوطني و العسكريّ غذّاها الخوف من ضياع و فقدان الجماهير و التأييد الواسع من المؤيّدين بسبب الثورة الشعبية ضد الاحتلال (الإسرائيلي) ، و أيضاً خوفاً من تعزيز مكانة منظمة التحرير , فمنذ طرْد منظمة التحرير من لبنان أدّى إلى إضعافها كثيراً من الناحية السياسية و العسكرية ، و فقدت مكانها كرمزٍ للمقاومة الوطنية الفلسطينية لـ (إسرائيل) ، فهذا الضعف و الانخفاض الحادّ في الأعمال المسلحة لحركة فتح التيار المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية ، و في أعقاب الطرد من لبنان و النزاع بين منظمة التحرير و سوريا كلّ هذا قد عزّز الفهم داخل صفوف "حركة الإخوان المسلمين" أن منظمة التحرير قد اقتربت نهايتها لذلك فقد تبيّن ظاهرياً أن هناك إمكانية لأخذ عصا القيادة من منظمة التحرير للحركة الوطنية الفلسطينية لصالح الحركة الإسلامية .

 

تخلّي المنظمة عن الميثاق الوطني

إن خيبة الأمل من منظمة التحرير قد تعمّقت خاصة بعد تخلّيه عن مبادئه "الميثاق الوطني" على طريق التخلّي عنه عملياً ، كما تبيّن أن هناك استعداداً لدى التيار المركزي لتبنّي حلٍّ لدولة فلسطينية إلى جانب دول (إسرائيل) .

 

و برزت هذه الأهمية الخاصة بعد الحوار السياسي بين الأردن و منظمة و منظمة التحرير في السنوات 1983 – 1986 حول القبول بقرار مجلس الأمن 242 في نوفمبر 1967 و إنشاء كنفدرالية أردنية فلسطينية و اشتراك مندوبين فلسطينيين من المناطق المحتلة في المفاوضات مع (إسرائيل) .

 

لقد تسبّب الحوار مع الأردن إلى انقسامٍ بين فتح و معظم شركائها داخل منظمة التحرير و عبّرت عن تآكل و ضعف مكانة "الميثاق الوطني" كقاعدة أيدلوجية مشتركة بين الائتلاف السياسي و الوطني الفلسطيني (57) .

 

و شكّل ظهور حماس مع اندلاع الانتفاضة كحركةٍ مستقلة تدمج بين الإسلام و الوطنية الفلسطينية تحدّياً لمنظمة التحرير و مكانتها و صلاحيتها الاستثنائية الوطنية ، و على خلفية هذا الأمر فربما يكون هناك صحة في ادعاء رجال الحركة الإسلامية أن إنشاء القيادة الوطنية الوحدة في يناير 1988 كان ردّاً من المعسكر الوطني العلماني كتحدٍّ بظهور حركة حماس (58) .

 

و في صيف 1988 أعطت الانتفاضة إنجازات حقيقية لمنظمة التحرير من خلال مؤتمر القمة العربية الذي انعقد في الجزائر و الذي خصّص دعماً مالياً لمنظمة التحرير لتمويل اقتصاد الانتفاضة ، و في يوليو 1988 أعلن الملك حسين عن فكّ الارتباط مع الضفة الغربية و هكذا فقد مهّدت الطريق أمام نشر المقترح السياسي لشخصيات فلسطينية من القدس و الضفة الغربية برئاسة فيصل الحسيني الذين طالبوا بالإعلان عن دولة فلسطينية مستقلة و إقامة حكومة منفى . في حين أن القيادة الوطنية الموحّدة أعلنت عن مساندتها الكاملة لخطة فيصل الحسيني فقد أدانت حركة حماس هذه الخطة و وصفتها بأنها "طعنة في ظهر أطفال الحجارة" (59) ، إضافة إلى أن حماس قد أعربت عن احتياجها لإعلان الملك حسين حول ما يتعلّق بقطع الارتباط الإداري للأردن مع الضفة الغربية و التي هدّدت على وحدة الحركة الإسلامية على كلا الضفتين (60) .

 

و صرّح الشيخ أحمد ياسين بصورة علنية ضد الإعلان عن دولة فلسطينية و ادعى أن هذه الدولة ستؤدّي إلى انقسام الشعب الفلسطيني في الداخل و الخارج ، لكن الردّ الأساسي لحركة حماس كان نصاً مغايراً فكرياً و سياسياً للاقتراح السياسي لمنظمة التحرير بصورة "ميثاق لحركة المقاومة الإسلامية" (61) .

 

وثيقة تأسيس حماس

و في شهر أغسطس 1988 و بعد ثمانية أشهر لتأسيس حركة حماس أعلنت الحركة عن وثيقة تأسيسها تحت اسم " ميثاق حركة المقاومة الإسلامية (حماس)" و الذي احتوى على تجريد المبادئ الوطنية الفلسطينية لمنظمة التحرير و صهرها داخل المعتقدات و الأفكار الإسلامية (62) .. و حسب ميثاق الحركة فإن حماس هي "حركة شاملة" و أحد فروع "الإخوان المسلمين" في فلسطين (البند الثاني) ، و قد دعت إلى تحدّي "الميثاق الوطني الفلسطيني" التابع لمنظمة التحرير مع تأكيدها إلى ضرورة تغييرها بميثاق يحافظ على الثقة و الإخلاص دون التنازل عن المبادئ الوطنيّة الفلسطينية المتمسّكة بأمر الإسلام و ميراثه التاريخي ، و أن ميثاق حماس عبارة عن تأكيد لشعار حركة الإخوان "الإخوان المسلمين" : الله غايتنا و الرسول قدوتنا و القرآن دستورنا و الجهاد سبيلنا و الموت في سبيل الله أسمى أمانينا ( المادة الثامنة ) .

 

و إلى جانب الأهداف الإسلامية الشاملة لنصوص إنشاء سلطة إسلامية لصراع محاربة الظلم و الضلال ، فقد نصّت أهداف الحركة السياسية الاستراتيجية على أفكار وطنية فلسطينية واضحة و تتركّز في صراع من أجل تحرير الأرض الفلسطينية كاملة .

 

و قد اعتبرت أرض فلسطين على أنها أرض "وقف إسلامي مقدّس" و هي مقدّسة عبر الأجيال القادمة من المسلمين حتى آخر الزمان" .

 

و بذلك فقد أصبحت تشكل خاصية كاملة لا يمكن تجزئتها (البند الحادي عشر) لذلك فإن أي تنازل عن أيّ جزء من أرض فلسطين ممنوع حسب الشرع الإسلامي و تحت أيّ ظرف كان "لا يحقّ لأيّ دولة عربية بمفردها أو لجميع الدول العربية ، و لا يحقّ لأيّ ملك أو رئيس أو لكلّ الملوك و الرؤساء سواء أكانوا فلسطينيين أو عرباً ، (البند الحادي عشر) . و هذا البند في ميثاق حركة حماس و الذي يشدّد على التأكيد أكثر من أيّ إعلان من حيث منعه عن التنازل عن أيّ جزءٍ من أرض فلسطين و لهذا يعود السبب بمسيرة مفهوم الإقليمية التي مرّت على الحركة الإسلامية بانتقالها من التصوّر الإسلامي الشامل للتصوّر الذي يميل إلى الوطنية الفلسطينية الواضحة (63) .

 

بين الوطنية و الشرعية

إن التناقض الأساسي بين الفكر الوطني الذي يكرّس استقلالية الدولة و بين الشرع و القانون الإلهي فإن مسؤولي حماس يرجعون الأمر من حيث صياغة الصراع الوطني انطلاقاً من الأفكار الدينية ، فالوطنية أصبحت جزءاً لا يتجزّأ من مجموعة الولاء و الأوامر و هكذا فقد اعتبرت على أنها "حركة فلسطينية خالصة" و التي تعتبر الوطنية جزء من الإيمان الديني ، و خلافاً لحركات وطنية أخرى فإن ادعاء حماس الخاص الذي ينشأ من خلاله ارتباطاً بالمصادر المادية الإنسانية أو الإقليمية و أيضاً بالإيمان الروحي ، لذلك "لا يوجد في الوطنية أيّ شيء ذا أهمية أكثر من (الجهاد ضد العدو و التوحّد ضده) في حالة كون العدو يقف على أرض إسلامية ، (البند الثاني عشر) و الهدف منه هو رفع راية الله فوق كلّ شبر من أرض فلسطين (البند السادس) .

 

و بما أن فلسطين هي مشكلة إسلامية عامة فإن حماس تدمج بين الوطنية فيها مع الميثاق الديني ، و هي ترى بحرب العدو الذي يهدّد أرض المسلمين كفرض عين و أكثر قدسية على كلّ مسلم : الرجل ، المرأة و العبد (البند الثاني عشر و الخامس عشر) ، و أيّ حلّ سياسي للنزاع الفلسطيني يعتبر عملاً ضد الإسلام و من هنا فإنه ليس هناك حلّ للنزاع الفلسطيني (الإسرائيلي) إلا الجهاد .

 

إن تحرير فلسطين قد اعتبر بمثابة المهمة الملقاة على ثلاث محاور مركزية و هي الشعب الفلسطيني ، الدول العربية و الدول الإسلامية و هكذا فقد تبنّت حماس هاتين الفكرتين و اللتين تلقيان رواجاً في العالم العربي – الوطنية الضيقة [غير مفهوم الدولة العربية الشاملة القومية - المترجم] لدولة إقليمية (وطنية) و وطنية قومية عربية – و هي ذات القيمة من حيث الشرح الإسلامي حسب الأيدلوجية الخاصة بحركة حماس : فكلتاهما ضرورية و لا يمكّن الأمر بدونهما ، فالطابع المركزي للنظرة الوطنية لحركة حماس الذي اعتبر مشكلة فلسطين بأنها أمر عربي إسلامي ، و بذلك فقد مهّدت الطريق أمام حماس لتراقب و تحذّر من الانحراف الوطني العلماني لمنظمة التحرير و سواء أكانت النماذج المقبولة من العالم العربي أو من صفوف العالم الإسلامي (البند الخامس عشر) (64) .

 

و على الرغم من التشابه بين هذين التوجّهين ، يبرز الفرق بين المكانة التي أنيطت لهن من خلال واضعيها ، فالميثاق الوطني الفلسطيني حدّد نصيّاً من خلال مصطلحات وطنية و مدنية قانونية , و قد حدّد أحد بنودها و هو البند الـ (33) بالتفصيل أنه من الممكن تغييرها بأغلبية الثلثين من قبل أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني و في المقابل فإن ميثاق حماس مرتبط بمبادئ و مواثيق مشبّعة بالقداسة الدينية الأزلية ، دون وجود إمكانية للتغيير .

 

ميثاق حماس و ميثاق المنظمة

إن ميثاق حركة حماس يختلف عن ميثاق منظمة التحرير ، فميثاق حماس ينصّ على التقاليد الاجتماعية التي تشمل مسائل مثل مكانة المرأة و وظيفتها في المجتمع و الصراع الوطني و أهمية التعليم للجيل الناشئ و قيمه الدينية و مكانة النهضة و الأدب و شؤون الساعة التي تساهم في حملة التحرير ، و الالتزام و التعاون الاجتماعي الاقتصادي و مساعدة الضعفاء و الفقراء و حقوق الإنسان في المجتمع الإسلامي و العلاقة مع أبناء الديانات الأخرى .

 

و يعتبر ميثاق حماس مليئاً بالعلاقات التاريخية لما يتعلّق بالمواجهات المتواصلة بين الحضارة الغربية و الإسلامية ، و مكانة اليهودية و الصهيونية على أنها جزء لا يتجزّأ و ربما مركزي ، و هجوم الغرب على العالم الإسلامي في العصر الحديث .

 

و قد فاقم ميثاق حماس من العلاقة المقابلة من خلال الأوساط العربية اتجاه اليهود من خلال تشجيعها لادعاءات لا سامية المستندة على "بروتوكول حكماء صهيون" بادعاء المؤامرة اليهودية الغامضة للسيطرة على العالم من خلال خطة محدّدة و بواسطة منظمات سرية تعمل من خلال هوية غامضة . (ملحق ب) .

 

و من الممكن الاعتقاد أنه و بسبب النزاع مع التيار الوطني العلماني و مواقفها المكافحة الرافضة لسياسة منظمة التحرير و الرفض بإصرار أيّ حوار و تعاون مع منظمة التحرير و أيّ اعتراف به , و سترفض مع مرور الأيام الاعتراف بالسلطة الفلسطينية كهيئة وطنية شرعية ، لكن حركة حماس أعلنت أنها ستكون على الاستعداد التام للاعتراف بمنظمة التحرير إذا ما تبنّت الإسلام كنظام حياة (البند السابع و العشرين) .

 

و في حالة عدم تبنّي منظمة التحرير للإسلام و تغيير طريقه السياسي و فكره العلماني , فقد أظهرت حماس حرصها على قرابة الدم و الارتباط الوطني المشترك الذي يربط بين النشطاء الوطنيين من كلا الحركتين المتنافستين ، لذلك فقد أكّدت حركة حماس في ميثاقها على القومية المشتركة في صراعهم ضد العدو (الإسرائيلي) و من أجل هدف واحد .

 

إن الحاجة للتعايش مع منظمة التحرير قد تمّ توضيحه و الإعراب عنه من حيث التاريخ الطويل لعصر الإسلام ، و الحاجة للامتناع عن حرب الأخوة (فتنة) .

 

إن سعي حركة حماس للوصول إلى مكانة سياسية مركزية و أخلاقية فلسطينية شاملة تدعو إلى تحدّي منظمة التحرير قد جاء من خلال التعبير و العرض لأهداف استراتيجية بعيدة المدى إلى جانب أهداف عملية فورية ذات ارتباطات مباشرة مع الوضع و الحالة الجماهيرية السياسية الفلسطينية خاصة لما يتعلّق بالصراع من أجل تحرير فلسطين من نير الاحتلال (الإسرائيلي) ، و هذه الأهداف شملت المعارضة و المقاومة للاستيطان اليهودي في المناطق و سياسة الإبعاد و الاعتقال الاداري و السلوك الوحشي ضد المواطنين الفلسطينيين ضمن حياتهم اليومية من منع توحيد العائلات و تحرير المعتقلين و الأسرى و تخفيف عبء الضرائب عن كاهل السكان الفلسطينيين (65) .

 

معضلات حماس

إن تبنّي القيم و المفردات الوطنية الفلسطينية قد وافق الهدف الذي وضعه زعماء حماس لأنفسهم بأن يكونوا البديل الاجتماعي و السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية ، ليصبحوا البديل الاجتماعي و السياسي لمنظمة التحرير حتى مع بذلهم جهداً لتواضع هذا الهدف لأسباب تكتيكية (66) .

 

إن طموح حماس لزعامة فلسطينية شاملة أجبرتها على السعي لتلبية حاجات المجتمع الفلسطيني و قد أثبتت حماس أنها مصغية للحاجات الأساسية و للمشاكل اليومية لمختلف طبقات المجتمع و في نفس الوقت فإنها تتخذ موقفاً واضحاً من المسائل الوطنية المتعلّقة بمستقبل الجماهير الفلسطينية من الناحية السياسية و لمن هم يخضعون للاحتلال (الإسرائيلي) و من هم خارجه .

 

إن نقل مركز الثقل في الحركة الإسلامية الفلسطينية من العمل نحو البناء من قاعدة المجتمع الإسلامي إلى خطة العمل السياسي بأهداف وطنية من خلال وسائل معروفة من أجل التوصل إليها هي ظاهرة معروفة في تاريخ الحركات الأيدلوجية ، و كلّما تركّزت هذه الحركات إقليمياً و جماهيرياً فإنه من المطلوب منها عمل برنامج عمليّ لحلّ المشاكل اليومية و توفير الاحتياجات الحقيقية ، و كلما اتخذت هذه الحركات قرارات في الشؤون اليومية فإنهم يتحمّلون المسؤولية لنتائج هذه القرارات .

 

و منذ البداية فقد شكّل هذا نموذج للعمل الجماهيري للحركة الإسلامية ففي المجتمع الإسلامي و بعض الأحيان عند حماس شكّلت هذا القاعدة الأساسية لبناء قوة سياسية محلية , و شكّل أيضاً تعبيراً بالاعتراف الجماهيري كعنصر حاسم في بلورة الاستراتيجية و بناء قاعدة لمجتمعٍ مدني ، و بقي هذا النهج حتى بعد إنشاء حركة حماس و حتى أن أهمّيتها قد ازدادت في أعقاب اتفاق أوسلو و إنشاء السلطة الفلسطينية .

 

تنوّع الأعمال

مع أن الحركة الإسلامية هي سنّية فقد تنوّعت حماس بأعمالها بتناسب مع الحركات الوطنية من خلال بناء مؤسسات رسمية لتجنيد الجماهير ، و الحركات الإسلامية السنيّة بأغلبها تتصعّب في العمل من خلال النطاق الهيكلي للسلطة المتناقضة مع أساس المساواة و الانفتاح في التفسير القانوني لرجال الدين (العلماء) و لجماعة المؤمنين المسلمين (الأمة) بأجمعها ، فالعمل في نظام مفاهيم السلطة التي تهدّد النموذج المعياري و هي المرجعية الدينية المستندة على التبحّر و التعميق و الاتفاق العام (الإجماع) عدم الاعتراف الرسمي من جانب جمهور المؤمنين ، و التي هي ذات أهمية من حيث القانون الإسلامي السني (67) و أن هذا الأمر معقّد خاصة بالأمور المتعلقة بالمسائل العامة و المسائل السياسية الواقعية و التي لا يحسمها الشرع الإسلامي بوضوح ، و بغياب و فصل الدين عن الدولة تصبح مسائل مثل هذه موضوع للتفاسير الدينية خاصة و جماعية , الأمر الذي يضع احتمالات لانهائية لإنكار الشرعية للمرجعية السياسية الرسمية من خلال استخدام تفاسير و تعاليل إسلامية للتقاليد القديمة التاريخية للفترة الإسلامية الكلاسيكية الأولى .

 

إن السعي للوصول إلى مكانة من السيطرة و القيادة الجماهيرية من خلال الوعود و الالتزام بتقديم المصالح الوطنية الفلسطينية الخاصة عن طريق التمسّك بالإسلام قد وضع حركة حماس أمام معضلات صعبة ما بين الالتزام بالأوامر الدينية و ما بين متطلّبات الواقع .

 

إن هذه الصعوبات قد أزعجت حركة حماس منذ ولادتها في بداية الانتفاضة و قد ازدادت هذه الصعوبات بصورة كبيرة بعد الاتفاق بين (إسرائيل) و منظمة التحرير في شهر سبتمبر 1993 و إنشاء السلطة الفلسطينية في غزة و أريحا في يونيو 1994 .

 

إن حقيقة القرار بإقامة حماس و جهودها بالوصول إلى مركز المسرح السياسي الفلسطيني من خلال الاعتراف بتحصين مكانتها و تأثيرها داخل الجماهير الفلسطينية بالتنافس مع منظمة التحرير ، إضافة إلى السلطة الفلسطينية الأمر الذي اضطر حماس للتصرّف إلى حدٍّ ما من المرونة في العلاقة التي لا تقبل الصلح أو التسوية مع (إسرائيل) ، و لكن الاستعداد لتقبّل و التسليم مع الواقع ، هذا النهج من قبل حركة حماس قد ساعد في مواصلة عملها الجماهيري و امتلاك التأثير و تقوية مكانتها في المجتمع الفلسطيني ، و لكن تبنّي مثل هذه الاستراتيجية قد عرّض حركة حماس لخطر خاصيتها كمعارضة لمنظمة التحرير ، و السلطة الفلسطينية ، و زيادة هذا الخطر من خلال الانقسام في صفوف الحركة على خلفية أيدلوجية ، و إن فقدان هذه الخاصية و زيادة الخطر و عدم الاستقرار الداخلي ربما يؤدّي إلى تفتيت الحركة من الداخل و التسهيل على السلطة الفلسطينية لقمعها بصفتها معارضة للسلطة .

 

الالتزام بالمبادئ

و على نفس المدى فإن التمسك و الارتباط بالنهج الديني ربما يضع التوتّر و الشكوك ، فتبني مبدأ الشريعة المعلنة من قبل حركة حماس أشارت إلى ترابط منطقي "للتقاليد الكبيرة" لحركة حماس . و هكذا فقد عزّزت حركة حماس من التزامها و مبادئها في أوساط مؤيّديها و معارضيها على حدّ سواء .

 

لكن هذا التمسّك المنطقي الذي لا يقبل التنازل لمبادئ الشريعة و كما هي عليه المعارضة المطلقة لمسيرة السلام ربما يؤدّي إلى مواجهة مع تطلّعات فلسطينيين كُثر خاصة الذين في قطاع غزة و الذين ينتظرون الخلاص من الضوائق الاجتماعية و الاقتصادية و التحرّر من نير الاحتلال (الإسرائيلي) ، و في نفس الوقت ربما يؤدّي إلى زيادة طوفان سفينة حماس إلى حقبة من الزمن ، لكن ليس لديها الأمل الكبير بالوصول إلى شاطئ الأمان . و التبلور السياسي في مقابل ذلك يحتمل أن يؤدّي إلى زيادة الأمل حتى لو كان الثمن هو التعرّض للخطر الكبير .

 

ازدياد المعضلات

لقد ازدادت المعضلات لدى حركة حماس باعتبارها حركة وطنية دينية خاصة جرّاء تمويه و غموض الحدود الاجتماعية و الفكرية التي بينها و بين فتح التيار المركزي في منظمة التحرير الداعمة الرئيسية للسلطة الفلسطينية ، على الرغم من أن كلتا الحركتين تتمتّع بجمهور واسع و متنوّع من الناحية الطبقية الاجتماعية .

 

و قد استمدّت كلتا الحركتين مؤيّديهم بالدرجة الأولى من الطبقات الشعبية داخل الجمهور الفلسطيني و من أصحاب القيم الاجتماعية المنغرسة عميقاً بالتقاليد الإسلامية بصفتها الجماعية المتمثّلة بطابع الانتماء التنظيمي غير الرسمي من الناحية السياسية ، و ربما أن حركة حماس مثلما هي عليه حركة فتح بتميّزهم في القدرة على إعطاء تفاسير مفصّلة عن الواقع للحدود الاجتماعية و الفكرية الذين من المتوقّع أن يشكّلوا خطوطاً واضحة للفصل بينهم .

 

إن هذا التعبير في تمويه الحدود من الممكن أن نجده في إنشاء "سرايا الجهاد الإسلامي" الذين عمِلوا ضمن صفوف فتح في النصف الثاني لسنوات الثمانين و أن هذه الحدود المموّهة هي التي أدّت إلى الاعتقاد أن حماس و منظمة التحرير علاوة على تنافسهم فإنه يكمّل كلاً منهم الآخر (68) .

 

كيف تغلّبت حماس على المعضلات ؟

كيف تصرّفت حماس اتجاه المعضلات الداخلية الطارئة ؟ و كيف نجحت الحركة في التقدّم بمصالحها السياسية دون التضحية بمعقداتها و وحدتها ؟ و كيف تأثّرت بنماذج العمل التاريخي في الساحة السياسية ؟ و كيف فسّرت الحركة الاختلاف بين الشرع الإسلامي – الوطني و بين السلوكيات العملية ؟ و إلى أيّ مدى نجحت في تبرير الانتقال في مكانتها للنزاع مع (إسرائيل) ، و موقفها من ناحية التشبث بدولة إسلامية على جميع الأراضي الفلسطينية و رفض تامٍ لأي تنازل أو تسوية على جزء من الأرض و الانتقال إلى الفرضية الجذرية و المدروسة التي تضع احتمال إمكانية تسوية (إسرائيلية) – فلسطينية في المستقبل و هذه الفرضية مرتبطة بالانحراف و الميل على تعاليمها المعلنة ؟

 

إن المبدأ الذي أرشد على ردود حماس تجاه المعضلات استند على الاعتقاد أنه يجب قدر الإمكان تبرير الحاجة للحوار السياسي ، و إن الإدراك من خلال السكوت أو التعاون العملي مع منظمة التحرير بمصطلحات نموذجية – هي عمل صحيح – و هكذا يقلّ الخوف من أعضائها و مؤيّديها من أن يتّهموها بالانحراف عن الحلم النهائي و يقلّ الخطر نحو التمزق الداخلي و التفكّك التنظيمي .

 

على كلّ حال فإن التسليم و التعاون مع منافسيها السياسيين الداخليين فقد حرصت حماس على أن تبقي لنفسها طريق العمل العسكري ضد (إسرائيل) مفتوحاً من أجل استخدامه من وقت لآخر كشهادة و فريضة واضحة و لا لبس فيها للتشبث بتعاليمها الوطنية الدينية .

 

إن تحليل السلوك السياسي لحركة حماس بحاجة إلى اختبار "ثلاثي" من حيث العلاقة المتبادلة بينها و بين الساحة الفلسطينية بمركزها منظمة التحرير و بعد ذلك السلطة الفلسطينية و يتمّ عن ذلك العلاقة بينها و بين (إسرائيل) .

 

و من خلال مناورتها بين هذين القطبين و هي المنافسة الداخلية و العدو الخارجي فقد أدمجت حماس بين المبادئ الأساسية مع التفسيرات السياسية الآنية و قامت بالفصل الواضح بين الحلم بعيد المدى و بين الاحتياجات ذات المدى القصير ، من خلال التمسّك بتعاليمها المعلنة و المتساوية مع الاستعداد لليونة و المرونة السياسية و صور التكيّف السياسي لمفهوم العنف الخاطئ للرقابة و التعايش من خلال المفاوضات ، و الاندماج المنتظم في المؤسسات التابعة للسلطة الفلسطينية حيث أصبحت علامات الاعتراف السياسي للمعارضة السياسية من قبل حماس .

 

و من أجل أخذ فكرة للمدى الذي أصبحت به هذه الأمور و الصور مستخدمة من قبل حماس علينا النظر إلى وزن و أهمية التيارات الفكرية و الأسباب الاجتماعية و الاعتبارات السياسية التي شكّلت الاستراتيجيات المقاومة لحركة حماس ، إضافة إلى النظر بالتقدير إلى الاختبارات التي وقعت أمامها خلال نشاطها في أوساط سياسية نشطة و فعالة كانت قد تمرّست من خلال العمل ما بين (إسرائيل) و منظمة التحرير من أجل إنهاء حالة الحرب بينهما على أساس الاعتراف المتبادل و الحلّ النهائي السياسي بين (إسرائيل) و السلطة الفلسطينية .

 

الهوامش

 

  1. هيلل فريش "من الكفاح المسلح للتجنيد السياسي" : تغيّرات في استراتيجية منظمة التحرير في المناطق المحتلة : جيلبر و آشر ساسر (محرّرين) بعين الصراع : الانتفاضة ص 48 – 58 .

  2. (أنس عبد الرحمن) القضية الفلسطينية بين ميثاقين : الميثاق الوطني الفلسطيني و ميثاق حركة المقاومة الإسلامية (حماس) (الكويت مكتب بريد البيان 1989 ص 69 - 75) .

  3. عدوان , ص 138 القيادة الوطنية الموحّدة شملت فتح و الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين و الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين و الحزب الشيوعي .

  4. بيان حماس 18 أغسطس 1988 .

  5. بيان حماس 30 يناير 1989 , النهار (القدس) 15 أكتوبر 1992 .

  6. القدس (القدس) 22 نوفمبر 1989 .

  7.  مقارنة موثّقة بين الوثيقتين ، أنظر القضية الفلسطينية بين ميثاقين ص 23 – 65 .

  8. Hillel  Fricsh ,(The Evolution of  Palestinian Nationalist Islamic Docrtine :Terrioria A Universal Religion ) Canadian Review in Nationalism , Vol .21,1-2 (1994) ,pp.51-53

  9. M.I.Kjorlien ,(Hamas in Theory and Pacitice ,)Arab Studies Journal , Vol . 1,2 (1993),p.4.

  10. برغوتي ألا سلمة ص 80 .

  11. أنظر في الكتاب الفصل الرابع .

  12. Islam , Democracy ,the State and the West ,p 19, Abu-I-ALA Mawdudi(Political Theory of Islam ),in :John J.Donohue and John L .Esposito (eds), Islam in Transition : Muslim Perspectives (New York : Oxford University Press ,1982 ), p.254 .

  13. برغوتي ألا سلمة ص 66 . عن ميول و ارتباط فتح بالإسلام , أنظر :Matti Steinberg , (the PLO and Palestinian Islamic Fundamentalism ), The Jerusalem Quarterly , No .52 (1989), pp.37-54.