الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

كتب وإصدارات

إعداد : نافذ أبو حسنة

الحلقة الحادية عشر

 

 

الحرم القدسي الشريف ( 2 )

 

المسجد الأقصى ،داخل الحرم القدسي الشريف، ومثلما لا خلاف على القداسة ،فلاخلاف على الموضع  أيضا ..وإنما هو اختلاف على من بنى وشيّد ،ذلك أن القداسة والموضع ،هما من اختيار إلهي ،وإرادة ربانية .

 

وإجماع الآراء أن المسجد بني داخل الحرم في العهد الأموي ،سنة اثنتين وسبعين للهجرة ،تدل على ذلك لوحة محرفة ،أما البناء الحالي فمن أعمال الملك عيسى ابن العادل ،بعد تحرير القدس من أيدي الفرنجة ، وقد جدد فيه الناصر بن قلاوون ،ثم الملك قانصوه الغوري ،ورمم مرارا .

 

الاتفاق على أن البناء تم في العهد الأموي يتبعه خلاف ،فالبعض ينسبه إلى الخليفة عبد الملك بن مروان ، والبعض الآخر إلى ابنه الوليد بن عبد الملك .وأرجح الآراء أنه شرع في البناء زمن عبد الملك ، وتابعه الوليد ،مضيفا بعض الزخارف من رخام وفسيفساء .

 

ويعتمد المؤرخون في نسبة البناء إلى عبد الملك أن مخطط الأقصى الأموي ،كان يقوم على أساس البلاطات المتعامدة مع القبلة ،الأوسط منها واسع ومرتفع عن بقية البلاطات المجاورة له ، وهو تخطيط قريب الشبه بمخطط الكنائس ،البيزنطية ،على خلاف جامع دمشق الأموي ،وجوامع الشام الأخرى التي تتجه بلاطاتها موازية لجدار القبلة .ولو أن الوليد هو الذي بنى المسجد الأقصى لأقامه على شاكلة مسجد دمشق ،الذي كان  له يد في تصميمه بهذا الشكل المغاير لما قبله من المعابد .

 

والحق أن المسجد الأقصى يمثل نمطا جديدا في العمارة الإسلامية،وهو ما جعله يتصف بميزات وخصائص معمارية ،لم تكن شائعة من قبل ، ومن هذه الميزات خلو المسجد الأقصى من الصحن ،أو الفناء الداخلي المكشوف وهذا من الأمور النادرة في المساجد التي شيدت منذ صدر الإسلام ،وحتى العصر العباسي، التي يعتبر الصحن المفتوح من خصائصها الأساسية.كما أن محرابه لا يتوسط جدار القبلة ،وبذا يشذ عن القاعدة العامة لأغلب المساجد الإسلامية ،التي روعي فيها توسط المحراب لجدار  القبلة .

 

وبلاطات المسجد ،متعامدة  مع القبلة وليست موازية لها .وبهذا كله يكون المسجد الأقصى قد تميز عن أغلب مساجد العصر الأموي كما أن المسجد على الشكل الذي بني عليه في ذلك العصر ،بلاطه وسطى واسعة ، وإنما كانت مساوية ومشابهة لبقية البلاطات وذلك لخلو المسجد من القبة في حينها ، وقد يكون عدم وجود قبة في المسجد الأقصى راجعا إلى الرغبة في إبراز قبة الصخرة القريبة منه.

 

 عام مئة وثلاثين للهجرة ، وقع زلزال ،أدى إلى تهدم الأقصى الأموي ،فأمر أبو جعفر المنصور بترميمه سنة مئة وأربع وخمسين ،ثم تعرض لزلزال أخر عام مئة وثمانية وخمسين ،فأمر المهدي بإعادة بنائه.

 

ويبدو أن أجزاء الأقصى الأموي بقيت ، وأدمجت في مخطط الأقصى العباسي، ومنها البلاطة الوسطى واثنتان على جانبها .

 

واستحدت المهدي سنة مئة وثلاث وستين ،توسيعا في البلاطة الوسطى بعد الاستغناء عن صف من الدعامات كان يتوسط بيت الصلاة ،وغطاها بسقف جملوني ضخم يعلوه منور لإدخال الضوء ، وقبة خشبية مزدوجة مغلفة  بصفائح من الرصاص من الخارج ، مزينة بالجس من الداخل ، وحسب أوصاف الرحالة ،فقد كان للأقصى العباسي رواق من الجهة الشمالية ،يتقدم أبواب المسجد .

 

أما الأقصى في العهد الفاطمي ،فمحل خلاف فمن قائل أنه تهدم جراء زلزال وقع عام أربعمئة  وأربعة وعشرين للهجرة ،وإن الخليفة الفاطمي الظاهر ،قام بإعادة بنائه ، وحوله من مسجد كبير مؤلف من خمس عشر بلاطة إلى أربع بلاطات فقط، إلى قائل بأن الزلزال الذي وقع في التاريخ المذكور ،لم يطل الأقصى ،وأن الخليفة الفاطمي قام بأعمال تجديد وترميم فقط ، وربما تكون اقتصرت على بناء القبة من جديد ،بحسب كتابه أوردها الرحالة الهروي حين زار ،المسجد سنة خمسمئة وتسع وستين للهجرة ،أثناء وجوده تحت احتلال الفرنجة .

 

غاب الحديث عن الأقصى زمنا طويلا ،أثناء الاحتلال الفرنجي ، وفيما أشار الهروي إلى أن الفرنجة لم يحدثوا تغييرا فيه ،يتحدث العماد الأصفهاني كاتب صلاح الدين عن تغييرات واسعة حدثت في المسجد .ويقول شهاب الدين المقدسي .نقلا عن العماد ،كانوا قد بنوا من غربي القبلة دارا وسيعة وكنيسة ،فأوعز صلاح الدين بهدم ذلك الحجاب وهدم ما قدامه من الأبنية ،ونقض ما أحدثوه بين السواري ، وأمر صلاح الدين بتعمير المحراب وترخيمه ،واحتيج إلى منبر فذكر السلطان المنبر الذي أنشأه الملك العادل نور الدين محمود لبيت المقدس قبل فتحه بنيف وعشرين سنة ، وأمر أن يكتب إلى حلب ويطلب فحمل"

 

لا يزال المحراب قائما ،أما المنبر الذي ظل يزين الأقصى كأحسن منابر الإسلام ،فقد أحرقه الصهاينة سنة ألف وتسعمئة وتسع وستين. يعتبر الوصف الذي قدمه مجير الحنبلي ،سنة تسعمئة للهجرة ،للمسجد الأقصى قريبا مما هو عليه المسجد اليوم ،إذ أن كل الإصلاحات التي جرت لاحقا ،لم تؤد إلى إحداث تغيير في عمارته ، ويجدر أن نذكر أن أعمال الفسيفساء التي أشرف على ترميمها المهندس التركي كمال الدين ،أوائل القرن العشرين ،كشفت عن فسيفساء تعود إلى العهد الفاطمي ،فريدة من نوعها ،خص بها الفاطميون المسجد الأقصى ، وليس لها مثيل في هذا العصر أو العصر الأيوبي ،أما العناصر الزخرفية الأخرى نفقد بقيت هي ذاتها التي كانت في العصور الأموية ، والعباسية والفاطمية ، وحتى في العهد المملوكي ، والمسجد الأقصى حاليا ،يبلغ طوله ثمانون مترا وعرضه خمسون ،له بابان من الجهة الغربية وواحد في الشمال وأخر في الشرق .تعود الأبواب الشمالية للعهد الفاطمي ، وتشكل البوابة الرئيسية رواقا مؤلفا من سبع فتحات تعلوها أقواس منكسرة والفتحة المتوسطة هي أكثرها زخرفة ، وتعلوها أخرى مقوسة في أعلاها جبهة عالية ذات شراشيف ، وعبر هذه الفتحات نجد رواقا زين برخارف ملونة وللرواق أبواب سبعة تعود إلى المسجد ،ويقود الباب الأوسط منها إلى المحراب ، ولقد غطي بجمالون ممتد بالعمق حتى القبة ،وزين سقفه من الداخل بالزخارف الملونة.

 

ويبلغ عدد الأعمدة ثلاثة وخمسين عامودا تعلوها تيجان مقرنصة عدا العضادات ،ترتفع الأعمدة والتيجان لخمسة أمتار وعلى جانبي البلاطة الوسطى تقوم على الأعمدة قناطر ارتفاع قمتها عن الأرض تسعة أمتار ونيف وفوق هذه القناطر يقوم جسم ذو فتحات مقنطرة ارتفاعها عن الأرض تسعة أمتار ، وثمانون سنتيمترا ، وارتفاع الفتحة متران ،أما ارتفاع السقف فأثنا عشر مترا وأربعون سنتيمترا ويبلغ ارتفاع القبة عن الأرض سبعة عشر مترا وفي الجهة الشرقية من المحراب يقوم مسجد عمر ،و مقام الأربعين شهيدا ومحراب زكريا ، ومن الجهة الغربية يتصل المسجد بجامع النساء أما زخارف المسجد ،فأروع ما بقي منها الألواح الخشبية المحفورة والمزخرفة بالحفر النافر بعناصر نباتية من أرواق الكرمة والأغصان .

 

هذه الألواح موجودة الآن في متحف الحرم الشريف ،مصنوعة من خشب الصنوبر،وكانت تغطي أسفل الجدران بشكل قائم،ولم تكن في سقف المسجد، وهذا أمر فريد في عمارة الأقصى أما التحفة المعمارية المذهلة بحق فقبة الصخرة المشرفة.