|
إعداد :
نافذ أبو حسنة
الحلقة
الثانية عشر
الحرم القدسي الشريف ( 3
)
قبة الصخرة ..لعلها قمة
القداسة ، التي دفعت نحو البحث عن نموذج معماري مكتمل ،يتساءل آثاري عربي معروف هو
الدكتور عفيف بهنسي عن السبب الذي دعا المعماريين :رجاء بن حياة الكندي ،ويزيد بن
سلام ،إلى اختيار هذا الشكل الثماني ،لبناء آبدة تكريمية تحضن الصخرة المقدسة ،أو
هي بناء تعبدي ،مسجد، أو قبلة للصلاة؟ يتساءل قبل أن يجيب:
لقد وصلت قبة الصخرة إلى أقصى
حدود الكمال المعماري ..ولكن أهمية هذه القبة ، وقد أصبحت أهم رمز إسلامي بعد
الكعبة تبدو في احتوائها على معان قدسية رسخت أسس الفكر المعماري الإسلامي ، وكانت
أصلا يقتدى في العمارة اللاحقة .
بنيت القبة في العهد الأموي
وتاريخها المعماري والفني واضح لا لبس فيه ،إذ حافظ هذا البناء على وضعه الأصيل
بشكل يندر مثاله بين العمائر التاريخية الأخرى في العالم .
لم يتغير مخططه ، ولم تتبدل
بنيته الأصلية أو عناصره المعمارية ، وكل ما طرأ عليه خلال تاريخه الطويل ،إصلاحات
طفيفة تناولت الكسوة الخارجية والعناصر الزخرفية ،حرصا من العرب المسلمين في كل
العهود على بقاء هذا البناء المكرم في أجمل حلة وأبهى منظر.
لا شك أن صخرة المعراج كانت هي
المنطلق ..وكان الهدف من المشروع العناية بها وإحاطتها بالإطار المعماري اللائق
،فكانت القبة هي أنسب شيئ وأجمله ..ومن القبة التي تضم الصخرة وتظلها انتقلت الفكرة
نحو التكامل .
وهكذا من عامل الحاجة ،
والعامل الفني ،ظهر إلى حيز الوجود مسجد الصخرة بمخططه الفريد و مظهره البالغ غاية
الجمال والتناسق الذي ترتاح النفس إليه أشد الارتياح.
والذي قال عنه المؤرخ بوركهارت
:"إن إشادة بناء بهذا المستوى من الكمال والإتقان الفني ،يعتبر عملا خارقا في دولة
الإسلام التي لم يكن قد مضى على ظهورها قرن واحد" أمام عظمة هذه الآبدة وجمالها
"سعى كثيرون إلى مقارنتها بأبنية أخرى سابقة مثل قبة القديسة هيلانة في إيطاليا
،ولكن قبة الصخرة أكدت على الدوام فرادتها وطرازها المعماري الخاص ،الذي وجد فيه
كريزويل استاذ العمارة الإسلامية ،تناسبا لا متناهيا وانسجاما فوق العادة في كل
جوانب البناء ،فقال :أن هذا أمر ملفت للنظر حقا.
يتألف مسجد الصخرة من جدار
خارجي ،شكله مثمن منتظم ،طول ضلعه عشرون مترا وسطيا وقطره خمسون ،يليه مثمن مصغر
،طول ضلعه خمسة عشر مترا ،وقطره أربعون ثم تأتي دائرة القبة ، وقطرها عشرون مترا
،يحدث المثمنان حول القبة رواقين ،الداخلي وعرضه عشرة أمتار والخارجي وعرضه أكثر من
أربعة أمتار.
أما من حيث الارتفاعات ،فتندرج
من اثني عشر مترا في الجدار الخارجي ،وتنتهي بخمسة وثلاثين مترا عند رأس القبة
باستثناء الهلال الذي يرتفع أربعة أمتار أخرى.
أقيمت القبة على الصخرة
المكرمة التي ترتفع قرابة متر ونصف المتر عما حولها ، وتقدر أطوالها الأعظمية
بثمانية عشر مترا طولا ، وثلاثة عشر عرضا.
وتتألف دائرة القبة من أربع
دعائم حجرية مستطيلة ،يتوزع فيما بينها اثنا عشر عمودا من الرخام،تعلوها قناطر
بعددها ،أي ست عشر قنطرة ،نصف دائرية الشكل، فوقها رقبة القبة ، أو كرسيها، كما
سماه القدماء .وهي اسطوانية الشكل تنفتح في أعلاها ست عشرة نافذة .
وتغطي الرقبة طاسة القبة
،المصنوعة من طبقتين من الخشب بينهما فراغ ، والهدف من هذا الشكل ،أي بناء طبقتين
،تخفيف الحمولة على الركائز والأعمدة ، وخلق عازل هوائي ،يحمي داخل القبة من تحولات
الطقس .
وظاهر القبة مكسو بالرصاص ،
وفوقه صفائح النحاس المذهب ،ما يساعد على حمايتها من الأمطار والشمس ،فيما كسي
داخلها بالجص المزخرف بالأصبغة والألوان .
يتكون المثمن الداخلي الذي يلي
القبة من دعائم وعمد تحمل القناطر والسقف، وهي ثماني دعائم في رؤوس المثمن ،يتوزع
بينها ستة عشر عمودا ،فوقها قناطر بعددها أي أربع وعشرون قنطرة ،يصل بينها سواكف
،أو جسور خشبية متنية فوق التيجان ،تحكم ترابط البناء.
أما المثمن الخارجي الذي يؤلف
واجهة البناء ،فمكون من جدران حجرية ارتفاعها تسعة أمتار ونصف ،تعلوها ستائر فوق
سطح البناء ارتفاعها متران ونصف ، وفي كل تثمينة أو جدار ،سبعة محاريب أو تجويفات
قليلة العمق ،تنتهي في أعلاها بنوافذ ،باستثناء التجويفين الأخريين في كل تثمينة
،فإنها دون نوافذ، وبذلك يصبح عدد النوافذ في المثمن الخارجي أربعين نافذة ،تمد
المسجد بالنور، إضافة للنوافذ الست عشرة المفتوحة في رقبة القبة ،الستائر التي تعلو
الجدران ،كانت هي الأخرى مزودة بمحاريب أو كوى صغيرة ، في كل منها ثلاثة عشر ،طمست
معالمها حين وضعت الكسوة القاشانية ،في عهد السلطان العثماني ،سليمان عام تسعمئة
واثنين وخمسين للهجرة .
يلاحظ وجود كورنيش بين جدران
المثمن والستائر ،تخرج منه ميازيب المياه ،وهي ستة في كل تثمينة .
أما أبواب المسجد الأربعة
المفتوحة في وسط التثمينات الواقعة في الجهات الأصلية فهي مستطيلة تقدر فتحتها
بأربعة أمتار ونيف ارتفاعا ، وبمترين ونصف المتر عرضا ، وتعلو سواكفها عقود نصف
دائرية تكمل النوافذ .
ويتقدم الأبواب سقائف عرضها
متران ونصف المتر ،مؤلفة من قبوة نصف إسطوانية ،محمولة على أعمدة ، ونجد أكبر هذه
السقائف أمام الباب الجنوبي حيث يبلغ طولها خمسة عشر مترا وهي محمولة على ثمانية
عمد .
السقف يمتد من أسفل رقبة القبة
نحو التثمينة الخارجية ، وهو من طبقتين ،الخارجية مائلة ، وكانت مصفحة بالرصاص منذ
القديم، والسفلية مستوية تغطيها الزخارف و الأصبغة ،لا تقل الكسوة الزخرفية لمسجد
قبة الصخرة جمالا وأهمية عن فرادة المعمار ، والزخرفة كانت تتألف من عنصرين
رئيسين:الرخام والفسيفساء ،أما الرخام ففي الأعمدة التي تنوعت ألوانها وأصنافها ،
وفي الواح الرخام الجدارية من النوع المعرق الذي أطلق عليه القدماء اسم المجزع ،
وهو يكسو الأقسام السفلية للجدران والعضائد جميعا ،داخلا وخارجا ، ويحتل كذلك أماكن
العقود في القناطر بألوانه المتناوبة .
هذه الكسوة الرخامية الداخلية
،ما تزال تحافظ على أصالتها منذ العهد الأموي ،إلا في أجزاء صغيرة ،جددت في العهدين
المملوكي والعثماني .
وأما الفسيفساء ، وهي من النوع
المكون من فصوص الزجاج الملون ،المفصص بعضه والمذهب ،فإنها تغطي الأقسام العليا
للجدران جميعها في الداخل ، وفي الواجهات الخارجية وتزين القناطر ورقبة القبة ،
وتتألف من مواضيع هندسية ، ونباتية متنوعة .
في الداخل ،ما تزال الفسيفساء
موجودة بحالة جيدة ، ومعظمها أصيل من العهد الأموي لكنها زالت من الواجهات الخارجية
واستبدلت بألواح الخزف القاسي أيام سليمان القانوني العثماني .
في الزخرفة ،استخدمت أيضا
عناصر أخرى من بينها النحاس أو البرونز المذهب ،صفائح بسيطة أو مزخرفة تكسو وجوه
الأبواب وسواكفها ، وتغطي الجسور الخشبية التي تربط بين القناطر وتيجان الأعمدة
واستخدمت الأصبغة كما استخدم ماء الذهب في تزيين السقوف الخشبية كلها. طالت أعمال
التجديد والترميم العناصر الزخرفية فاستبدلت الفسيفساء بالقاشاني أيام العثمانيين
كما أشرنا .
وجددت في الوقت نفسه شبابيك
النوافذ الأربعين بالخزف ،بعد أن كانت في الغالب من الرخام.
أما الأبواب فجرى تجديدها في
العهد العباسي ، وبعد أن كانت مصفحة بالفضة والذهب ،جاءت العباسية مذهبة كلها ،هذه
الأبواب لم تدم ،فأعيد في العهد المملوكي تصفيحها بالنحاس المضغوط المزين بالنقوش
والكتابات .
وجددت القبة في عهد الظاهر
الفاطمي وتجددت كسوتها الخارجية مرارا ،حتى كانت أخر مرة سنة 1964 بعد أن لحقت بها
أضرار جراء القصف الصهيوني في حرب 1948 كما جرت أعمال ترميم لها اوائل تسعنيات
القرن الماضي ، وكما في كل مرة دون تغيير في معمارها الفريد .
|