|
إعداد :
نافذ أبو حسنة
الحلقة
129
موقف الاتحاد الأوربي
لم يكن موقف الدول الأوربية
موحدا دوما إزاء القدس ،وإن كانت تنظمه عناوين عامة مثل رفض الاعتراف بالقدس عاصمة
للكيان الصهيوني ،والميل إلى إيجاد حل عبر التفاوض في المدينة.
وإذا كانت فرنسا في مواقف
عديدة ،تمثل تعبيرا جديا عن الموقف الأوربي بعناوينه تلك ،فإن بريطانيا تعبر عن
انحياز واضح للموقف الصهيوني.
ففي عام ثلاثة وخمسين تسلح
الكيان الصهيوني بموقف بريطاني ليعلن أنه لن يقبل سفراء أو وزراء مفوضين لا يقدمون
أوراق اعتمادهم في القدس ،وذلك بعد أن صرح الناطق الرسمي البريطاني آنذاك بأن تقديم
أوراق الاعتماد إلى السلطات (الإسرائيلية) في القدس ،ليس معناه حتما الاعتراف
بالقدس عاصمة (لإسرائيل).
وفي العام التالي قدم السفير
البريطاني الجديد أوراق اعتماده إلى الصهاينة في مدينة القدس.
طرأت تغيرات تدريجية على
الموقف الأوربي من مدينة القدس ،مع انطلاق الحوار العربي الأوربي بعد حرب سنة
ثلاثة وسبعين ،ففي عام ثمانية وسبعين، صدر بيان مشترك عن اللجنة العامة للحوار طالب
الكيان الصهيوني بالإقلاع فورا عن القيام بأي عمل من شأنه أن يؤدي إلى تغير في
الوضع القانوني أو الصيغة الجغرافية أو التركيب السكاني للأراضي المحتلة عام سبعة
وستين بما في ذلك القدس.
وعام ثمانين ،صدر ما يعرف
بالإعلان الأوربي الذي اعتبر أن ما أسماه السلام العادل يقضي بانسحاب الصهاينة من
الأراضي التي احتلت عام سبعة وستين. وأعلن رفض دول الاتحاد الأوربي الإجراءات
الصهيونية في القدس المحتلة ورفضها أيضا إقامة المستوطنات .
اعتبرت بعض الأطراف العربية
الموقف الأوروبي تطورا كبيرا ،فيما نظر إليه آخرون على أنه غير كاف ،خاصة فيما
يتعلق بالقدس.
أدت الانتفاضة الشعبية
الفلسطينية عام سبعة وثمانين إلى أحداث تأثير واسع في الرأي العام الأوربي، وصاعدت
من اهتمامه بقضية فلسطين وتبين حقائقها. لكن التحولات المتلائمة مع هذا التأثير ظلت
على وتيرتها البطئية السابقة.
ومع ذلك ازدادت الانتقادات
الصهيونية إلى الدول الأوربية التي لا تظهر انحيازا كاملا للكيان الصهيوني.
وبقيام عدد من المبعوثين
الأوربيين والسفراء بالاجتماع إلى فيصل الحسيني، ومسئولين فلسطينيين آخرين في بيت
الشرق، أرسلت الحكومة الصهيونية، بمذكرة إلى الرئاسة الألمانية للاتحاد الأوربي
،اعتبرت فيها القدس عاصمة موحدة للكيان الصهيوني وطالبت بعدم قيام شخصيات أوربية
بالاجتماع إلى فلسطينيين في بيت الشرق .
رفض الأوربيون مضمون هذه
المذكرة، وأدانوا استمرار مصادرة الأراضي في القدس ،فهدد الصهاينة باتخاذ إجراءات
عقابية ضد الأوربيون الذين يزورون بيت الشرق.
وفي عام خمس وتسعين رفض
الأوربيون المشاركة في احتفالات "القدس ثلاثة آلاف عام" التي أقامها الصهاينة ،وقال
ممثلو الاتحاد الأوربي إن المشاركة الأوربية في الاحتفالات قد تفسر على أنها دعم
لسياسة الصهاينة تجاه المدينة .
ومع اتخاذ الكونغرس الأمريكي
قرارا بنقل السفارة إلى القدس اعتبر الأوربيون أن القرار يعرض ما سموها عملية
السلام إلى الخطر وأعلنت دول أوربية أنها لن تحذو حذو الولايات المتحدة .
عاود الصهاينة إثارة موضوع
زيارة مسئولين أوربيين إلى بيت الشرق ،حتى أن الرئيس الفرنسي جاك شيراك تعرض
لتحرشات رجال الأمن الصهاينة لدى جولة له في شرقي القدس ،عقب وصف وزيره "هيرف
غيمارد" القدس الشرقية بأنها أرض محتلة. وفي تصريحات له شدد شيراك على أن القدس
الشرقية يجب أن تصبح عاصمة للدولة الفلسطينية وفي رد جديد على المطالبات الصهيونية
للأوربيين عدم الاجتماع مع مسئولين فلسطينيين في القدس، قالت الرئاسة الأوروبية سنة
تسع وتسعين "أن للقدس وضعا خاصا ،وأن الاتحاد الأوربي يعتبر هذا الوضع خاصا من جهة
القانون الدولي ،وبالتالي لا يقر بالقدس عاصمة موحدة (لإسرائيل) .
رغم هذا الموقف المعلن، فإن
الوزراء الأوروبيين رضخوا للضغوط الصهيونية، وسنة تسع وتسعين اجتمع وزير الخارجية
الفرنسي "هوبير فدرين"، إلى فيصل الحسيني، في المشفى الفرنسي في القدس بدل بيت
الشرق.
ثابر الموقف الأوروبي على
انتقاد بناء المستوطنات في القدس، ورفض الاعتراف بها عاصمة للكيان الصهيوني، لكنه
لم ينتقل إلى ترجمة عملية لرؤياه، إذ ظل في الجانب العملي يرضخ للضغوطات الصهيونية.
|