|
إعداد :
نافذ أبو حسنة
الحلقة
الرابعة عشر
الاستيطان في البلدة القديمة
الاستيطان الصهيوني في البلدة
القديمة من القدس حكاية ألم ينطق بها كل متر مربع في المدينة المقدسة ،حيث جرى
تطويق الحرم القدسي الشريف بالمستوطنات والبؤر الاستيطانية ،سواء بالاستيلاء القسري
المخادع الظالم لأملاك العرب أو بفتح الأنفاق من حوله لإقامة مدارس تلمودية فيها
،أو ببناء مستوطنة قبيحة شاذة ،في مكان حارة الشرف ،تشوء عمران القدس التاريخي ،أو
بتنزيف شراء الدور بجوار البطركية والاستيلاء على أملاك راهبات السكوب في حارة
السعدية .
السلوك الاستيطاني الصهيوني
في البلدة القديمة ،إيذان بتدمير وجود ،وطمس حضارة وتاريخ ،والعبث بمقدسات وأديان
،وإخلال بواقع سكاني ،واستهتار وانتهاك بالأعراف والقوانين والمواثيق الدولية ،
والاستيطان في البلدة القديمة هو حكاية المقدسات المهددة ،والدور المستولى عليها.
في أعقاب عدوان حزيران عام
سبعة وستين بدا أن الاستيطان الصهيوني في البلدة القديمة يسير على نحو عفوي ،فقد
اندفعت مجموعات من العائلات اليهودية ،لخلق وقائع جديدة أسوة بالمستوطنين الذين
اندفعوا تجاه مناطق أخرى من الأراضي المحتلة ، وكانت وسيلة هؤلاء في القدس تتمثل في
وضع اليد على البيوت المهجورة بفعل الحرب ،فاستولت ثمان وثلاثون عائلة من
المستوطنين على بيوت عربية حتى عام ألف وتسعمئة وسبعين .
ترافق هذا الاندفاع ،مع قيام
السلطات الصهيونية بتوجيه سيل من المستوطنين إلى القدس ،ومصادرة أراضي المقدسين
لإقامة المستوطنات الجديدة عليها ،ففي نيسان من عام ثمانية وستين صادرت الحكومة
الصهيونية ،بقرار من المسمى وزير الاقتصاد مئة وستة عشر دونما داخل البلدة القديمة
،بحجة ترميم الحي اليهودي وتطويره ،منشئة في الوقت ذاته شركة بالاسم نفسه لإنجاز
المشروع، وبادئة بذلك تركيز البؤر الاستيطانية داخل أسوار القدس .
الأراضي المصادرة داخل الحي
الإسلامي ،كانت تقوم عليها حارة الشرف وأجزاء من حارة المغاربة ، وقد أقامت شركة
تطوير الحي اليهودي عليها، مستوطنة باسم "هارافع ها يهودي" وأسكنت فيها ستمئة عائلة
من المستوطنون ،يتراوح عدد أفرادها ما بين أربعة وخمسة آلاف نسمة ، وجرى توسيع هذه
المستوطنة باستمرار ليدور الحديث اليوم عن حي يهودي ،وسط الحي الإسلامي في البلدة
القديمة من القدس .
بعد أن بدأ المواطنون
الفلسطينيون بصد عمليات الاستيلاء على البيوت المهجورة بفعل الحرب ورفضوا تأجريها
تحت ضغوط الترهيب والترغيب تولت المنظمات الاستيطانية الصهيونية ،ترتيب عمليات
الاستيلاء على البيوت مستخدمة كل وسيلة ممكنة وغير ممكنة لتحقيق أهدافها وغاياتها ،
وهي ترفع شعار :بيت وراء بيت وتكون القدس لنا .
قدمت تلك المنظمات أمولا طائلة
للاستيلاء على أملاك من أوقاف الكنيسة، وبيوت وعقارات أخرى ،وتسربت عبر وسيلة
الترغيب الضاغطة هذه بعض الأملاك إلى يد الصهاينة ،فحولوها إلى بؤر تتوسع باستمرار
وحتى العام الف وتسعمئة وتسعين سيطر الصهاينة على اربعين عقارا في البلدة القديمة
قريبة من المسجد الاقصى ،باساليب مختلفة .
وفي العام نفسه قررت حكومة
شامير ،باتفاق مع الأحزاب الدينية الصهيونية ،إقامة أربعة عشر ألف وحدة سكنية
استيطانية في البلدة القديمة ، وتصفية الوجود العربي فيها حتى نهاية العام ألفين .
وفي هذا السياق قام الإرهابي
أرئيل شارون بالاستيلاء على عقار عربي في القدس ، وجعله بيتا له ،داعيا المستوطنين
للإقتداء به ،غير أن تصدي المقدسين لهذه الهجمة الاستيطانية أفشل مخطط حكومة شامير
، ولكن الهجمة ذاتها لم تتوقف .
ففي العام نفسه الذي شهد
الإعلان عن خطة تصفية الوجود العربي في البلدة القديمة ،قدم الإرهابي شارون ،بوصفه
وزيرا للإسكان في الحكومة الصهيونية ،ثلاثين دونما من الأرض ،لجماعة عطيرات كوهانيم
الاستيطانية ، والتي أعلنت بعد عامين من ذلك أنها حصلت على موافقة لإقامة مجمع سكني
من مئتي منزل على هذه الأرض .
تزامن الإعلان عن المخطط
الجديد ،مع نشر إحصائية تقيد بأن أربعين أسرة من المستوطنين ،إضافة إلى ثلاثمئة من
طلبة اللاهوت ،يعيشون في بيوت مستولى عليها في الحي الإسلامي بالقدس .
خاض المقدسيون معارك شرسة حول
كل بيت من البلدة القديمة ،فالمستوطنون الذين يستولون على بيت ما ،يشرعون فورا
بالعمل على إقامة بؤرة استيطانية وتوسيعها ،مهددين أصحاب البيوت القديمة ،ومطلقين
شتى أشكال المضايقات لدفعهم للرحيل .
.هذا يحدث دوما وإلى جانبه
حكايات صمود أسطورية لأصحاب البيوت في عقبة الخالدية ،مثل عائلة أبو رجب ،ونورا
غيث ،ودور الزربا والزرو ، وآل رصاص ، ودار المحتسب ، ودور السلفيتي ، والخياط
وعويضه .
هؤلاء أصحاب بيوت ،يصمدون في
وجه الهجمة الاستيطانية على البلدة القديمة ، والتي تزداد بشاعة وشراسة كل يوم .
|