|
إعداد :
نافذ أبو حسنة
الحلقة
الثلاثون
الحملات الفارسية
من الروايات المتداولة على
نطاق واسع أن الملك كورش ،ملك الفرس ،هو الذي أعاد اليهود إلى القدس ،بعد انتصاره
على البابليين ،وعليه تصور الحملات الفارسية على فلسطين بأن سببها الوحيد هو إعادة
اليهود الذي سباهم نبوخذ نصر إلى بابل.
والحقيقة أن سياسة
الإمبراطورية الفارسية في المنطقة كانت مرتبطة أساسا بمنع المصريين من القفز عبر
كنعان وبلاد الشام لتهديدهم ،بل أرادوا أن تكون المنطقتان معبرهم ،هم إلى مصر.
سنة خمسمئة وتسع وثلاثين قبل
الميلاد تمكن كورش من إخضاع بابل ،منهيا الإمبراطورية البابلية ، وقد عرف عن كورش
أنه احترم التقاليد والعادات الدينية ،لما أصبحت تعرف بمقاطعات الإمبراطورية
الفارسية ،وينقل المؤرخون ،أنه وعد المسبين
في بابل بإعادتهم إلى فلسطين.
ورغم وجود أشكال من التدوين في
تلك المرحلة التاريخية إلا أن معظم المؤرخين يتفقون على أن فترة الحملة الفارسية
الأولى على فلسطين مشوشة
إلى حد كبير ،وتختلط فيها المعطيات المدونة القليلة ،مع نصوص التوراة المحرفة .
يقال إن قائد الجيش الفارسي
"غوبر ياس" اتجه نحو بيت المقدس ،واحتلها سنة خمسمئة وثمانية وثلاثين ،وأنه أخذ معه
من أراد الرجوع من المسببين اليهود إلى فلسطين ،وسمح لهم ببناء المعبد في القدس
،مدفوعا برغبة إيجاد جماعة موالية للإمبراطورية الفارسية إلى جانب الجماعات
الموالية للنفوذ المصري ،وبسبب هذا فإن اليهود نعتوا كورش بالمخلص الإلهي أو المسيح
المنتظر .
تذكر الروايات اليهودية أن عدد
من عادوا من اليهود مع غوبر ياس ،بلغ
أكثر من اثنين وأربعين ألفا ، وهو رقم مبالغ فيه ،حيث أن كثيرين
من اليهود قد رفضوا الذهاب إلى فلسطين وشكلوا تجمعا خاص بهم ،مكنهم من تأدية دور
بارز في التجارة وجمع الأموال ومن الوقائع الثابتة أن السامريين لم يرحبوا
بالقادمين مع القائد الفارسي .
تتحدث المرويات اليهودية أيضا
عن أن زعيم اليهود الذين جاؤوا مع غوبر ياس ،كان اسمه زرو بابل ،وأنه من سلالة
الملك يهو ياقيم ،وأعاد معه الكنوز التي كان قد أخذها نبوخذ نصر معه من القدس ،ولكن
هذا الأمر لا يتناسب مع تتمة الرواية اليهودية نفسها بأن زرو بابل لم يتمكن من
بناء المعبد ،لسوء الوضع الاقتصادي ولكثرة
المشاحنات بين اليهود ،مشيرة
إلى أن بناء المعبد ،تم في
وقت لاحق .
وأن نحييميا قام ببناء أسوار
القدس ،بعد أن أتم زرو بابل بناء المعبد .وهذا أمر لا يوجد إي دليل عليه ،فالحفريات
التي تمت
في القدس ،تناقض حدوث مثل هذه
الواقعة تماما ،كما أنه باستثناء المرويات اليهودية ،لا يوجد أبدا ما يؤكد تلك
الوقائع المدعاة .
والفارق بين مجيء زرو بابل
،ومجيء نحميا إلى المدينة ،فارق زمني طويل، فالأخير ،كان يعمل حاملا للكؤوس في بلاط
الإمبراطور الفارسي "ارتحشتشتا الأول" الذي حكم في الفترة ما بين أربعمئة وخمس
وستين ،وأربعمئة وأربع وعشرين قبل الميلاد ، وهو هذا حذو كورش ،بالسماح لمن يريد من
اليهود العودة إلى فلسطين .
ومرة أخرى يتضح أن السياسة
الفارسية كانت تريد موالين لها في مواجهة المصريين.
وحسب المرويات
اليهودية ،فإن عزرا الكاهن قد سبق نحميا
إلى القدس ،وغالبا ما يشار إلى هذا الكاهن ،بأنه أجبر اليهوديات المتزوجات من غير
اليهود على الطلاق ،وأعلن أبناءهن
غير شرعيين .
أقام اليهود سلطة دينية ،تحت
سيطرة السلطة الفارسية ، وكانوا يستخدمون العبرية في معاملاتهم ،بينما كانت العبرية
لغة دينية.
وقد انتهت الحملة الفارسية
الأولى بوصول قوات الاسكندر المقدوني إلى فلسطين ،وهي أساسا كانت حملة للمراقبة ،
ومنع حكام دويلات المنطقة من التحالف مع المصريين ، وهذا ما يفسر ندرة الآثار
الفارسية في فلسطين في تلك العقبة.
عاد الفرس إلى فلسطين مجددا ،
ولكن سنة ستمئة وأربع عشر للميلاد ، وكانت آنذاك تحت حكم الرومان ، وتقدم المصادر
التاريخية وصفا مفضلا لتلك الحملة .وفيما يخص القدس ،تذكر الموسوعة الفلسطينية أن
الذي احتل القدس من الرومان هو القائد شهرباراز ،في عهد كسرى الفرس الثاني .
وذكر مؤرخون عرب أن كسرى ملك
الفرس أرسل قائده باراز ،على رأس جيش كبير إلى القدس فافتتحها
في العشرين من أيار ،سنة ستمئة وأربع عشرة للميلاد ، وذلك بعد حصار دام عشرين يوما
،استعمل الجيش الفارسي أثناءه جميع الوسائط اللازمة للاستيلاء على المدينة ،فأقاموا
الأبراج حولها ،ووضعوا المنجنيقات عليها.
وفي اليوم العشرين ،قاموا
بهجوم قوي ،ما أدى بالجنود الرومان إلى الهرب، فيما استتر بعضهم في الأبار والخنادق
،وتذكر المصادر التاريخية ،أن هذه الحملة اتسمت بالقسوة الشديدة ،وشهدت تقتيلا
كثيرا في القدس ،وأن اليهود الذين انضموا إلى جيش باراز شاركوا في عمليات القتل .
كانت الحملة على القدس
هذه في إطار حرب أوسع ،هي تلك التي كانت تدور بين الرومان
والدولة الساسانية الفارسية ، ولم
يستمر مكوث الفرس طويلا في
القدس ،ففي عام ستمئة وثمانية وعشرين تمكن الإمبراطور الروماني هرقل من فرض صلح قاس
على الساسانيين بعد أن حاصر عاصمتهم المدائن ،واحتفل بنصره في القدس.
وهكذا فإن الحملة الثانية على
القدس ،كانت في إطار العمليات الحربية ،ولم تكن القدس فيها إلا أحد الأهداف ، ولكن
المتميزة جدا أيضا ، ولذلك فإن باراز عمد إلى نقل "صليب الصلبوت" إلى المدائن ،كما
ترك لجنده أن يخربوا المدينة.
وتجدر الإشارة إلى أن الحملات
الفارسية على فلسطين عموما ،كانت تندرج في إطار حروب أوسع مدى ،وأكثر امتدادا ، ولم
تكن فلسطين أو بيت المقدس هدفا مباشرا ،إلا حسب ما أوضحناه في الحملة الثانية .
وربما في هذا ما يفسر أنهم لم
يقوموا بترك آثار ذات قيمة في المنطقة .أما المصادر الفارسية ،فتذكر أن الملك
داريوس الأول الذي حكم في الفترة ما بين خمسمئة وواحد وعشرين ، وأربعمئة وستة
وثمانين قبل الميلاد .قد بنى اسطولا بحريا كبيرا بمساعدة الفينيقيين
، وبنى طرقا برية بمساعدة سكان فلسطين لتمكين القوات الفارسية من الوصول إلى مصر
وضمها إلى الامبراطوية .
وتتحدث المكتشفات الآثارية عن
العمران المرتبط بالوجود الفارسي في تلك الفترة في مناطق فلسطين ، ومنها القدس، كان
قليلا ، وربما أميل إلى أن
يكون ذا طبيعية حربية .
|