|
إعداد :
نافذ أبو حسنة
الحلقة
الرابعة والثلاثون
العهد الأيوبي
بتحرير بيت المقدس من أيدي
الفرنجة ، بدأت المرحلة الثانية من العهد الأيوبي . عاد الازدهار إلى بيت المقدس ،
وقصدها الزوار من مختلف البلاد .
وغدا المسجد الأقصى مرة أخرى
مقصد العلماء والفقهاء والمحدثين ورجال الدين من المعلمين والمتعلمين . وتولى
المسلمون حراسة الحجيج المسيحي إلى كنيسة القيامة .
بدأ العهد الأيوبي قويا بوجود
صلاح الدين ، وانتهى إلى الضعف والتمزق بعد وفاته ، وصولا إلى قيام الكامل بإعادة
بيت المقدس إلى الفرنجة سنة ألف ومئتين وتسع وعشرين .
قام العهد الأيوبي على نظام
الإقطاع ، الذي يرى في البلاد إرثا يتم تقاسمه بين أفراد الأسرة ومن يواليهم . فبعد
فتح القدس ، أعطاها صلاح الدين إلى حسام الدين صاروجا . وحين أعطى مملكته لأبنائه ،
أقطع جنوب الشام للملك الأفضل ومقره دمشق . فجعل هذا عز الدين جرويك النوري نائبه
في القدس . وهكذا كان حاكم القدس يسمى نائبا ويعينه الملك أو الحاكم الأيوبي من
مقربيه .
كان النائب يتولى الإدارة
كاملة . يجمع الضرائب وينفق ويقدم للإدارة المركزية ، وعليه أيضا أن يحشد الجند ،
وتتمدد قوته وفقا لما يستطيع حشده منهم.
وكان لدى كل نائب ديوان
للرسائل وديوان للجلوس أي الأوقاف ، ويشرف على إعماله ناظر من الأيوبيين يسمى "
المشد " .
وكان قاضي دمشق هو الذي يعين
قاضي القدس ، أو يقوم بهذا التعيين الخليفة في بغداد ، وأول من تولى قضاء القدس بعد
تحريرها بهاء الدين بن شداد ، قاضي صلاح الدين .
على أن قاضي بيت المقدس ، كان
يسمى قاضي القضاة ، مما يبرز أهمية المدينة التي يقضي فيها ، وتبعية قضاء فلسطين له
.
مهما يكن من شأن ما انتهى إليه
العهد الأيوبي بالنسبة إلى بيت المقدس ، فإن الاهتمام بالمدينة كان كبيرا جدا وبعد
تحريرها مباشرة جرى العمل حثيثا على تجديد معالمها الإسلامية ، وإضافة الكثير إليها
من المساجد والمدارس والبيمارستانات والخانقاه .
كانت البداية بتجديد سور
المقدس وتقويته ، ثم إقامة البيمارستان الصلاحي وتزويده بالأطباء والعقاقير ، ثم
بناء خانقاه للمتصوفة لعبت دورا كبيرا في الحياة العسكرية في القدس لاحقا .
وتم بناء الزاوية الختنية ،
وقبة يوسف في فناء الحرم القدسي ، وتوسعة جامع الطور ، وإعادة مدرسة الشافعية التي
حولها الفرنجة إلى كنيسة، ولعبت هذه المدرسة أيضا دورا لافتا في الحياة الدينية
والفكرية في القدس .
وهي التي أعطاها العثمانيون
للفرنسيين فجعلوها مدرسة وكنيسة في القرن التاسع عشر ، ثم استرجعها العثمانيون
وأعادوها مدرسة كما كانت ، إلى أن استولى عليها الإنكليز ومنحوها للآباء البيض .
وأقام الأفضل ابن صلاح الدين
المدرسة الأفضلية التي عرفت بالقبة في حارة المغاربة . وأعاد بناء الجامع العمري
جنوبي ساحة كنيسة القيامة .
هذا كله فضلا عن عمارة المسجد
الأقصى وترميمه وإحضار منبره من حلب وهو الذي أحرقه الصهاينة سنة ألف وتسعمئة وتسع
وستين .
لقد تابع الأمراء الأيوبيون
تعمير القدس بالزوايا والأربطة والمساجد ، وكانوا يطلبون أن يدفنوا في بيت المقدس
تبركا بقدسية المكان . وفي هذا ما يفسر غنى مقبرة الساهرة بقبور كبار العهد الأيوبي
.
ومن الأبنية الأيوبية الشهيرة
المدرسة الميمونية ، والزاوية الجراحية ، وتجديد أبواب الحرم ، والقبة النحوية التي
أنشأها الملك المعظم وخصصها للاشتغال بعلوم اللغة العربية والنحو . والمدرسة
البدرية ، والمدرسة المعظمية التي أنشئت سنة ستمئة وأربع عشرة ، وصارت من كبريات
المدارس في القدس ، وتولى مشيختها عدد من كبار العلماء . وتجديد الأقسام المبنية
حول الصخرة .
انصب اهتمام الأيوبيين بشكل
أساسي على القدس والخليل . لقد صارت بيت المقدس مركزا للتصوف والمتصوفة . وبعد
تحريرها وفد إليها الكثيرون من جميع أقطار الإسلام للتعبد والزيارة ، وانتشرت الكتب
التي تحكي عن فضائل بيت المقدس ، حتى أصبحت تشغل حيزا هاما في المكتبة الإسلامية .
وحظي الحج المسيحي إلى بيت
المقدس برعاية خاصة ويمكن القول إن القدس شهدت في العهد الأيوبي مرحلة زاهرة ، لولا
قيام الكامل بتسليمها وتخريب حصونها قبل ذلك
تنقل كتب التاريخ ، أن
العزيز عثمان وعز الدين أيبك رفضا فكرة التدمير، واقترحا الصمود والقتال ، ولكن
الأشرف شقيق الكامل أصر على التدمير فهدم سور المدينة وأبراجها في آذار سنة ألف
ومئتين وتسع عشرة .
وكتب مؤرخو تلك الفترة عن هذه
الواقعة قائلين : اضطرب الناس، وكانت القدس على أتم الأحوال من العمارة وكثرة
السكان .. فوقع في البلد ضجة مثل يوم القيامة وخرج النساء والمخدرات والبنات
والشيوخ والعجائز والشبان والصبيان إلى الصخرة والأقصى وقطعوا شعورهم ومزقوا ثيابهم
.
كان من شروط التسليم ألا يبني
الفرنجة حصونا أو أسوارا حول القدس، ولكنهم خرقوا الشرط . فشن الملك الناصر سنة ألف
ومئتين وأربعين هجوما على المدينة ، وخرب التحصينات فعادت المدينة خرابا .
وبدا تخريب المدينة ، وكأنه
تخريب لكل منجزات الأيوبيين فيها .
|