|
إعداد :
نافذ أبو حسنة
الحلقة
التاسعة والثلاثون
حملات الفرنجة
(1)
بيت المقدس كانت الهدف المعلن
لحملات الفرنجة على الشرق . وهو هدف كان يخفي وراءه الكثير بقدر ما كانت متهافتة
تلك الذرائع والدعاوي التي ساقها من أطلقوا صرخة الحرب الدينية المقدسة .
بين تلك الذرائع : اضطهاد
المسيحيين في الشرق وهو حجة لا سند لها في الواقع ، فقد كان معظم مسيحي الشرق من
أبناء الكنائس الشرقية التي تعتبرها البابوية هرطقة كافرة ، ولا يأبه لها أحد في
الغرب .
وكان المسيحيون الشرقيون
يتعايشون مع المسلمين عدة قرون بحرية كاملة ، ويتولون المناصب في الدولة الإسلامية
، ولهم كنائسهم وأعيادهم . أما فترات الشدة عليهم ، وهي محدودة ولا تكاد تذكر ،
فإنما كانت لسبب سياسي يتعلق ببيزنطة بالذات ، ثم يزول السبب مع زوال المسبب .
ولم يبعث مسيحيو الشرق أي
استغاثة إلى الغرب ليرد عليهم ويحارب من أجلهم ، بل ثمة ما يؤكد بالعكس رعايتهم
وعدم المساس بهم ، حتى في فترات تبادل السيطرة على القدس . بل وتذكر مصادر تاريخية
أن كلمة المسيحيين كانت العليا في القدس ، قبل قرن من الحملات الفرنجية . أما ما
كان من شأن ابني ارتق السلجوقي ، فكانت له دوافع أساسية أدت إلى إخراج البطريك
سمعان من القدس .
الذريعة الأخرى المعلنة لهذه
الحرب ، هي اضطهاد الحجاج الذاهبين إلى زيارة القبر المقدس من الغرب . الواقع يكشف
عكس ذلك . كان العدوان الغربي قائما بالفعل في أسبانيا وفي صقلية قبل ذلك بقرن كامل
ومعاركه سجال ، فيما الروم يشنون الحملات على شمال الشام ، وتجري تصفية ملوك
الطوائف في الأندلس . أما الحج المسيحي إلى الأماكن المقدسة ، فلم يكن من المسيحية
في شيء ، ولكنه مجرد طقس من طقوس التقى والتبرك ازداد ظهوره حوالي نهاية القرن
الثامن حين جرت محاولة تنظيمه ومعونته برعاية شارلمان .
ثم ازداد مع قوة الأساطيل
الإيطالية خاصة ، ومع إقامة جماعة دير كلوني مجموعة من المنازل في الطريق إلى بيت
المقدس ومن الأديرة فيها وحولها .
كان الحجاج من الفرنسيين
والألمان والاسكندفايين والنورمانديين ، وقد يكرر بعضهم الحج مرات والكثير منهم
يأتي عن طريق البر . وندر أن تعرض الحجاج لأي مضايقة ، ألا بمثل ما يتعرض له أي
عابر من المضايقات سواء أكان تاجرا أم عابرا ، مسلما أم غير مسلم .
وباستثناء فترة قصيرة جدا ،
فأن الأخبار متواترة عن الحركة السلمية الهادئة للحجاج التي وصلت حد التجمع في
قوافل كبيرة ، فقافلة الأساقفة الألمان سنة ألف وأربع وستين بلغت عشرة آلاف من
الرجال والنساء والأطفال . وكان لكبار السادة حاشية مسلحة لا يعارضها أحد . وكانت
العراقيل والصعاب تقوم في بيزنطة ضدهم أكثر بكثير مما تقوم في الشام ومنها فلسطين .
ربما زادت متاعب الحجاج بعد
التوسع السلجوقي في الأناضول ، لكن ليس إلى الحد الذي يوجب الحرب وعلى الشكل الذي
قامت به ، ففي كل الأحوال لم ينقطع ورود الحجاج إلى فلسطين .
وهكذا فقد كان الحديث عن تأمين
الحجيج مثل الحديث عن حماية مسيحي الشرق مجرد ذرائع . وتكمن الدوافع الحقيقية في
مكان آخر .
تواصلت هذه الحملات زمنا طويلا
، وربما كان لكل منها سبب خاص بها . وأن كان البعض يذكر كثيرا من الأسباب الجامعة .
يقال في تفسير الحملة الأولى
دينيا إنها ذروة حركة الأحياء الدينية التي كان يقودها دير كلوني ، وأنها حج جماعي
مسلح ، وأنها كانت وسيلة خلاص وغفران في أوروبا ، وتعبير عن السياسة الخارجية
للبابوية ، أو أنها قامت لحماية أوروبا من الإسلام ، ورفع شأن البابوية وفرض
سيطرتها على الملوك ، ولتوحيد الكنيسة كلها وراء البابا . وخلق كنيسة عالمية ، أو
أنها جواب لاستنجاد بيزنطة ضد اليقظة الإسلامية السلجوقية ، فسنة إلف وإحدى وسبعين
للميلاد ومعركة ملاذكرد ، هي التي جاءت بسنة ألف وتسع وتسعين وسقوط القدس .
وأن الكنيسة هي التي حولت
الاستنجاد إلى حرب مقدسة ، وهدفت إلى فتح الطريق إلى القدس بالقوة . وأنها تحقيق
لأطماع الكنيسة الغربية في الشرق .
ربما كانت الحروب هي كل ذلك ،
مضافا إليها الأسباب الاقتصادية . هذه الحملات والحروب كانت بداية ونهاية فرنجية
غربية لا علاقة للصليب بها .
ولعل من الدلائل على ذلك أن
خمسا من الحملات الثمان ، لم تتجه إلى القبر المقدس ، وإنما سلكت وجهات أخرى ،
وحتى الحملة الأولى عندما وصلت إلى مشارف القدس عند الرملة اختلف قادتها ، فبعضهم
يريد المسير إلى مصر وآخرون إلى القدس ، وكان التوجه إلى القدس تحت ضغط حماسة
الجموع التي ضمتها الحملة . والتي جمعت المحرضين أمثال " بطرس الناسك " والأسقف
أديمار ممثل البابوية . والنبلاء أمثال : ريموند ضجيل ، وكونت فلاندر ، والقتله
أمثال : والتر المفلس وغوتشيك . والنبلاء الفرسان الصغار أمثال غودفري دي بويون ،
وأخيه بلدوين إلى الحلاقين والتجار والباعة ، فضلا عن جموع شتى من الأسر والأطفال ،
وكان بين المحاربين من ترك جبهات القتال ضد المسلمين في أسبانيا وصقلية ليحارب في
الشرق . ويغرق القدس بالدماء .
القبر المقدس هو الهدف المعلن
، لكن الأمراء يريدون الحرب لكسب الأرض والاقطاعات ، والكنيسة لسيطرة البابوية
عالميا ، وأساطيل المدن الإيطالية تريدها للوصول إلى تجارات الشرق وموانئه ،
والفقراء يريدونها للثروات التي يحلمون بها .
|