|
إعداد :
نافذ أبو حسنة
الحلقة
الأربعون
حملات الفرنجة
(2)
ضمت الحملة الفرنجية الأولى
حشدا من مائتي ألف شخص نصفهم من المحاربين ، وهو ليس بالعدو ليس بالعدو القليل .
وفي هذه الحملة كانت أوروبا موحدة ، بينما كان الشرق الإسلامي ممزقا ، وهذا ما يفسر
التقدم السريع لحملة ، في الجزء الأكثر اضطرابا وتمزقا آنذاك أي الأناضول والشام .
احتل الفرنجة نيقية في التاسع
عشر من حزيران سنة ألف وسبع وتسعين ، وهزمت سلاجقة الروم في معارك سريعة لتعسكر بعد
أشهر قليلة أمام أنطاكية ، فيما اتجه بلدوين إلى الرحا ليحتلها وينشأ أول أمارة
صليبية في المشرق .
حاول السلاجقة التصدي ، لكن
سقوط انطاكية أحبط محاولاتهم ، فيما اختلف الفرنجة أنفسهم بسب استئثار بوهميند
النورماندي بالمدينة ، وبعد تسوية الخلافات التي دامت عدة أشهر ، عاودوا التحرك
جنوبا ليقضوا في الطريق إلى بيت المقدس تسعة أشهر مروا بمعرة النعمان ، فقاموا
بمذبحة مزلزلة حتى اختلط الزيت المخزون في الآبار فيها مع الدماء والجثث وانعطقوا
في ممر حمص طرابلس نحو الساحل ، فحاصروا عرقة طويلا دون طائل . فما بدا الفاطميون
التنبه لحقيقة الغزو ، فعرضوا تسهيلات لحجيج مقابل إيقاف مشروع الغزو ، فرفض
الفرنجة ، فيما كان الأفضل يسارع بالسيطرة على القدس وصور ويحاول تحصينها .
مضت الحملة في طريقها إلى بني
عمار في طرابلس وحاولت إقامة أمارة هناك ، إلا أن ابن عمار فاوضهم وهاواهم من أجل
المشروع ، فتابعت الحملة مسيرها إلى بيروت فصيدا ثم صور ، حين أطلوا على فلسطين ،
ولكنهم اتبعوا الخط الساحلي معتمدين على دعم الأسطول في البحر ، فتابعوا السير أمام
عكا ، وحيفا التي كانت قرية صغيرة ، ثم قيسارية فأرسوف ، وكانوا ينهبون كل ما في
طريقهم ولم يخرج أحد للتصدي لهم .
كان الانطباع السائد أنها حملة
من حملات الروم سرعان ما تنقشع ، وانطلقت الصرخات لحماية بيت المقدس من حملة الروم
الذين لم يكونوا يخفون طمعهم به .ولن يجري التنبه لحقيقة ما يجري تماما إلا بعد
سقوط بيت المقدس .
عند أرسوف توجه الجيش الفرنجي
إلى الرملة الحاضرة الإدارية لإقليم فلسطين قبل الغزو السلجوقي . وكانت الزلازل
دمرتها سنة أربعمئة وستين للهجرة
لم يجد الفرنحة بها أحدا . هرب
سكانها لأنهم دون أي دفاع ولا تصلهم المعونة من البحر ، وسر الفرنجة حين أعلنوا
الرملة أبرشية يتولاها أسقف لضيوفه من النورماند وسموه : أسقف الله ! .
مساء الثلاثاء ، السابع من
حزيران سنة ألف وتسع وتسعين للميلاد ، عسكر الجيش الفرنجي بمجموعه أمام بيت المقدس
، في حين توجه تانكريد إلى بيت لحم وسيطر عليها .
كان افتخار الدولة هو والي
الأفضل على القدس وقد بذل كل جهد ممكن في الدفاع المدينة المحاصرة .
استمر الحصار أربعين يوما دون
أن تصله أية نجدات ، في حين رست في يافا ست سفن وانكليزية زودت الفرنجة بالمؤن
والسلاح وحاجات الحصار فاستطاعوا دخول المدينة في الخامس عشر من تموز سنة ألف وتسع
وتسعين ، واقترفوا فيها مذبحة ، صارت حديث التاريخ ، إذ قدر عداد ضحاياها بسبعين
ألفا .
خاض الفرنجة بالدماء حتى
كعوبهم وحتى الركب في المسجد الأقصى ، وخاضت بها الخيل ، وظلت الجثث أكواما في
الطرقات حتى جافت المدينة .
ويذكر المؤرخ الفرنسي فوشيه دي
شارتر الذي كان مرافقا للحملة وأرخ لها يوما بيوم أنه " كانت القدم تغوص حتى الكامل
في دماء المسلمين " أما المؤرخ اللاتيني وليم الصوري فيقول : " لم يكن بالإمكان
التطلع إلى هذا العدد الهائل من القتلى دون أن تصاب بفزع شديد . فكل الأرض كانت
ملطخة بدماء القتلى " .
ومن المؤرخين المسلمين يذكر
ابن الأثير أن الفرنجة قتلوا في المسجد الأقصى سبعين ألفا من بينهم عشرة آلاف عالم
وفقيه .
بهذه المذبحة الرهيبة ، بدأ
الفرنجة إقامة ما سيعرف لاحقا بمملكة القدس ، ففي البداية تولى غودفري دي بويون
المملكة وأطلق على نفسه لقب : حامي القبر المقدس ، وبعد وفاة فودفري تولى السلطة في
القدس أخوه بفدوين الأول ، الذي تم تتويجه ملكا على مملكة القدس في كانون الأول من
عام ألف ومئة للميلاد ، ليشرع في توسعتها ، ولتسقط في يده مدن كثيرة ، مع أن
المؤرخين يجمعون على حقيقة أنه لو حدث توحد فعلي بين أمراء المسلمين آنذاك لأمكن
تقويض تلك المملكة في لحظاتها الأولى واستعاد بيت المقدس ، الأمر الذي سيتأخر كثيرا
، بسبب الفرقة والتناحر .
|