الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

كتب وإصدارات

إعداد : نافذ أبو حسنة

الحلقة الواحد والأربعون

حملة هرقل

 

لم تكن بيت المقدس ،ساحة الصراع الرئيسية بين البزنطينيين والساسانيين، ذلك أن الحروب بين الدولتين غطت مساحات واسعة من العالم القديم .لكن مثلما كان الأمر في الحروب بين البطالمة ، والسلوقيين ،كانت فلسطين وبيت المقدس هذه المرة أيضا معبرا للجيوش المتقاتلة ،تتبادل السيطرة عليها ،كما تتناوب عمليات التدمير ،وما بين الحروب بين البيزنطيينين والساسانيين كانت تعقد معاهدات واتفاقات صلح لاتلبث أن تلغى ثم تندلع الحروب مجددا بين الطرفين .

 

في القرن السادس الميلادي ،وقعت حرب استمرت ما بين عامي خمسمئة وأربعة وعشرين إلى ستة وخمسمئة وثلاثة وثلاثين للميلاد ،حين قام الإمبراطور البيزنطي حسبتنان بعقد الصلح مع الساسانيين كي ينصرف إلى حروبه في الغرب، محققا نجاحات كبيرة ،الأمر الذي أزعج كسرى أنوشروان ، فقد توقع أن ينكفئ جسبتنان بكل قواه ضد الإمبراطورية الساسانية بعد انتهاء حملته في الغرب ،فأطلق حملة وصل فيها إلى إنطاكية ،ونهب شمال سورية ثم عاد أدراجه ،وعقد صلح بين الدولتين .

 

تجددت الحرب عام ستمئة واثنين عندما وصل فوكاس إلى سدة الإمبراطورية ، وأراد أن ينتقم من الساسانيين ، وعندما هاجم أبرونير سورية وآسيا الصغرى ، ووصل إلى قرب القسطنطينية ،ما دفع هرقل إلى التحرك من شمال أفريقيا فاحتل مصر برا ، والقسطنطينية بحرا، وتولى قيادة الإمبراطورية البيزنطية سنة ستمئة وعشرة ليبقى حاكما حتى سنة ستمئة وإحدى وأربعين .

 

بدت إمبراطورية هرقل وكأنها في طور الإنهيار فعلى مدى اثني عشر عاما ما بين عامي ستمئة وعشرة ، وستمئة واثنين وعشرين ، كان الفرس يقومون بهجماتهم على الروم وانتصروا في حملاتهم ،فنهبوا إنطاكية ودمشق وبيت المقدس واستولى ابرويز على الصليب المقدس ،لتصبح بيت المقدس حاضرة بقوة في السجال الحربي بين الطرفين منذ ذلك التاريخ ،فقد تابع ابرويز حملاته فاحتل مصر ،ثم خلقدونيه مقابل القسطنطينية التي باتت نفسها مهددة .

 

كان هرقل بحاجة إلى المال لتنظيم جيشه وأسطوله ،وصار الصليب المقدس المستولى عليه من بيت المقدس عنوانا لحملة جمع المال هذه، فتقدم بطريك القسطنطينية بجميع الأواني الذهبية الموجودة في الكنائس لتذاب وتسك نقودا ،وإذ امتلك هرقل مالا وفيرا نتيجة هذه العملية ،فقد بدأ عملية تنظيم واسعة لجيشه ، وبدأ بمهاجمة الساسانين حتى أنه وصل إلى المدائن ،عاصمتهم، وحاصرها .وخلع ابرويز عن سدة الإمبراطورية ،ليقوم خلفه بعقد صلح مع هرقل ،سنة ستمئة وثمان وعشرين .

 

كان أحد الشروط الأساسية لهذا الصلح إعادة الصليب المقدس ،الذي حمله هرقل بنفسه إلى بيت المقدس في أيلول من عام ستمئة وتسعة وعشرين ، وتحولت هذه العودة للصليب إلى احتفال مسيحي لا يزال قائما الآن ويعرف بعيد الصليب.

 

كان دخول هرقل إلى القدس مع الصليب المقدس ،خاتمة الحروب التي سبقت الفتح العربي الإسلامي لبيت المقدس ، والذي لن يتأخرا كثيرا بعد الآن.

وتذكر كتب التاريخ أن رسالة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، إلى هرقل قد وصلت إلى هذا الأخير وهو في القدس ، وفيها يدعوه للإسلام .

 

كما هو معروف لم يقبل هرقل الدعوة ،وسوف تقوض إمبراطورية بعد وقت قصير على يد الفاتحين العرب المسلمين.

وهنا يذكر المؤرخون أيضا أن الحروب المستمرة بين الإمبراطوريتين البيزنطية ، والفارسية قد أنهكت قواهما ،فلم تستطيعا الوقوف أمام العرب الذين قضوا على الدولة الساسانية ثم انتزعوا بلاد الشام ومصر من البيزنطيين بعد المعركة الفاصلة في اليرموك سنة ستمئة وست وثلاثين ،والتي لقي فيها هرقل هزيمة قاسية .بالطبع فإن منطق الأشياء يقود إلى هذا الاستنتاج ،إذا وضعنا أن الفاتحين العرب المسلمين ،كانوا حملة رسالة ، وقوة صاعدة حيوية ،لكن هناك سببا أخر أيضا .

 

ربما كانت عودة هرقل للصليب المقدس إلى بيت المقدس ،مسألة ذات بعد هام بالنسبة لمسيحيي المدينة والعالم ، ولكن عدا عن كثافتها الرمزية ،فإن الأوضاع العامة في فلسطين وبيت المقدس آنذاك ،كانت صعبة وعسيرة  على أهليهما.

مع ضعفها وافتقادها إلى الموارد اعتمدت الدولة البيزنطية على الزعامات المحلية الموالية في المدن ،حيث كان التقسيم الإداري ،يقوم على أساس مدينة لها حيازات من الأراضي ، وفي المدن تولى ستراتغوس الإدارة مع مجلس ، وكان عليه تنظيم كل الشؤون المحلية والدفاعية ،ما يعني تحويل ميليشيات محلية ، مع مايعنيه ذلك من نفقات وفوضى في الآن عنيه.

 

ومنذ أيام جسيتنيان أهملت صيانة خط الحدود ، ولم يعد هناك دور ملحوظ للدولة المركزية ، ومعلوم أن الغساسنة من حلفاء البيزنطيين عهد إليهم الحفاظ على المنطقة بعد استقرارهم فيها في القرنين الرابع والخامس الميلاديين .

لكنه منذ ثلاثينات القرن السابع كانت الأقسام الشرقية من بلاد الشام كلها خاضعة لنفوذ زعماء محليين كان نفوذهم في الغالب يمتد إلى مناطق صغيرة ، وحتى المدن التي احتفظت ببقية من مجالس وموظفين كانت في الواقع تدار على هذا الأساس ،إي مرتبطة بنفوذ الزعامات المحلية ومدى قدرتها على فرض سيطرتها ،مع ما يستتبعه ذلك من تنافس وتضارب مصالح.

 

ومع أن بيت المقدس ،كانت تتمتع بمكانة دينية كبيرة لدى حكام الإمبراطورية، فإن ذلك لم يجعلها خارج دائرة الإهمال ، بل عانت مثل سواها من تأكل الإدارة،وتضارب المصالح العامة للإمبراطورية والخاصة المحلية،هو ما يجد له المؤرخون تفسيرا في الخلاف بين الكنيسة المقدسية والكنيسة الرسمية في القسطنطينية .

 

وحول هذا الموضوع يذكر د. نقولا زيادة: غلب على فلسطين القول بالطبيعة الواحدة "المونو فيسية" .وهذا مخالف لما كانت تقول به الكنيسة الرسمية في القسطنطينية التي كانت تقبل بالطبيعتين.. ملاحظا أن القول بالطبيعة الواحدة في فلسطين وشرقي الأردن لدى الغساسنة ، وأجزاء من سورية ومصر ، كان فيه نفخة من الوطنية والمقاومة للدولة البيزنطية التي اعتبرها أهل البلاد، كما اعتبروا الدولة الرومانية  قبلها الملوك الهلينسيتن قبل ذلك ،دولة غريبة متسلطة فكانت الروح الوطنية تبدو في هذا الخلاف الكبير مع السلطة ، حول قضايا دينية.