الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

كتب وإصدارات

إعداد : نافذ أبو حسنة

الحلقة الثانية والأربعون

 

 حملة إبراهيم باشا

 

شعر محمد علي باشا والي مصر ، أن الظروف صارت مواتية كي يضم الشام إلى حكمه فأوروبا منشغلة والسلطان ضعيف . ومصر قوية وبحاجة إلى أخشاب الشام وثرواتها .

 

كان محمد على يشعر بأنه أسدى خدمات إلى السلطنة في نجد والسودان واليونان ، يستحق عليها المكافأة ، ليس أقل من ضم الشام إلى حكمه وحين تحركت قواته بقيادة ابنه إبراهيم إلى الشام كان متوقعا بأن يفوز بعكا على الأقل ، ولكن ضعف الجيش العثماني أغراه بإقامة مملكة واسعة للناطقين بالعربية تعادل ما تبقى من مساحة السلطنة . ووجد تأييدا فرنسيا لتحركه لاحقا .

 

كان في الشام تمرد وغضب على السلطان محمود الثاني ، فتقدمت قوات إبراهيم باشا بسرعة سنة ألف وثمانمئة وإحدى وثلاثين ، فاحتل عددا من مدن الساحل الفلسطيني ، وحاصر عكا برا وبحرا واتخد حيفا قاعدة لعملياته ، ثم احتل المدن الداخلية ومن بينها بيت المقدس ، التي أعلن فيها عن رفع العوائد والضرائب المفروضة على غير المسلمين .

تابع إبراهيم باشا حملته التي حسبها السلطان واحدة من تلك الحروب التي تدور عادة بين الولاة ، وكان معتمدا على صمود عكا .

 

ولكن سقوط المدينة بعد أشهر من الحصار ، وهزيمة جيوش السلطان في معركتين كبيرتين ، أدى إلى موافقة السلطان على صلح كوتاهية سنة ألف وثمانمئة وثمان وثلاثين ، الذي أعطى لمحمد علي ولاية الشام كله مع أضنه مدى الحياة إضافة إلى ما كان بيده من نجد والحجاز ومصر والسودان وكريت .

 

نشأ الصلح عن تدخل دولي ، سوف يتزايد باطراد ثم اندلعت الثورات في الشام ضد حكم إبراهيم باشا الذي كان حاول إرضاء الزعامات المحلية ، ولكن الثورات اندلعت بسبب محاولة جمع السلاح من السكان وفرض التجنيد الاجباري عليهم . سنة ألف وثمانمئة وأربع وثلاثين ، حيث طلب ثلاثة آلاف مجند من كل من أقضية القدس ونابلس والخليل وذلك أثناءاجتماع له في بيت المقدس مع زعماء المدينة والخليل ونابلس .

 

ما كاد الاجتماع ينفض حتى اندلعت ثورة في الخليل والكرك ونابلس ، وحاصر الثوار القدس التي أعلن زعماؤها الثورة في نيسان من العام نفسه، وتمكنوا من السيطرة على المدينة ، ومحاصرة حاميتها في القلعة .

جمع إبراهيم باشا نجدات كثيرة وهاجم القدس ، ليدخلها بعد ثلاثة اصطدامات عنيفة في حزيران ،وليصد ثلاث هجمات قام بها الثوار النابلسيون عند لفتا، ودير مار الياس وسلوان .

 

حاول إبراهيم باشا مراضاة الثوار ، فألغى الضرائب الفردية ، وأوقف التجنيد ، فهدأت الأحوال قليلا في حين وصلت نجدات قوية من مصر ، قاد بعضها محمد على بنفسه .

 

واعتقل عددا من زعماء القدس ونفاهم إلى مصر فارضا عليهم الإقامة الجبرية .

وبعد أن أنهى ثورة يافا ، وثورة نابلس عاد إبراهيم باشا إلى القدس في تموز ، ليدخلها في ثلاثين ألف جندي ، منعوا أهلها من أي تحرك . واستطاع أن يفرض التجنيد الإجباري .

حفرت هذه الأحداث شرخا عميقا بين أهل فلسطين والشام من جهة ، وحكم إبراهيم باشا من جهة أخرى ، حتى إذا ما ازداد الضغط الدولي لم يجد منهم نصيرا .

 

نشأت عن تمدد محمد علي في فلسطين والشام ، أزمة دولية أتاحت للدول الأوروبية زيادة تدخلها في شؤون السلطنة العثمانية والمنطقة .

 

عدلت فرنسا عن التأييد المطلق لمحمد علي وافتتحت بريطانية أول قنصلية أجنبية في القدس سنة ألف وثمانمئة وثمان وثلاثين وتولى القنصل البريطاني رعاية المصالح البريطانية والأمريكية واليهودية .

عمل القنصل يونغ مع ضباط التجسس البريطانيين ضد مشروع محمد علي، وكذلك على زيادة التسلل اليهودي الصهيوني إلى فلسطين في آن معا، حيث بدأت تحركات  الضابط البريطاني " جولر " مع المتمول اليهودي مونتفيوري ، لإيجاد قاعدة استيطانية للصهياينة في القدس .

 

وكان وكيل طائفة من " السكناج " قد طلب من مجلس المشورة المحلي في القدس ، الموافقة على شراء الأملاك والأراضي ، فرفض المجلس ذلك وصدق محمد علي على الرفض .

سوف تؤدي هذه التحركات لاحقا إلى بدء نوبات الاستيطان الصهيوني في بيت المقدس .

 

ازداد التدخل الأوروبي لتقويض مشروع محمد علي ، وظهر في الأدب السياسي مصطلح " المسألة السورية " التي أرادت الدول الأوروبية حلها بما يخدم مصالحها . بإبعاد محمد على القوي ، والتعامل مع السلطان الضعيف .

وجه الأوروبيون سنة ألف وثمانمئة وأربعين إنذارا إلى محمد علي كي يقبل صفقة تعيده إلى مصر وتجعل وجوده في الشام مؤقتا .فرفض الإنذار .لكن الثورات اندلعت ضده في الشام ، فيما احتلت الأساطيل العثمانية والإنكليزية  والنمسوية مدنا عديدة على الساحل ، واحتلت وحدة إنكليزية القدس .

فأصبحت مقاومة المصريين دون جدوى ليبدأوا انسحابا تحت وطأة الاضطرابات التي كلفتهم ضحايا كثيرة ، وأسدلت الستار على مشروع كبير .