الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

كتب وإصدارات

إعداد : نافذ أبو حسنة

الحلقة الرابعة والأربعون

 

الحرب العالمية الأولى

 

عينت الحكومة البريطانية سنة ألف وثمانمئة وثمان وثلاثين أول قنصل لها في بيت المقدس، وهو اللورد آشلي الذي كشف في يومياته عن مشاعر متعاطفة تجاه حلم لليهود باستعمار فلسطين تحت حماية إنكليزية عليا.

 

عمل آشلي في القدس ممثلا لليهود، وللدوائر الصهيونية في بريطانيا.. ومنذ ذلك الوقت، كانت الحكومة البريطانية تعمل كل ما من شأنه إقامة محمية بريطانية لليهود في فلسطين، ولذلك ما إن اندلعت الحرب العالمية الأولى حتى سارعت الى ترتيب الخطط الملائمة لدخول الجيوش البريطانية الى فلسطين وبيت المقدس، تحت شعار مساعدة العرب في التخلص من الاحتلال التركي، بيد أن هدفها الحقيقي كان انفاذ وعد بلفور.

 

وقد كشفت وثائق الحكومة البريطانية عن أن هربرت صموئيل عضو الحكومة الليبرالية، اقترح أثناء مناقشة مستقبل فلسطين سنة ألف وتسعمئة وخمس عشرة، إقامة محمية بريطانية على فلسطين يمكن لليهود من جميع أنحاء العالم الاستقرار فيها، وصموئيل هذا هو الذي عين أول مندوب سام بريطاني في فلسطين، كما أن خبيرا بريطانيا كتب إلى حكومته سنة ألف وتسعمئة وسبع عشرة أن تخليص القدس من الأتراك سيحظى بتأييد كل مسيحي ويهودي وعربي، وسيكون له أثر أخلاقي وسياسي عالمي.

 

إذا، فالهدف البريطاني، كان المسارعة إلى احتلال فلسطين وبيت المقدس، لإقامة الوطن القومي اليهودي فيها.

وفي ظروف الخديعة البريطانية للعرب، وضعف الدولة العثمانية، لم يجر الدفاع عن القدس كما ينبغي، رغم أن الأتراك بدأوا الحرب من القدس بحماسة كبيرة.

 

ففي نهاية عام ألف وتسعمئة و أربعة عشر، وصلت الراية النبوية إلى القدس، وتم استقبالها في حفل كبير في الساحة المحيطة بقبة الصخرة، وتم وضعها في المسجد الأقصى لإخراجها في اليوم الذي تنطلق فيه حملة جمال باشا على مصر.

 

انتهت الحملة المذكورة إلى الفشل، وتأخر الأتراك كثيرا في إقامة الدفاعات اللازمة حول القدس، ففي تشرين ثان من عام ألف وتسعمئة وسبعة عشر، وقبل فرض الحصار على القدس بثلاثة أيام أصدر مقر القيادة العامة للجيوش العثمانية أوامره بإعداد الدفاعات عن القدس، ولذلك لم تكن جاهزة عند مهاجمتها من القوات البريطانية، وكانت أكثر خطوط خنادق النار محفورة في أرض كلسية طباشيرية، يكشف بها التراب المستخرج حديثا ببياض لونه خط التحصينات. ولم يكن يكفي لأغراض الدفاع الطويل من أرزاق وعتاد ومدخرات، ولم تجهز الخنادق بمدافع الحصار الثقيلة، ولم تتخذ أي إجراءات فيما يتعلق بموضوع السكان المدنيين وإخلائهم أو تدبر معيشة حياة الباقين في المدينة في ظروف المعركة الدفاعية.

 

ومن الأمور اللافتة، أن الوحدات الألمانية المتحالفة مع العثمانيين و أعضاء الديوان العرفي ودائرة الرديف و المستشفيات غادروا جميعا القدس قبل إصدار الأوامر بإعداد الدفاعات عنها بخمسة أيام.

وفي العشرين من تشرين الثاني، أعلن المتصرف العثماني في القدس، أن الطريق بين نابلس و القدس قد أقفلت لأن الجيش البريطاني وصل إلى قرية النبي صموئيل.

 

وكان المستشار الألماني " فوق فالنكهاين" قد نظم لقائد الفيلق العشرين العثماني على فؤاد باشا خط مواصلات آمن يمتد شرقا نحو أريحا و الأردن وسكة حديد الحجاز.

كان علي فؤاد باشا، من أفضل قادة الفيالق التركية، لكنه لم يكن مؤمنا بإمكانية الدفاع عن القدس، ويرى أن فيلقه منهك، وبالفعل لم يصمد أكثر من أربع وعشرين ساعة أمام الجيوش البريطانية.

 

وعشية دخول هذه الجيوش إلى القدس استدعى متصرفها العثماني عزت بك، المفتي كامل الحسيني، ورئيس البلدية حسين سليم إلى داره، وخاطبهما قائلا: قد أحاطت الجنود الإنكليزية بالقدس، ولابد أن تسقط في أيديهم و أنا سأترك المدينة بعد نصف ساعة.. سألقي هذا الحمل الأدبي العظيم بين أيديكم.. أي تسليم المدينة.

وفي التاسع من كانون الأول عام ألف وتسعمئة وسبعة عشر، دخل البريطانيون الى القدس بقيادة الجنرال اللنبي، ووقف أحد ضباطهم ليقول: ان الأمير الهاشمي فيصل ابن الشريف حسين سوف يرسل نائبا عنه لاستلام القدس من القوات البريطانية.

 

وكانت هذه كذبة بريطانية أخرى من حبل الأكاذيب الطويل، فالواقع أن بريطانيا كانت تتحضر لتسليم فلسطين الى الصهاينة.

ومن بيت المقدس، انطلقت الجيوش البريطانية مطلع عام ألف وتسعمئة وثمانية عشر لتستكمل احتلال الأجزاء الشمالية من فلسطين.