|
إعداد :
نافذ أبو حسنة
الحلقة
الخامسة والأربعون
التدخل الروسي وحرب القرم
مثلما تذرعت فرنسا بحماية
اللاتين، وجدت روسيا في حماية الأرثوذكسية غطاء لمطامعها في السيطرة على مضيقي
الدردنيل والبوسفور وتقاسم الدولة العثمانية.
في عهد بطرس الأكبر، اعتبرت
روسيا نفسها الوريثة الشرعية للكنيسة الأرثوذكسية الكبرى في القسطنطينية، و أخذت
تمد نفوذها إلى القدس و الأراضي المقدسة، وأكثرت من العطايا للبطركية الأرثوذكسية
للروم في القدس، وشجعت بطاركة اليونان الأرثوذكس على الانفصال عن كنيسة القسطنطينية
وتأسيس بطركية مستقلة..
ومع نجاح فرنسا في فرض حمايتها
للاتين، تقدم القيصر ألكسندر
الأول بمذكرة إلى الباب العالي، يطلب فيها إقرار حقوق روسيا في حماية الارثوذكس
ومصالحهم في الدولة العثمانية.
توجست فرنسا وبريطانيا ريبة من
الطلب الروسي فحرضتا
السلطان على رفضه، فظهرت مشكلة الأماكن المقدسة إلى العلن بوصفها مشكلة لا تحل في
الأستانة وبفرمانات الباب العالي، بل بوصفها مشكلة دولية، وجزءا مما سيعرف بالمسألة
الشرقية.
انشغلت أوروبا الكاثوليكية
بقيام الثورة الفرنسية والحروب النابليونية، والثورات والحروب القومية، والخلاف مع
الفاتيكان حول سياسة فصل الدين عن الدولة، فاستغلت روسيا هذه الأوضاع، و أصبحت
صاحبة اليد الطولى في شؤون الدولة العثمانية، وسيطر الروم الأرثوذكس على الأماكن
المقدسة مدعمين بقرار من الباب العالي سنة ألف وسبعمائة وسبع وخمسين، ومع أن فرنسا
واصلت حمايتها لللاتين، وبقيت لهم
حقوقهم في كنيسة القيامة إلا أن السيطرة الفعلية كانت للروم الأرثوذكس، رافضين
التخلي عنها بتحريض روسيا القيصرية، التي أصبحت وفي أعقاب صلح كينارجي، الذي آذن
بتفكيك الدولة العثمانية وتصفية ممتلكاتها في أوروبا، أصبحت تعتبر نفسها حامية
لمصالح الكنيسة الأرثوذكسية وحقوقها في الأماكن المقدسة.
بذل القيصر نيقولا الأول كل
جهده لمنع أي تدخل غير روسي في شؤون الدولة العثمانية، ورفض المؤتمرات الأوروبية
الخاصة بالنظر في مسائل خاصة بالمسألة الشرقية.. ومع ذلك دعم تحركات محلية ضد
السلطنة ما أدى إلى اندلاع حرب القرم أواسط القرن التاسع عشر.
كان السبب الظاهر للحرب، هو
النزاع بين رهبان من الروم ورهبان من اللاتين حول حمل مفاتيح كنيسة بيت لحم، وحقهم
في نجم فضي وضع حيث ولد السيد المسيح.
عملت روسيا على تأجيج هذا
النزاع البسيط، بسبب رغبتها في شن
الحرب ضد تركيا، وحاول القيصر نيقولا الأول استمالة بريطانيا إلى جانبه، على أن
تتقاسم الدولتان التركة العثمانية، لكن بريطانيا رفضت الوضع الروسي.
اشتبك رهبان الطائفتين في
كنيستي القيامة وبيت لحم. طلبت فرنسا تثبيت حقوق اللاتين فلبت السلطنة، واحتجت
روسيا التي عرضت على الباب العالي بنود معاهدة تتيح لروسيا أن تكون حامية للرعايا
الأرثوذكس وضامنة لحقوقهم، وأن يوقع السلطان مستندا
يجعل من روسيا صاحبة اليد الطولى في الدولة العثمانية.
رفض السلطان فاندلعت حرب القرم
التي شنتها روسيا،وانتهت بهزيمتها بعد أن حظيت تركيا بدعم أنجلترا وفرنسا وسردينيا.
أصدر السلطان خط هاميون
سنة ألف وثمانمئة وست وخمسين، مع انتهاء الحرب، يضمن حقوق الطوائف المسيحية داخل
الدولة العثمانية، والمساواة التامة بين الأديان والجنسيات المختلفة.
لكن الدول التي دعمت تركيا في
حربها ضد روسيا ووقعت معهما على صلح باريس، أوضحت أهدافها الحقيقية.
فهمت الدولة العثمانية بداية
أن الأمور قد استتبت، ووقعت سنة ألف وثمانمئة واثنتين
وستين معاهدة مشتركة مع فرنسا وروسيا للحفاظ على قبر المسيح المقدس، ومنع اليهود من
الاقتراب منه.
لكن الدول الأوروبية كانت في
الواقع تفكر في أمر آخر، إذ اكتملت لديها فكرة تقاسم الدولة العثمانية، حيث وقع
المشاركون في مؤتمر برلين سنة ألف وثمانمئة وثمان وسبعين على معاهدة أشارت وللمرة
الأولى إلى "الوضع الراهن في الأماكن المقدسة" ولم تقصر المعاهدة حق الحماية في
الأماكن المقدسة على دولة بعينها، وإنما أعطت لكل دولة من الدول الموقعة الحق في أن
تجد لنفسها صالحا في ممارسة هذا الحق في الأماكن المقدسة ان تمارسه.
و تضمنت المعاهدة نصا يقول:
يعترف للممثلين الدبلوماسيين
و القنصليين لدى الدولة العثمانية بحق الحماية الرسمي للأشخاص المنوه عنهم وهم
الحجاج والرهبان ورجال الدين، ولمؤسساتهم الدينية في الأماكن المقدسة بمدينة القدس
وغيرها من المواضع".
بعد مؤتمر برلين ظهر النزاع
بصورته الحقيقية كنزاع علماني لاديني في جوهره، سياسي استعماري في مبناه وحقيقته.
|