|
إعداد :
نافذ أبو حسنة
الحلقة
السابعة والخمسون
اليهود واضطهاد السيد المسيح
في بيت لحم، مدينة المهد ولد
السيد المسيح عليه السلام، وفي بيت المقدس كان مهد دعوته .
وبحسب المصادر التاريخية، ولد
السيد المسيح سنة أربع قبل الميلاد، وسبب هذا الذي يبدو خطأ يعود إلى الذي وضع أسس
التاريخ من ميلاد المسيح ، وهو ديونيسيوس أكسيغوسس، من أهل القرن السادس الميلادي،
وقد كان عالما رياضيا كبيرا ولاهوتيا مرموقا، لكن ديونيسيوس، لما حسب تاريخ ولادة
المسيح ربطها بتاريخ إنشاء مدينة روما التقليدي، وهو سبعمائة وثلاثة وخمسون قبل
الميلاد، إلا أنه أخطأ في حسابه بنحو أربع سنوات ، ومن هنا جاء الفرق .
لا تلبي المصادر التاريخية على
نحو واضح، معرفة كافية بالسنوات الأولى للسيد المسيح، ولكن
حسب إنجيل برنابا ، الذي ترجمه الدكتور خليل سعادة في القاهرة
سنة ألف وتسعمائة وثمان ،فإن هيرودس الأدومي ،الذي استمر حاكما في فلسطين إلى السنة
الرابعة قبل الميلاد ،وهي السنة التي شهدت ولادة السيد المسيح ،سعى إلى قتله وهو
طفل ،وأنه لهذه الغاية أمر بقتل جميع الأولاد الذين في بيت لحم ،تلك السنة.
يحفل الإنجيل المذكور بكثير من
التفاصيل عن حياة السيد المسيح ،فيذكر أنه ذهب إلى مصر مع السيدة مريم العذراء
ويوسف،حتى مات هيروس ،فعادوا وقد بلغ السيد المسيح سبع سنين إلى القدس ،ولكنهم
خافوا البقاء فيها فذهبوا إلى الناصرة ،ليعودا مرة أخرى إلى القدس وقد بلغ السيد
المسيح من العمر اثنتي عشر عاما ،وتلقى الرسالة على جبل الزيتون ،حسب إنجيل برنابا
،وكان له من العمر ثلاثين عاما .
ويسرد إنجيل برنابا مؤامرات
اليهود على السيد المسيح ومحاولاتهم لقتله ، وما تعرض له من عسف واضطهاد على أيديهم
،وهو ماكان شأن تلاميذه الذين
عانوا كثيرا أيضا منذ بداية الدعوة ولقرون ثلاثة ،حتى تبنى الإمبراطور الروماني
الديانة المسيحية ،ورفع الاضطهاد عن المسيحيين .
يقول صابر طعمية في كتابه
التاريخ اليهودي العام :"أدركت قوى الاستغلال اليهودي أن دعوة السيد المسيح إلى
الحق والعدل تشكل خطرا عليها ،فدخلوا
مع هذه الدعوة في معركة كانت من أشد المعارك التي خاضتها الدعوات إلى الحق والعدل"
.
وإزاء العجز عن مقاومة نهج
السيد المسيح الذي كشف عوراتهم
وسيئاتهم فقد قرروا قتله ،وهو ما يعبر عنه إنجيل متى بالقول "أن يضعوا للمعلم حدا
للتخلص منه".
وفي الحرب التي شنها اليهود
على السيد المسيح استخدموا كل أساليب الوقعية
والوشاية وأعمال التجسس ،وأعدوا اتباعا لهم لازموا السيد المسيح وتعرفوا على أخباره
عن قرب،ومن هؤلاء الأتباع "يهوذا الأسخريوطي" الذي كان قويا للغاية عديم
المشاعر،قاسي القلب.
وبتعبير "متى" في الإصحاح
السادس والعشرين:"ذهب واحد من الإثني عشر الذي يدعى يهوذا الأسخريوطي إلى رؤساء
الكهنة، وقال "ماذا تريدون أن تعطوني ،وأنا أسلمه إليكم،فجعلوا
له ثلاثين من الفضة ، ومن ذلك الوقت كان يطلب فرصة ليسلمه ".
وبحسب إنجيل برنابا ،فإن هذا
الخائن دفع ثمنا قاسيا لقاء خيانته .
رغم القسوة التي تعرض لها
السيد المسيح عليه السلام ،فإنه لم ينثن ،وواصل دعوته وتابع تلاميذه من بعده ،حتى
حققت الدعوة انتشارا واسعا
جدا ،انطلاقا من بيت المقدس المركز الأول للجماعة المسيحية ،هذا مع العلم بأن
الأماكن التي بشر فيها السيد المسيح أكثر أيامه وعمل فيها تلاميذه ،كانت في الجليل
.
وسوف نعود للحديث عن بدايات
المسيحية في فلسطين في حلقة لاحقة .
يعرض د.نقولا زيادة ،للظروف
التي جاء فيها السيد المسيح لينشر دعوته ،ملاحظا أن اليهود كانوا مصرين على أن الله
اختار شعبا خاصا به هو الشعب اليهودي ، وهو وحده الذي وجهت إليه الرسالة ، وهو
يقبلها وينشرها داخليا بين أفراد هذا الشعب وأبنائه فقط .بحيث إن الأمر كله كان
حكرا،وإذا كانت الأسرة الحشمونية ،قد فرضت التهود على الآدوميين ،فقد كانت وراء هذه
الحركة دوافع سياسية لا دينية .
إلى ذلك يعتقد اليهود أن
مملكة ،أو ملكوت السماوات ،ستقوم على الأرض ،وأنها آتية
لا ريب في ذلك ،وأن مجيئها أصبح وشيكا ،وهذه المملكة الإلهية المنتظرة هي يهودية
بطبيعة الحال ،وهذه المملكة سيتحقق وجودها على يد مخلص منقذ"سيا" ،كما أن العبادة
الصحيحة لا يجب أن تتم خارج الهيكل .
كان الفريقان الأساسيان في
الجماعة الدينية اليهودية الفريسيين والصدوقيين .
كان الفريسيون
يرون أن القيام بالطقوس الدينية بحرفيتها وبدقة يعطي المؤمن ما يشبه الرصيد
المستقبل ،أما الصديقيون فقد كانوا أكثر اهتماما بالنفوذ السياسي والسلطة ،في هذا
الجو جاء السيد المسيح ،جاء برسالته التي تتلخص بأن ملكوت الله هو هبة الله للبشر
أجمعين ،وأنه يتم بإدارة الله ،والحصول عليه يتم بالتوبة ،بالولادة الثانية
،والتنازل عن متاع الدنيا .
والوصول إلى هذا الملكوت يصبح
أمرا روحيا داخليا في نفس كل مؤمن ،ولا يكون الانضمام إلى مملكة على هذه الأرض .
وحملت دعوة المسيح تحريرا
للإنسان من القيود والأربطة التي لفتها الجماعة الدينية في بيت المقدس حوله ،فقيدت
المجتمع فرادا وجماعات .
ودعا المسيح إلى عبادة إله
واحد لكنه بأقانيم ثلاثة :الأب والدين والروح القدس .بدت دعوة المسيح ،متناقضة مع
إدعاء اليهود بالعهد الإلهي الذي أعادوه تدريجيا إلى الوراء حتى أصبح يعود إلى عهد
الخليفة ،بعد أن كان أولا من عهد إبراهيم ،ثم من عهد نوح،فالمسيحية اعتبرت الناس
جميعا سواء.
فالمسيحية اهتمت بالطهارة
القلبية والإيمان بالروح أكثر من الاهتمام بالطقوس ،وقد رأى السيد المسيح فيهم ،بأن
حالهم من الداخل من عند طوية النفس
وسريتها ، ومن خارجها عند مظاهر النفاق
، والحس المتبلد ،بأنهم
كالقبور المبيضة خارجها بطلاء جميل وداخلها عظام نخزه.
كانت اليهودية تهتم بالهيكل
،وبأنه المكان الوحيد الصالح للعبادة ،بينما دعا السيد المسيح إلى تنقية القلب
وتطهيره ،بحيث يصبح مكانا لائقا لأن يعبد الله فيه في كل وقت ومكان بتعاليم
السماحة والمحبة ،انطلق السيد المسيح من بيت المقدس لينشر دعوته ،وإذا كان قد لاقى
العسف والاضطهاد على يد اليهود ، وكان هذا حال تلاميذه ،فإن مهده في بيت لحم ، ومهد
دعوته في بيت المقدس ،وأهلوهما
مازالوا يلاقون جور من وصفهم بكلماته بالحيات
أولاد الأفاعي .
|