الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

كتب وإصدارات

إعداد : نافذ أبو حسنة

الحلقة الثامنة والخمسون

 تحرير بيت المقدس

 

حاول الفرنجة منع قيام الجبهة المصرية الشامية ، فاستنجدوا بحملة جديدة وتحالفوا مع بيزنطة لهجوم مشترك على مصر لاقى فشلا ذريعا . وحاولوا استغلال وفاة نور الدين لمهاجمة دمشق، ولم ينجحوا أيضا .

بعد وفاة نور الدين أصبح صلاح الدين الأيوبي الحاكم الفعلي لمصر والشام فضلا عن المواقع الرديفة في برقة واليمن والجزيرة .

 

صرف صلاح الدين وقتا ليس بالقصير في ترتيب الأوضاع  ، وتحصين مصر والشام خشية من حملة جديدة . ثم هاجم مملكة بيت المقدس في إغارة خاطفة سنة ألف ومائة وثمان وسبعين تناولت الداروم وغزة التي حصنها الداوية ، فتجاوزها نحو عسقلان ، وضرب عليها الحصار بعد أن دخلها بفدوين الرابع ملك القدس ليتولى الدفاع عنها .

بدت الفرصة سانحة لتحرير بيت المقدس ، فقد كان الفرنجة في أسوأ أحوالهم . ووقع صلاح الدين في خطأ  قاتل عندما ترك الجيش يتفرق في فلسطين بدل المهاجمة بكتلة واحدة .

 

احتل المسلمون اللد والرملة وهاجموا أرسوف  ونابلس ، لكن بفدوين الرابع ما لبث أن خرج من عسقلان ، وفاجأ صلاح الدين قرب الرملة ، وألحق به هزيمة نجا منها بصعوبة .

عادت الحرب سجالا بين صلاح الدين وفرنجة مملكة القدس ، وكان خلالها يسعى إلى تقوية جيشه ، لكنه لم يستطيع الانتظار أمام محاولة أرناط الوصول إلى الأماكن المقدسة ، فحشد جيشا كثيفا للإغارة على فلسطين سنة ألف ومائة وثلاث وثمانين .

 

دخل الجيش الإسلامي بيسان التي فر سكانها إلى طبريا وحصونها ، واحتشد معظم أمراء الفرنجة في صفورية بقيادة غي لوزينيان ، وتوجهوا إلى سهل    زرعين .

مد صلاح الدين أجنحة جيشه حتى كادت تطوق الفرنجة ، ولكن هؤلاء اتخذوا موقف الدفاع السلبي ، ولم يشتبكوا مع الجيش الإسلامي . أعطت هذه المعركة العامة صورة عن قوة صلاح الدين ، وكان عليه أن يتخلص من حصني الكرك والشوبك اللذين يسيطر عليهما أرناط ، الذي واظب على مهاجمة الحجاج والقوافل التجارية الإسلامية ، رغم وجود هدنة بين مملكة القدس وصلاح الدين .

رد صلاح الدين على تحرشات أرناط بالإغارة على  طبريا والجليل وعكا وبيروت ، وحصن الحبيس وغزة، كما احتل بيسان .

 

لم تكن محاولة أرناط الوصول إلى الحرم المكي مما يمكن السكوت عنه ، ومع أن حملته فشلت فشلا ذريعا ورد عليها صلاح الدين بالإغارة على فلسطين إلا أن محاولاته بالاستيلاء على حصن الكرك فشلت ، لأن من فيه لم يخرجوا للقتال ، وجاءتهم نجدة من ملك القدس .

 

وقعت الهدنة مجددا إلى أن خرقها أرناط سنة ألف ومائة وست وثمانين ، وهو خرق لم يكن يريده ملك القدس ، ولا الوصي ريموند الذي جمعته صلات حسنة مع صلاح الدين ، في حين شكل فرصة للمسلمين الذين اكتملت قواهم . فحشدوا خمسة وعشرين ألف مقاتل في مواجهة عدد مماثل من الفرنجة .

نجح صلاح الدين في استدراج الفرنجة إلى المكان الذي حدده للمنازلة ، في سهل حطين ، وهكذا وصلت الجيوش الفرنجية منهكة من المسير والعطش ، فألحق بها المسلمون هزيمة قاسية .

 

تعرف هذه المعركة الحاسمة باسم موقعة حطين وفيها قتل أرناط وأسر ملك القدس، وهي شكلت ضربة قاصمة ضد أكبر حركة استعمارية شهدها العالم قبل العصور الحديثة . وهي فتحت الطريق أمام المسلمين إلى بيت المقدس .

سيطرت جيوش المسلمين بسرعة على الإمارات الصليبية على الساحل ابتداء بعكا، كما سيطرت على حصون الداخل ، وفي العشرين من أيلول سنة ألف ومائة وسبع وثمانين ، ضرب صلاح الدين حصارا على بيت المقدس . وكان توجهه منذ البداية أن يدفعها إلى الاستسلام دون أن يضطر إلى مهاجمتها .

 

ويقول الكتاب المرافقون له آنذاك إن الفرنجة داخل المدينة هددوا بهدم المقدسات الإسلامية وقتل الأسرى ، إذا فكر صلاح الدين بمهاجمة المدينة . لكنه عندما نقب السور ، أذعنت المدينة للاستسلام ، ولم تشهد أية مذابح على غرار تلك التي وقعت عند احتلالها ، بل تقرر أن يدفع الفرنجة فدية عن أنفسهم ، سدد منها صلاح الدين وقادته عن الفقراء مبالغ كبيرة ، في حين خرج بطريرك القدس من المدينة بالأحمال من ذهب الكنيسة وفضتها وذخائرها ، مقابل عشرة دنانير .

 

وبقي أهل القدس المسيحيين فيها ، وكانوا يجاهرون بأنهم يفضلون حكم المسلمين على حكم الفرنجة .

ويوم الجمعة السابع والعشرين من رجب سنة خمسمائة وثلاث وثمانين للهجرة الثاني من تشرين الأول لسنة ألف ومائة وسبع وثمانين أقيمت صلاة الجمعة في الأقصى لأول مرة منذ ثمانية وثمانين عاما .

 

تابعت الجيوش الإسلامية إسقاط الحاميات الفرنجية فاحتلت حصن الكرك بعد حصار طويل ، ثم استسلم حصن الشوبك ، وقلعة صفد وقلعة كوكب الهوا التابعة للاسبتارية ، واحتل المسلمون جبلة اللاذقية وقلعة صهيون ، ولم يبق لإمارتي طرابلس وأنطاكية سوى الحاضرتين وقلعة الوطوس بيد الداوية ، وقلعتي مرقب وحصن الأكراد بيد الاسبتارية .

ولكن الحروب الفرنجية لم تنته بعد ، وسوف تحتاج نهايتها إلى مئة سنة أخرى.