|
إعداد :
نافذ أبو حسنة
الحلقة
الخامسة والستــون
التدخلات الأوروبية
مثلما استخدم الفرنجة شعارا
دينيا لتسويغ عدوانهم على بيت المقدس ، رأت الدول الأوروبية في ما أسمته حماية
الطوائف المسيحية والأماكن المقدسة وسيلة مناسبة لمد نفوذها إلى القدس وفلسطين،حتى
لو اقتضى ذلك أن تعمل على تأجيج الخلافات بين الطوائف المسيحية ، وبث بذور الفرقة
فيما بينها .
سعت فرنسا بداية إلى أن تضمن
الإبقاء على المكتسبات التي حققتها الكنيسة الكاثوليكية أثناء الحكم الفرنجي .
وجرى عقد معاهدات في هذا
الإطار بين الفرنسيين وحكام ايطاليا من جهة وبين سلاطين المماليك من جهة أخرى، وهي
شملت السماح لإرساليه الفرنسيسكان بالإقامة في المدينة المقدسة .
كانت حرية العبادة كاملة ،
عملا بقوله تعالى : " فليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيهم ".غير أن الأوروبيين
سعوا إلى نقل الخلافات إلى بيت المقدس خدمة لأهدافهم وغاياتهم البعيدة عن موضوع
الدين والعبادة فظهرت الخلافات بين الطوائف المسيحية في المدينة ، وقام سلاطين
المماليك ثم العثمانيون بفضها ، قبل ظهورها أمام المؤتمرات الدولية .
وأصبحت هذه الاختلافات من
الشدة إلى درجة أن أصحابها من رؤساء الطوائف المسيحية أخذوا يحتكمون فيها إلى
السلاطين وولاة القدس المسلمين ، وعندما لم تجد الطوائف المسيحية من تتوافق عليه من
بينها لحراسة كنيسة القيامة ، ارتضت قيام المسلمين بحراستها وفتحها حتى تنتهي طقوس
العبادة ثم إغلاقها وحمل مفاتيحها .
لعبت التدخلات الأوروبية دورا
في عدد من القرارات والأحكام التي أصدرها السلاطين المماليك ، في القضايا المرفوعة
أمامهم من رؤساء الطوائف المسيحية ومن ذلك الفرمان الذي أصدره الظاهر برقوق سلطان
مصر ، نهاية القرن الرابع عشر ، بصدد الخلاف بين اللاتين والروم ، إذ أيد فيه حق
اللاتين الكاثوليك في المساكن المتنازع عليها في القدس ، كما منع الروم الأرثوذكس
من التعرض لهم .
وفي عهد السلطان الأشرف
قاتيباي اختصم الكرج واللاتين على كنيسة الجلجلة فقام بتقسيمها بينهم .
استمر الحال على هذا المنوال ،
في عهد العثمانيين وظهرت على مسرح النزاع طوائف أخرى ، وفي كل مرة ، كان الفريق
المغلوب يلجأ إلى الحاكم الذي بيده السلطة .
ويسعى إلى استثمار نفوذ دولة
أوروبية تؤيده لدى الحاكم . ففي عام ألف وخمسمائة وواحد وأربعين ، اشتد الخلاف بين
المسيحيين الأرثوذكس من أبناء البلاد الأصليين ، وبين رئيس البطريركية اليوناني
جرمانوس ، فرأى اللاتين الفرصة مناسبة للاستفادة من الامتيازات التي قد منحها
سليمان القانوني لفرنسوا الأول ، وحصلوا بالفعل على أمر بأن يخلى الروم والأرمن
القباب الثلاث في كنيسة القيامة وأن يسلموا المفاتيح والشمعدانات والقناديل إلى
الفرنسيسكان .
وصار لفرنسا وحدها حق حماية
الكاثوليكية اللآتينية ومصالحها في البلاد المقدسة .
وبكن انشغال الدول الأوروبية
الكاثوليكية بالحروب الداخلية في أوروبا شجع الأرثوذكس على المطالبة بحقوقهم في
كنيسة القيامة وحصلوا بالفعل على فرمانات من السلطان مراد الرابع في أواسط القرن
السابع عشر ، ما أثار حفيظة اللاتين وملك فرنسا ، والبابا اوربانوس الثامن ، فصدر
فرمان جديد يؤيد حقوق اللاتين .
وبسبب هذه المواقف المتقلبة ،
بدت الفرصة سانحة لتدخل أوروبي أكبر أثرا ، فسعت فرنسا بحكم علاقاتها الوثيقة مع
الدولة العثمانية إلى الحصول على اعتراف الباب العالي بأن تكون فرنسة حامية
للمسيحية في بلاد الدولة العثمانية ، وأن تشمل الحماية الفرنسية أبناء الدولة
العثمانية من المسيحيين الكاثوليك والتخطيط لحقوق اللاتين والروم والارثوذكس ولكن
الدولة العثمانية رفضت .
استغلت فرنسة ، ظروف الحرب
التي شنتها روسيا والنمسا وبولندا والبندقية ضد السلطنة ، لتجبرها على تلبية
المطالب الفرنسية ، وسيطر الرهبان اللاتين الكاثوليك على الأماكن المقدسة في القدس
، وتم تثبيت هذه السيطرة في فرمان سلطاني ، صدر سنة ألف وستمئة وتسعين.. وفي عام
الف وسبعمئة وأربعين ، عقدت فرنسا مع الدولة العثمانية أول معاهدة بالمعنى الصحيح
للامتيازات الأجنبية، اعترفت فيها الدولة العثمانية بحماية فرنسا لجميع من يدينون
بدينها في بلاد الدولة العثمانية ، أي جميع اللاتين من الأجانب ورعايا الدولة .
وأكدت المعاهدة حقوق اللاتين
التي حصلوا عليها بموجب الفرمانات السابقة .
لم يكن هذا حلا للمشكلة بل
تأسيسا جديدا لتفاقمها ، فسوف يعود الأرثوذكس إلى الحصول على فرمانات لصالحهم .
وتتطور الأمور إلى حروب دموية .
فمع إطلالة القرن الثامن عشر ،
أصبح التدخل الأوروبي بدعوى حماية الطوائف المسيحية والأماكن المقدسة ، إحدى قواعد
العلاقات الدولية السائدة ، لكن في القرن التاسع عشر سوف تندلع حرب القرم ، ومعها
بداية التقاسم الفعلي لأراضي السلطنة العثمانية ، وفيها القدس التي وقعت في أيدي
البريطانيين تمهيدا لتسليمها إلى الصهاينة . |