|
إعداد :
نافذ أبو حسنة
الحلقة
السابعة
بيت المقدس
الزوايا والخوانق
بيت المقدس الذي شهد قدوم
أعداد كبيرة من الصحابة والتابعين بعد الفتح العربي الإسلامي ، شهد أيضا قدوم زهاد
ومتعبدين وصالحين ، للاعتكاف في المسجد وحوله .
ومن هؤلاء على سبيل المثال
: قييصة بن ذؤيب ، وعبد الله بن محيريز , وهانىء بن كلثوم ، وأم الدرداء : هجيمة
بنت حيي ، زوج الصحابي أبي الدرداء التي كانت تجالس الفقراء والمساكين وتحسن إليهم
.
عاش الزهاد الأولون حياة
بسبطة وأقاموا في معتكفات للتعبد وذكر الله . وفي القرن الثاني للهجرة ، قدم عدد
كبير من الصوفية إلى الديار الفلسطينية المقدسة .
وفي مقدمة هؤلاء أم الخير
رابعة بنت اسماعيل العدوية ، وبشر الحافي ، وذو النون الحصري ، وإبراهيم بن أدهم ،
والسري بن المفلس السقطي .
الصوفيون كانوا أفرادا في
الأصل ، ثم تجمعوا في منظمات منذ القرن الثالث الهجري . ولكن رواج الطرق الصوفية ،
إنما تم في القرن السادس الهجري ، وانتشرت انشارا كبيرا ابتداء من القرن السابع
الهجري ، فيما بلغت قمتها في القرن الثامن حيث لقي الصوفيون تشجيعا من الحكام
المماليك .
ارتبط بوجود الصوفية نشوء
الزوايا والخوانق . والخانقاه كلمة فارسية تطلق على المباني التي تقام لإيواء
الصوفية الذين يحلون فيها للعبادة . وقد سميت في العهد العثماني " تكايا " كما أطلق
عليها أيضا اسم الربط .
تركزت معظم الزوايا
والخوانق في مدينتي القدس والخليل ،وقد بدأ تأسيسها في القرون الاسلامية الاولى ،
ولم تكن مقصورة على الصوفية وإنما شغلها زهاد ومتعبدون . ولم يبق من معظمها أية
آثار في الوقت الحاضر .
ولعل من قبيل الاستثناءات
النادرة ، بقاء الزاوية الأدهمية في القدس ، التي تنسب إلى الصوفي إبراهيم بن أدهم
المتوفي سنة مئة وإحدى وستين للهجرة .
أما معظم الزوايا التي لا
تزال آثار كثير منها ماثلة فترجع إلى عصر المماليك، الذين اجتهدوا في تعمير زوايا
ومنشآت كانت موجودة قبلهم ، فضلا عن إنشاء مؤسسات جديدة .
واليوم لا يعرف عن كثير من
الزوايا سوى اسمها ، أو أسماء منشئيها فيما اندثرت هي .
ومع أن تعبيرات الزوايا
والخوانق والتكايا والربط ، كانت تطلق على مؤسسة واحدة لإيواء الصوفية ، فإنها كانت
مختلفة ، وكل منها تعني نمطا مختلفا من هذه المؤسسات .
فالزوايا التي انتشرت في
معظم أنحاء فلسطين ، وكان في القدس أربعين منها، هي مؤسسات شخصية ، غير مرتبطة في
جميع الأحيان بالصوفية . إذ الزاوية هي مقر رجل من الأتقياء أو بيته ، يجمع فيها
حوله جماعة من التلاميذ ، وفيها مصلى . ولهذا السبب كانت الزوايا أصغر من الخوانق
والربط وأكثر منها عددا ، كما أنها أقدم منها عهدا ، فقد كان الاعتكاف في غرفة
صغيرة أو منارة في المسجد أمرا عاديا للزهاد والعباد منذ فجر الإسلام .
وكان هذا المعتكف يدعى
زاوية منذ عهد الصحابة . ومما يدل على الأهمية التعليمية للزوايا ، فإن كثيرا من
المدارس في بيت المقدس ، ومدن فلسطينية أخرى كانت تسمى زوايا . وبالعكس ، فالزوايا
الأمينية ، والنصرية والختنية في القدس ، كانت تسمى مدارس أيضا .
وفي بعض الزوايا أقيمت
مكتبات هامة كما هو الحال في الزاوية النصرية في القدس ، التي أقيمت في القرن
الخامس للهجرة .
في بيت المقدس كان عدد
الزوايا ينوف عن الأربعين ومن أشهرها : النصرية ، الجراحية ، الدركاء ، الأدهمية ،
البسطامية ، الرفاعية ، زاوية الهنود ، زاوية الأفغان – وغيرها .
أما الخانقاه فهي بعكس
الزاوية ، إذ أنها ليست شخصية ، وإنما لها غالبا مقام رسمي في الدولة ، إذ هي تنفق
عليها ، وتعين لها الشيوخ بمراسيم سلطانية .
انتشرت الخوانق بتوسع منذ
القرن الخامس الهجري ، وهي أكبر بيوت الصوفية ، كانوا يقيمون فيها بصورة دائمة ،
ويتلقون مخصصات محددة ، كما أن الخانقاه كانت مؤسسة للتعليم الديني أيضا .وكانت على
النازلين فيها التزامات معينة للتعبد والدرس والذكر.
أول الخوانق التي أسست في
القدس ، هي خوانق الفرقة الكرامية ، أتباع محمد بن كرام المتوفي سنة مئتين وخمس
وخمسين للهجرة ، وقد ذكرها الجغرافي المقدسي في كتابه أحسن التقاسيم .
أما أول خانقاه معروفة
معرفة جيدة نسبيا ، ولا تزال قائمة حتى الآن ، فهي الخانقاه الصلاحية التي بناها
صلاح الدين سنة خمسمئة وثلاثة وثلاثين للهجرة وكانت لها أوقاف كثيرة .
وأهم خوانق
القدس :
الخانقاه الدوادارية : وتقع
عند باب العتم وقفها الأمير علاء الدين سنجر ، سنة ستمئة وخمس وتسعين ، على ثلاثين
نفرا من الصوفية ، من العرب والعجم ، وكانت مدرسة في الوقت نفسه .
الخانقاه الكريمية : عند
باب حطة ، وقفها الصاحب كريم الدين بن عبد الكريم بن المعلم هبة الله ، سنة سبعمئة
وثماني عشرة للهجرة ، وقد زارها ابن بطوطة ،سنة سبعمئة وست وعشرين للهجره ،وكانت
مدرسة ايضا .
الخانقاه التنكزية : عند
باب السلسلة أنشأها الأمير تنكز الناصري سنة سبعمئة وتسع وعشرين للهجرة ، وكانت
مدرسة وخانقاه ، ودار حديث ، ومكتب أيتام .
الخانقاه الفخرية : في
الجنوب الغربي من باب الحرم ، وقفها القاضي فخر الدين محمد بن فضل الله ، ناظر
الجيوش الإسلامية ، المتوفي سنة سبعمئة واثنين وثلاثين للهجرة ، وكانت خانقاه
ومدرسة ، هدمها الصهاينة سنة الف وتسعمئة وتسعة وستين ، مع ما هدموه من زاويا ، منذ
عام الف وتسعمئة وسبعة وستين ، وأشهرها : زاوية المغاربة ، وزاوية أبو مدين .
الخانقاه الأسعردية ، شمالي
رواق الحرم الشمالي ، وقفها مجد الدين الأسعردي، سنة سبعمئة وإحدى وسبعين للهجرة
وكانت مدرسة أيضا .
الخانقاه المنجكية : عند
باب الناظر وقفها الأمير منجك ، نائب الشام سنة سبعمئة واثنين وستين للهجرة .
الخانقاه المولوية : في
حارة السعدية ، أنشأتها الدولة العثمانية ، لأتباع الطريقة المولوية سنة تسعمئة
وخمس وتسعين للهجرة وتعرف ايضا بالتكية والزاوية المولوية .
بخلاف الزوايا ،
التي اتسمت بالبساطة الشديدة ، وسيادة مظاهر التقشف انسجاما مع طبيعتها وغرضها ،
فقد اهتم المماليك بعمارة الخانقاه وزينتها وكسوتها وحرصوا على تدوين أسمائهم عليها
كمنشئين لها، منفقين الأموال على عمارتها وخدمتها والإنفاق على الصوفيين فيها .
|