الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

كتب وإصدارات

إعداد : نافذ أبو حسنة

الحلقة الرابعة والســبعـون

 

دخول الجنرال اللبني

 

مع دخول السير ادموند اللنبي قائد جيش الحلفاء إلى بيت المقدس، يوم الحادي عشر من كانون الأول عام ألف وتسعمائة وسبعة عشر،دخلت المدينة تحت الحكم البريطاني.

 

اللنبي وقف على درج القلعة في باب الخليل و أمامه راهب فرنسيسكاني، و أذاع على سكان القدس بيانا قال فيه:" إن مدينتكم محترمة في نظر أتباع الديانات الثلاث الكبرى وترابها مقدس في نظر الحجاج والمتعبدين الكثيرين من أبناء الطوائف الثلاث المذكورة منذ قرون و أجيال مضت، كما أود أن أحيطكم علما بأن جميع المعابد و الأماكن المقدسة سوف تصان وفقا للطقوس المرعية وتقاليد الطوائف صاحبة الحق فيها..

 

كان اللنبي الذي دخل إلى القدس سيرا على الأقدام يواصل سياسة الخداع البريطانية، ومع أن الرقابة العسكرية البريطانية منعت نشر أي شيء يتعلق بوعد بلفور، فإن اللنبي تصرف، وكأن اليهود أصحاب حق في فلسطين، وكانت بياناته في بيت المقدس تذاع بلغات ثلاث هي العربية والإنكليزية والعبرية، كما أن الضابط البريطاني الذي عين حاكما عاما للقدس تصرف باعتبار اليهود الصهاينة، ورغم قلة عددهم، أصحاب حق يجب أخذ مشورتهم، فضلا عن الاعتراف باللجنة الصهيونية برئاسة حاييم وايزمن، و التي كانت تطالب بتنفيذ فوري لوعد بلفور.

 

كان الضابط الذي اختير لمنصب الحاكم العام للقدس، هو العقيد رونالد ستورز، وهو صاحب خبرة تمتد إلى عشر سنوات في الإدارة البريطانية في مصر وعضو في مجلس الحرب في لندن، تسلم ستورز منصبه في نهايات كانون الأول من عام ألف وتسعمائة وسبعة عشر، وعقب وصوله إلى القدس، اجتمع إلى المفتي كامل الحسيني نحو ساعة، واستمع منه إلى ما يأمله العرب الذين كانوا يتوقعون منحهم استقلالا ناجزا في إطار دولة عربية.

 

لكن في اليوم التالي لاجتماعه مع المفتي كان ستورز يحضر اجتماعا للحاخامات من يهود الاشكيناز الذين كانوا قد اختلفوا سابقا مع زعماء الحركة الصهيونية، لدى محاولة هؤلاء استباق وصول ستورز بتشكيل ما أسموه مجلس مدينة ليهود القدس.

 

كان كل من الطرفين يحاول استمالة الحاكم البريطاني، لكنه تصرف وفق تعليمات حكومته بالتعاون مع الصهيونيين، فعمد الحاخامات إلى تشكيل ما أسموه " مجلس مجموعة الاشكيناز في مقابل تشكيل الصهيونيين لما سموه مجلس المدينة.

 

عكست هذه الإجراءات جميعا، مخالفة صريحة من الحكومة البريطانية، التي كان مطلوبا منها الحفاظ على الأوضاع الراهنة في القدس وفلسطين حتى تنظر عصبة الأمم في مستقبل الحكم فيها، وقد اعترف ستورز نفسه بأن الإدارة العسكرية أخلت على نحو واضح بالوضع الراهن فيما يتعلق بالصهيونية.. وبعد أن أشار إلى صدور بيانات اللنبي بالعبرية إلى جانب العربية والإنكليزية، قال: طبعت الإيصالات الرسمية والبلدية بهذه اللغات أيضا، وكان في جهاز موظفينا عدد من الموظفين والكتبة والمترجمين اليهود العاملين في مكاتبنا.

 

لم يكن كل هذا كافيا بنظر اللجنة الصهيونية التي طالبت بنشر تصريح بلفور والعمل بمقتضاه وتعامل ستورز مع حاييم وايزمن بذات الحفاوة التي كان هذا قد لقيها من اللنبي، الذي استقبل وايزمن في مقر قيادته في القدس عقب دخوله إليها. وقام بمنح أعضاء اللجنة الصهيونية امتيازات خاصة تتيح لهم حرية التنقل والإقامة والتقصي والتدخل الصريح في شؤون الإدارة العامة، وتهيئة سبل الهجرة اليهودية واستيطان الأراضي، وإدخال العبرية كلغة رسمية، و إنشاء قضاء يهودي، في حين حظرت على العرب التجول و التنقل بحرية، ومنعتهم من إبداء رأيهم في إدارة بلادهم وحالت دون وصول أصواتهم خارج فلسطين لعزلهم سياسيا.

 

واصل ضابط اللنبي سياسته، التي كانت السياسة المعتمدة للحكومة البريطانية، وضاعت الأصوات المطالبة بسياسة متوازنة، ومن هؤلاء أدوين مونتاجو، وزير الدولة البريطاني لشؤون الهند الذي كتب إلى حكومته: إن أي بريطاني يهودي المذهب ينظر إلىجبل الزيتون ويقصد القدس، على أنه موطنه يجب ألا يعامل كمواطن انجليزي.

مونتاجو نفى أن تكون لليهود علاقة بفلسطين معتبرا أن إقامة دولة على أساس ديني نوع من التحيز ضيق الأفق، ويعني إعطاء مركز لليهود ليس لهم حق شرعي فيه.

ولكن السياسة التي كان يطبقها البريطانيون كانت تتجه رأسا نحو إنقاذ وعد بلفور وتسليم القدس وفلسطين للصهاينة.