الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

كتب وإصدارات

إعداد : نافذ أبو حسنة

الحلقة السابعة والســبعـون

 مقاومة الفرنجة 2

 

 

بموازاة المقاومة المصرية ، نشأت مقاومة في الشام للحملات الفرنجية ، كان مركزها دمشق ، يعد أنها اتسمت بالتقلب ما بين المقاومة والمهادنة تبعا لأهواء أمراءها .

 

استندت دمشق إلى الشمال الإسلامي تارة ، وإلى مصر الفاطمية تارة أخرى في مقاومتها للاحتلال الصليبي ، لكنها حين تشعر بالخطر من الأمراء المسلمين في الشمال لا تتردد في مهادنة الفرنجة وحتى محالفتهم . ما يؤكد صورة التمزق السائدة آنذاك في العالم الإسلامي .

وبرأي كثير من المؤرخين فإن حكام دمشق من الترك السلاجقة كانوا محكومين لمصالحهم التجارية وأنانيتهم الحذرة على أملاكهم .

 

عند قيام الحملة الفرنجية الأولى كان يحكم دمشق دقاق بن تتش ابن عم السلطان السلجوقي بركياروق ، وهو الذي قاد الحملة الأولى ضد الفرنجة عند حصارهم إنطاكية سنة ألف وسبع وتسعين . ولكنه لم يحارب وانكفأ سريعا ليحافظ على إمارته في دمشق . ودعم أميره على الواد ليتصدى لأول الهجمات الفرنجية .

 

استطاع دقاق ضمان الدفاع عن دمشق ، كما حاول التصدي للفرنجة شمال بيروت. وبعد موته سنة ألف ومائة وأربع ، تولى السلطة مملوكه السابق وأتابكه طفتكين الذي أسس النظام الأتابكي , وبدأ سلالة حكمت دمشق ستين سنة .

شارك طفتكين مع الأفضل الجمالي في مجابهة الفرنجة ، وقد حشد لها عشرة آلاف فارس ، إلا أنها انتهت إلى الفشل ، ثم هاجم حاميات الفرنجة في الجليل بعد أن ازدادت غاراتهم على الواد ، وكان هجومه سنة ألف ومائة وخمس موفقا ، وأثناء تطويق الفاطميين للقدس سنة ألف  ومائة وسبع ، أوعز طفتكين إلى والي صور بمهاجمة حصن تبنين وتخريبه .

بدأ من عام ألف وتسعمائة وثمانية ، سوف تراوح علاقة طفتكين مع الفرنجة بين المهادنة والإغارات العنيفة ، التي كان أشهرها حملة مودود . وهو قائد سلجوقي أرسله السلطان بعد استغاثات طفتكين الذي كان مستميتا في الدفاع عن صور ، وهو البناء الوحيد لدمشق آنذاك .

 

بدت الحملة التي رتبها مودود وطفتكين ، وكأنها مهيئة لتقويض مملكة  القدس بجيش إنطاكية وطرابلس .

التقى الجيشان جنوب غرب طبريا في تشرين الثاني سنة ألف ومائة وثلاث عشرة، وهزم الفرنجة هزيمة ساحقة ، حتى امتنع الناس أياما عن الشرب من مياه طبريا لكثرة الدماء .

وصل الجيش الإسلامي إلى أرض القدس ويافا و مكث شهرا حول بيت المقدس لكنه لم يدخلها . لسبب غير معروف ، فيما تميل بعض تفسيرات المؤرخين إلى توهم المسلمين بوجود حامية قوية فيها ، فقرروا العودة إلى دمشق ، ومعاودة الهجوم في الربيع ، الأمر الذي لم يحدث . فقد قتل مودود في دمشق ، واتهم طفتكين بقتله ما أثار عليه غضب السلطان السلجوقي وأيضا غضب الأهالي . فعهد إلى توقيع هدنة مع الإفرنج .

 

وعندما كانت المقاومة العربية الإسلامية تحقق تقدما كبيرا وسط سورية ، أصبح موقف طفتكين حرجا ، فقد احتار إلى أي جانب ينبغي أن يميل ، ثم اختار استمرار العلاقة مع الفرنجة .

وعندما ضمن عدم تقدم المسلمين باتجاهه ، عاد لمقاتلة الفرنجة في معركة البقاع سنة ألف ومائة وست عشرة وكانت حملة موفقة ، ولكنه مرة أخرى لم يتقدم باتجاه مملكة القدس . فيما شارك الفاطميين في حملة كبيرة عند عسقلان استمرت ثلاثة أشهر دون قتال .

 

ثم ظلت الإغارات متبادلة مع مملكة القدس والإمارات الفرنجية، في حين انشغل الجانبان بالتطورات في الشمال حين نجح الأمير الارتقي في قتل حاكم إنطاكية . ثم أسر المسلمين لاحقا بغدوين الثاني .

تولى الحكم بعد طفتكين ابنه بهري ، وتصدى لحملة فرنجية كان تريد دمشق ، وتطورت الأمور بسرعة بعد سيطرة عماد الدين زنكي صاحب الموصل على حلب ، وشروعه في مقاومة منتظمة للفرنجة ، تابعها ابنه نور الدين .

لم يدم عهد بوري طويلا ، وورث السلطة من بعده ابنه إسماعيل الذي كان شديد الحيوية ، وشن غارات موجعة على الفرنجة منتزعا منهم بانياس ، ثم أغار على عكا والناصرة وطبريا ، ودفع الفرنجة إلى طلب الهدنة . فيما كان زنكي يعرض عليه تسليم دمشق .

 

أراد زنكي المسارعة إلى تلبية هذا المطلب ، لكن إسماعيل قتل ، وتولى مملوك يدعى "أنر" الاتابكية ، ليعاود سياسة طفتكين ، ولكن في الجانب المؤيد لمهادنة الفرنجة ، دون سيطرة الزنكيين على دمشق . الأمر الذي أغضب الطبقات الشعبية في المدينة ، والتي كانت ترى في زنكي مخلصا . خاصة بعد نجاحه في الشمال ضد الفرنجة وإيجاد نوعا من التوازن معهم . حتى أن كثيرا من المؤرخين يعتقدون أنه لو تسلم زنكي دمشق في  حينه لسقطت مملكة القدس الفرنجية في زمن سابق لما سقطت فيه فعلا .

 

وهو إلى (عقبة أنر) في دمشق كان يواجه تدخلا بيزنطيا لصالح الفرنجة في الشمال.

ذهب (أنر) بعيدا في تحالفه مع الفرنجة ، ولكن هؤلاء وبعد سقوط الرهابيد عماد الدين زنكي ، جربوا احتلال دمشق ، فقاتلهم (أنر) حول بصرى ، بعد أن استنجد بنور الدين زنكي الذي حل محل أبيه .

وعادوا مجددا مستغلين الحملة الصليبية الثانية لمهاجمة دمشق . طلب (أنر) مساعدة نور الدين ، ودب الخلاف بعد حصار دام خمسة أيام فقط ، فانفض الحصار ، ولم تسقط دمشق ، وربح نورالدين زنكي صورة المنقذ مرة أخرى ، ومع توالي انتصاراته في الشمال ، بات دخوله إلى دمشق مسألة وقت ، وهو ما حدث في نفس العام الذي سقطت فيه عسقلان .

 

عقد نور الدين بداية هدنة مع الفرنجة لعامين حتى يتخلص من المشكلات مع السلاجقة الأتراك في الشمال . خرق الفرنجة الهدنة وهاجموا حوران وغنموا منها معظم خيراتها ، ثم هددوا دمشق سنة ألف ومائة وثمان وخمسين ، عندما كان قائده  شيركوا  يهاجم صيدا.

 

تجددت الهدنة بعد هذه الإغارة ، وكان هم  نور الدين إقامة الجبهة الإسلامية من الشام ومصر ، لتطويق مملكة القدس الفرنجية ، فأرسل جيشه إلى مصر ثلاث مرات ، الأولى بدعوة من القدير شاور ، والثانية والثالثة بدعوة الخليفة الفاطمي .

حقق وجود جيش نور الدين في مصر التوازن مع الفرنجة ، وسرعان ما سينتقل المسلمون إلى مرحلة الهجوم مع صلاح الدين .