|
إعداد :
نافذ أبو حسنة
الحلقة
الثامنة والثمانون
المدرسة التنكزية
المدرسة التنكزية في بيت
المقدس ،واحدة من أشهر المدارس المقدسية وأحلاها،بناها الأمير تنكز الناصري ،سنة
سبعمائة وتسع وعشرين للهجرة .
سيف الدين تنكز الناصري كان
نائب الشام .والبناء في بيت المقدس كان مزيجا من الواجب الديني ، والرغبة في احتلال
مكان في التاريخ ، ولذلك كان هناك تسابق على الإشادة والبناء اللذين توجها بشكل
أساسي نحو دور العلم والمدارس،على يمين الداخل إلى الحرم الشريف من باب السلسلة تقع
المدرسة التنكزية التي تحمل اسم بانيها وواقفها .
وهي مدرسة عظيمة متقنة
البناء ،على ما يصفها مجير الدين الحنبلي قائلا "أنها مدرسة عظيمة ليس في المدارس
أتقن من بنائها ".لكن الحنبلي يتوقف هنا ، ولا يسهب في وصف هذه التحفة المعمارية
التي لا تزال قائمة حتى اليوم .
الأستاذ كامل العسلي الذي
صرف وقتا طويلا من حياته
"يرحمه الله" باحثا في سجلات المحكمة الشرعية في القدس ،عثر على وصف مفصل دقيق
للمدرسة التنكزية في السجل رقم اثنين وتسعين ،لسنة ألف وعشرين للهجرة ، من سجلات
المحكمة المذكورة ،وهو يحتوي
على النص الكامل لوقفية الأمير تنكز على مدرسته .
وفي الوقفية معلومات كثيرة
هامة عن كل النواحي المتصلة
بالمدرسة ،حيث يتضح أن الصرح الذي شيده سيف الدين تنكز كان مجمعا مؤلفا من
عدة أجنحة ويشتمل على مدرسة ودار
حديث ،وخانقاه للصوفية ،ورباطا للعجائز من النساء.
المدرسة كانت تشغل الطابق
الأرضي من المبنى ،أما الخانقاه فكانت فوق رواق الحرم .وكان في علو المدرسة أحد عشر
بيتا للصوفية ،كما كان فوق سطح المدرسة بيت كبير طوله خمسة وأربعون ذراعا وعرضه
عشرون ذراعا مخصصا لرباط
النساء.
تقول الوقفية في وصف
المبنى:
"...ويغلق على هذه المدرسة
..باب خاص مكبر بمصراعين من خشب الجوز بصفائح نحاس أصفر ببوابة معقودة بالحجر
النحيت الأبيض والأسود والأصفر ، وبها طرز مذهب مكتوب فيه اسم الواقف ..وتشتمل
هذه المدرسة المذكورة على أربعة اوواين
معقودة بالكلس والحجر ،في واحد منها شباك حديد مطل على حارة المغاربة ، ولكل واحد
من الشبابيك المذكورة والمجلسين المشار إليهما باب بمصراعين مطعم بالعاج والأنبوس ،
وجميع هذه المدرسة المذكورة
مؤزر بالرخام الملون ، وأرضها مفروشة
بالرخام الملون أيضا ولها عراقية ..ورفرف مدهون.
وفي وسط هذه المدرسة
المذكورة بركة مثمنة يجري بها الماء من قناة العروب،بحق واجب معلوم من مقسم مشترك
ينقسم ماؤه بين جهات الحرم الشريف وبين هذه المدرسة المذكورة من الفرع
السابق من قناة العروب بحق واجب معلوم ، وبهذه المدرسة مطبخ برسم المرتبين بهذه
المدرسة ..ولهذه المدرسة طهارة تشمل على خمسة بيوت مبنية بالحجارة النحيت والكلس
وأحدها مستحم .وفي كل بيت منها جرن حجر ،يجري إليه الماء من قناة العروب المذكورة
،بمقسم خاص بها بحق واجب معلوم .
وجميع أواوين هذه المدرسة
المذكورة مبلطة بالبلاط الأبيض ،وحائط هذه
المدرسة
القلبي ،مبني على أقباء رومية ،تعرف قديما بإسطبلات الدوابة ،وهي من حقوق هذه
المدرسة المذكورة ،ويتطرق إلى هذه الأقباء من حارة المغاربة بباب خاص وتحت الجانب
الشرقي من هذه المدرسة المذكورة قبو سليماني
قديم جدده الواقف"
الوقفية ،لم تقتصر بالطبع
على وصف البناء ومشتملاته كما
تقدم ،بل أنها أيضا تحدثت عن شروط للعاملين والمدرسين والطلبة الدارسين فيها .
ضمت التنكزية عددا كبيرا
من المدرسين والمحدثين والصوفيين ،بوصفها مدرسة ودار حديث وخانقاه وقد
حددت وقفيتها مهام العاملين فيها ،كما
حددت شروط المدرس وشيخ الحديث وشيخ الصوفية ،وكذلك شروط الطلبة .
كان من شروط المدرس أن يكون
حافظا لكتاب الله تعالى ،عالما بمذهب الإمام أبي حنفية ،وأن يكون إماما في الصلوات
الخمس ومن شروط شيخ الحديث ،أن يكون عالي الرواية مقصودا بالسماح عليه حسن الضبط
..أم الطلاب ،فاشترطت المدرسة أن يكون طلابها من أهل الخير ، وقسمتهم إلى ثلاث
طبقات :مبتدئون ،متوسطون ومنتهون، وأن يواظبوا على دروسهم .
وكان على قراء الحديث ،أن
يجتمعوا بعد صلاة العصر
،ويقرأ كل واحد منهم ما تيسر من كتاب الله ،وأن يختموا القرآن.
ومن شروط الطالب في دار
الحديث ، وهو أحد أقسام المدرسة ،أن يقرأ في الدرس الديني من صحيح البخاري ،ثم من
صحيح مسلم وأن يحفظ كل يوم حديثا واحدا ، ويعرضه على الشيخ وأما الصوفية ،فكان
عليهم أن يجتمعوا في صبيحة كل يوم قبل طلوع الشمس ،ويقرأ كل واحد منهم ،ما تيسر له
من القرآن ، وكانوا يرددون الدعوات ويقرأون من رسالة الإمام القشيري .
وحددت الوقفية عدد الطلبة
بالمدرسة بخمسة عشر طالبا موزعين إلى مبتدئين ومتوسطين
ومنتهين ،وعدد الطلبة في دار الحديث بعشرين طالبا ، وعدد الصوفية بخمسة عشر صوفيا .
كانت مدة المدرسة التنكزية،
أربع سنوات ، وكان من بين موظفي المدرسة معمار خاص بها للإشراف على صيانة مبناها .
ويتقاضى
العاملون فيها رواتب شهرية حددتها الوقفية كالآتي :
المدرس :ستون درهما فضيا
شهريا وثلثا رطل من الخبز
يوميا
المعيد :ثلاثون درهما فضيا
شهريا ، وثلثا رطل من الخبز
يوميا
الفقهاء:وهم ثلاث طبقات يتقاضون
بالترتيب عشرين ،خمسة عشر ،وعشرة دراهم،شهريا مع
ثلث رطل من الخبز يوميا.
شيخ المحدثين :أربعون درهما
فضيا شهريا ، ورطل من الخبز يوميا .
طلبة الحديث :سبعة دراهم
ونصف درهم شهريا وثلث رطل من الخبز يوميا.
شيخ الصوفية :ستون درهما
شهريا ،وثلث رطل من زيت الزيتون ،وثلث رطل من الصابون ورطل من الخبز يوما .
الصوفي :عشرة دراهم شهريا
،وسدس رطل من الزيتون ،وسدس رطل من الصابون ونصف رطل من الخبز يوميا .
الوقفية تشير إلى شروط خاصة
للخانقاه ،حيث أن المستفيدين منها هم من السادة المشايخ الصوفية .الشيوخ والكهول
والشباب البالغين المتأهلين والمجردين من العرب والعجم "وكان السكن فيها للمتجردين
دون المتزوجين ،وكذلك للواردين من الصوفية ،من خارج القدس "
وتشترط عليهم الوقفية "أن
يجتمع الجماعة المذكورون
بأسرهم في كل يوم يقرأون ما تيسر من القرآن العظيم في ربعات شريفة ،وأن يجتمعوا مع
شيخهم بعد طلوع الشمس من يوم الجمعة ويقرأون بحضور شيخهم ما تيسر من كلام الأئمة
الصوفية"
التنكزية نموذج للمدارس
المقدسية المشابهة ،التي كانت تطبق نظما قريبة مما عرضناه ،وفيها تخرج عدد كبير من
العلماء في بيت المقدس.
في العهد العثماني ،تحولت
المدرسة إلى محكمة شرعية ، ومن هنا صارت تعرف باسم المحكمة ، وبقيت كذلك حتى أوائل
عهد الانتداب البريطاني ،فاتخذها المجلس الإسلامي الأعلى دارا للسكن ،ثم عادت بعد
ذلك مدرسة لتعليم الفقه الإسلامي .في أواسط حزيران من عام ألف وتسعمائة وتسعة وستين
، أصدرت السلطات الصهيونية ،قرارا بمصادرة سبعة عشر عقارا إسلاميا في أنحاء مختلفة
من القدس ،بينها المدرسة التنكزية على مدخل باب السلسلة .
وقبل نهاية الشهر المذكور
،دخلت قوات الاحتلال إلى المبنى ، وحولته إلى موقع عسكري لأفراد حرس الحدود
|