|
إعداد :
نافذ أبو حسنة
الحلقة
التاسعة
بيت المقدس
الأسواق
البلدة القديمة من القدس ،لم
يحدث أن اختصرت جغرافية بهذا الحجم ،كل هذا الحشد من تفاصيل التاريخ وزحم الحاضر،
ولا تلمس مكان عبق القداسة ،وخاصية التشبت بالجزئيات الصغيرة كما هو الحال هنا .
الدكاكين تستند إلى الأسوار
،وكأنها تتكئ على الثبات ،وتتزود من التاريخ لمواجهة الراهن ،في حالة رفض مستمرة
للاقتلاع والسحق .
مذ بدأت القدس مقصدا للحجيج
بما تضمه من مقدسات إسلامية ومسيحية ،دخلت الأسواق في تكوين معلم المدينة ، وكأنها
خلقت معها ،لتصير من خصائصها البارزة ،وواحدة من ميزاتها الهامة التي اكتسبت مع
الوقت شهرة عالمية ،بما حمله السائحون والزائرون معهم من تذكارات جميلة ،نقلت إلى
جهات الأرض،صورة عن الفلسطيني الصانع الماهر،والصانع هنا توارث الدكان عن الآباء
والأجداد ورث عنهم حب القدس ،وصناعة متقنة ،حيث أقامت كل فئة من الصناع سوقا خاصة
بها .
أسهب الرحالة المسلمون قديما
في وصف أسواق القدس ،التي كان يقال أنه لا يوجد بغالب البلاد نظيرها .
حرص بناه الأسواق على أن تكون
ملاصقة لسور الحرم ومن سوق القطانين كان يمكن الصعود مباشرة إلى رصيف الحرم القدسي
، وكانت الأسواق جميعا موقوفة على مصالحه.
لا تزال أسواق القدس ،أو ما
بقي منها ،ميزة للمدينة ،فقد كثر تجار التذكارات مع توسع القدس لكن ذلك لم يخطف من
الأسواق القديمة وهجها ،الأسواق الثلاثة الأبرز اليوم هي : سوق الخانقاه سوق
الدباغة ، سوق حارة النصارى .
وأمام دكاكين هذه الأسواق يأخذ
المرء إحساس بأن الناس والأشياء راسخة هنا ،بلاط الزقاق ،الجدران، النقوش، والإنسان
حاميا على مصنوعاته الدقيقة ،معمرا المكان الذي يشده إليه تواصل لا يدرك سره ولا
كنه إلا هو .
الأسواق الثلاثة ترتبط ببعضها
البعض متشعبة إلى أنحاء البلدة القديمة ،وصولا إلى منافذها الرئيسية في باب الخليل
وباب العمود ،حتى لتبدو مثل سوق واحدة ،وفي كل سوق عشرات الدكاكين :خمسة وثمانون
محلا في سوق حارة النصارى ،مئة وخمسون محلا في سوق الدباغة ،خمسة وأربعون محلا في
سوق الخانقاه.
مثل كل شيئ في القدس ،لم تسلم
الأسواق من الهجمة الصهيونية الشرسة ،فقد أزالت الجرافات سوقي الباشورة والحصر عام
ألف وتسعمائة وثمانية وستين وهدمت أجزاء من أسواق أخرى فيما الباقي مهدد ،بعد تدمير
سوقي الباشورة والحصر أقام الصهاينة سوق "كاردو" وجهزوه بكل المرافق اللازمة
لأبعاد السياح والزوار عن الاسواق العربية ،ولعب الأدلاء الصهاينة دورا كبيرا على
هذا الصعيد .
وشنت سلطات الاحتلال حملة
إفقار منظمة ضد تجار الأسواق العربية من خلال فرض الضرائب الباهظة عليهم ،وهي تعلم
أنهم جميعا من أصحاب رؤوس الأموال الفردية التي تعجز عن الإيفاء بدفع الضرائب
وإدامة دورة النشاط الاقتصادي الخاصة بهم.
ولا تقدم سلطات الاحتلال خدمات
مقابل الضرائب بل تعمد إلى إبقاء الحفريات قائمة في الأسواق ،وإلى الابقاء على
انتشار استفزازي لجنود الاحتلال فيها .فيما نصب المستوطنون سلالم حديدية ،وأقاموا
طريق اتصال بين الحي اليهودي ،وأسطحة الأسواق ،الأمر الذي يهدد الأسطحة بالضرر
والتآكل ،ويتيح للمستوطنين فرض ممارسة أشكال مختلفة من التضييق على التجار
المقدسيين، ومن ذلك مصادرة المحال.
أدت هذه الممارسات الصهيونية
إلى إغلاق عدد كبير من المحال في أسواق القدس الثلاثة ،فجرى إغلاق خمسة وعشرين محلا
في سوق حارة النصارى،وخمسة وسبعين محلا في سوق الدباغة وعشرين محلا في سوق
الخانقاه.
المحلات المغلقة تصبح عرضة
للمصادرة من قبل المنظمات الإستيطانية الصهيونية الناشطة في البلدة القديمة والتي
استولت على محلات جديدة في نهاية العام ألفين.
أما المحلات الأخرى فيتواصل
الضغط على أصحابها بغية إجبارهم على تركها وإغلاقها ،ويقول التجار المقدسيون :أن
سبب الإغلاق هو عدم قدرتهم على الاستمرار إزاء الضرائب الباهظة وضعف الحركة الناجم
عن سياسات الاحتلال ضد أسواق البلدة القديمة .
(المقدسيون يدركون أن الهجمة
عل الأسواق ليست لأسباب اقتصادية فقط ،بل لتهديد معلم من المعالم الأساسية لعروبة
وإسلامية القدس لذلك يقترحون دعما يعين أصحاب المحال في الأسواق على البقاء فيها
ومما يقترحونه أيضا ربط الأسواق الثلاثة بسوق خان الزيت المكتظ بالمشترين المحليين
،وتغيير المهن في أسواق القدس الثلاثة حتى تستطيع أن تبقى صامدة في مواجهة الهجمة
الصهيونية.
|