الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

 

الهجرة والنزوح

 

من المعروف أن الصهاينة أحاطوا الهجرة الاستيطانية إلى إسرائيل بهالات من القداسة، فهم يرون أن علاقة اليهود بفلسطين (إرتس يسرائيل) علاقة مطلقة تستند إلى الوعد الإلهي، وهي لذلك لا تخضع لأية متغيرات تاريخية أو اجتماعية، وهي لنفس السبب تسمَّى "عالياه"، أي الصعود، وكأن الاستيطان الصهيوني في فلسطين تجربة دينية روحية عميقة تسمو بالروح وليس سفكاً للدماء الفلسطينية. هذا على مستوى التبريرات والديباجات، أما على المستوى الفعلي، فثمة حاجة دائمة من جانب الجيب الاستيطاني للمزيد من المستوطنين حتى يمكنه الاضطلاع بمهمته القتالية دفاعاً عن "أمنه" وعن المصالح الغربية في المنطقة.

 

والنزوح عن إسرائيل أو الهجرة المضادة تسمى في المصطلح الصهيوني "يريداه"، أي "الارتداد والهبوط" (وهي بذلك عكس الهجرة إليها "عالياه" أي "الصعود"). ويطلق على النازحين عن إسرائيل "يورديم" أي "الهابطين" أو "المرتدين". وعدد النازحين عن إسرائيل منذ عام 1948 يبلغ ما يزيد عن 700 ألف وقد يصل إلى مليون (فإحصاء عدد النازحين أمر خلافي للغاية، وإن كانت بعض الصحف الإسرائيلية بدأت تشير إلى رقم مليون باعتباره أكثر الأرقام قرباً من الواقع).

وتفاقم ظاهرة النزوح يقوض من شرعية الحركة الصهيونية ويكشف زيف الادعاءات الصهيونية بخصوص ارتباط اليهود ارتباطاً عضوياً بأرض الميعاد. ولكن الأهم من هذا أن النزوح يُعدُّ ضربة في الصميم لمقدرات المشروع الصهيوني الاستيطانية/العسكرية. فإذا كان اليهودي المهاجر من بلده إلى فلسطين المحتلة يتحول إلى مستوطن صهيوني مقاتل، فإن الحركة العكسية (النزوح) تؤدي إلى تحول المستوطن الصهيوني المقاتل إلى مواطن يهودي في بلد آخر.

 

وقد فاقمت الانتفاضة من هذه الظاهرة. فقد نشرت جريدة الجيروساليم بوست (13/9/2001) أن 22% من الإسرائيليين في المرحلة العمرية بين 18 - 35 سنة يفكرون في الهجرة، وهي نسبة عالية للغاية إذا أخذنا في الاعتبار أن من ينتمون إلى هذه المرحلة هم أهم قطاعات أي مجتمع، فهم أكثر القطاعات إنتاجية ونشاطاً وأكثرها قدرة على الإنجاب. والنسبة الحقيقية للراغبين في الهجرة لابد أن تكون أكبر من ذلك، لأن كثيراً من المستوطنين يخجلون من الإفصاح عن رغبتهم الحقيقية، وبعضهم لا يجرؤ حتى على مواجهة نفسه برغبته الدفينة (ومع هذا، في استطلاع للرأي نشرته هآرتس عن الموقف من النزوح عن إسرائيل أيَّده 65%) ولا تزال نسبة الراغبين في النزوح آخذة في التصاعد، فقد جاء في نفس الجريدة بعد ثلاثة شهور (الجيروساليم بوست 10/1/2002) أن عدد الذين يفكرون في الهجرة في نفس المرحلة العمرية قد بلغ 35%. ثم أضافت أن هذا لا يتضمن الشباب الذي فقد وظيفته في قطاع التكنولوجيا المتقدمة "الهاي تك" في السنوات الماضية. ثم أشارت الجريدة إلى عدة حقائق تسترعي الانتباه، فعشرات الشباب الإسرائيلي بعد أن يخدموا في الجيش يقومون برحلات طويلة خارج إسرائيل، ويعيشون في مستعمرات إسرائيلية في وسط أمريكا وآسيا، فهم يفضلون البقاء هناك على العودة إلى حاضر غير أكيد. كما بيَّنت الجريدة أن كثيراً من الطلبة الإسرائيليين في الماضي كانوا يذهبون إلى الخارج، للحصول على شهادات في الطب البشري أو البيطري ثم يعودون لفتح عيادات في إسرائيل، أما الآن فإنهم يلتحقون بجامعات أجنبية وفي نيتهم عدم العودة".

وقد نشرت جريدة هآرتس مقالاً طويلاً (24/8/2001) بعنوان "طريق الهروب" ترسم فيه صورة تفصيلية للمناخ العام الجديد في المستوطن الصهيوني، الذي أصبحت فيه ظاهرة النزوح (أي الهجرة عن الكيان الصهيوني) مقبولة اجتماعياً. ففي استطلاع للرأي أبدت أقلية فقط من بين الإسرائيليين (37%) موقفاً سلبياً تجاه الإسرائيليين (النازحين) وأبدى 65% موقفاً إيجابياً، وأعرب 43% عن لا مبالاتهم، أي أن النزوح من إسرائيل لم يعد مسألة تُرفض وإنما أصبح قضية تُناقش، لها إيجابياتها وسلبياتها.

 

تبدأ المقالة بالإشارة إلى خبر طريف وهو تأسيس رابطة تعاونية بوسع المستوطن الإسرائيلي أن يدفع 4500 دولار للانضمام إليها، وبالتالي يمتلك قطعة من الأرض في بلدة تسمَّى فانوتو Vanuatu. وتضم هذه الرابطة حتى الآن حوالي 2000 أسرة إسرائيلية ينوون النزوح عن إسرائيل والاستيطان في هذه البلد. ويقول آفي آيدلمان، سكرتير عام الرابطة، "الرابطة تنوي إقامة منطقة حرة وصناعة تكنولوجية متقدمة كما سيتم التركيز على السياحة" لأنه "سوف تأتي أعداد كبيرة من السياح الإسرائيليين، وسيأتي أصدقاؤكم ليروا كيف نجحنا، وأما الذين يكرهونكم فسوف يأتون ليروا كيف فشلنا". "وأراهن على أن قيمة الأرض سترتفع، وسنساعد على إقامة قنصليات لدولة فانوتو لجلب مزيد من السياح والاستثمارات".

وتشير المقالة إلى أن فانوتو هي مجموعة من الجزر في المحيط الهادي نالت استقلالها عن الحكم البريطاني - الفرنسي المشترك عام 1980، وهي بلد لم يسمع أحد عنها، ولكنها تمثل الأرض الآمنة بالنسبة للمشتركين في الجمعية. وكما يقول سكرتير عام الرابطة "فانوتو ليست إسرائيل، وليس فيها فقر ولا جريمة، والنظافة فيها مذهلة... إنها جزيرة ترتفع عن سطح البحر الميت وليس بها ثعابين ولا عقارب، وليس بها شعبان يحارب بعضهما البعض". فكأن فانوتو تحقق للمستوطنين ما فشلوا في تحقيقه في إسرائيل، هي أرض بلا شعب تقريباً، فردوس أرضي حقيقي.

 

وهذا الخبر الطريف يُعد مدخلاً جيداً لفهم العقل الإسرائيلي الآن بعد مرور ما يزيد عن عام ونصف على الانتفاضة. فكما يقول المقال: "إنه بسبب تردي الوضع الأمني والانكماش الاقتصادي بدأ الإسرائيليون يبحثون عن مصادر للأمان فيما وراء البحار: جوازات سفر، تأشيرات عمل - عقارات. لهذا السبب وجد الصحفي بن تسيون تسيترين نفسه مطلوباً أكثر من أي وقت آخر لأنه كتب كتاباً بعنوان كل الطرق للحصول على جواز سفر آخر. وقد لاحظ تستيرين أن الكتاب الذي صدر منذ 51 عام كان يحقق مبيعات كبيرة إلى أن تم توقيع اتفاقية أوسلو "فالناس لم تعد تفكر في الرحيل، ولم يعد الكتاب يُباع، ولكن منذ اندلاع الانتفاضة الثانية وأنا أتلقى عشرات المكالمات الهاتفية".

 

ولكن ما الذي يدفع المستوطنين الإسرائيليين إلى التفكير في الهروب؟ تقول المقالة: إن الباحثين عن جواز سفر جديد يمارسون إحساساً بالفزع والخوف والهستريا والإحساس بالعجز والقلق، ويرون أنه لا أمل في التوصل إلى اتفاقية سلام. إنهم يخافون من اندلاع حرب شاملة ومن صواريخ الكاتيوشا فوق رؤوسهم، ولا يريدون العيش في ملاجئ ولا يريدون تعريض أطفالهم للخطر ويخافون على مصير أولادهم.

وتلاحظ المقالة أن عدداً لا بأس به من الإسرائيليين قد بدأ يتكالب على شراء العقارات في الخارج. وتقدر نسبة الزيادة بحوالي 30% مقابل العام الماضي. والأماكن المفضلة لهم هي تورنتو في كندا (هذه المدينة تعتبر مركزاً للنشاط التجاري)، وحي مانهاتن بنيويورك، وولاية فلوريدا. أما في أوربا، فالمجر وتشيكيا مطلوبتان (في ضوء انضمامهما الوشيك إلى الاتحاد الأوربي) وكذلك إسبانيا (منطقة كوستا ديل سول) وفرنسا. فوجود شقة يمتلكها المستوطن الصهيوني في الخارج تمنحه الأمن النفسي، فهو يعتقد أنه في حالة وجود عقار يملكه في الخارج فهذا يعني وجود ملاذ إليه في حالة حدوث حرب ما".

 

وتُعتبر الولايات المتحدة الهدف المفضل لدى الإسرائيليين الذين يريدون الرحيل عن إسرائيل. ويشير استطلاع للرأي أجراه ملحق هآرتس إلى أن 43% من الإسرائيليين الذين فكروا في الرحيل عن إسرائيل خلال الأشهر الماضية قد فضلوا الولايات المتحدة و18% يريدون الهجرة إلى أستراليا و14% يريدون التوجه إلى أوربا و5% إلى كندا و2% إلى بريطانيا.

وقد جاء في صحيفة يديعوت أحرونوت (في عددها الصادر في 7/5/2001) أن الإسرائيليين قد بدأوا يهرولون باتجاه أمريكا مرةً ثانية، ولكنهم في هذه المرة أكثر من ذي قبل. فقد شرع قسم الهجرة التابع لحكومة الولايات المتحدة في منتصف شهر مارس 2001 في حملة السحب السنوية على "الجرين كارد"، تلك التأشيرة التي تسمح لصاحبها بالإقامة والعمل في الولايات المتحدة بصورة شرعية. ومن المقرر أن تنتهي هذه الحملة في شهر أكتوبر. أما في صيف عام 2002 فسيُعلن الأمريكيون أسماء الـ 55 ألف السعداء الذين فازوا في عملية السحب. وتقول الصحيفة: "إذا كان تهافت الإسرائيليين على استمارات المشاركة في السحب يمكنه أن يشير إلى شيء ما بخصوص الحالة المعنوية القومية لنا فإنها تُنذر بأن هذه الحالة سيئة للغاية، حيث يحاول كثير من الإسرائيليين بأعداد تزيد عما كان عليه في العام الماضي – يحاولون تجربة حظهم في عملية السحب. وقد صرح مسئول في أحد المكاتب الكبرى المعنية بهذا الموضوع في أتلانتا بأن عدد الإسرائيليين الذين قدموا – عن طريق المكتب – طلبات الاشتراك في عملية السحب حتى الآن للحصول على "الجرين كارد" أكبر عشرات المرات من عدد الذين سجلوا أسماءهم في عملية السحب خلال نفس الفترة من العام الماضي.

 

ويعيش ويعمل في الولايات المتحدة عشرات الآلاف من الإسرائيليين بصورة "غير شرعية". فقد وصلوا إليها كسُياح ثم اختفوا بصورة عامة في التجمعات الحضرية الكبرى وسط سكان الولايات المتحدة البالغ عددهم 280 مليون نسمة. وهم يعيشون هناك بدون رعاية اجتماعية وبدون تأمين وطني وبدون تأمين صحي. وقد تم مؤخراً طرد المئات منهم وإبعادهم إلى إسرائيل خلال حملات مداهمة ضخمة شنتها سلطات الهجرة الأمريكية.

 

وقد لُوحظ أن المتقدمين للحصول على "الجرين كارد" هذا العام جاءوا من كل الأوساط ومن أعمار متنوعة كثيرة. فبالإضافة إلى الجنود والطلبة انضم إليهم أرباب أسر. وكان القاسم المشترك بين كل هؤلاء هو نفورهم من الأوضاع في إسرائيل والرغبة في مغادرة إسرائيل لأجل غير مسمى بسبب الإحباط بدءاً بالوضع السياسي وانتهاءً بالوضع الاقتصادي. ولكن الوضع الأمني، أي المقاومة والانتفاضة الفلسطينية، كانت هي العنصر الأساسي. وكما قال أحد طالبي "الجرين كارد": "أنا أب لثلاثة أطفال وأقيم في حيدراه، أطفالي لا يزالوا صغاراً وأريد أن يكون أمامهم مستقبل آمن". وإسرائيل بعد الانتفاضة لم تعد توفر الأمن للمستوطنين. وعلى حد قول جريدة يديعوت أحرونوت يبدو أن الانتفاضة قد دفعت الكثيرين إلى أن يحلموا بالحياة في مكان آخر، أكثر هدوءاً وراحةً وأمناً، أي أمريكا! "فأهم شيء بالنسبة للإسرائيلي في الدول الأجنبية هو أسلوب الحياة. فالإسرائيلي لا يسافر إلى لاجوس من أجل أن يحصل على 1000 دولار زيادة في الشهر. إن الساحل الغربي للولايات المتحدة هو الهدف المطلوب رقم واحد بالنسبة لهم. ويرجع هذا أساساً إلى وجود جالية يهودية إسرائيلية كبيرة هناك، ويتوجه الإسرائيليون إلى الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا. وبرزت هولندا كدولة للهجرة خلال العام الماضي. وكذلك أستراليا التي توجد بها جالية يهودية نشطة تحب الإسرائيليين ومعدل غلاء المعيشة بها معقول". (هآرتس 24/8/2001).

وفي مقال ساخر بقلم موتي باسوك في إسرائيل (هآرتس 19/2/2002) يقول الكاتب إن إسرائيل تنضم للاتحاد الأوربي لا كأمة وإنما كأفراد - الواحد تلو الآخر - وقد أطلق الكاتب طرفته هذه بعد أن تزايد عدد الإسرائيليين الذين طلبوا جوازات سفر أوربية.

 

ويُلاحظ أن كثيراً من النازحين هم من أبناء الطبقة المتوسطة الإشكنازية ذوي الأصول الغربية الذين يشكلون العمود الفقري للتجمُّع الصهيوني (ومما يساعد على ذلك العولمة التي تفتح الفرص أمامهم في العالم الغربي، بما لديهم من خبرات واتصالات). كما أن من بين النازحين عدداً كبيراً من أعضاء الكيبوتسات وكبار الضباط والطيارين والمهندسين في صناعة السلاح. فهؤلاء يتعلمون اللغات بسرعة، وبوسعهم التكيُّف مع بيئتهم الجديدة، فالإسرائيليون مهاجرون بطبيعتهم" (هآرتس 24/8/2001). وهؤلاء المستوطنون عندهم من المدخرات ما يسمح لهم بأن يودعوا مبالغ طائلة في البنوك في الخارج ... كملاذ من يومٍ بارد، كما يقول أمنون دنكر (نقلاً عن السفير 18/2/2002).

وقد لاحظ يوسي بيلين، عضو الكنيست عن حزب العمل، أن كثيراً من زملائه في الجيش والدراسة [من أعضاء النخبة]، الذين بلغوا الخمسين من العمر لا يمانعون في رحيل أبنائهم عن إسرائيل. وأن كثيراً من أبناء رجال النخبة يمكثون بالفعل في الخارج لفترات طويلة [أي أنهم نازحون عن إسرائيل، ولكنهم يدَّعون غير ذلك] وأن آبائهم لا يعدون لهم بلاداً جيدة ليعودوا إليها. وقد أوضح بيلين رأيه بقوله: "إن سياسة شارون وغيره من الوزراء ستؤدي إلى أن يبدأ كل من هو قريب منا بالتفكير في الرحيل". (نقلاً عن فيليج فويس 13 - 19/2/2002).

وتساءل كاتب مقال في إحدى الصحف الإسرائيلية (معاريف 28/1/2002): هل يبني أبناء هذه الشريحة العليا لأنفسهم حياة في بلاد أخرى؟ وماذا سيحدث للوطن ولمن سيبقون فيه؟ وماذا عن القيم العتيقة مثل الصهيونية وإعمار البلاد؟

ونشرت إحدى الصحف قائمة بأسماء بعض أبناء النخبة النازحين تضمن أفراد من أسر رؤساء الوزراء السابقين: بن جوريون ومناحم بيجين وإسحاق رابين. وأشار بيلين إلى أن أولاد كلٍّ من ويزر الدفاع بنيامين بن أليعازر، ووزير التعليم ماتان فيلاني، يعيشون خارج إسرائيل.

وقد كتب أمنون روبنشتاين في هآرتس (31/12/2001) يحذِّر من خطورة هجرة الشرائح والطبقات الغنية والقوية في المجتمع الإسرائيلي. فهي تعني "إهدار لدماء الضعفاء، ومن لا يستطيعون الحصول على تأشيرة لأمريكا، وتركهم فريسة لمخاطر أكبر من التي نواجهها اليوم". ويصف الهجرة بأنها نوعٌ من التطهير الطبقي، "فالفقراء سيضطرون للبقاء هنا". فقد تحولت أرض الميعاد تحت ضغط الانتفاضة إلى جحيم، يضطر المرء إلى البقاء فيه نظراً لعدم وجود المالي الكافي للهجرة.

وحالة المستوطن الإسرائيلي عاموس ساهر، الذي يعمل كمرشد سياحي، والبالغ من العمر 35 عاماً تستحق الدراسة، فقد قرر الرحيل هو وزوجته وابنه الصغير بعد أن يجد مشترياً لشقته. يقول ساهر:

لم يكن الأمر هيناً لقد استغرقتني أعوام من الانفجارات وأعمال القتل، من الأحزان والآمال، من المجادلات والقلق، لكنني في النهاية انهرت. سئمنا أن نجدهم في كل مرة نفتح المذياع يتحدثون عن انفجارات، عن دماء، عن موت، عن جنائز. هذا هو الواقع صراحةً. ولست فخوراً بذلك، ولا أعتبر هذا شعاراً لي ولكن من المستحيل أن تقولوا لنا عليكم أن تبقوا هنا ما دام من المستحيل أن تضمنوا لنا حياتنا. أريد أن أمنح أسرتي أقصى قدر ممكن من السعادة.

ويضيف ساهر:

 

الجميع الآن يعتقد أنه لا مجال نتقدم نحوه. ليس هناك ما نتقدم نحوه. المشكلة هي أننا على مدى السنوات الثلاث والخمسين الماضية لم ننجح في ضمان أمننا. هذا هو سبب الرحيل. نحن نشعر بعدم وجود مخرج. . . الحل هو الرحيل وليس تغيير السلطة. من الصعب عليَّ أن أقول هذا. ولكننا نعيش في إسرائيل كما لو كنا مسحورين. نحن نخرج إلى الشوارع ومن الممكن أن يحدث أي شيء وأن ينسفنا معه ويحولنا إلى أشلاء. أنا لا أرى أملاً في حدوث تغيير كبير. وإحساسي يقول - ليس فقط الإحساس ولكنه التحليل العقلاني - إنه لا سبيل لضمان حياة الناس هنا. أعلم أن هناك أماكن لا تحدث بها مثل هذه الأمور. لا توجد أماكن محصنة من الموت ولا توجد أماكن ليس بها مجانين. ولكن توجد أماكن يمكنك أن تصحو في الصباح وتفتح عينيك وتحتسي فنجان القهوة وتخرج وتقول صباح الخير للناس، وأهم شيء هو أن تصل إلى موقع عملك في الموعد المحدد. أنا ببساطة أشعر بالقلق على طفلي الرضيع..!. ويبدو أن من سيحاولون إقناعي أن أبقى يفضلون أن أموت هنا على أن أعيش في مكان آخر. أما أنا شخصياً فأفضل الحياة ولا أخجل من ذلك.

 

وقد نشر ساهر موقفه هذا على شبكة الإنترنت (موقع يديعوت أحرونوت 4/6/2001). وتعكس التعليقات على موقفه الحالة المعنوية لدى الجماهير. فقد هاجمته الأغلبية، ولكن كانت هناك أقلية واجهت نفسها، فالمستوطن يوني من مستوطنة رحوفوت قال: "أخيراً.. لقد قال أحدنا وفعل ما ترغب الأغلبية في قوله وفعله، ولكنها تخاف من أن تقوله وتفعله".

وقد سُئل ساهر عما إذا كان سيفتقد أصدقاءه والطبيعة الجميلة واللغة، فكان رده هو رد مستوطن حقيقي، مهاجر دائماً لا جذور له، فقال : "يمكنني أن أحب الطبيعة في مكان آخر.. إن كل ما أكلناه هنا منذ لحظة ولادتنا.. ليس أعمق جذوراً مما هو موجود في أماكن أخرى. إنني لا أفهم كيف يمكن أن أحب إسرائيل بينما يطلقون النار عليَّ في كل مكان". إن ساهر لا يبحث إلا عن متعته وخلاصه الفردي، ولذا فوطنه هو مصلحته، أو كما يقول: "إسرائيل تمثل بالنسبة لنا إمكانية واحدة من بين العديد من الإمكانيات في العالم". وهو لا يختلف في ذلك عن كثير من المستوطنين الصهاينة، خاصةً المهاجرين الجدد من الاتحاد السوفيتي (سابقاً) الذين وصفهم أحدهم بأنهم يجلسون على حقائبهم، أي أنهم يستوطنون في إسرائيل بشكل مؤقت حتى يجدوا فرصاً أحسن للحراك الاقتصادي والاجتماعي. ولذا حينما سأله مندوب هآرتس إذا كان سيضايقه الشعور بالرضا الذي سينتاب أعداء إسرائيل بعد سماع كلامه هذا أجاب بأنه ليس "مسئولاً عن الروح المعنوية في إسرائيل... لست في حاجة لتصور ما يفكر فيه حسن نصر الله عندما يقرأ عن عاموس ساهر، مرشد الرحلات.. حسن نصر الله ليس في حاجة لعاموس.. [ببساطة شديدة] عاموس لا يريد أن يقف بسيارته في اختناق مروري فيتعرض للنسف". ويضيف: "لقد شاهدت أناساً يعيشون بهذه الطريقة. إنني أبحث عن مكان صغير وهادئ لدرجة الملل. مكان يترك فيه الناس أبواب منازلهم مفتوحة وهم بخارجها. وأعرف أن هذا موجود".

 

إن ما يشعر به المرشد السياحي والمستوطن الصهيوني عاموس ساهر ولا شك هو شعور معظم المستوطنين الصهاينة، بعضهم عنده الجرأة أن يفصح عن شعوره ورغبته الدفينة، والبعض الآخر لا يجسر على مواجهة ذاته. ولكن هل سيستمر الوضع على ما هو عليه؟

ويجب أن نشير إلى نزوح سكان المستوطنات عنها إلى ما وراء الخط الفاصل بين فلسطين التي احتُلت عام 1967، وتلك التي احتُلت قبلها، باعتباره شكلاً من أشكال النزوح. وقد ورد في صحيفة يديعوت أحرونوت (29/3/2002) أن عدد الإسرائيليين الذين أمضوا عيد الفصح خارج إسرائيل كان حوالي 200 ألف إسرائيلي، وكل هذا بسبب الوضع الأمني، ويمكن اعتبار هذا نزوحاً مؤقتاً.

 

وقد ازدادت أزمة إسرائيل الاستيطانية تفاقماً مع تزايد خوف أعضاء الجماعات اليهودية من الهجرة إلى إسرائيل نتيجة الانتفاضة. وقد نشرت صحيفة معاريف (29/3/2002) أن حوالي رُبع ضحايا الانتفاضة (حتى أواخر مارس 2002) هم من المهاجرين الجدد (ونسبة المهاجرين من بين السكان لا تزيد عن 15%). ولذا ليس من الغريب أن تنشر جريدة معاريف (في عددها الصادر في 7 مايو 2001) أنه لن يهاجر إلى إسرائيل خلال العقد القادم سوى 300 ألف مهاجر من دول الكومنولث (مقابل حوالي 900 ألف خلال العشر سنوات الماضية)، وسيختار 200 ألف يهودي التوجه إلى دول أخرى. ويرى سالي ميريدور، رئيس إدارة الوكالة اليهودية، أن عدد المهاجرين من روسيا ومن دول الكومنولث سوف يتقلص تدريجياً خلال السنوات القادمة كنتيجة لتحسُّن الوضع الاقتصادي في روسيا والهجرة نحو الغرب وتدهور الوضع الأمني في إسرائيل. ويشير ميريدور (حسبما جاء في جريدة يديعوت أحرونوت) أنه وصل في عام 2000 إلى إسرائيل 60130 مهاجراً، مقابل 67766 مهاجراً كانوا قد وصلوا إليها خلال عام 1999 بانخفاض قدره حوالي 22%. ويرى التقرير أنه على ضوء الأحداث الأمنية خلال عام 2001 (أي الانتفاضة) فمن المتوقع ألا يصل إلى إسرائيل خلال هذا العام سوى 50 ألف مهاجر فقط. وقد ظهر فيما بعد أن عدد المهاجرين كان أقل من 50 ألفاً، وحسب بعض الإحصاءات لم يتجاوز العدد 30 ألفاً

ومن العناصر الأخرى التي تفاقم الأزمة الاستيطانية تزايد العرب بشكل ملحوظ. وقد بيَّن مركز أبحاث الأمن القومي في جامعة حيفا (حسبما جاء في جريدة يديعوت أحرونوت) أن 68% فقط من سكان الدولة العبرية داخل حدود فلسطين المحتلة قبل عام 1967 سيكون من اليهود في عام 2020، وذلك بعد أن يرتفع عدد العرب من 1,3 مليون (في الوقت الراهن) إلى 2,1 مليون، وقد جاء في البحث أن عدد سكان الضفة الغربية وقطاع غزة سيرتفع من 3 مليون إلى 5,8 مليون.

ويرى البروفيسور أرنون سوفر، الخبير الديموجرافي في مركز بيجين - السادات للأبحاث الإستراتيجية، أن العرب يشكلون حالياً (عام 2002) 49,5% من سكان الكيان الصهيوني المحتل قبل وبعد عام 1967 والضفة والقطاع، ولكنهم في عام 2020 سيشكلون 85%. ويعتقد قادة مركز أبحاث الأمن القومي أن البعد الديموجرافي والتكاثر الطبيعي المرتفع وسط السكان العرب داخل الكيان الإسرائيلي وخاصةً الضفة والقطاع سيقوضان الديمقراطية في الدولة العبرية ويهددان بخطر فقدان مناطق جغرافية مثل الجليل والنقب الشمالي.

 

ويسود الاعتقاد لدى الباحثين بأن الكثافة السكانية العالية ستجعل من الدولة الصهيونية دولة عالم ثالث وتتسبب في تدهور بيئي في كل أنحاء البلاد. والمتضررون الأساسيون سيكونون من السكان اليهود الذين يسكنون السهل الساحلي الذين قد يهاجرون من البلاد. وكذلك "ثمة إمكانية عالية أن يوحِّد السكان الفلسطينيون داخل الخط الأخضر والضفة والقطاع والأردن قواهم إلى درجة التقارب بينهم مما يمكنهم في قادم الأيام من العمل معاً إلى جانب أشقائهم في شرقي الأردن من أجل إقامة الدولة الفلسطينية الكبرى من البحر إلى الصحراء" (نشرة العودة 15/6/2001).

 

وهذا لا يختلف كثيراً عما جاء في مقررات مؤتمر "ميزان القوة والأمن القومي الإسرائيلي" (الذي عُقد في هرتسليا وحضرته شخصيات إسرائيلية أمنية وأكاديمية بارزة- حسبما جاء في صحيفة هآرتس 23/3/2001). وقد تم الحديث في هذا "المؤتمر العلمي" عن إمكانية نقل العرب وترحيل السكان خارج الحدود والعمل على اتخاذ خطوات تمنع زيادة نسبتهم.