الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

 

الطرق الالتفافية

 

ومن أهم علامات سقوط الإجماع الصهيوني بخصوص الاستيطان موقف مستوطني عام 1948 من الطرق الالتفافية. ومن المعروف أن المستوطنين الصهاينة ادعوا أن فلسطين أرض بلا شعب، وأنهم جاءوا لاكتشافها ولإصلاحها، ولكنهم بدلاً من ذلك اكتشفوا أن فلسطين أرض ليست عامرة بسكانها وحسب، بل إن سكانها هؤلاء مصممون على مقاومتهم وعلى الانتفاضة ضدهم المرة تلو المرة، وأخيراً على خوض المعارك العسكرية ضدهم.

 

ويبدو أن ضغط الواقع على الوجدان الصهيوني اضطرهم إلى تعديل شعارهم، فبدلاً من شعار "أرض بلا شعب" أصبح شعارهم "أرض لشعب بوسعنا الاستيلاء عليها، والاستيطان فيها دون رؤية أصحابها". ومن هنا كانت الطرق الالتفافية، وهي طرق تشقها الدولة الصهيونية تربط المستوطنات بعضها ببعض بعيداً عن المناطق السكنية العربية، فيتم تجديد طرق ترابية قديمة وشق أخرى، إضافة إلى فتح طرق سريعة تخترق مناطق الضفة الغربية المأهولة بالسكان من الشمال إلى الجنوب عبر وادي الأردن، بحيث يصبح المستوطنون الذين يعيشون وسط القرى والمدن العربية قادرين على التحرُّك دون أن يضطروا إلى مواجهة الفلسطينيين. ومن ثَمَّ يمكن القول إن الطرق الالتفافية تشكل سياجاً أمنياً حول المستوطنات، وفي الوقت نفسه تحوِّل التجمُّعات الفلسطينية إلى ثلاثة كانتونات منعزلة في شمال ووسط وجنوب الضفة الغربية محاصرة بالمستوطنات والطرق الالتفافية والمنشآت العسكرية، بما يضمن للدولة الصهيونية السيطرة الأمنية على تلك المناطق. وكل هذا يؤدي إلى الحيلولة دون إقامة دولة فلسطينية ذات كيان متكامل والعمل على جعل هذه الدولة جزراً مترامية الأطراف غير متصلة.

كما أن الطرق الالتفافية هي إحدى آليات التوسع الصهيوني، إذ يتم الاستيلاء على معظم الأراضي اللازمة لبناء هذه الطرق من خلال أوامر وضع اليد بدعوى الضرورة الأمنية (مما يجعل المُلاَّك الفلسطينيين غير قادرين على الاحتجاج ضدها)، ووضع اليد هذا هو إجراء أوَّلي يمهد للمصادرة النهائية.

 

وتؤدي هذه الطرق إلى إتلاف آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية وتدمير مئات المنازل وإلحاق خسائر فادحة، لأن هذه الأراضي مزروعة بكثافة بأشجار الزيتون، الأمر الذي يؤدي إلى تدمير مصدر رزق العائلات الفلسطينية الوحيد. كما يؤدي شق هذه الطرق إلى إعاقة نمو القرى الفلسطينية، والحد من قدرة البلديات الفلسطينية على توسيع الخدمات البلدية.

 

ولا تُبنى الطرق الالتفافية بشكل عشوائي أو تلقائي، وإنما هي جزء من المخطط الاستيطاني الصهيوني العام. وقد بدأ تشييد الطرق الالتفافية بشكل عملي في بداية الأمر مع الاستيطان الصهيوني، ومع ظهور أشكال من المقاومة الفلسطينية تصاعدت وتيرة تشييدها ثم بدأت تأخذ شكل مخطط استيطاني. ففي عام 1994 (أثناء حكم حزب العمل) أعلن الجيش الإسرائيلي نظاماً متكاملاً من الطرق الالتفافية. وقد بلغ عدد هذه الطرق عام 1996 حوالي عشرين طريقاً تغطي 400 كيلو متر، ولكنها وصلت في الوقت الحالي (مارس 2002) إلى 1275 كيلو متر.

 

ولا يزال شق الطرق الالتفافية مستمراً على قدمٍ وساق، وقد خُصِّص 150 مليون شيقل لإنشاء طرق التفافية جديدة، ولكن زئيف شيف (هآرتس 15/2/2002) بيَّن أن إجمالي المبلغ الذي يُنفق على شق الطرق الالتفافية هو في واقع الأمر 228 مليون شيقل لأن بعض الإنشاءات بدأت عام 2001. وبيَّن زئيف شيف أيضاً أن إسرائيل أنفقت على الطرق الالتفافية منذ اتفاقات أوسلو أكثر من 1.25 مليار شيقل لا تندرج في ميزانية وزارة الدفاع ولا في ميزانية وزارة العمل بل بالاحتياطي المالي لدى وزارة المالية، وكل صرف على طريق التفافي مسجل كنقطة نظام مالية منفصلة. وهكذا تختفي عن ناظر الجمهور المصروفات الكبرى على الطرق الالتفافية، ومعها أيضاً عملية اتخاذ القرارات في هذا الموضوع الهام.

 

والعائد الاقتصادي من هذه الطرق الالتفافية ضعيف إن لم يكن منعدماً. وقد كتبت الصحف الإسرائيلية عن "الطريق الموسيقي"، وهو طريق التفافي شُيِّد خصيصاً لطفل في إحدى المستوطنات الصهيونية كان يريد أن يأخذ دروساً في عزف الكمان في مستوطنة أخرى، وبطبيعة الحال كان لا يريد أن يمر من القرى العربية، فشُيِّد له هذا الطريق الموسيقي خصيصاً. وقد نشرت جريدة معاريف (24/3/2002) خبراً عن ذلك المستوطن الصهيوني الذي كان لا يريد السفر إلى عمله عبر الطريق الالتفافي والأكثر أمناً، لذلك وضع الجيش دبابة وعدة جنود ليرافقونه في ذهابه وإيابه، وتمر هذه القافلة عبر قرى عربية مزدحمة بالسكان، وكل ذلك من أجل أن يصل الشخص بسلام إلى عمله، من خلال الطريق التي تعجبه!

ولكن انتفاضة الأقصى فضحت أكاذيب الصهاينة وبدَّدت أوهامهم. فالشعب الذي غُيِّب من خلال الطرق الالتفافية عاود الظهور على شاشة الوعي الصهيوني، وإذا كان قد ظهر عام 1987 وهو يحمل حجراً فإنه يظهر هذه المرة وهو أكثر عزماً وإصراراً ويحمل مدافع الهاون وصواريخ الأقصى والقسام المصنوعة محلياً. وهم لا ينوون مضايقة المستعمِر وحسب، وإنما ينوون طرده، ولذا فهم يهاجمون مستوطناته وطرقه الالتفافية ويرسلون رسائل مسلحة إلى المستوطنين مفادها أن عليهم الرحيل عن أرض الفلسطينيين.

وقد علَّق زئيف شيف على السرعة الهستيرية التي تشيَّد بها الطرق الالتفافية في زمن الانتفاضة والحرب، فطرح ثلاثة احتمالات تفسِّر سلوك حكومة شارون: الأول هو أن هذه النفقات تعبِّر عن النية في عدم إخلاء الضفة الغربية أبداً، وكل الباقي هو ذر للرماد في العيون. والاحتمال الثاني هو أنهم قرروا تشييد شبكة طرق للدولة الفلسطينية التي ستقوم في الضفة الغربية، على أن يقوم دافع الضرائب الإسرائيلي بتمويلها. والاحتمال الثالث هو أن هيئة السلطة في إسرائيل تملكها الشيطان، دون أن يستطيع أحد وقف مسيرة السخافة. وتصل السخافة إلى درجة الكوميديا حين تعرف أن الحكومة الصهيونية تنشئ طرقاً التفافية حول الطرق الالتفافية. وهكذا تحوَّلت أحد الرموز الصهيونية الاستيطانية إلى نكتة.

 

ومن رموز الاستيطان الأخرى التي سقطت بفعل الانتفاضة حواجز التفتيش التي أقامها المستعمر الإسرائيلي. والهدف العملي المباشر من هذه الحواجز هو الحفاظ على أمن إسرائيل، خاصةً المستوطنين. ولكنه على مستوى آخر تشكل الحواجز جوهر سياسة العقاب الجماعي. فهذه الحواجز تضطر مئات الفلسطينيين للوقوف أمامها ساعات، وبالتالي تحول الرحلة التي تستغرق 20 دقيقة إلى رحلة طويلة تستغرق ساعات، فكأن الحواجز مثل الطرق الالتفافية تساهم في تقطيع أوصال الدولة الفلسطينية. وبسبب ساعات الانتظار الطويلة يخفق كثير من الفلسطينيين في الوصول إلى أعمالهم أو المستشفيات، مما يؤدي إلى حالات وفاة وإجهاض كثيرة.

 

وكان هناك هدف رمزي - كما يقول ميرون بنفنستي (هآرتس 7/3/2002) - هو أن تكون الحواجز رمزاً للسيطرة، فالسلطة الاستعمارية تقوم دوماً على أساس غطرسة بضع عشرات الآلاف من الجنود يسيطرون على حياة الملايين في ظل استخدام الحد الأدنى من القوة وبالاستناد إلى قوة الردع. فحواجز التفتيش ليست سوى معرض يؤكد من بيده القوة سيطرته على المحكومين، بل والتسبُّب في موتهم، بدون استخدام القوة الحقيقية تقريباً، بل من خلال الاستناد إلى مخاوف المحكومين وموافقتهم بالإكراه على العمل وفقاً لقواعد اللعبة التي يمليها وكلاء القوة. وكان من المفروض أن يصطف ألوف الفلسطينيين بخضوع وصمت في الطوابير المتعرجة بين مكعبات الأسمنت وأن ينحنوا بين الجنود.

 

والحواجز ترتبط برباط عميق بالمستوطنات وبأمنها وبطرق الوصول إليها. فعقلية مقيمي الحواجز، التي تقوم عل أساس الموقف الاستعماري من الفلسطينيين، هي ذات العقلية التي أقامت مشروع المستوطنات، التي تستند إلى تصور خلود بؤس الفلسطينيين ودونيتهم. هذه هي قواعد اللعبة، وقد صمدت السلطة الصهيونية طالما وافق المحكومون على التصرف وفقاً لما يُملى عليهم. ولكن الانتفاضة غيَّرت هذا "فقد تحطمت قواعد اللعبة" (كما يقول بنفنستي)، وأصبحت الحواجز هي نقطة الاحتكاك الأساسية بين جيش الاحتلال والسكان الثائرين، وتحوَّل الحاجز من ممثل للسيطرة إلى معقل للتمرد. ويتنبأ كاتب المقال "أن مئات الآلاف من الفلسطينيين الواقفين في الطوابير المتعرجة بين مكعبات الأسمنت سيرفضون الامتثال للأوامر أو الإنصات إلى التعليمات. عندئذٍ سينهار نظام الحواجز تماماً مثل مشروع الاستيطان، لأن الأحوال تغيَّرت: فالفلسطينيون هم الذين يديرون اليوم التمرد ضد الواقع، ولا يخضعون للمفاهيم العقلانية لعلاقات القوى التي تتنبأ بفشلهم".

 

ومن الشواهد الأخرى على تساقط الإجماع الصهيوني تحت ضربات الانتفاضة فكرة الفصل بين فلسطين المحتلة قبل عام 1967 وفلسطين المحتلة بعده. وقد وصف أمنون دنكنر (معاريف 29/3/2002) الحالة النفسية التي أدت إلى ظهور فكرة الفصل في مقال بعنوان "جدار الآن" قال فيه:

 

شوارعنا، مقاهينا، حافلاتنا، منازلنا محترقة ومكشوفة أمام المخربين الانتحاريين. الشاباك (جهاز الأمن الداخلي) يأتي بالمعلومات والجيش والشرطة يحرسون، يبادرون، يحيطون ولكن كل الجهود تذهب هباءً لأنه يوجد في شبكتنا الأمنية ثغرات كبيرة جداً والمخربون يواصلون التسلُّل والوصول والتفجير والقتل. إلى متى لا نفهم إن علينا أن ندافع عن أنفسنا وأن نتحصن ونحمي حياتنا. ثمة وسيلة واحدة فقط لذلك هي الفصل بواسطة جدار.

 

وقد تبدت فكرة الفصل هذه فيما يسمَّى خطة "تغليف القدس" التي اقترحها شارون، وهي تطوير لأفكار ومقترحات بدأت منذ سنوات طويلة. فمنذ حوالي عقد من الزمان، وبعد مقتل أحد الأطفال الإسرائيليين، أقيم جدار على طول شارع برزاني، ولكن هذا الجدار لم يوفر الأمن الجسدي الحقيقي لسكانه ولكن غرس فيهم الإحساس بالأمن. وأقيم جدار آخر منذ سنوات طويلة بين حي النبي يعقوب وضاحية البريد وفي أمجا طور القرية اليهودية العربية (هآرتس 29/1/2002). ثم انتهى الأمر بوقوع القدس داخل عدة أحزمة استيطانية.

ثم ظهرت خطة "الغلاف" والتي تقضي ببناء جدار طوله 11 كيلو متر في جنوب المدينة يضم حي جيلو جنوباً والحي الجديد المنوي إقامته "هارموحا" و"بسكات زئيف" و"النبي يعقوب" شمالاً إضافة إلى "جعفات زئيف" و"راموت" غرباً، وذلك لفصل المدينة عن قطاع بيت لحم. وتنص الخطة أيضاً على حفر خنادق وإقامة حواجز وأبراج حراسة ونقاط مراقبة ووضع كاميرات فيديو على طول خط التماس المحاذي لمدينة القدس واستخدام وسائل تشخيص متطورة مثل المجسات الحرارية وأجهزة الرؤية الليلية ووسائل لاسلكية وزيادة حجم قوات ما يسمَّى «حرس الحدود». ومن المتوقع أن تتكلف الخطة أكثر من 52 مليون دولار، ويفترض أن تتخذ هذه التدابير على امتداد حدود بلدية القدس بما فيها القطاع الشرقي الذي احتلته إسرائيل عام 1967، وهذه الخطة الجديدة تجعل حركة تنقل السكان الفلسطينيين بين رام الله إلى بيت لحم إلى القدس أمراً صعباً. (القدس 30/1/2002).

ويعلِّق أحد جنرالات جيش الدفاع الإسرائيلي قائلاً إن هذا الغلاف يجعل شارون "كمن ضرب 3 طيور بحجرٍ واحد" لأنه يحقق الأهداف الثلاثة الأساسية لشارون، وهي:

1 -  إثبات رؤيته الدفاعية عن القدس.

2 -  إحياء فكرة القدس الكبرى من باب خلفي (الأمن).

3 -  إجهاض الوجود الفلسطيني المتنامي في أبوديس.

وتُعدُّ أبو ديس واحدة من أكثر من 20 قرية خضعت للتقسيم بعد احتلال شرق القدس (وهو ما يُسمى "القدس الشرقية") عام 1967 على أساس أن تظل المناطق ذات الكثافة السكانية العالية خارج الخط الأخضر. وعلى مدار الأعوام القليلة السابقة استطاع الفلسطينيون تحويل أبو ديس إلى مركز قوة لهم بدءاً من إنشاء برلمان إلى إقامة مؤسساتهم المحلية والأمنية، حتى أن تأثيرهم امتد إلى الجانب الإسرائيلي من القرية، حيث لم يكن هناك وجود حقيقي سواء لجيش الدفاع أو الشرطة الإسرائيليين حتى أنه اقتُرح في وقتٍ ما إقامة ما سماه يوسي بيلين وأبو مازن "القدس الثانية". لكن الموقف انعكس تماماً بعد مجيء شارون برؤيته السياسية التي تقف جنباً إلى جنب لرؤيته العسكرية.. فاليوم انتهى تماماً الوجود الفلسطيني في أبو ديس وأُعيد انتشار قوات جيش الدفاع الإسرائيلي مرةً أخرى. (هآرتس 27/2/2002).

 

ويدرك الجانب الفلسطيني خطورة هذا التقسيم والتهويد غير المعلن، حيث سينتهي الأمر بإحكام إسرائيل سيطرتها على مساحة كبيرة من القدس بالإضافة للقدس القديمة كاملةً (حيث صادرت إسرائيل 33% من مساحة شرق القدس وجمدت 40% بُنيت عليها مستوطنات، وبذلك أصبح نحو 73% من المساحة تحت السيادة الإسرائيلية الكاملة) ومنح السلطة الفلسطينية عدة قرى فلسطينية صغيرة متفرقة تفصل بينها مستوطنات إسرائيلية، ومن ثَمَّ اعتبار ذلك حلاً نهائياً لملف القدس الشائك.

 

ومع هذا، وعلى الرغم من الحماس الذي قوبلت به خطة الغلاف في الدوائر الإسرائيلية فإن بعض مسئولي الأمن يرونها مكلفة للغاية، وتشكل عبئاً جديداً على الاقتصاد الإسرائيلي، وأنها - علاوة على ذلك - غير كافية لتحقيق أمن الشعب الإسرائيلي وتفادي الهجمات من خارج القدس. ولذا فعملية تغليف القدس ستنضم إلى عشرات من الرموز الاستيطانية الأخرى، التي سقطت بعد أن ثبت فشلها. بل إنه يمكن القول إن هذه العملية بالذات هي تعبير عن فشل أعمق، فهي تتضمن اعتراف بضرورة تقسيم القدس، وهو ما يتنافى مع الإجماع الصهيوني.