الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

 

 

 

 

 

رفض الخدمة العسكرية

 

من أهم آثار الانتفاضة، انتشار ظاهرة رفض الخدمة العسكرية والفرار منها، وهي ظاهرة جديدة/قديمة في المجتمع الإسرائيلي، قديمة من حيث إن التجمُّع الصهيوني عرفها من قبل عدة مرات، كان آخرها أثناء احتلال جنوب لبنان. وهي جديدة من حيث إنها ظهرت مرةً أخرى استجابةً لتصاعُد المقاومة الفلسطينية في الانتفاضة الحالية. وظاهرة رفض الخدمة العسكرية مرتبطة بظواهر أخرى مثل الانصراف عن الخدمة العسكرية والفرار منها.

 

وأحدث تجليات هذه الظاهرة وأكثرها حدة حركة "الشجاعة في الرفض" التي بدأت بأن أصدرت مجموعة من 50 ضابطاً وجندياً من جنود الاحتياط، وبعضهم ضباط في تشكيلات المظلات وغيرها من الوحدات الخاصة، بياناً تعلن فيه عن عدم استعداد الموقعين على البيان للخدمة في الضفة الغربية. وقد بدأ البيان بتأكيد أنهم "صهاينة مخلصون"، وأنهم كانوا من الأوائل في الدفاع عن إسرائيل، إلا إن الأوامر التي يتلقونها الآن لا تمت لأمن الدولة بأية صلة، أي أنهم يرفضون التصور الصهيوني للأمن الإسرائيلي الذي يمتد من النهر إلى البحر، والذي يضم كامل تراب فلسطين. ومن ثَمَّ فالجيش الإسرائيلي في الضفة، بالنسبة لهم، هو جيش احتلال لأن "الضفة الغربية ليست إسرائيل". ولذا فهم يعلنون أنهم لن "يشتركوا فيما يسمونه حرب سلامة المستوطنات"، وأنهم لن يواصلوا "القتل خلف الخط الأخضر بهدف السيطرة والطرد والهدم والإغلاق والتصفية والتجويع والإهانة لشعب بأكمله" (يديعوت أحرونوت 30/1/2002).

 

وحركة رفض الخدمة العسكرية، في وقت تعاظمت فيه المقاومة، تشكل خطراً حقيقياً على القدرة العسكرية الإسرائيلية. فهي تسمم الجيش الإسرائيلي من الداخل، وتؤدي إلى خفض المساهمة الكمية في الجهد العسكري (ناحوم يرنباع، يديعوت أحرونوت 28/1/2002).

 

وتتميَّز حركة رفض الخدمة بأنها ليست مجرد فعل فردي أو حتى اتجاه تلقائي عام، وإنما عملية جماعية منظمة وضعت هدفاً واضحاً لها: الضغط على الحكومة الإسرائيلية للانسحاب من الأراضي المحتلة بعد عام 1967. وقد قال أحد الرافضين إنه إن وصل عدد الموقعين إلى 500 سيكون على المؤسسة أن تختار بين الاحتلال وجيش الدفاع (هآرتس 31/1/2002). وقد لاحظت صحيفة الإندبندنت البريطانية (1/2/2002) أن الحركة "ثورة متنامية"، كما أكد أحد الكُتَّاب في يديعوت أحرونوت (3/1/2002) أن "العصيان الكبير سيأتي". أما يوئيل ماركوس (هآرتس 9/2/2002) فقد قال إن هذا التمرُّد قد يكون بسيطاً في بدايته، ولكنه يمكن أن يصبح عصياناً مدنياً وبداية الفوضى.

ويبدو أن هذه التوقعات آخذة في التحقُّق التدريجي، فقد ازداد عدد الموقعين حتى وصل إلى حوالي 420 (حتى كتابة هذه السطور في الأسبوع الثاني من أبريل 2002). ولكن يجب أن نضيف لهم ما يسمَّى "الرفض الرمادي"، وهذا يضم أعداداً كبيرة من جنود الاحتياط الذين يلجأون إلى تأجيل الخدمة العسكرية لأسباب صحية، أي أنهم يتمارضون، كما أعلن 400 جندي احتياط أنهم سيرفضون الخدمة إن تم استدعاؤهم. ولا شك في أن تجربة جنوب لبنان (عام 2000) لا تزال عالقة في أذهان الجميع، فحينما تصاعدت المقاومة ضد جيش الاحتلال تزايد عدد رافضي الاشتراك في العمليات العسكرية في لبنان، وعدد الرافضين لاحتلال الجيش الإسرائيلي جنوب لبنان، مما اضطر المؤسسة العسكرية والسياسية الحاكمة إلى الرضوخ في نهاية الأمر وقررت الانسحاب من طرف واحد. ولا يوجد ما يمنع من تكرر هذا النمط.

 

وقد عقدت مجلة نيوزويك (18/3/2002) مقارنة بين ما يحدث في إسرائيل وما حدث في جنوب أفريقيا. فقد رفض الجنود أن يخدموا في مدن السود فاستجابت الحكومة في البداية استجابةً عنيفة. ولكن مع تصاعد مقاومة السود ازدادت حاجة الحكومة لجنود بيض. فتزايد عدد الجنود البيض المعترضين، فحاولت الحكومة أن تخفف من حركة المقاومة بطرح أشكال بديلة للخدمة العسكرية. ولكن في نهاية الأمر اقتنعت الحكومة بعدم جدوى سياسة التفرقة اللونية وتفاوضت مع ثوار جنوب أفريقيا السود.

 

وبطبيعة الحال فقد قُوبل موقف الرفض هذا من جانب جنود الاحتياط الإسرائيليين باستجابةٍ عنيفة من المؤسسة العسكرية. فقد رفض الجنرال شاؤول موفاز، رئيس الأركان، عريضة الرفض. وقال إن الرافضين لا يمثلون مجمل الضباط والجنود الاحتياط. ومع هذا يبدو أن المؤسسة العسكرية تخشى توقيع أي عقوبات على الرافضين حتى لا تنتشر الظاهرة.

وقد تلقى الرافضون تأييداً كبيراً من الجماهير وبعض أعضاء النخبة في التجمع الصهيوني. إذ تلقوا حوالي ألفي خطاب على الإنترنت، كان من بينهم 70% من المؤيدين. كما حصلوا على مساندة عامي أيلون، الرئيس السابق للأمن الداخلي الإسرائيلي وعميد سابق في البحرية الإسرائيلية، الذي أعرب عن قلقه من قتل الأطفال الفلسطينيين غير المسلحين على أيدي القوات الإسرائيلية. كما بدأت بعض الجمعيات المعارضة للحرب، والتي كان قد خفت صوتها في مرحلة أوسلو، مثل جماعة "ييش جفول" أي "يوجد حدود"، في النشاط والحركة مرةً أخرى. وقد لاحظت ليلى جليلي (مراسلة هآرتس للشئون الحربية 31/3/2002) أن عدد المنظمات التي تعتبر رفض الخدمة جزءاً أساسياً من برنامجها آخذ في التزايد. وتشير الكاتبة إلى منظمات مثل "نشطاء الرسالة الثمانية"، وحركة "مظهر جديد"، و"تجمُّع دعم رافضي الضمير".

 

ولكن أكبر تأييد غير مباشر جاء من مجلس السلام والأمن الذي يضم حوالي ألف من كبار قادة الجيش والأجهزة الأمنية السابقين، إذ نادى المجلس بتبني خطة الفصل من طرف واحد وإخلاء العشرات من المستوطنات في الضفة والقطاع، وإنشاء دولة فلسطينية على أن تحتفظ إسرائيل بغور الأردن ومستوطنات جوش عتسيون وآرئيل والخليل وكريات أربع، ولا تشير الخطة إلى قضية القدس. كما أن أتباع حركة تعديل اليسارية اليهودية الأمريكية نشروا في الأسبوع الماضي بيان تأييد لرافضي الخدمة العسكرية في صفحة كاملة في صحيفة نيويورك تايمز (هآرتس 31/3/2002).

 

ولفهم أهمية ظاهرة رفض الخدمة العسكرية تجدر الإشارة إلى أن الدولة الصهيونية عندها جيش نظامي صغير، لأن الاحتفاظ بجيش نظامي كبير أمر مستحيل نظراً لصغر حجم الكتلة السكانية وحاجة الدولة الصهيونية للأيدي العاملة، وهي تعوِّض هذا النقص من خلال نظام الاحتياط. ولذا يتعين على جميع المستوطنين الصهاينة تأدية الخدمة العسكرية، حيث يمضي الذكور ثلاث سنوات من الخدمة النظامية، بينما تمضي الإناث 21 شهراً في هذه الخدمة. وبعد انقضاء هذه الفترة، يتعين على الرجال، وحتى سن التاسعة والأربعين، قضاء فترة من الخدمة الاحتياطية قد تتجاوز شهراً في السنة (لا توجد في إسرائيل خدمة مدنية بديلة للخدمة العسكرية). فالجنود الاحتياط ليسوا مجرد قوة إضافية أو هامشية، وإنما مكوَّن أساسي جوهري في قوة القمع الصهيونية. وكما قال أحد المعلقين: "كل الشعوب عندها جيش، إلا الشعب الإسرائيلي فهو جيش يمتلك شعباً".

ويمكننا الآن أن نطرح السؤال التالي: ما هي الأسباب التي أدَّت إلى ظاهرة رفض الخدمة العسكرية: هل هو استيقاظ ضمير المجندين؟ أم خوفهم من الهلاك؟ أم أن السبب هو أزمة بنيوية حاقت بالتجمع الصهيوني؟. إن تمعنَّا في الأمر سنجد أن الدافع وراء هذه الظاهرة ليس عنصراً واحداً، وإنما هو مركب من كل هذه الأسباب، ومن أهمها تصاعد معدلات العلمنة والأمركة والتوجه نحو اللذة، وهي اتجاهات تنامت في إسرائيل بعد عام 1967 وأدت إلى تحوُّل التجمُّع الصهيوني إلى مجتمع الثلاثة V (الفيديو والفولفو والفيلا)، وإلى ظهور "الروش قطان"، أي المستوطن المتوجه نحو اللذة ذو الرأس الصغير والمعدة الكبيرة، الذي يجيد الاستهلاك ولا يؤمن بأية مثاليات أو أيديولوچيات، بما في ذلك الأيديولوجية الصهيونية. مثل هذا المواطن لا يعرف كيف يضحي من أجل وطنه وكرامته، فهو ملتف حول ذاته، يريد أن يزيد من معدلات استهلاكه ورفاهيته، وهو بالتالي ينصرف عن الخدمة العسكرية ويفر منها.

 

ومن المعروف أن شارون طرح برنامج الحد الأقصى الصهيوني، الذي يلتزم بعدم التنازل عن غور الأردن أو إزالة المستوطنات أو تقسيم القدس أو عودة اللاجئين (معاريف 14/11/2001) أي أن خريطته مختلفة تماماً عن الخريطة الفلسطينية. ثم بدأ شارون بعد ذلك يتحدث عن بعث الروح القديمة: روح التقشف وتحمل المشقات التي تسم الرواد الصهاينة. وقال إنه سيقود الإسرائيليين في حرب بحيث يمكنهم دخول معركة تمتد لعدة سنين بل وربما عشرات السنين يردون فيها الصاع صاعين للفلسطينيين.

 

ولكن شارون (كما يلاحظ جاكسون دايل في الواشنطن بوست في 4/9/2001) من القادة الإسرائيليين الذين فشلوا في إدراك أن عقلية الكيبوتس القديمة قد ولَّت وذهبت، وأنه حل محلها مجتمع علماني مترف، مجتمع "الهاي تك"، الذي لن يقبل سنوات طويلة من الهجمات الانتحارية دون وجود أمل في تسوية دائمة. (نقلاً عن باري روبين الجيروساليم بوست 16/9/2001).

وهذا ما لاحظه أيضاً إتيان هابر، فهو يشير في مقال له (يديعوت أحرونوت 11/2/2001) إلى أن:

إن جيش الحفاة في فيتنام الشمالية قد هزم الأمريكيين المسلحين بأحدث الوسائل القتالية... ويكمن السر في أن الروح هي التي دفعت المقاتلين وقادتهم إلى الانتصار.. الروح تعني المعنويات والتصميم والوعي بعدالة النهج والإحساس بعدم وجود خيار آخر.

ثم يتساءل الكاتب: لماذا نتذكر ذلك الآن تحديداً؟ "لأنه من المهم أن نقول لليهود إنه ليس الشاباك (جهاز الأمن الداخلي) وليس إريك شارون هما اللذان ينتصران في الحرب ضد الفلسطينيين وإنما هي الروح.. نفس الروح التي ميزت دولة إسرائيل طوال سنوات جيل كامل ومكنتها من القتال من أجل حياتها. نفس الروح التي تبتعد عنا هذه الأيام". ويختم هابر مقاله بعبارة دالة: "الكآبة تكتنف دولة إسرائيل. ليلة سعيدة أيها اليأس"، وهي نفس العبارة التي اختارها عنواناً لمقاله.

 

وقد أدى التوجه نحو اللذة إلى تراجع الروح الاستيطانية الريادية القديمة، ولذا ينصرف المستوطنون الإسرائيليون عن الخدمة العسكرية ويفرون منها. وقد نشرت جريدة هآرتس (11/2/2002) أن الجيش الإسرائيلي يفكر جدياً في إغلاق المدرستين الثانويتين العسكريتين لأنهما تخفقان في اجتذاب الطلبة، كما أن نسبة خريجي المدرسة الذين يلتحقون بالجيش آخذة في التناقص. أي أن الشباب الإسرائيلي يعزف عن الخدمة العسكرية. وقد تقدمت قيادة الشرطة العسكرية، حسب قول الإذاعة الإسرائيلية، بطلب لزيادة مخصصاتها المالية من أجل إنشاء سجن حربي نظراً لتزايد عدد الفارين من الخدمة العسكرية. وأشارت الإذاعة إلى أن السجون العسكرية (الخاصة بالجنود من رافضي الخدمة والمخالفين للتعليمات) أصبحت ممتلئة، وذلك للمرة الأولى منذ عدة سنوات. وقد بينت جريدة ديلي تلجراف البريطانية (13/1/2002) أن هناك 600 جندي إسرائيلي محتجزون الآن في السجون الإسرائيلية عقاباً لهم على التهرب من أداء الخدمة العسكرية.

ومع ذلك تظل ظاهرة الفرار من الخدمة العسكرية هي أهم الظواهر التي تهدِّد المؤسسة العسكرية. وحتى نعرف أبعادها الحقيقية، علينا أن نشير إلى واحد من أهم إنجازات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وهو نجاحها في إقناع المجندين بعدالة القضية الصهيونية، وأن إسرائيل هي وطنهم الوحيد (وليس الأرض التي تم اغتصابها من الفلسطينيين)، وأن الجيش الإسرائيلي هو الذي يضمن لهم ولأهلهم ولشعبهم البقاء والأمن والطمأنينة. وبما أن حق البقاء حق إنساني مشروع أمكن للمؤسسة العسكرية أن تتوجه إلى حس المجندين الديني والخلقي والقومي، فمهمتهم القتالية لا تتناقض مع أنبل القيم الإنسانية، أي الدفاع عن النفس وعن الأهل وعن الوطن. خاصةً وأن الإعلام الإسرائيلي أقنع الجميع بأن الحروب التي تخوضها إسرائيل هي حروب دفاعية لا خيار للإسرائيليين فيها، فهي مفروضة عليهم فرضاً، من قوى خارجية شريرة عدوانية. ولذا كان الجيش الإسرائيلي الذي كان يضم الأراضي ويقتل الناس ويحرق الأخضر واليابس يسمَّى "جيش الدفاع الإسرائيلي". كما ظهرت شعارات مثل "طهر السلاح"، أي سلاح لا يُستخدم إلا في إطار أخلاقي محض، وليس إطاراً عسكرياً محضاً.

وفي هذا الإطار أصبحت الخدمة العسكرية وساماً يُعلق على صدر المجندين، وجواز مرور لأعلى الوظائف ولعضوية النخبة السياسية (وهذا نمط متكرر في كل الجيوب الاستيطانية التي يستند بقاؤها واستمرارها بالضرورة إلى قوة السلاح). وقد ساند كل هذا إطار أيديولوچي متماسك وانتصارات عسكرية باهرة (بأقل الخسائر) حتى عام 1967.

 

ثم توالت الضربات ابتداءً بحرب الاستنزاف، ومروراً بحرب 1973، وحرب لبنان، وانتفاضة 1987، والانسحاب من جنوب لبنان، وقد وصل هذا المنحنى إلى قمته في انتفاضة الأقصى والاستقلال. وقد أدى هذا إلى اهتزاز صورة الجيش، وإلى تراجع مكانته وتزايد الانتقادات الموجهة ضده، كما أدى إلى تزايد الوعي بين الإسرائيليين بأن فلسطين ليست أرضاً بلا شعب كما أقنعتهم قياداتهم. وبيَّن تكرار الحروب والمعارك خارج حدود إسرائيل والانسحاب والهزائم أن الحروب الصهيونية ليست حتمية، وإنما هي حروب توسعية تتم بمحض اختيار المؤسسة العسكرية. كما أن الإطار الأيديولوجي الصهيوني قد أخذ في التآكُل، ولم تعد الصهيونية هي الرؤية التي تفسر للمستوطنين الصهاينة حاضرهم (وماضيهم ومستقبلهم)، وإنما أصبحت عبئاً يطرح عليهم حلماً مستحيلاً، وهو حلم الاستيلاء على أرض الغير والاستقرار فيها دون قتالٍ أو منغصات.

وقد أصبحت الخدمة في الجيش بالنسبة للكثير من الإسرائيليين عبئاً اقتصادياً كبيراً إذ يُفصل كثير من المجندين من أعمالهم بعد أدائهم خدمة الاحتياط في الوقت الذي يُعفى فيه طلبة المدارس الدينية من الخدمة العسكرية وتغدق عليهم المعونات ليستأنفوا دراستهم.

ولكن أهم العوامل، بطبيعة الحال، هو إحساس المجندين بأنه لا جدوى من الاستمرار في الحرب. وكما قال المعلِّق الإسرائيلي يوئيل ماركوس في صحيفة هآرتس (19/2/2002):

نحن نستخدم الطائرات من طراز F16 فوق غزة، ونسقط قنابل زنتها طن (وهو ما يعادل 4 صواريخ سكود العراقية). ويطرح قائد القوات شعار: كل صدام مع الفلسطينيين لابد أن ينتهي بانتصار إسرائيلي. ومن الواضح أنه فشل تماماً في تنفيذ شعاره هذا. ورغم أن الجيش الإسرائيلي واحد من أقوى جيوش العالم، فقد أصبحنا غير قادرين على الحركة السريعة. فالعمليات العسكرية السريعة لم تعد حكراً علينا، إذ تعلَّم الفلسطينيون كيف يفاجئوننا بعمليات رفيعة المستوى (كما يقول التليفزيون الإسرائيلي). فبينما نعد القنابل، يرشنا إرهابي في إحدى مراكز التسوق بمدفعه. إن سلاح الفلسطينيين السري هو الانتحاري المتفجر، ولم يعد التطوع للقيام بالعمليات الانتحارية مقصور على المتعصبين الدينيين. فالاستشهاديون [هكذا في الأصل] يأتون الآن من صفوف فتح.

 

ومن أهم أسباب رفض الخدمة العسكرية الأخرى الخوف من الموت، وهذا الشعور موجود عند كل البشر، ولذا فكل المجتمعات الإنسانية، وكل رؤى الكون تحاول دائماً أن تقدم تفسيراً لظاهرة الموت، وكيف يمكن للبشر التعامل والتصالح معها. فالديانات السماوية تتحدث عن عالم آخر يتم فيه عقاب المذنب ومكافأة المثيب، وما الموت سوى بوابة العبور إليه. والعقائد العلمانية القومية تعد المرء بالاستمرار (والخلود) من خلال الأمة والأرض والوطن، ولذا فالموت من أجل الوطن هو تضحية بالذات من أجل هدف أسمى، فهو ليس بفناء كامل.

ولكن مع عدم وجود أي إطار ديني أو أيديولوجي يصبح الموت نهاية عبثية عدمية، ويتزايد الخوف منه. وهذا ما يحدث في الأرض المحتلة، فالجنود الإسرائيليون - ومعظمهم، كما أسلفنا، علمانيون لا يؤمنون بالآخرة، ومتوجهون نحو اللذة، لا يؤمنون بأية مثاليات قومية - في حالة خوف شديدة من المنتفضين، فالانتفاضيون يدفعهم الإيمان بالله وبالوطن، أما الجندي الإسرائيلي في الضفة الغربية فهو لا يؤمن إلا بالرغبة في البقاء. وقد ورد في صحيفة يديعوت أحرونوت (10/11/2000) أن معدلات الخوف بين المستوطنين الصهاينة في إسرائيل بلغت 75% في مطلع أكتوبر 2001، زادت إلى 86% في منتصف أكتوبر، ثم إلى 87% في مطلع نوفمبر. ولا شك في أن تصاعد معدلات الخوف مرتبط تمام الارتباط بتصاعد متوسط الخسائر البشرية في صفوف القوات الإسرائيلية التي زادت، كما أسلفنا، من 4 - 5 شهرياً في الفترة من عام 1992 إلى عام 1995، وانخفضت إلى 3 في الفترة من عام 1999 إلى عام 2000، ولكنها قفزت إلى 17 شهرياً منذ عام 2001، أي إبان حكم شارون.

وقد اكتشف الجندي الإسرائيلي أنه بالرغم من معداته القتالية الفائقة، ومن التدريب المكثف الذي يتلقاه، فإنه أصبح صيداً سهلاً، وهذا يتضح في نسبة الجنود والمستوطنين الذين سقطوا صرعى في العمليات الاستشهادية (وهي العمليات التي صرح رابين بأنه لا يوجد رد عسكري عليها).

ومما يزيد من إحساس جنود الاحتياط بعبثية موقفهم، وعبثية التضحية من أجل "الوطن" عدم اكتراث القيادة العسكرية بهم. وكما جاء في صحيفة معاريف (23/3/2001) "قام 100 ضابط ومقاتل بالاحتجاج على انعدام المساواة في توزيع الأعباء، كما اشتكوا من نقص الوسائل القتالية وانعدام الحماية الملائمة، وعدم تلقي التدريبات الكافية والتجهيزات اللازمة لحمايتهم واضطرارهم إلى تأدية الحراسة دون ارتداء السترات الواقية. ولذا انتشرت ظاهرة جديدة في أوساط الجيش الإسرائيلي وهي قيام الجنود الذين لهم إمكانيات مالية جيدة بشراء سترات وخوذ دفاعية للدفاع عن أنفسهم. وقد كشفت الإذاعة الإسرائيلية في قناتها الثانية أن هذه السترات الواقية تصل أسعارها إلى 1200 دولار للسترة الواحدة، وأن هناك الكثيرين الذين يشترونها من بين جنود الاحتياط، كذلك هناك من هم على استعداد لوضع تجهيزات دفاعية خاصة لسياراتهم (هذا في الوقت الذي يعاني فيه الفقراء من جنود الاحتياط من الجوع. فقد صرح أحد الضباط أن بعض جنود الاحتياط لا يأخذون أية إجازات لأنه لا يوجد طعام في منازلهم!). "وقد لوحظ أن عدد المستوطنين الصهاينة من المدنيين الذين تقدموا بطلب ترخيص بحمل السلاح قد تزايد، كما تزايد معه عدد الذين يبحثون عن العلاج النفسي" (يديعوت أحرونوت 18/3/2002).

 

وقد وصفت جريدة معاريف (4/11/2001) حياة الجنود في الدبابات بأنه جحيم لا يُطاق، فالأوامر الصادرة لهم تتضمن البقاء داخل الدبابة طوال الفترة المحددة لهم دون الخروج منها، بل إنه صدرت أوامر لهم تحظر عليهم حتى النظر من فوهات الدبابة خوفاً من تعرضهم لرصاصات طائشة تأتيهم من المناطق المحاصرة. كما لا يستطيع الجنود الخروج من الدبابة لقضاء حاجتهم كالذهاب إلى مرحاض أو إلى حمام، وذلك خوفاً من تعرضهم لقناص فلسطيني ينتظر خروجهم من الدبابة. وأوضح التقرير أن الجلوس لفترة طويلة داخل دبابة مع الشعور بالخوف من المحيط المتواجدة فيه الدبابة يجعل الجنود في قلق دائم بحيث ينتظر الجندي بفارغ الصبر انتهاء ورديته للخلاص من هذا الجحيم الذي لا يُطاق. وأضاف التقرير أن وجود الجنود داخل الدبابة واحتكاكهم طوال الوقت مع بعضهم البعض يسبِّب مضايقات لهم حتى إن نفسية الجنود أصبحت منهارة، وأصبحت العلاقة بينهم تتسم بالمشاحنات والمشاجرات، هذا إلى جانب الملل والضجر الشديدين.

ولا شك في أن انشطار الدبابة "مركبا 3"، وهي أكثر الدبابات تحصيناً في العالم، قد رسَّخ الخوف في قلوب الجنود. وقد عبَّر هذا الخوف عن نفسه في كثير من الحوادث لعل من أهمها ما حدث في مستوطنة الحمرا حين قام أحد الاستشهاديين الفلسطينيين بعملية أدت إلى مصرع وإصابة 9 إسرائيليين. فقد ظهر (حسبما جاء في معاريف 10/2/2002) أنه حينما وصل تحذير إلى الحارسين الإسرائيليين من أن استشهادياً سيقتحم المستعمرة خشيا على أنفسهما ولم يبلغا عن ذلك. وحينما التقى الجنود الإسرائيليون بالاستشهادي لم يشتبكوا معه وفروا من أمامه، بل وقال أحدهم بصراحة بالغة: "حين بدأ القتال اختبأت تحت السيارة".

 

ومن أهم أسباب رفض الخدمة العسكرية، إدراك الجنود لمدى وحشية القمع الصهيوني للفلسطينيين. وقد ذكرنا من قبل أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية نجحت في إقناع المجندين أنهم يدافعون عن وجودهم الفردي والقومي، وأنهم يدخلون في حروب دفاعية متتالية بسبب لاعقلانية العرب وشراستهم. والرؤى الأيديولوجية عادةً ما تكتسب استقلالاً عمن يصوغها بحيث يصبح لها منطقها الخاص وتؤدي إلى نتائج غير مقصودة. وهذا ما حدث في هذه الحالة، فجنود الاحتياط الذين غُسلت أمخاخهم بهذه الاعتذاريات الصهيونية الأخلاقية المصقولة، استقوا منها معايير للحكم على ما حولهم. وحينما أرسلوا إلى الضفة الغربية قاموا بالحكم على أفعالهم وعلى قياداتهم بهذه المعايير.

وكما قال أحدهم: "نحن نقوم بحماية حفنة من المستوطنين الموتورين الذين يستخدمون الجيش لأغراضهم الذاتية في الربح المالي أو الديني، ونحن علينا أن نساندهم ونرضيهم، ومن أجلهم نسلب حقوق الشعب الفلسطيني ونصبح جيش احتلال بشعاً بدلاً من أن نكون جيش دفاع" (الشرق الأوسط 13/1/2002). ولكن - على حد قول أحد الرافضين - "إن كنت محتلاً، فلا يمكن أن تتسم بالرحمة، فالقسوة هي الشيمة الحتمية للمحتل" (الإندبندنت 4/2/2002). وقال آخر: "تربينا على أن نكون ضباطاً أنقياء كالبللور، وحولونا إلى غزاة فاشيين يريقون الدماء ويرتكبون جرائم الحرب" (هآرتس 13/1/2002). وقال ثالث: "لا أسمح لنفسي بأن أقمع جمهوراً من الجوعى. لقد دربوني في الجيش على القتال، ولست مستعداً لأن أواجه أطفالاً ونساءً وشيوخاً بالسلاح" (الشرق الأوسط 31/1/2002).

 

ولا أدري مدى صحة أقوال هؤلاء الجنود، هل تم فعلاً غرس قيم قتالية سامية فيهم مثل طهر السلاح؟ من خلال قراءتي للصحف الإسرائيلية تظهر صورة مغايرة تماماً، ففي مقال نُشر في هآرتس (25/1/2002) بقلم أمير أورين يشير فيه إلى أن أحد الضباط نصح المتدربين أن يستعدوا للحرب في المدن الفلسطينية بأن يتعلموا كيف نجح النازيون في إضعاف جيتو وارسو (الذي وضع فيه معظم أعضاء الجماعة اليهودية) وفي تدميره في نهاية الأمر.

وفي مثل آخر: حاول أحد مندوبي سلاح المشاة أن يقنع طلبة الصف الثاني في المدرسة الثانوية في القدس أن ينضموا لوحدته فوعدهم بأن من ينضم إلى الوحدة "سيمكنه أن يأخذ صوراً مع جثث (حقيقية)" (اقتبسها كوليت أفيتال، عضو الكنيست من كول هازمان نوفمبر 1002، في مقال نُشر في الجيروساليم بوست 7/2/2002).

وقد أشار رامي كفلين (يديعوت أحرونوت 12/2/2002) إلى تأثير الأيديولوجية التي تُشاع في الجيش الإسرائيلي، والتي "تبين أن العرب أعداء سفلة ومتآمرين غرباء".. فهي أيديولوجية "تنزع عن العرب الإنسانية". و"تنمي التعطش إلى الدم.. الغريزة الدفينة في الإنسان حين تتوفر له المقدرة على الفساد". ثم يضيف:

حين كنت قائد فصيل مدرعات في لبنان عام 1996"، كان المعيار المستخدم للحكم على الفصيل ليس "الحفاظ على أمن مستوطنات الشمال بل كمية "الآذان" التي يجلبها الجنود. الجندي الذي يحظى بالتقدير الأكبر هو الذي يكثر من القتل. من الصعب تصديق ذلك اليوم، ولكني حينذاك علَّمت جنودي بوضوح عدم أسر مقاتلي حزب الله بل إطلاق النار على الجرحى، على فرض أن أجسادهم مفخخة. هذا التفسير هو الذي قُدِّم لي وقدَّمته، ولم أكلف نفسي عناء التفكير به ولو للحظة رغم أنني عرفت جيداً مصطلح "طهارة السلاح" وفكرة عدم إطلاق النار على الأسرى. هذه المصطلحات لم تنطبق، على نحو ما، على الواقع الذي كنت موجوداً فيه. والدليل على أن هذا كان عُرفاً عامّاً أنه في السنوات الأخيرة لم يؤسر ولو مقاتل واحد من "حزب الله".

 

الحرب أمر مروع. وحين ينجح الجنود في إنجاز مهامهم، يجب أن يبلوروا لهم وعي الحيوان المفترس. والجيش يعرف بالضبط كيف يفعل ذلك. هذه مهمته!

أما الملازم أبشاي ساحي فقد قال إنه طُلب منه أن يطلق النار على أي فلسطيني يلقي الحجارة عليه. "ولم يكن هناك أي تحديد لهوية الفاعل سواء أكان طفلاً أو امرأةً أو كهلاً، ولم تكن هناك تعليمات بخصوص أي جزء من جسم المستهدف نطلق عليه النار". أي أن الحديث عن طهارة السلاح وعدالة القضية والدفاع عن النفس كان حديثاً ليس له وجود، أو لعله كان يوجه لبعض الشباب الإسرائيلي السذج "المثاليين".

لقد كانت محاولة قمع المدنيين الفلسطينيين تجربةً مفزعةً بالنسبة لكثير من جنود الاحتياط بسبب ما قامت به القوات الإسرائيلية من أفعال وحشية. وإذا نظرنا إلى شهادات رافضي الخدمة بخصوص ما يقع في الضفة الغربية والقطاع، سنجد صورة في غاية البشاعة. فعلى سبيل المثال كتب يوري دان (الجيروساليم بوست 7/2/2002) أن أحد الجنود صرح بأن الرصاص الذي كان يطلقه كان يخترق حوائط ونوافذ لا يعرف من وراءها. أما ضابط الاحتياط ديفيد زونشين فقد قال: "يتطلب منك الأمر فجأة أن تفعل أشياء لم يُطلب منك أن تفعلها [أي أن طبيعة الموقف تفرضها]: تطلق النار على الناس، توقف عربات الإسعاف، تدمر منازل لا تعرف من يقيم فيها".

 

ولكن هذا قليل من كثير. فقد اعترف أحد الجنود الإسرائيليين في القناة الثانية الإسرائيلية أنه شهد بنفسه الجنود الإسرائيليين وهم يتنافسون فيما بينهم على تحديد من هو أكثرهم قدرة على قتل أكبر عدد من الفلسطينيين، ثم يتفاخر أحسنهم بعد ذلك بالنسبة التي أحرزها. ثم أضاف أنه رأى أحد زملائه يطلق النار في رام الله على طفل فلسطيني في العاشرة من عمره دون أي سبب واضح. كما قال إن الجنود الإسرائيليين كانوا في بعض الأحيان يقومون بتحطيم رؤوس الفلسطينيين على الأسفلت بعد القبض عليهم ووضع الأصفاد في معاصمهم. وهناك كذلك حوادث سرقة كثيرة. وفي إحدى المرات اصطدمت سيارتان فلسطينيتان فتجاهل الجنود الإسرائيليون الجرحى وأخذوا في خلع أجهزة الستريو من السيارتين وسرقتهما.

بيد أن اعترافات الجندي عاموس هي أكثر الاعترافات شمولاً، فقد قال:

كنا نتسلى بمنع عربات الإسعاف التي تحمل المرضى والجرحى من المرور. ولقد رأيت أشخاصاً يموتون بسبب الفشل الكلوي والأزمة القلبية، ورأيت بعض الحوامل يقضين حتفهن أثناء الولادة. كنا نستيقظ أحياناً في منتصف الليل ونركب دبابة مع جنود آخرين، وندخل في المدن والقرى الفلسطينية قبل بزوغ الفجر ونمطر الأسر الفلسطينية النائمة في منازلها بالقذائف.

وأحياناً كنا نقوم بغارات قبل الفجر ونندفع داخلين في منازل الفدائيين لنلقي القبض عليهم أو لنقتلهم أمام أعين زوجاتهم وأطفالهم. وأحياناً أخرى كنت أقود بلدوزر إسرائيلي لأحطم منازل (وأحلام) قاطنيها، وأحياناً أخرى كنت أجتث أشجاراً استغرق نموها عدة أجيال، وكم كنت أحب إتلاف الأرض الزراعية. وكنت أحياناً أطلق الرصاص الحي على المتظاهرين المسالمين. لكن أكثر الأعمال التي كنت أحبها هو إطلاق النار على الأطفال الفلسطينيين الذين يتجاسرون على إلقاء الحجارة عليَّ. في هذه الحالة كنت أصوب رصاصي على رؤوسهم وقلوبهم، ثم أتفاخر بأنني قتلت الكثيرين وأصبت عدداً أكبر بعاهات مستديمة، فقد كنت أؤمن إيماناً جازماً بأن حياة إسرائيلي واحد تساوي حياة ألف فلسطيني. وإن أبدى الفلسطينيون أي شكل من أشكال المقاومة كنا نلجأ للعقاب الجماعي!

ودعايتنا الصهيونية في غاية الكفاءة. لقد أقنع الإسرائيليون العالم أننا نحارب دفاعاً عن أنفسنا ضد عدو فلسطيني لا يريد سوى أن يقذف بنا في البحر. ولكن الأشياء ليست كما قد تبدو. إن العالم لا يعرف أن الإسرائيليين هم الذين يحاولون إبادة الشعب الفلسطيني. ونحن بمقدورنا أن نفعل ذلك بسهولة ويسر بسبب دعم أصدقائنا الأمريكيين الذين يساعدوننا بغض النظر عما نقوم به ويعطوننا خمسة بليون دولار كل عام ويزودوننا بآخر الأسلحة والطائرات. نحن لا نريد السلام فنحن نريد المزيد والمزيد من الأرض العربية حتى تصل إمبراطوريتنا إلى منتهاها.

 

ولكن، أنا عاموس، الجندي الإسرائيلي، الإرهاب لعبتي، والقتل اسمي، لا أشعر بأي ندم على ما فعلت لأن روحي ماتت، وأعرف أنه لا يوجد أي مجال لأن أنال الخلاص.

إن كلمات عاموس الساخرة المريرة هي أصدق تعبير عن استجابة جنود الاحتياط لما يُرتكب من بشاعات. وما لا شك فيه أن بشاعة المهام المناطة بهم أصابت عدداً منهم بالفزع والاشمئزاز، مما دفعهم إلى رفض الاستمرار في هذه الأفعال الوحشية غير الإنسانية.